الأحد، سبتمبر ٠٢، ٢٠٠٧

الوهم الثاني

(2) وهم إمكان الاعتماد على الخبرات السابقة

الوهم الثاني، هو وهم الاعتماد على الخبرات السابقة في حلّ مشاكلنا الحالية . و معظم التخبّط الذي يعيشه العالم العربي، يعود إلى عدم القدرة على التمييز بين أوراق الماضي الذي انقضى، و بين أحوال المرحلة الانتقالية الحاضرة التي نعيشها، و بين مؤشّرات المستقبل الذي نمضي إليه .
الحدّ الأدنى في هذا المجال، أن يفهم المفكّر العربي خصائص كلّ من مجتمع الزراعة الذي عشنا واقعه لآلاف السنين و ما زلنا نقع في أسره بالنسبة للكثير من قيمنا و أفكارنا و عاداتنا . و خصائص مجتمع الصناعة الذي سادت قوانينه على مدى ما يزيد من قرنين معظم دول العالم، سواء التي تحوّلت من الزراعة إلى الصناعة أو التي خضعت لاستعمار الدول الصناعية . و أخيرا، التمييز بين ذلك كلّه، و بين واقع مجتمع المعلومات الذي بدأ يفرض نفسه على حياة البشر، منذ ما يقرب من نصف قرن .. بدون هذا التمييز، لن يتمكّن المفكّر العربي من قراءة الأحداث الجارية، و فهم مغزاها .
و حتّى القلّة التي تعترف بزحف حقائق مجتمع المعلومات على حياتنا، كثيرا ما تقع في استخلاصات خاطئة، نتيجة لتطبيق أفكار و مبادئ و عقائد و فلسفات عصري الزراعة و الصناعة المنصرمين، على مجتمع المعلومات الذي يسود البشر حاليا .
تحيّة العلم، و طابور الصباح !
أذكر أن أحد وزراء التعليم، من الذين يحلو لهم التحدّث عن مجتمع المعلومات و تكنولوجيا المعلومات، أدلى بتصريح عند بداية تولّيه للوزارة، جاء نموذجا للخلط بين القديم و الجديد .
تكلّم الوزير عن أهميّة إصلاح التعليم، و تخليصه من التلقين، و تنقية الكتب المدرسية من الحشو الزائد عن الحدّ .. ثم قال بعد ذلك، ربّما متأثّرا بفاشستية منظمة الشباب التي ترعرع فيها معظم طاقم الوزراء عندنا، أنّه ينوي إعادة الانضباط إلى المدرسة المصرية، موضّحا كيف سيعيد إلى المدارس تحيّة العلم و طابور الصباح و النشيد الجماعي ! ..
لم يستطع الوزير أن يميّز بين تعليم عصر الصناعة، و بين التعليم المنشود لعصر المعلومات . و قد خلط بين التوجّهات السليمة للتعليم في عصر المعلومات، كتخليصه من التلقين الذي تقتضيه طبيعة الحياة في مجتمع المعلومات، و الذي يستهدف تعويد التلميذ على إعمال العقل، لكي يكون مؤهّلا لدخول مجال العمل العقلي الذي يسود عمالة مجتمع المعلومات . خلط بين هذا و بين سمات التربية و التعليم في عصر الصناعة، التي عرفنا فيها تحيّة العلم و طابور الصباح و النشيد الجماعي، و هي مع غيرها من مقوّمات عصر الصناعة تستهدف زرع النمطية التي يستلزمها الإنتاج في المجتمع الصناعي، و تقوم على فهم العمل باعتباره مجموعة من المهام الروتينية البسيطة المتكرّرة، التي لا تستدعي إعمال العقل و تشغيله .
صرح الصناعات الثقيلة !
و في مؤتمر شاركت فيه عن مستقبل الإدارة في القرن الحادي و العشرين، وقف وزير الصناعة متحدّثا عن ضرورة اللحاق بركب الدول الصناعية المتطوّرة، ثم أعلن عزمه على البدء في إقامة صرح للصناعات الثقيلة، باعتبار أن هذا هو هدف مصر الصناعي في القرن الحادي و العشرين ! .
كنت أتصوّر أنّه سيتحدّث عن خطط وزارته و استراتيجيتها للبدء في إدخال الصناعات المعلوماتية الجديدة، التي ستحلّ محل الصناعات الثقيلة التي أخذ بها المجتمع الصناعي، رغم غلظتها و استنزافها للمواد الخام و الطاقة و تلويثها للبيئة . توقّعت منه أن يتحدّث عن تشجيع الصناعات الصغيرة القائمة على التكنولوجيا الإلكترونية المتطوّرة، و نشر هذه الصناعات على أنحاء البلاد و إنهاء تكدّس المدن في المناطق و التجمّعات الصناعية، على أساس الاستفادة من مصادر الطاقة الجديدة و المتجدّدة أينما وجدت . انتظرت أن يحدّثنا عن خططه للتدريب التحويلي، الذي يجب أن نخضع له العمالة الحالية، لكي تتحوّل من عمالة عضلية إلى عمالة عقلية، تحسّبا لمواجهة البطالة البنيوية الشاملة، التي تأتي بها التحوّلات الحالية في مجالات العمل و الإنتاج و الاقتصاد
لقد خلط الوزير بين أوراق الماضي و المستقبل

خلط في شعارات الوحدة و الديموقراطية

و نتيجة لخلط أوراق و أفكار و عقائد الماضي بالمستقبل، نجد من يخلط بين مقتضيات قيام المجتمع الصناعي التاريخية، و ما استوجبته من توحيد للكيانات السياسية الصغيرة في كيان كبير، لخدمة اقتصاد عصر الصناعة، و بين بقايا أحلام بعض العرب بقيام وحدة اندماجية سياسية و اقتصادية بين الدول العربية، لمواجهة أعداء الأمّة العربية، على نسق ما جرى في إيطاليا على يد غريبالدي، و في ألمانيا على يد بسمارك، و في بعض الدول الصناعية الأخرى، في الشرق و الغرب .. و يتواضع البعض الآخر ليطالب بنوع من الاتحاد، يشبه الاتّحاد الأوروبي المعاصر .
هذه الأحلام و المطالبات تكشف عن خلط بين أوراق الماضي و المستقبل .
الفاهم لطبيعة التحوّل السياسي في مجتمع المعلومات، يدرك أن أيّ تجمّع حالي بين كيانات اجتماعية أو سياسية، لا يمكن أن يتم على النسق الهرمي الذي التزم به المجتمع الصناعي كأساس تنظيمي للدولة القومية . بل على العكس من هذا، تفرض طبيعة مجتمع المعلومات أن تقوم الكيانات الأكبر على أساس التنظيم الشبكي، وفقا للمصالح المتبادلة بين الأطراف، و طالما استمرت تلك المصالح قائمة .
سينجح الجهد الحالي لإقامة الوحدة الأوروبية، بقدر ما يسود هذا الفهم بين الدول و الشعوب الأوروبية .. فنحن لسنا بصدد إقامة نظام ولايات أوروبية متحدة، على نمط الولايات الأمريكية المتحدة
.
و إلى الوهم الشائع الثالث، في الرسالة التالية .
راجي عنايت

الجمعة، أغسطس ٣١، ٢٠٠٧

الوهم الأول



(1) وهم التصدّي المنفرد للمشكلة

وهم إمكان التوصّل إلى حلول باقية للمشكلة بالتناول المباشر، دون التعرّف على أبعادها و ارتباطاتها، من الأوهام الشائعة التي نلمسها يوميا في تصريحات المسئولين و رجال الأحزاب، في الجرائد و المجلاّت و التلفزيون و الإذاعة، و الندوات و المؤتمرات .. و دعونا ننظر إلى نموذج متكرّر لهذا الوهم، في مجال مشاكل المرور، و ما يترتّب عليها من ضياع للجهد و الوقت و الطاقة، بالإضافة إلى المزيد من تلويث البيئة . و دعونا نتأمّل كيف يجري التفكير في محاولات حلّ هذه المشكلة، بإقامة الكباري العلوية و حفر الأنفاق، لنكتشف بعد قليل أن ذلك الحل قاد إلى تدفّق المزيد من السيارات على الطرق، و أنّها قد فتحت شهيّة الجمهور إلى اقتناء المزيد من السيارات .
مثل هذه الحلول الجزئية المباشرة لا يمكن أن تعالج جذور المشكلة، ذلك لأن حلّ هذه المشكلة يرتبط بعديد من الجوانب التي قد لا نتصوّر علاقة بينها و بين مشاكل المرور .. و التي منها :
المركزيّة الممعنة :
في مصر، ما زلنا نأخذ بالنظام البيروقراطي المركزي، و بالتسلسل الهرمي للرئاسات، في جميع مؤسّساتنا الحكومية و العامة، و في العديد من الخاصّة أيضا . و هكذا تركّزت قيادات ضروب النشاط الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي في القاهرة . صاحب المصلحة ـ أيا كانت تلك المصلحة ـ لا يستطيع أن يبتعد عن قلب القاهرة، حيث تتركّز مراكز اتّخاذ القرار، لكي يكون مطمئنا على متابعة إنجاز أعماله، و حيث تتركّز الخدمات الأساسية و وسائل الترفيه الأكثر جذبا .
محاولاتنا في مجال الحكم المحلّي، و الإدارة المحلّية، لم تصادف نجاحا ملموسا نتيجة لتلك المركزية الممعنة، التي تأبى أن تعيد النظر في نفسها، حتّى بعد أن تخلّت معظم الدول و المؤسّسات المتطوّرة عن النظام المركزي، لتناقضه مع طبيعة و احتياجات مجتمع المعلومات .
اتصل، و لا تنتقل :
مع تطوّر تكنولوجيات الاتّصال و المعلومات، ظهر شعار " اتّصل و لا تنتقل " . إذا كان بإمكانك أن تنجز عمل ما، و أنت جالس في مكتبك أو منزلك، بالاعتماد على وسائل الاتّصال المختلفة من تليفون إلى فاكس إلى كمبيوتر و إنترنيت، فما الذي يجبرك على الخروج إلى الطريق بسيارتك ؟ .
لقد أثبتت الدراسات أنّ 30% من الأعمال، يمكن أن يقوم بها العاملون في منازلهم، دون الحاجة إلى الانتقال إلى مقرّ العمل، إلا في مواعيد متباعدة . و هذا يعفينا من البحث عن سكن في قلب العاصمة، أو قريب من قلبها، أو في ضواحيها اللصيقة، فنختار للسكن مكانا يبعد عشرات الكيلومترات عن مقرّ العمل، أو قيادته، يغلب أن يكون أفضل من الناحية الاقتصادية و الصحّية . وبديهي أن تحقّق هذا رهن بتوفير وسائل الاتّصال المتطوّرة، التي تخفّف الضغط على الانتقالات، و على طرق العاصمة بالتبعية .
وسائل الانتقال العامة :
ومشكلة المرور، تتّصل أيضا بمدى كفاءة وسائل الانتقال العامة، التي تخفّف الضغط على استخدام السيارات الخاصّة . و خير مثال على ذلك التوسّع في شبكات مترو الأنفاق، التي تحدّ من استخدام السيارات الخاصّة و العامّة على الطرق .
سياسات الإسكان :
نتيجة لأزمة المساكن، يضطر المواطن إلى استئجار أي مسكن جديد متاح، بصرف النظر عن مدى قربه من مجال عمله، أو عمل زوجته، أو مدارس أولاده . مع أن الأصل في إقامة المجتمعات السكنية الكبيرة، التي تقيمها وزارة الإسكان، أن يشغلها أولئك الذين يرتبطون بأعمال قريبة منها، لكي لا يضّطرون إلى قطع المدينة من شمالها إلى جنوبها، مماّ يضاعف الضغط على الطرق .
بتأمّل هذه العوامل المختلفة، نرى أن حلّ هذه المشكلة، لا يمكن أن نلتزم فيه بالمأخذ الأحادي الجزئي، فالمشكلة تتصل بمسألة المركزية، و سياسة إقامة المشروعات الإنتاجية الضخمة، و سياسات الإسكان عندنا، و بمدى كفاءة وسائل الانتقال العامة، و بمدى تطوّر وسائل الاتصال المتاحة للأفراد .
و نفس الشيء ينسحب على تفكيرنا في حل باقي مشاكلنا، في التعليم متواصل الهبوط رغم دعايات المسئولين، و الصناعة التي ما زالت لا تتّفق مع حقائق الأوضاع التجارة العالمية التي ستطبق علينا، كذلك الإدارة و الطاقة و الديموقراطية.. وغير هذا من المشاكل التي لا يفيدنا أن نبحث عن حلول لها معزولة عن الواقع العام الذي تنشأ فيه، و دون أن نفهم العلاقات متبادلة التأثير بين الأشياء و بين النشاطات .
و إلى الوهم الشائع الثاني، في الرسالة القادمة .. راجي عنايت

الخميس، أغسطس ٣٠، ٢٠٠٧

أوهام شائعة

8 أوهام شائعة ..
تعوق جميع جهود سعينا للتقدّم

من خلال اللقاءات و الحوارات حول المستقبل و الرؤية المستقبلية، مع مختلف المفكّرين و أصحاب الاهتمام العام و الساسة، اكتشفت أن سر فشلنا في الوصول إلى حلول مستدامة لمشاكلنا، لا تتولّد عنها مشاكل جديدة في المستقبل، هو أننا ما زلنا نتمسّك ببعض الأوهام الشائعة التي تعتبر السبب الأول في تخلّفنا، و عدم قدرتنا على تجاوز ذلك التخلّف و اللحاق بركب التطوّر العالمي .
كنت أسأل نفسي دائما :
لماذا مع كلّ الجهد و الإخلاص و رصد الأموال، لا نصل إلى حلول باقية لمشاكلنا ؟ .
لماذا ما نكاد ننتهي من مواجهة مشكلة ما، حتّى نكتشف أن هذه المواجهة قد ولّدت مشاكل مستجدة، غير مسبوقة ؟ .
لماذا لا تتراكم الحلول، لكي تدفع بنا خطوة في سبيل التقدّم ؟ .
و أخيرا، من أين نبدأ في مواجهة هذا الوضع المأساوي، الذي يذكّرنا بأسطورة "سيزييف"، الذي ما كان يتصوّر أنّه قد نجح في حمل الحجر إلى قمّة الجبل، حتّى يجده قد تدحرج إلى أصل الجبل، و أن عليه أن يكرّر المحاولة المرّة بعد الأخرى ؟ .

ثمانية أوهام كبرى ..

يبدأ الحلّ ـ في رأيي ـ بالتخلّص من بعض الأوهام الكبرى الراسخة في تفكيرنا جميعا . و سنورد فيما يلي ثمانية منها، نرى أنّها الأكثر أهمية و خطورة، و هي :
( 1 ) وهم إمكان حلّ المشاكل المختلفة، كلّ على حدة في زمن التغيير الشامل .
( 2 ) وهم إمكان الاعتماد حاليا على الخبرات السابقة .
( 3 ) وهم الاعتقاد بثبات معنى الاصطلاحات و الأشياء .
( 4 ) وهم إمكان الانطلاق من عقيدة أو أيديولوجية سابقة .
( 5 ) وهم إمكان الوصول إلى حلول حقيقية في غياب رؤية مستقبلية
( 6 ) وهم صياغة رؤية مستقبلية لا تقوم على أساس فهم جوهر التغيّرات العالمية الحالية .
( 7 ) وهم إمكان التعامل مع المتغيّرات العالمية، دون التعرّف على جذورها، و علاقاتها المتبادلة .
( 8 ) وهم إمكان صياغة رؤية مستقبلية على يد الصفوة عند القمّة .

* * *
فيما يلي من رسائل سنتناولها واحدة بعد الأخرى

السبت، أغسطس ١٨، ٢٠٠٧

شــكر .. و رجــاء

شــكر .. و رجــاء
ــــ
إلى رفاق الفكر الذين ساهموا بتعليقاتهم على رسالتي الخاصة بموقع مستقبليات
الشكر كلّ الشكر للمساهمات المخلصة و القيّمة .. و قد أسعدني الحوار المتبادل، بما حمل من فكر، و جهد في التعبير، و أمل ي التغيير .
كان المفروض ن أساهم في هذا الحوار المفيد، لولا وعكة صحية، لفتت نظري إلى أهمة أن أنتظر، و أتابع، و اتأمّل، لكي تكتمل الفائدة .. أجو أن أبدأ المشاركة في الحوار قبل نهاية هذا الشهر ..
و الرجاء .. هو أن تكون المساهمات من خلال نقطة التعليقات، التي تظهر في نهاية كل رسالة على الموقع، حتّى نضمن اطّلاع الجميع على الحوار الدائر، و المساهمة فيه
في نفس الوقت (gmail) , المساهمات ستظهر كرسائل في

الثلاثاء، أغسطس ١٤، ٢٠٠٧

قـرأت لكـم

..ما بعد الرأسمالية و الاشتراكية
!و الصراع على سطح الباخرة الغارقة

يشعر الكثير بنوع من الصدمة عندما أقول بانقضاء المعنى الذي شاع طويلا، و مازال شائعا في أحاديثنا لتعبيري اليسار واليمين .. و عندما أقول أن المعنى الحديث لليمين ينسحب على الذين يقاومون التغييرات الحادثة، و يتصورون إمكان استمرار الأسس و العقائد الخاصة بعصر الصناعة .. و أن تعبير اليسار أصبح ينسحب على أولئك الذين يفهمون ـ و يتقبلون ـ بل و يسعون إلى الاستفادة من التغيّرات الحادثة، كما يؤمنون بأنها ظاهرة صحية تقود إلى سيادة مجتمع، أكثر إنسانية من مجتمع الصناعة .. أعني بذلك مجتمع المعلومات .. لقد واجه الكاتب المستقبلي الكبير آلفن توفلر نفس هذا الموقف، عندما احتار البعض في تصنيفه،هل ينسب إلى التيار اليميني، أم التيار اليساري ؟ ، و هو هنا يطرح آراءه في حقيقة الصراع الدائر حاليا، و في " قوى اليمين الجديد "، التي تحاول جاهدة مقاومة التغيير، لحساب مكاسبها الاقتصادية قصيرة المدى

راجي عنايــت
ـ بعض يقرأ كتبك يستنتج أنّك أقرب إلى الجناح اليميني . و البعض الآخر يصرّ على أنّك يساري .. بينما تصمّم أنت على أنّك لست هذا أو ذاك.. كيف ؟
اصطلاح "يمين"، و "يسار"، هما من مخلّفات الحقبة الصناعية، التي عفا عليها الزمان . فهذان الاصطلاحان يتصلان بمن يملك ماذا ؟ "، أو كيف يتم تقسيم ثروة و سلطة النظام الصناعي . الصراع الدائر بينهما اليوم، أشبه بالتنازع على مقاعد سطح عابرة المحيطات، أثناء غرقها
المجتمع يتحرّك بسرعة، خارجا من مجتمع الصناعة، ممّا جعل لافتاتـنا السياسية القديمـة باليـة و مضللة . كما هو الحال أيضا في تقسيماتنا الاقتصادية
السبب في أنّ الأشياء تبدو مختلطة اليوم، هو أن الوضع النسبي للموضوعات قد تغيّر . فالعلاقات بين الموضوعات و الجماعات قد أصبحت أكثر تعدّدا و تنوّعا . و لعلّ من أسباب حيرة الناس في تصنيفي، أنّ مقياس الأولوية عندي، ليس هو ما يحدث " داخل " المجتمع الصناعي، و لكن ما يحدث بين المجتمع الصناعي، و المجتمع الصاعد الذي يتحدّاه . إلى جوار هذا الصدام التاريخي، الذي يتحقّق على نطاق عالمي، تبدو لي كلّ الصراعات الأخرى صغيرة . و بالنسبة لي، هذا هو الصراع الأعظم
مجتمـع المسـتقبل

ـ يقول البعض أنّك بالتركيز على هذا الصراع الأعظم بين الحضارات، تحرف الانتباه عن تقسيمات عميقة أخرى تفصل بين اليسار و اليمين، بين الأغنياء و الفقراء، بين أصحاب السلطة و معدومي السـلطة . كما يقول البعض الآخر أنّ موقفك يتّفق أكثر مع اليسار، لأنّ البؤرة الأساسية لديه هي الصراع بين ما هو قائم، و بين مستقبل أكثر قبولا
* ربّما .. لكن ماذا لو كان ذلك المستقبل متضمّنا العديد من العناصر التي يمكن أن تحوز إعجاب "اليمين" التقليدي . مثال ذلك، التركيز على الفرديّة في مقابل الجمـاهيرية، و عودة ظهور البيت كمؤسّسة مركزية، و معارضة البيروقراطية المركزية . هناك أناس على طرفي التقسيم التقليدي، يمكن أن يشتركوا في التحمّس لهذه القيم.. و يبقى السؤال : لماذا هذا الإصرار على ثني عنق الأشياء، حتّى يمكن أن ندخلها في تصنيفات سابقة زائلة .
معظم الناس ما زالوا حتّى اليوم لا يدركون أنّ القواعد الأساسية تتغيّر، و أنّ صراعات أكبر قد نشأت . صراعات تقلل من شأن أي صراعات أخرى، و تؤثّر فيها . و هم ، بصرف النظر عن مواقفهم السياسية، ينظرون إلى المستقبل كامتداد خطّي بسيط للحاضر . و أعتقد أن بانتظار هؤلاء مفاجأة كبرى، فنحن قد بلغنا نهاية عصر
.
مقاومـة التغييـر

ـ نحن نتكلّم عن الذين يدافعون عن النظام القديم، الذين يريدون الإبقاء على الحضارة الصناعية . فما هو بالضبط الذي يسعون إلي الاحتفاظ به و الإبقاء عليه ؟ .
* الصناعة ليست فقط نظاما اقتصاديا أو سياسيا، إنّها ثقافة، و نسق خاصّ في المؤسّسات الاجتماعية، إنّها أسلوب في المعرفة، و طريقة متكاملة في الحياة . في كلّ مجال، هناك من لدبهم استثماراتهم المرتبطة بهذه الطريقة في الحياة، و هذه الاستثمارات قد تكون اقتصادية أو سياسية أو سيكلوجية أو عرقية أو ثقافية .
إنّك لتجد مؤسّسات اقتصادية ضخمة تدافع عن الصناعات التقليدية، التي تعتمد على القوّة الغاشمة، مثل صناعات الصلب و النسيج و السيّارات، و عن الأساليب التقليدية في التصنيع كالإنتاج على نطاق واسع . بل قد تجد أن أغلب نقابات و اتّحادات العمال تدافع عن نفس هذه الأساليب و الصناعات . تجد أباطرة الاتّصال و الإعلام، سواء كانوا يديرون الشبكات التجارية الكبيرة في أمريكا، أو يديرون الشبكات المركزية الخاضعة للدولة في بلاد أخرى .. تجدهم يحاربون من أجل الإبقاء على جماهيرية الإعلام .
و من بين رجال التعليم، ستجد الكثيرين الذين ما زالوا يتغنّون بفضائل أساليب التعليم النمطي الجماهيري . كما تجد من رجال السياسة و الأحزاب من يقاتلون من أجل الإبقاء على الكيانات السياسية البالية، التي قد تشكّل معظمها لحساب العصر الزراعي، أو العصر الصناعي المبكّر .
هذا التحالف الكبير، الذي يكون لاشعوريا إلى حدّ كبير، و الذي يستهدف الدفاع عن الماضي، لا ينتسب إلى طبقـة بعينها، أو إلى جنس أو ديـن معيّن . حتّى الفقـراء و من هم خارج الصفوة،و المضّطهدين و الذين بلا حول و لا قوّة، حتّى هؤلاء يقاومون بضراوة إحداث أي تغيير فيما هو كائن
.
الحنين المرضي للماضـي

ـ أنت ترى أنّ الصراع الأساسي حاليا، يجري بين العقلية الصنـاعية، و عقلية مجتمع المعلومات . أين تضع إذن الحركات النامـية، كحركات الحفـاظ على البيئة، مثل " حزب الخضـر " في ألمانيا، و الجمعيات المعادية للنشاط النووي في أنحاء العالم ؟ .
*هناك من يدافعون عن المؤسّسات و الممارسات المختلفة للنظام الصناعي، و هناك من يهاجمونها . مثل الذين يهاجمون المركزيّة و عشق الضخامة و النمطية المحبطة . لكن الذين يهاجمون الحضارة الصناعية ينقسمون فيما بينهم .
بعض الذين يهاجمون النظام الصناعي ، لا يهتمّون بالمستقبل بالمرّة . البديل الوحيد الذي يفكّرون فيه، هو الارتداد إلى نوع غامض من الماضي . و هم يمجدّون الماضي متمثـّلا في المجتمعات الزراعية . و ينسون أن معظم الذين عاشوا في تجمّعات زراعية ريفية صغيرة في عصر ما قبل التكنولوجيا، كانوا تعساء نتيجة للمظالم المحلّية، بلا ديموقراطية، و لا حقوق أمام القضاء، منعزلون عن العالم، و بلا أدنى صوت في كلّ ما يمسّ حياتهم . و هؤلاء يمكن أن يشكّلوا تهديدا لحياتنا، لا يقل في خطورته عن تهديد أنصار عصر الصناعة المتراجع .
ـ و ماذا عن الرأسمالية و الاشتراكية، أيكتب لهما البقاء في عصر المعلومات ؟ .
لا .. فلكلّ منهما تناقضاتها الخاصّة القاتلة . إنّ مدّ التغيير يفقدهما مبرر وجودهما، ذلك لأنّهما معا من نتاج الثورة الصناعية . رغم الاختلافات الحادّة بين النظامين، فقد أضفت عليهما الحضارة الصناعية خصائص مشتركة طاغية . فالقوى الصناعية لكلّ من الرأسمالية و الاشتراكية، تعتمد على وقود الحفريّات الذي لا يتجدّد، و على النطاق الواسع النمطي في الإنتاج و التوزيع و التعليم و الإعلام و الترفيه . و كل من النظامين يتّخذ الأسرة النووية نموذجا أساسيا للمجتمع، و يعتمد على نظام الدولة القومية، و يفرض نفس مبادئ النمطية و التوحيد القياسي و التزامن و المركزية و السعي إلى الضخامة و النهايات العظمى .
و لست مع أولئك الذين يتصوّرون إمكان حلّ التناقض بين النظامين، بتحوّلات أو تحويرات يقوم بها كلّ منهما . مثل هذا التفكير ينبع من عقائد عصر الصناعة، و التي تقول أنّ المجتمعات تصبح أكثر تشابها، يوما بعد يوم .
و باختصار، الرأسمالية و الاشتراكية، و ما بينهما من توتّر، كلّ هذا من نتاج عصر الصناعة . لهذا، فعندما ينقضي ذلك العصر، فالأرجح أنّهما سيختفيان باختفائه .


بين الحل الإسلامي .. و الحل الماركسي

بين الحلّ الإسلامي و الحل الماركسي


أصحاب العقائد القويّة و الأيديولوجيات الحاكمة يفشلون عادة في اكتشاف انقضاء زمن الافتراضات التي تقوم عليها عقائـدهم . و مرجـع ذلك إلى عجـزهم عن اكتشـاف الافتراضات الأساسية التي تقوم عليها أفكارهم، و من ثم عدم قدرتهم على امتحان مدى مصداقية تلك الافتراضات في ظل التغيّرات الجذرية المتلاحقة في حياة البشر .
قبل أن أضع أفكاري في الكتب، كنت أكتب أوراقا حول التفكير المستقبلي، و التحوّلات التي تقودنا إلى مجتمع المعلومات . عرضت واحدة من هذه الأوراق على الصديق أحمد حمروش، رئيس اللجنة المصرية للتضامن، فقرأها و اقترح عرضها على الأستاذ محمد حسنين هيكل، فتحمّست لذلك الاقتراح . ثم اكتشفت بعد ذلك أنّه لم يأخذ الورقة مأخذ الجد، و وقف عند التعليق على خطأ مطبعي ! .

في مواجهة الماركسيين

قال حمروش " لماذا لا تناقش ورقتك في اللجنة الفرعية للفكر السياسي .. هذه فرصة للحوارالمثمر، خاصّة و أنّ رئيس هذه اللجنة هو الدكتور فؤاد مرسي .." . تحدّد موعد للقاء، و قد جلس على رأس المنضدة الدكتور مرسي( رحمه الله )، و جلست في مقابله، بينما اصطفّ على الجانبين مجموعة من غلاة الماركسيين، أعضاء اللجنة، أعرف بعضهم و لا أعرف البعض الآخر .
طرحت أفكاري حول مرحلة التحوّل الحالية في العالم، من المجتمع الصناعي إلى مجتمع المعلومات .. لماذا تمت ؟، و ماذا يترتّب عليها من تغيّرات كبرى في جميع مجالات حياة البشر ؟.
فلاحظت التململ على الحاضرين، و الرفض الضمني لكلام يخرج عن نطاق القاموس الماركسي، و كانت القشّة التي قصمت ظهر البعير، كما يقولون، ما قلته من انقضاء صلاحية كل من الاقتصاد الرأسمالي و الاقتصاد الاشتراكي، في التعامل مع الواقع الجديد، باعتبار أن الرأسمالية و الاشتراكية هما وجهان لعملة واحدة هي عصر الصناعة، و رؤيتان مختلفتان للتعامل مع واقع المجتمع الصناعي . و رحت أشرح هذا على ضوء التطورات التي أحدثتها ثورة المعلومات .
كانت ردّة فعل الحاضرين، مزيج من الرفض و الوجـوم ..
ثم توجّه أحدهم إلى الدكتور مرسي سائلا بسخرية " ما هو رأيك يا دكتور فيما يقال ؟ ! ". تحيّر دكتور مرسي قليلا، ثم قال " لا أعرف ماذا أقول له .. إن ما يقوله أشبه بما يقوله جورباتشوف هذه الأيام .." .
أدركت في ذلك الوقت صعوبة مراجعة صاحب العقيدة لافتراضاته ـ و لو كانت الاشتراكية العلمية ـ دون وجود أداة مثل التفكير الناقد تساعده على ذلك .

في جامعة الإسكندرية

بعد هذا، جاءت تجربة اللقاء مع أعضاء نادي هيئة التدريس بجامعة الإسكندرية . عندما تلقيت الدعوة للحديث عن المستقبل و عن مجتمع المعلومات، وسط نخبة من الأسـاتذة و العلمـاء تحمّست لذلك اللقاء، و اعتبرته فرصة لحوار ناضج مسئول .
الذي لم أكن أعلمه، أن النادي كان قد مرّ بتحوّل كبير، بعد استبعاد العناصر التقدّمية من أعضاء مجلس إدارته، ليقتصر مجلس الإدارة على مجموعة من الأساتذة الإسلاميين .
قبل المحاضرة، استقبلني بحفاوة أحد الأساتذة، أظنّه على ما أذكر عميد كلية العلوم . بعد أن احتسينا القهوة، قادني إلى قاعة اللقاء، التي حفلت بجمع كبير من أعضاء هيئات التدريس بالجامعة .
كان موضوع المحاضرة " الرؤية المستقبلية، و مجتمع المعلومات " . و كان لا بد أن أبدأ بطرح منهجي في التوصّل للرؤية المستقبلية، و تحدثت عن التحوّلات الكبرى في حياة البشر، من عصر الزراعة، إلى الصناعة، إلى المعلومات، و كيف لعبت التكنولوجيات الابتكارية العظمى دورا أساسيا في إعادة صياغة مختلف مجالات حياة البشر، الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية . ثم طرحت التحوّلات الحالية من مبادئ مجتمع الصناعة إلى مبادئ مجتمع المعلومات .
لماذا نعتمد على علوم الغرب ؟ !
عندما انتهيت من كلامي، و قبل أن يبدأ النقـاش مع جمهور الحاضرين، حدثت مفاجأة أدهشتني . الأستاذ الدكتور الوقور الذي استقبلني، و قادني إلى القاعة، و الذي قدمني في بداية الأمر، و جلس إلى جواري، وجدته يهب واقفا، و يصيح بأعلى صوته هاتفا بشعار طويل لا أذكر نصّه حاليا، و لكن أذكر قوله في النهاية " .. و الإسلام مستقبلنا .." .
رسمت ابتسامة ساذجة على وجهي، لإخفاء دهشتي و حيرتي فيما هو مطلوب منّي أن أفعله . و ما أن انتهت موجة التصفيق ـ التي مازلت لا أعلم إن كانت موجّهة لكلماتي أم لهتاف الأستاذ الوقور ! ـ حتّى بدأت أسئلة الحاضرين .
كان محور تساؤلات ذلك الجمع العلمي حول استنكار الاعتماد على العقل في مكان النقل ! . قال أحد الأساتذة أن ما أقوله من أفكار وارد من الغرب، قد ينطبق على مجتمعاتهم، لكنه لا يصلح لنا كأمّة إسلامية . و تساءل ـ و هو أستاذ جامعي ـ عمّا يدفعنا إلى علوم و معارف الغرب، بينما لدينا منبع العلم و المعرفة .
قلت أن النهضة العلمية الإسلامية، في بغداد، قامت على ترجمة المراجع الإغريقية و الهندية و الفارسية . اطّلع العلماء المسلمون على ما سبق من علوم الغرب و الشرق، و فكّروا، و ابتدعوا، و أضافوا إلى تلك العلوم، ما حفلت به مراجعهم في الطب و الكيمياء و الرياضيات و الجغرافيا، إلى آخر ذلك، ممّا صنع ما نطلق عليه الحضارة العلمية الإسلامية . و لم يجدوا من يلومهم على الاستفادة من علوم الآخرين .
و الغرب، الذي كان يعيش في جهالة القرون الوسطى، قرأ إنتاج علماء الإسلام، و ظلّ يدرّسه في معاهده و جامعاته على مدى عدّة قرون، و أضاف إليه، ممّا صنع بدايات النهضة الأوروبية الحديثة .. و هنا أيضا، لم يجدوا من يؤاخذه على هذا .

الرؤية المستقبلية، و الحلّ الإسلامي

ثم نهض أحد الجالسين في الصفوف الأولى، و سألني قائلا " و ما هي علاقة ما قلته لنا عن التحوّل إلى مجتمع المعلومات بالحلّ الإسلامي ؟ " .
قلت له صادقا " أنا لا أعرف ما تسمّيه بالحلّ الإسلامي .. لا شكّ أنّك أدرى به منّي " . ثم قلت له أنّني تكلمت عن مجموعة من التحوّلات تقودنا إلى مجتمع المعلومات، مثل التحوّل من المركزية إلى اللامركزية، و من القولبة و النمطية إلى التنوّع و التمايز و احترام ذاتية الفرد، و من التزامن إلى الزمن المرن الذي يوسّع نطاق حرية الفرد، و من العمل العضلي البدني المتكرّر الذي لا يستوجب التفكير، إلى العمل العقلي الذي يعتمد على التفكير و الابتكار.. تكلّمت عن هذا و غيره، فهل وجدت شيئا ممّا أوردته متناقضا مع الحلّ الإسلامي الذي تقول به .
بعد صمت قصير قال " لا .." . فقلت مبتسما " هذا هو الذي يهمّني في الأمر .." .
هنا أيضا أدركت أهمية إشاعة التفكير الناقد، من اكتشاف الافتراضات الأساسية التي يقوم عليها فكرنا و عملنا، و فحص مدى مصداقية تلك الافتراضات في ظل الواقع المتغيّر الذي نعيشه، ثم البحث عن افتراضات جديده نابعة من الواقع الجديد، تحكم فكرنا و عملنا .

راجي عنايــت – 2005
من كتاب "حكايتي مع المستقبل"




الاثنين، أغسطس ١٣، ٢٠٠٧

من حضيض التلقين .. إلى التفكير الناقــد

هل يمكن أن ننقذ الأجيال القادمة
من حضيض النقـل و التلقـين ؟

يجب أن ننتبه للأهمية القصوى، و الأولوية الأولى، لهدف التحوّل من التلقين إلى التفكير، عند إعادة بناء التعليم، بما يتّفق مع احتياجات مجتمع المعلومات .. فالثابت أن إعمال العقل و التفكير و الابتكار سيشكّل احتياجا جماهيريا للقوة العاملة في عصر المعلومات ..
:و رغم وجود عناصر أخرى هامّة في عملية إعادة بناء التعليم التي نحتاجها، مثل
التعليم و التدريب على مدى الحياة للجميع، نتيجة للتغيرات التي لا تتوقّف في المعلومات و المعارف، بالنسبة لجميع الاختصاصات .. و نتيجة لسقوط النظريات، و بزوغ نظريات جديدة .. بل نتيجة لاختفاء علوم تقليدية و ظهورعلوم جديدة، لم نسمع عنها من قبل
الاعتماد على التكنولوجيات المعلوماتية في تطبيق التعليم الشخصي، الذي يراعي الفروق بين البشر في الاستيعاب و التحصيل، و يحترم القدرات المختلفة للدارس عن غيره من الدارسين
تيسير احتياجات التعليم الذاتي، التي تتيح للفرد أن يعلّم نفسه بشكل دائم، حتّى يتابع ما يطرأ على مجال عمله من معلومات و معارف و تكنولوجيات جديدة
انتزاع التعليم من المحاذير التقليدية للمدرسة، و التحوّل من البيئة التعليمية المغلقة الحالية، إلى بيئة تعليمية مفتوحة، تعتمد على شبكات المعرفة الإلكترونية، ممّا يجعل من الممكن تحقيق العناصر السابقة، كالتعليم الشخصي، و التعليم الذاتي

ما هي المشكلة ؟

ما هي الصعوبة التي تواجهنا عندما نحاول الانتقال بتعليمنا : من التلقين و النقل، إلى التفكير و العقل ؟ . تكمن الصعوبة في أن حياتنا كلّها تمضي في مصر وفق اعتماد النقل و التلقين، و كراهية التفكير الناقد الذي قد يجترئ على الثوابت .. في البيت و الشارع و المدرسة و الجامعة و الحكومة بكل أجهزتها
و لكي نفهم أبعاد هذه المشكلة الكبرى، التي يعجز جميع من يخططون للتعليم و يضعون له النظم، في وزارة التعليم، أو في أمانة السياسات أيضا .. علينا أن نفهم أبعاد التفكير الناقد الذي نقول بحتميته في مرحلة الانتقال من نمط الحياة
الصناعية، إلى نمط الحياة المعرفية
علينا أن نفهم حاجتنا الشديدة إلى أن نفكّر و نراجع مدى سلامة الأسس التي قامت عليها حياتنا الشخصية و العائلية و العملية و السياسية، ليس على سبيل التزيد أو التباهي، و لكن من أجل الحصول على مواطن مصري قادر على العمل و الإنتاج و المنافسة، في ظل نظم مجتمع المعلومات
و علينا أن نفهم أن إعمال العقل في هذا الزمن، يستند على ما يطلق عليه " التفكير الناقد " . و لا بد هنا من التنبيه إلى أن هذا التحول لن يتم في هدوء .. و أنه سيلقى مقاومة مستميتة من جميع العناصر الحريصة على استمرا الأوضاع الحالية التي تسمح بجلب المنافع الشخصية على حساب مصر و أجيال مصر القادمة . و هذا يعنى أن إشاعة التفكير الناقد في مدارسنا و جامعاتنا بين الأجيال الجديدة من شباب مصر، وانتقاله كممارسة طبيعية في حياتنا بعد ذلك، سيحدث ثورة حقيقية في حياتنا العقلية و العملية
التفكير الناقـد
في زمن التغيّرات الجذرية الشاملة، كالتي يمرّ بها العالم منذ منتصف القرن الماضي، و التي تبدّل ما استقر من شئون حياتنا الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية .. في هذا الزمن، نفقد القدرة على الاستناد إلى الخبرات السابقة، ونحتاج إلى إبداء حرص شديد في تناولنا للأفكار و المعاني و الأوضاع، اعتمادا على حصيلتنا السابقة، و دون اختبار جديد لمدى مصداقية ما أخذنا به، في الزمن الحالي
التفكير الناقد، ينصبّ أساسا على : امتحان الافتراضات التي تقوم عليها أفكارنا و نظرياتنا وعقائدنا.. ثم التعرّف على السياق الذي خرجت منه تلك الأفكار و النظريات و العقائد، لنرى إذا ما كان ذلك السياق ما زال متفقا مع سياق حياتنا الحالي، و المستقبلي
من مقومات التفكير الناقد
( 1 ) التعرّف على الافتراضات و تحدّيها
من أهم أسس التفكير الناقد، محاولة التعرّف على الافتراضات التي يقوم عليها تفكيرنا، و تتأسس عليها ضروب سلوكنا .. و ذلك تمهيدا لامتحانها و التحقق من مدى سلامتها و اتفاقها مع الواقع المعاصر . نحن هنا نتساءل بالنسبة لكل ما نأخذه مأخذ التسليم، و نعتبره من الأمور البديهية، سواء في تنظيم العمل، أو في علاقاتنا مع الآخرين، إو في الأساس الذي يقوم عليه التزامنا السياسي و العقائدي .
( 2 ) الانتباه إلى السياق الذي تخرج منه الافتراضات
مع اكتشاف الافتراضات التي تحكم عاداتنا، و سلوكنا، و مداركنا، و فهمنا للأمور، و تفسيرنا للعالم من حولنا .. مع حدوث ذلك نصبح أكثر إدراكا لتأثير السياق الذي تنبع منه تلك الافتراضات ..و ممارس التفكيرالناقد، يعلم أن جميع
الممارسات و التصرفات و الترتيبات الاجتماعية لا تكون بلا سياق يحكمها.
( 3 ) تصوّر و امتحان البدائل
من الأمور الأساسية في التفكير الناقد، القدرة على تخيّل الاحتمالات، و امتحان البدائل المختلفة للطرق الحالية التي يلتزم بها الفرد في تفكيره و في حياته . عندما يتحقق الفرد من أن العديد من أفكاره و تصرفاته تنبع من افتراضات لا تناسب الحياة الراهنة، ينشغل باكتشاف و امتحان طرق جديدة للتفكير و التصرّف، واعيا بأهمية أثر السياق في تشكيل كل ما يعتبره عاديا و طبيعيا
( 4 ) التشكّك التأمّلي
عندما نكتشف بدائل جديدة لما رسخ في تفكيرنا و سلوكنا، نصبح أكثر تشككا فيما اعتدنا أن نطلق عليه تعبير " الحقيقة النهائية "، أو " التفسير الكامل " . و هذا النوع من التشكك يطلق عليه اسم التشكك التأملي .. و هو لا يعني التشكك من أجل الرفض، و لكن التشكك من أجل التأمّل و التثبّت من المصداقية . ممارس التشكك التأملي، يدرك أن التمسّك بممارسة ما، أو الاعتماد على بنية ما، لزمن طويل، لا يعني أنها الأنسب لجميع الأزمان، و بالتحديد للحظة الراهنة . كما أن مجرّد قبول الفكرة من أعداد كبيرة، لا يعفينا من امتحانها على أرض الواقع الراهن، ثم قبولها أو رفضها و استبدالها، وفقا لما يتمخّض عنه ذلك الامتحان
محنة استجداء التيار الإسلامي
صدّقوني .. أي حديث عن إعادة بناء التعليم لا ينطلق من هذا الهدف الأكبر، هدف التحوّل من النقل و التلقين إلى التفكير و الابتكار، سيكون مصيره إلى الفشل المطبق، في ظلّ مجتمع المعلومات
المطلوب من الحزب الوطني، و أمانة سياساته، و باقي التشكيلات السياسية من أحزاب و جماعات .. و من هيئات البحث و الدراسات الاستراتيجية أن تراجع عملها على هذا الأساس .. علينا أن نتوقّف عن ترديد التوصيات الساذجة عن ضمان جودة التعليم، في الوقت الذي لم نتوصّل بعد على معايير متفق عليها للجودة، علينا أن نتوقّف عن ترديد شعارات مخلفات منظمة الشباب الاشتراكي، شعارات دعم الانتماء، و طابور الصباح، و تحية العلم، من السمات الأساسية لتعليم عصر الصناعة .. و لعل مرجع هذه الرواسب أن يكون توصيات مؤتمرات التعليم التي كان د. حسين كامل بهاء الدين ينظّمها، أو إلى أفكار التثقيف التي يعمّمها د. على الدين هلال على شباب الحزب الوطني .
كفانا عبثا .. أم أنكم سعداء بما يتم حاليا من تمسّح الأحزاب بالتيار الإسلامي، و السعي إلى رضاه، باعتبار أن بين يديه مفاتيح الجماهير ؟.. و هذه حقيقة .. أتعرفون كيف ؟، لأن التيار الإسلامي هو صاحب الحق الأوّل في شعارات النقل و التلقين، على مدى التاريخ .. و لأننا بتمسّكنا بالتعليم القائم على النقل و التلقين، نعد أجيال المستقبل لكي تنضوي تحت راية الأخ عاكف
عوضا عن ترديد الشعارات الغوغائية السائدة .. حاولوا أن تفكّروا فيما أقول