الخميس، نوفمبر ٠١، ٢٠٠٧

اقتصاد جديد لمجتمع المعلومات


العمالة الجديدة تسقط البيروقراطية
لغة جديدة للحديث عن العمل و العمالة .. هل نعرفها في مصر؟

نقرأ في صحفنا عن الخطط التي توضع في مجالات العمالة و الإنتاج، يضعها الخبراء و الإخصائيون، أصحاب التاريخ المشهود في هذه المجالات . و المشكلة هي أن هؤلاء الخبراء يقيمون خططهم على ما كانوا قد درسوه و خبروه، و الذي يقوم على الواقع التقليدي لعصر الصناعة، و ليس على ما نواجهه حاليا، أعني بذلك الواقع المختلف لعصر المعلومات . و حتّى أولئك الذين يعرفون مقتضيات الواقع الجديد، يعجزون عن الخروج عن الخط التقليدي بمبادرات فرديّة، تتناقض مع التوجّه العام للدولة . الثابت، أن اللغة التي يتحدّثون بها عن العمل و العمالة و البطالة لغة منقضية، نسختها لغة جديدة نابعة من المعاني الجديدة لهذا كلّه، في انتقالنا إلى مجتمع المعلومات .
فمن بين الابتكارات الهامّة لعصر الصناعة، مبدأ إمكان استبدال العامل بآخر، بالضبط كما يستبدل ترس بآخر في آلات المصنع . لقد نظر عصر الصناعة إلى العمّال نظرته إلى قطع الغيار . وقد كان هذا المبدأ مصدر الكثير من الضعف النسبي للطبقة العاملة الصناعية . فطالما أن العمل بطبيعته لا يحتاج إلاّ إلى مهارات محدودة، فمن الممكن تدريب العامل البديل خلال دقائق معدودة، على العمل الجزئي البسيط الذي سيقوم به . لكنّ الأمر يختلف تماما مع انتقالنا إلى مجتمع المعلومات .

المحتوى المعرفي للعمل

مع دخولنا إلى عصر المعلومات، يصبح المحتوى المعرفي لكل الأعمال مرتفعا، و تصبح الوظائف أكثر تفرّدا و تميّزا، و من ثم تصبح إمكانية استبدال العامل بآخر أقلّ . و في هذا يقول الاستشاري جيمس وبر، نائب رئيس مجموعة إندكس، " يصبح العمّال العقليّون أقلّ صلاحية للاستبدال يوما بعد يوم . كما أن الآلات يصبح استخدامها مختلفا من عامل لآخر . فأيّ مهندس يستخدم الكمبيوتر بطريقة تختلف عن الذي يليه، و أيّ خبير من خبراء تحليل السوق تكون له طريقته في تحليل الأشياء المختلفة عن طريقة أيّ خبير آخر " .
كما بقول مسئول كبير في مشروع مهمّ من المشاريع الدفاعية الأمريكية " منذ سنوات، كان كلّ شخص يقوم بالشيء نفسه، و اليوم يختلف الأمر . حاليّا، عندما نفقد شخصا، فإنّنا نحتاج إلى ستّة أشهر لتدريب شخص آخر، حتّى يفهم نظام عملنا . و لأنّ العمل عندنا يقوم على نظام مجموعات العمل، فعندما نطرد عاملا نخاطر بأن تنخفض كفاءة المجموعة كلّها " .

حتميّة الابتــكار

اختفاء العمالة الصناعية التي يتصبّب فيها عرق العامل، و سيادة العمالة العقلية، يقتضي تحقّق أمران أساسيّان : حتميّة الابتكار .. و حتمية التسارع . و هذا يحدث انقلابا في ما استقرّت عليه الأوضاع في مجالات العمل .
والعامل الحرّ، يميل أن يكون أكثر ابتكارا في عمله، قياسا على ذلك الذي يعمل تحت رقابة محكمة، و في ظروف تسودها سيطرة الرئاسات . وهذا يقتضي علاقات قوّة مختلفة تماما بين الرئيس و من يعملون معه، و يعني ـ من بين أشياء أخرى ـ أن تتحمّل القيادة الأخطاء الذكيّة، التي قد تقع نتيجة للسعي إلى الابتكار .
حتميّة الابتكار في مجالات العمل، لا تقتصر على الأعمال المتّصلة بالكمبيوتر و الإلكترونيات، لكنّها تتّسع لتشمل كلّ شيء، من نشاط التأمين إلى الرعاية الصحّية إلى الرحلات السياحية . فالتنافس يقود إلى تمزيق كلّ ما استقرّ من أوضاع النشاط الاقتصادي، بالاعتماد على سلاح الابتكار .

التسارع كمبــدأ

طبيعة مجال العمل في عصر المعلومات، تحض أيضا على الأخذ بحتمية التسارع كمبدأ . لقد أصبح واضحا للجميع أن الاقتصاديات المتطوّرة تتسارع بلا توقّف . و في بيئة العمل الجديدة، لا يكفي الاعتماد على الابتكار، فرجل الأعمال أو صاحب الشركة يكون عليه أن ينزل بإنتاجه الجديد المبتكر إلى السوق بأسرع ما يطيق، قبل أن تسبقه شركة منافسة أو تسعى إلى تقليده .
ضغط التسارع، يقود إلى الإقلال من أهمّية سلسلة الأوامر البيروقراطية الثابتة المحدّدة . فالشبكات الإلكترونية الجديدة، تيسّر الاتّصال العلوي و السفلي و الجانبي في المؤسّسة . و هذا يتيح للعاملين أن يتجاوزوا المستويات الخاصّة بتسلسل الرئاسات .
نظام العمل الجديد الذي نتحدّث عنه، سيجتاح ـ بعد قليل من الوقت ـ جميع القطاعات الاقتصادية، و يشيع الاستقلال الذاتي للعاملين، القادرين على الوصول إلى المعلومات .

عدالة توزيع المعرفة

خلال عصر الصناعة، كان موضوع معاملة العاملين بشكل أكثر إنسانية، لا يحظى بأيّ اهتمام . ومرجع ذلك إلى سيادة التكنولوجيات الفظّة، التي كانت تعطي ثمارها بشكل أفضل كلّما كان العامل أكثر جهلا، و من ثمّ أقلّ قوّة .
أمّا اليوم، فيطالب العمّال بالمزيد من وسائل الحصول على المعلومات، و تتصاعد مطالبهم هذه يوما بعد يوم، لأنّهم لا يستطيعون القيام بأعمالهم، على مستوى الكفاءة المطلوب، بدون هذه المعلومات .
و هذا يعني أنّنا نتحوّل من المطالبة بعدالة توزيع الثروة، إلى عدالة توزيع المعلومات و المعارف . باعتبارها ضرورية للعامل حاليا، نتيجة لاشتراطات السوق الجديدة، و التكنولوجيات الجديدة التي دخلت سوق العمل . و لا يجب أن يغيب عن بالنا، أن عملية إعادة توزيع المعلومات، في وقتنا هذا، تعني إعادة توزيع السلطة و النفوذ و القوّة .

من أمريكا إلى اليابان

تقول النيويورك تايمز، نقلا عن تشارلز إيبرل، نائب رئيس مجلس إدارة بريكتور آند جامبل " مع تقليد برامج الكمبيوتر للمهارات التي أتاحت للمديرين طويلا مكانتهم الخاصّة، أصبح بإمكان العاملين في المستويات الدنيا للعمل أن يقوموا بأعمال كانت مقصورة من قبل على المديرين التنفيذيين . إنّنا نشهد فجاة، و صول المعلومات إلى الناس الذين يديرون الآلات، بما لا يجعلها حكرا على شخص أو شخصين عند قمّة تسلسل الرئاسات . و لم يقدّر الرؤساء عند القمّة قوّة هذه المعلومات، إلاّ عندما وصلت إلى أيدي العمّال .. و بعدها، بدأت مقاومتهم العنيفة " .
و يقول الخبير الياباني تيرويا ناجاو في هذا الصدد " هذه الفكرة تتجاوز الكثير من الافتراضات المثالية، لنموذج العلاقات البشرية داخل المؤسّسة، و التي كانت تحضّ القيادات على إشعار العاملين أهمّيتهم . الآن، تتمّ مطالبة العاملين ـ صدقا ـ بأن يكونوا مهمّين " .

قبل أن نضع الخطط

هذه هي بعض ملامح النظام الجديد للعمل و الإنتاج، فهل يا ترى ندخل هذا في اعتبارنا و نحن نضع خططنا، و نصدر قراراتنا ؟ .
التغيرات التي طرأت على مجال العمل في الدول المتطوّرة، قد لا نلمسها الآن عندنا بهذا الوضوح . لكن الذي لا شك فيه، أنّنا سنواجهها في القريب العاجل . هذه التغيّرات تمسّ علاقات القوّة داخل المؤسّسة و خارجها، و تحدث ثورة في توزيع المعلومات، التي هي الثروة الأهمّ في عصرنا . و هي تسقط النظم الإدارية التقليدية التي مازلنا نأخذ بها، أعني بذلك بيروقراطية التسلسل الهرمي، التي نعتمد عليها حاليا في كل شيء، في الحكومة و الوزارات و النقابات و الجيش و الشرطة، بل و في المؤسّسات الاجتماعية و الثقافية أيضا .

و في الرسالة القادمة، نرى أثر مبدأ التنوّع عل المجال الاقتصادي .

الثلاثاء، أكتوبر ٢٣، ٢٠٠٧

اقتصاد جديد ... لمجتمع المعلومات


البضاعة التي فقدت قيمتها

الذين يتحكّمون في اقتصادنا، في الحكومة أو القطاع الخاص، هل يدركون أن ما يتكلّمون عنه كإنجازات اقتصادية، هو نوع من اللعب في الوقت الضائع ؟
و هل يدرك كبار خبراء الاقتصاد عندنا أن خبرتهم الطويلة قد تحوّلت إلى بضاعة فقدت قيمتها ؟
هل نعجز تماما عن النظر إلى ما هو أبعد من مواقع أقدامنا، لنتعرّف على الطبيعة الجديدة، و المنطق الجديد، لاقتصاد مجتمع المعلومات، الذي لا يشبه في شيء ذلك الاقتصاد الذي قامت عليه خبرتهم، و تدور حوله اليوم مناوراتهم ؟
الاقتصاد الجديد، ـكما هو حال الإدارة الجديدة و الممارسة السياسية الجديدة يتحوّل من المركزية و التحكّم المركزي، إلى أقصى حدود اللامركزية . و رغم أن هذا يكون في جانب أولئك الذين ينادون بتحويل القطاع الحكومي و العام إلى القطاع الخاص، فإنّ الفهم الشامل لعملية التحوّل الاقتصادي ضروري، للتعرّف على القيمة النسبية لعملية الخصخصة في النظام الاقتصادي الجديد ، و للتعرّف على أهمّية أن تتمّ هذه الخطوة ضمن تغيّرات جذرية أخرى، في النظام الاقتصادي و المالي و النقدي للدولة
التكنولوجيا الجديدة

سنحاول فيما يلي أن نعطي فكرة عامّة سريعة عن ركائز الاقتصاد الجديد، اقتصـاد مجتمع المعلومات
في زمن سيادة مجتمع المصانع ذلت المداخن، و تألّق أسواق المال، كان رمز العصر هو الإنتاج على نطاق واسع لملايين المنتجات المتطابقة . هذا الرمز يفقد حاليا مكانته كعمود فقري اقتصادي للنشاط الإنتاجي . السرّ في هذا، هو بزوغ التكنولوجيات الابتكارية الجديدة، المعتمدة على الكمبيوتر، و التي أتاحت إنتاج كمّيات صغيرة من بضائع حسب الطلب، وفقا لأمزجة المستهلكين، تتوجّه إلى أسواق صغيرة محدودة .. و كلّ هذا دون زيادة في تكلفة الإنتاج
نفس هذا التحوّل ينعكس على الخدمات المالية، حيث نشهد تنوّع خطوط إنتاج هذه الخدمات بشكل متزايد، مع انكماش زمن حياة المنتج الجديد، من منتجات الخدمة المالية
نحن نمضي إلى اقتصاد عالمي (جلوبال)، يعمل بسرعة فائقة للغاية، تضاهي سرعة انتقال النبضات الإلكترونية . كما يخضع لمبدأ الإنتاج حسب الطلب :مثال هذا تحوّل خدمات البنوك من ساعات العمل إلى خدمات على مدى 24 ساعة في اليوم

من الملموس، إلى الرمزي

إنّنا نمضي إلى اقتصاد فائق الرمزية، و لكي نفهم ذلك دعونا نتأمّل المسار التاريخي للثروة
في عصر الزراعة كانت الثروة ملموسة محسوسة، و محدودة الاستخدام ( بمعنى أن استخدامي للأرض يمنع استخدام الآخرين لها )، و كانت أكثر أشكال رأس المال أهمّية
في عصر الصناعة، كانت الثروة أيضا ملموسة و محسوسة و محدودة الاستخدام ( بمعنى أن استخدامي للآلة أو السلعة، يمنع استخدام الآخرين لها ) . و كانت الخامات و الآلات، بدلا من الأرض، أكثر أشكال رأس المال أهمّية . و رغم أن رأس المال كان مادّيا، فإنّ المستثمر لم يكن يتاح له أن يلمس تلك الآلات أو الخامات التي تقوم عليها ثروته، مكتفيا بلمس ورقة ( سهم أو سند )، أيّ كان مكتفيا برمز لثروته
و مع نمو قطاع المعلومات و الخدمات في الاقتصاد المتطوّر، و الاعتماد على الكمبيوتر في الصناعة ذاتها، أصبح من الضروري أن تتغيّر طبيعة الثروة . في القطاعات الإنتاجية المتطوّرة، لا يتطلّع المستثمر إلى "الأصول الثابتة" التقليدية، كالمصنع و المعدّات و الأرض و المخزون، بل يهتم بعناصر مختلفة من أجل تعظيم استثماره، كالعلاقات و قوّة نشاط التسويق، و مدى الكفاءة التنظيمية، و الأفكار التي تنبض في رؤوس العاملين
هذا التحوّل في رأس المال... ينسف الافتراضات التي قامت عليها الأيديولوجيات الرأسمالية و الاشتراكية،لأنّ كلّ منها قامت على العناصر المحدّدة لرأس المال التقليدي
هذا كلّه يعني أننا نحتاج إلى نظريات اقتصادية جديدة، تتعامل مع اقتصاد رمزي يقوم على المعرفة، التي تختلف عن رأس المال في أنّها : (1) بإمكان عدّة أفراد استخدامها في الوقت نفسه، بعكس الأرض أو الآلة، (2) لا يحدث استهلاك لها، بل تنمو مع زيادة المستهلكين، (3) لا تخضع للاحتكار.
معنى هذا، أن رأس المال يسير في رحلة من الملموس المحسوس، إلى ورقة ترمز إلى أصول ثابتة إلى ورقة ترمز إلى رموز دائمة التغيير، في رؤوس العاملين .. و أخيرا، إلى نبضات إلكترونية ترمز إلى الورق، و هذا هو الاقتصاد فائق الرمزية
و هذه الثورة، تحظى بالمساندة المتزايدة، نتيجة للتغيّرات الثورية في طبيعة النقود . لقد اختفت النقود المعدنية بعد ظهور النقود الورقية، و تحوّلت النقود الورقية بعد ذلك إلى نبضات تعتمد على لغة الكمبيوتر
عمالة جديدة، و بطالة جديدة

هذه هي بعض أوجه الخلاف، بين الاقتصاد الذي ما زلنا نتكلّم عنه جميعا، و بين الاقتصاد الجديد الزاحف، الذي لا بد أن نفهم أبعاده، و نتعرّف على حقائقه الجديدة، تمهيدا لأن نعيد بناء اقتصادنا على أساس هذه الحقائق، إذا رغبنا في أن تكون لنا مكانة في عالم الغد
إلاّ أنّ الأمر لا يقف عند حد هذه الاختلافات التي أوردناها
في عصر الصناعة، كان من الممكن تنشيط الاقتصاد، و خلق وظائف جديدة، لمواجهة البطالة، عن طريق حقن السوق بمزيد من رأس المال، أو بدعم القدرة الشرائية عند المستهلكين . كان هذا الحلّ لمشكلة البطالة ممكنا، لأنّ طبيعة العمل كانت محدودة و عضلية و روتينية، ممّا يسمح بإحلال عامل محل آخر، دون توقّف الإنتاج
أمّا الآن، و في إطار تنامي العمالة العقلية أو المعرفية، و بعد أن تكفّل الكمبيوتر و الروبوت بمعظم الأعمال الروتينية القابلة للبرمجة، في المصنع و المكتب، فإنّ الحلول التقليدية لمشكلة البطالة تبدو غير قابلة للتطبيق .. إلاّ إذا فهمنا الصورة الشاملة للتغيّر ، و نبعت حلولنا من الفهم الجديد لطبيعة الاقتصاد الزاحف
الاقتصاد فائق الرمزية

الاقتصاد الجديد، فائق الرمزية، يقتضي رؤية جديدة للعمالة و الطاقة، و يقتضي في ذات الوقت رؤية جديدة للتقسيم التقليدي للنشاط الاقتصادي، كقطاعات زراعية و صناعية و خدمات . التغيّرات المتسارعة التي نلمسها اليوم في جميع أنحاء العالم، تهزّ جوهر ذلك التقسيم الحاسم
إذا سألنا أنفسنا : ما الذي يقوم به هؤلاء الناس ـ فعلا ـ في هذه الشركات، لتحقيق القيمة المضافة ؟ . لاكتشفنا أن الأعمال في القطاعات الثلاثة تتضمّن المزيد و المزيد من العمليات الرمزية، أو : العمل العقلي
هذا هو مجرّد جانب صغير من ملامح الاقتصاد الجديد، و ما لم نسعى إلى استكمال الرؤية، فإنّنا نعرّض اقتصادنا لهزّات مفاجئة، لا تحمد عقباها
و إلى الرسالة القادمة، لنرى طبيعة عمالة عصر المعلومات

السبت، أكتوبر ١٣، ٢٠٠٧

اقتصاد جديد لمجتمع المعلومات



حتمية إعادة بناء اقتصاد الدول النامية


تحدثنا في الرسالة السابقة عن أول الضربات التي تنتظر الدول النامية، نتيجة لدخول البشر إلى عصر المعلومات، نعني بذلك انقضاء جدوى بيع أو تأجير القواعد العسكرية للدول الكبرى . و اليوم نتحدّث عن الضربتين الثانية و الثالثة، و نعني بها عدم جدوى إقامة اقتصاد هذه الدول على بيع المواد الخام أو الوقود، و انتهاء مورد العمالة الرخيصة الذي كانت تعتمد عليه الدول التي تقيم تنميتها الاقتصادية على أساس تصدير المواد الخام المستخرجة من باطن الأرض، مثل النحاس و البوكسيت و الفحم و البترول، عليها أن تفهم طبيعة التحوّلات الحالية، التي تفقد هذه المواد الخام قيمتها، و تضعف الطلب عليها، و تهبط بعائدها إلى حدّ أن تتبدّد جدواها الاقتصادية

نفايات اليوم، تصبح ثروة في الغد

الموارد التي تعتبر حيوية هذه الأيام، قد تصبح بلا قيمة غدا .. و على العكس من ذلك قد تصبح نفايات اليوم ـ فجأة ـ ذات قيمة عظمى، هذا ما يقوله ـ عن حقّ ـ آلفن توفلر
لقد نظر العالم إلى البترول باعتباره خامة غير ذات فائدة، إلى أن زحفت تكنولوجيات الصناعة، و بصفة خاصّة آلة الاحتراق الداخلي، فصار البترول من الخامات الحيوية . و ظل التيتانيوم مجرّد مسحوق أبيض لا قيمة له، إلى أن أصبحت له أهمّية كبرى في صناعة الطائرات و الغوّاصات
و اليوم، تفعل الموصّلات فائقة القدرة، "سوبر كونداكتورز"، مثل هذا الانقلاب، فهي تعمل على تخفيض الحاجة إلى الطاقة، و تحدّ من الفاقد في عمليات نقل الطاقة الكهربائية . و هذه الموصّلات فائقة القدرة، تعتمد في صناعتها على خامات جديدة
و يقول أمبرتو كولومبو، رئيس جمعية العلوم و التكنولوجيا في مجموعة الدول الأوروبية، " في مجتمعات اليوم المتقدّمة الغنية، كلّ زيادة في الدخل القومي للفرد، ترتبط بارتفاع أقلّ قي كميات المواد الخام و الطاقة المستخدمة " . هذا بالإضافة إلى أن المعلومات و المعارف العلمية تزيد من قدرتنا على خلق مواد بديلة للمواد التي كانت الدول الكبرى تستوردها

مواد مخلّقة حسب الطلب
تصبح الاقتصاديّات المتقدّمة قادرة ـ في وقت قريب ـ على خلق تنوّع كامل من المواد المخلّقة حسب الطلب، اعتمادا على بعض النفايات التي لا قيمة لها
و العلم الجديد، "علم النانو تكنولوجي"، يتيح بناء آلات أصغر آلاف المرّات من شريحة الكمبيوتر فائقة الصغر . هذه الآلات نقوم ببنائها ذرة بذرة، و جزيء بجزيء ! . و هذا يعني أنّنا نتحوّل من المواد الخام هائلة الحجم، التي تشغل أكبر الموانئ و المخازن، إلى التعامل مع الذرات التي يمكن الوصول إليها بسهولة من خامات لا قيمة لها في الطبيعة، تتوفّر في أراضي و بحار كلّ دولة
و هذا يعني أن القوّة تتحوّل من منتجي المواد الخام، ضخمة الحجم، إلى أولئك الذين يتحكّمون في المعارف اللازمة لتخليق المواد الجديدة، التي لم تكن معروفة من قبل
تصدير العمالة الرخيصة

بعد انقضاء القيمة الاستراتيجية للأرض و القواعد، و بعد تناقص قيمة تصدير المواد الخام المستخرجة من المناجم و الآبار، نأتي للضربة الثالثة التي يحتمل أن تتلقّاها الدول النامية، نعني بذلك اعتمادها على تصدير العمالة الرخيصة كمورد من مواردها
في أعقاب الثورة الصناعية، سعت الدول الصناعية إلى البحث عن عمالة رخيصة، تدعم بها موقفها التنافسي بالنسبة للدول الصناعة الأخرى . و من ثمّ أقامت العديد من الدول النامية مستقبلها الاقتصادي على وهم بيع العمالة الرخيصة، باعتبار أن هذا سيقود إلى التحديث و مواكبة العصر . و نتيجة للنجاح الذي حققته بعض هذه الدول، مثل كوريا الجنوبية و تايوان و هونج كونج و سنغافورة، شاع اعتقاد في جميع أنحاء العالم، أن التحوّل من تصدير المنتجات و المحاصيل الزراعية و المواد الخام إلى تصدير البضائع المصنّعة المعتمدة على العمالة الرخيصة، هو السبيل الأمثل ـ حاليا ـ إلى التنمية و التطوّر
العمالة الرخيصة أكثر تكلفة

و مع هذا، فإن واقع الأمر على المدى البعيد، يقول عكس هذا تماما، باعتبار أن هذا التوجّه يتناقض مع الأسس الجديدة لخلق الثروة، و مع النظام العالمي الجديد الذي يسود العالم بأكمله . نقول هذا رغم أن لعبة العمالة الرخيصة مازالت تمارس في جميع أنحاء العالم
و السرّ في هذا أنه في ظل الاقتصاد الجديد لعصر المعلومات تصبح العمالة الرخيصة أكثر تكلفة بشكل متزايد، كما تصبح أجور العمّالة ذاتها عنصرا أصغر في التكلفة الكلّية للإنتاج . و على العكس من هذا، فإن التكنولوجيات الجديدة، و التدفّق الأسرع و الأفضل للمعلومات، و نقص المخزون، يمكن أن تساعد على خفض التكلفة، أكثر بكثير ممّا يمكن أن يحقّقه خفض تكلفة ساعات العمل
و هذا هو السر في أنّه من الممكن أن تكون إقامة مصنع متطوّر في اليابان أو أمريكا أو ألمانيا، يعتمد على عدد محدود من الموظّفين أصحاب التعليم المرتفع و المرتّبات العالية، أكثر ربحية من إقامة مصنع متخلّف في الصين أو البرازيل أو كوريا الجنوبية، يعتمد على جماهير كبيرة من العمالة منخفضة التعليم و الأجور

الاقتصاد المتسارع هو الحلّ

إلاّ أن القصة أبعد من مجرّد انقضاء الاعتماد على القواعد و المواد الخام و العمالة الرخيصة . فالاقتصاد الجديد ـ كما قلنا من قبل ـ يصنّف الدول كدول اقتصاد سريع و دول اقتصاد بطيء . الاقتصاد السريع شرط تحقّقه توفّر البنية التحتية الإلكترونية، التي يتطلّبها القيام بعمليات الاقتصاد فائق السرعة . أي أن المطلوب، ليس هو توفّر الموقع العسكري الاستراتيجي، و ليس توفّر الخامات والوقود و العمالة الرخيصة، و لكنّه توفر البنية الإلكترونية اللازمة للقيام بالعمليات الاقتصادية السريعة، مع توفّر البشر المؤهّلون للتعامل مع تلك البنية، بمعارفهم و بالإيقاع المناسب لها
الخبر السعيد

الخبر السعيد، وسط هذه المخاوف، و الذي يجب أن تعيره الدول النامية اهتمامها الأكبر، هو أن النظام الجديد لخلق الثروة يجيء معه بإمكانات مستقبل أفضل جدّا، بالنسبة للتعداد الضخم الذي يضم فقراء العالم لكن هذا مشروط بالتالي
* إدراك قادة الدول النامية لجوهر التغيّرات الحادثة، و لأهمّية سرعة الاتّصال و الانتقال، و سرعة التعامل مع المعلومات و المعارف
* إدراك أن رأس الحربة في تجاوز التخلّف، و اللحاق بالمجتمعات المتقدّمة، هو إقامة بنية تحتية إلكترونية متكاملة

* إعادة بناء التعليم على أساس العلوم الجديدة و التكنولوجيات المتطوّرة، لإرساء أساس العمالة العقلية التي يفرضها مجتمع المعلومات، و وفقا لمطالب النظام الجديد لخلق الثروة .. ذلك النظام فائق الرمزية، فائق السرعة
و سنحاول في رسالة قادمة أن نوضّح تفاصيل ذلك النظام الاقتصادي الجديد الذي يجيء به مجتمع المعلومات

الأحد، أكتوبر ٠٧، ٢٠٠٧

إقتصاد جديد لمجتمع المعلومات



أخبار غير سارة للدول النامية
الموقع ــ الخامات ــ العمالة الرخيصة
في عالم اليوم، أصبحت المعلومات و المعارف المفتاح الرئيسي في صراع القوّة العالمي الدائر . فما هو مستقبل الدول النامية، و الدول العربية بالتحديد، في إطار هذا كلّه ؟
قبل أن نجيب على هذا السؤال، يحضرني تعليق للكاتب المستقبلي آلفن توفلر حول تعبير الدول النامية، فهو لا يميل إلى تعبير " الدول منخفضة التنمية "، الشـائعة في أدبيات الغرب، و يفضّل عليه تعبير" الد ول منخفضة التنمية الاقتصادية "، باعتبار أن الكثير من هذه الدول تكون على درجة عالية من النمو الثقافي، أو النمو في مجالات أخرى أيّا كانت التسمية، فهذه الدول لم تعد تشكّل مجموعة واحدة . و بمثل ما يتنوّع كلّ شيء في حياتنا، نتيجة لثورة المعلومات، فقد انقسمت هذه الدول و تنوّعت و تمايزت، وفقا لمدى أخذها بأدوات مجتمع المعلومات، و من ثمّ وفقا لمكانتها في صراع القوّة العالمي الدائر

مجموعات الدول النامية

ما هو الوضع الحالي لما يطلق عليه تعبير الدول النامية؟
• هناك مجموعة من الدول شديدة الفقر، التي ما زالت تعتمد ـ في الأغلب ـ على العمالة الزراعية، بالطريقة التي شاعت خلال عصر الزراعة، و أمثلتها عديدة في آسيا و أفريقيا
• و مجموعة أخرى تحقّق لها وجود صناعي مؤثّر، و أخذت بالأسس و المبادئ الخاصّة بالمجتمع الصناعي، لكن الزيادة السكّانية بها جمّدت انطلاقها التنموي .. مثل مصر و البرازيل و الهند
• ثم هناك أخيرا، مجموعة دول جنوب شرق آسيا، التي استكملت تصنيعها، و بدأت تتحرّك بسرعة تجاه صناعات و خدمات عصر المعلومات.. مثل تايوان و كوريا الجنوبية و سنغافورة
داخل كل مجموعة من هذه المجموعات الرئيسية للدول النامية، يتزايد التمايز و الخلاف، وفقا للفهم و القدرة على التطبيق، فتنقسم كلّ منها إلى مجموعات فرعية
الدول السريعة و البطيئة

بعد الحرب العالمية الثانية، جرى تقسيم العالم إلى دول رأسمالية و دول اشتراكية، و إلى دول شمال و دول جنوب . إلاّ أن هذه التقسيمات تفقد دلالتها اليوم، مفسحة المجال لتقسيمات نابعة من طبيعة التحوّل العالمي، الذي تحدثه ثورة المعلومات، و تعجّل بإيقاعه
من بين أهمّ هذه التقسيمات الجديدة، تقسيم العالم إلى دول سريعة، و دول بطيئة .. أو بشكل أدقّ: دول الاقتصاد السريع، و دول الاقتصاد البطيء .. تماما كما يجري تقسيم أصناف الكائنات وفقا لسرعة نظامها العصبي .
يشرح توفلر هذا، فيشير إلى أن التكنولوجيا المتطوّرة تتيح زيادة سرعة الإنتاج، ثم يستدرك قائلا أن هذا هو أبسط ما في الأمر، ذلك لأن إيقاع الإنتاج يتحدّد بسرعة تبادل الاتّصالات، و بالوقت اللازم لاتّخاذ القرارات، خاصّة في مجال الاستثمار، و بالمعدّل الذي يصل فيه ذلك الإنتاج إلى السوق، و بسرعة تدفّق رأس المال .. و فوق هذا كلّه، بالسرعة التي تنبض بها البيانات و المعلومات و المعارف في النظام الاقتصادي .
خلاصة القول، أن الاقتصاديات السريعة تولّد الثروة و من ثمّ القوّة، بشكل أسرع ممّا يحدث في الاقتصاديات البطيئة
الضربات الثلاث المتوقّعة

النظام الجديد لخلق الثروة في العالم، يفرض على قادة الدول النامية أن يدركوا طبيعة هذا التحوّل، و أن يتّخذوا الخطوات اللازمة لإعادة البناء الاقتصادي لبلادهم، حتّى لا يتم إقصاء دولهم عن الأسواق العالمية، و عزلها عن الاقتصاد الديناميكي
لكي يدرك قادة الدول النامية أهمّية الإسراع بعملية إعادة البناء الاقتصادي لدولهم، نستعرض ثلاثة تحوّلات اقتصادية مهمّة تتعرّض لها الآن معظم الدول النامية، و هي تنبع بشكل مباشر، أو غير مباشر، من زحف النظام الجديد لخلق الثروة في عالمنا عند تحديد مدى قوّة الدولة أو ضعفها اقتصاديا، يثار سؤال أساسي ما الذي لدى هذه الدولة، ممّا يمكن أن تبيعه للعالم ؟ و يمكننا أن نحصر ما يمكن أن تبيعه الدول النامية، أو بشكل أصحّ ما كان ممكنا تقليديا، أمكننا أن نحصر ذلك في ثلاثة موارد أساسية، هي :
المواقع الاستراتيجية من الأرض
المواد الخام المستخرجة من باطن الأرض
العمالة الرخيصة
هذه الموارد ـ بالذات ـ تعرّض الدول النامية في المستقبل القريب لثلاث ضربات موجعة، تؤثّر على اقتصادها، نتيجة للتغيّرات التي يأتي بها مجتمع المعلومات
انقضاء العصر الذهبي للحرب الباردة
سنقصر الحديث اليوم على المورد الأوّل التقليدي الذي كان من الممكن لبعض الدول النامية أن تقدّمه لباقي العالم، لوقت ما، نعني بذلك الموقع الاستراتيجي . و رغم أن الاقتصاديين عادة ما يسقطون اعتبار الأرض ذات القيمة الاستراتيجية عسكريا من بين الموارد القابلة للبيع، إلاّ أن هذا المورد شكّل دخلا لا يستهان به، بالنسبة للعديد من دول آسيا و أفريقيا و أمريكا اللاتينية . لقد كانت الدول الكبرى تبحث عن دعم لقوّتها العسكرية و السياسية، و من ثمّ أبدت استعدادا دائما لأن تدفع في سبيل ذلك، و خاصّة خلال سنوات الحرب الباردة
ومع هبوط حدّة التوتّرات التي كانت قائمة بين الولايات المتّحدة و الاتّحاد السوفييتي، شعرت دول العالم الثالث أن العصر الذهبي للحرب الباردة قد انقضى
تحالفات قصيرة المدى

و يرجع تدهور سوق المواقع الاستراتيجية، و التسهيلات العسكرية إلى عدّة أسباب
• تطوّر قدرات النقل، و اتساع مدى رحلات الطائرات و الصواريخ، و تكاثر نشاط الغوّاصات الأعلى كفاءة، ممّا قاد إلى تناقص الحاجة إلى تسهيلات الصيانة و الإمدادات
• و حتى عندما تعمد القوى الكبرى مستقبلا إلى مواصلة البحث عن القواعد أو إنشاء مراكز تنصّت على الأقمار الاصطناعية، أو إلى بناء مطارات أو البحث عن تسهيلات للغوّاصات في أرض أجنبية، فإن "عقود الإيجار" ستكون لزمن قصير، فالتغيّرات المتسارعة الحالية تجعل التحالفات قصيرة العمر، و مؤقّتة
• و إذا كان صعود القوّة العسكرية لليابان في الباسفيكي ـ على سبيل المثال ـ يمكن أن يدفع الفليبين و غيرها من دول المنطقة إلى الترحيب بالولايات المتّحدة، أو غيرها من الدول العظمى، بهدف تحقيق التوازن في وجه أي تهديد ياباني محتمل، فإن هذه الدول النامية سيكون عليها أن تدفع ثمن حمايتها، لا أن تقبض
انتهاء عصر الاعتماد على بيع أو تأجير الأراضي ذات الموقع الاستراتيجي، سيخل بتوازن القوى المرهف بين الدول النامية، و يقود ـ مستقبلا ـ إلى عمليات تحوّل في القوّة داخلها، بشكل معقّد للغاية . هذا عن الضربة الأولى التي تنتظر الدول النامية .. أمّا الضربة الثانية فستأتي من إقامة تنميتها الاقتصادية على أساس تصدير المواد الخام و الوقود

و هذا هو موضوع الرسالة القادمة

الخميس، أكتوبر ٠٤، ٢٠٠٧

من المسئول عن غياب المشروع المستقبلي لمصر؟

مصري يفكّر في مصر من باريس
درويش الحلوجي .. مفاجأة سعيدة

كنت أفكّر في أن تكون رسالتي هذه حول " الأخبار غير السارّة الي تنتظر لدول النامية " و لكنّي آثرت أن أنشر هذه الرسالة، التي أرسلها مصري يفكر في مصر و هو على أرض فرنسا .. بعكس الطبقة الحاكمة و بعض القيادات الفكرية عندنا، التي تفكّر في الولايات المتحدة الأمريكية، و هي تمرح في خيرات مصر . ما علينا..دعوني أتدارك تقصيري في تأخّر نشر هذا الخطاب، و أفرد له هذه لرسالة بأكملها، لكي نرأها و نتدارس معا ما بها من أفكار إليكم خطاب المفكّر و الكاتب المصري درويش الحلوجي
عزيزي راجي عنايت
الآن يمكن ان اكتب اليك بعض الملاحظات على مقالك الاخير

اولا- كل الأفكار التى اوردتها فى مقالك تصب فعلا فى رؤية مستقبلية تأخذ بها دولا ومؤسسات عديدة ولا اعتقد ان فى مصر من يمتلك مثل هذه الرؤية التى هى فى الاساس منهج فى التفكير وما يحدث فى مصر الآن ونراه جميعا لا يدل على وجود شئ من ذلك.
ثانيا- مع اتفاقى الكامل للأفكار التى عرضتها اود ان اركز على ملاحظة تتعلق بمسألة نظام السوق او الاقتصاد الحر وهى كلمات قد تختلط عند البعض خصوصا لانها تستخدم فى غير موضعها، كيف؟ الاجابة تكمن فى الرد على تساؤل منطقي هو هل الاقتصاد فى خدمة البشر ام البشر فى خدمة الاقتصاد؟ الاجابة على هذا السؤال تحدد مدى جدية السياسات والاستراتجيات التى يتبعها بلد أو مجتمع ما. اذا استبدلنا كلمة اقتصاد السوق او الاقتصاد الحر بكلمة الحداثة ذلك ان هدف اى نظام اقتصادي او سياسي/اجتماعي هو تحديث المجتمع والوصول به الى حالة افضل فى كل المجالات، فإننا نلاحظ دون كثير من الجهد ان تحقيق المشروع الحداثي متعدد الطرق ولا يتبع نموذجا واحدا فقط. لكن من يتولون الأمور هنا فى مصر لا يرون طريقا لتحقيق تحديث مصر الا النموذج الغربي وتحديدا النموذج الامريكي وهو ما يفسر ذلك الخلط لدى هؤلاء بين العولمة والأمركة فالنموذج الاوروبي على سبيل المثال لا يتبع النموذج الامريكي بل يتصدى له فى مجالات كثيرة لعل اهمها مجالي الثقافة والمنتجات الزراعة (مؤتمرات منظمة التجارة العالمية والمؤتمر العام لليونسكو الاخيررفضا المقترحات الامريكية بتسليع الثقافة على سبيل المثال).
لقد حققت دولا كثيرة تتربع الآن على قمة الهرم الحداثي العالمي مشروعها الحداثي واندمجت فى نظام السوق العالمي دون ان تفرط فى هويتها او استمرارية نظامها الاجتماعي السياسي والتعليمي وربما مثال الصين لايحتاج الى تدليل على صحة هذه المقولة فالصين اليوم فى مقدمة الدول التى انجزت مشروعها الحداثي دون ان تتخلى عن هويتها الثقافية بل ونظامها السياسي الاجتماعي (لايزال الحزب الشيوعي هو الحزب الذي يقود هذا المشروع!) كما ان روسيا الحالية قد حققت نفس مشروعها الحداثي تحت راية الحزب الشيوعي السوفييتي (ذلك ان البنية الاساسية للمشروع الحداثي تمت فى الحقبة السوفيتية)، ولا يوجد فى كل من الصين وروسيا حاليا أي تهديد لكل من اللغتين الصينية والروسية كما هو الحال الذي تواجهه اللغة العربية فى مصر مع وجود نظم تعليمية متعددة الجنسيات وجامعات أجنبية كادت ان تصل الى جامعة لكل بلد أوروبي بالاضافة الى كندا ناهيك عن الجامعات الخاصة التى لانعلم كيف تعمل وماذا تقدم وأي نوعية من البشر تفرخ
بل يمكننا ان نذهب الى ما هو ابعد من الامثلة السابقة فنرى دولا شمولية حققت مشروعها الحداثي فى ظل نظام حكم دكتاتوري يقوده جنرالات كما هو الحال فى كوريا الجنوبية واخيرا ربما يكون المثال الياباني خير معبر عن صحة هذه المقولة فالنظام السياسي/الاجتماعي الياباني الذي انجز ما حققته اليابان هو نظام يمكن تصنيفه بالاقطاعي حيث الامبراطور هو رمز وتجسيد لعقيدة تتضمن الولاء والطاعة العمياء وتقديس لتعاليم ومبادئ فلسفات وعقائد والامثلة كثيرة من البرازيل الى الهند الخ.
ثالثا- اصل هنا الى نقطة اتفاق اخرى جاءت فى مقالك تتعلق بعدم وجود مشروع حداثي مستقبلي فى مصر. هنا يبرز سؤال او اكثر: لماذا؟ من المسؤول؟ هل تفتقد مصر العقول التى يمكنها صياغة مثل هذا المشروع؟ وما اسباب افتقاد الرؤية المستقبلية هذه؟ لماذا لم تستطع مصر انجاز مشروعها الحداثي بعد مرور أكثر من نصف قرن على محاولتها الأخيرة؟ هل يكمن السبب فى ضعف وهشاشة النخب السياسية والفكرية المصرية ام ان هناك تفسير آخر؟
هل الأليات التى تتشكل بها النخب المصرية حاليا من تعدد نظم التكوين والتعليم يمكن ان تؤدي الى تحقيق مثل هذا المشروع أم على العكس ستشكل عاملا هادما ومدمرا لتوازن البناء الاجتماعي وتوافق وتجانس المناخ الثقافي والفكري السائد فى المجتمع المصري؟
هذه الأسئلة وأسئلة اخرى كثيرة تحتاج الى تأمل جدي بعيدا عن تهريج المعالجات التلفزيونية او الصحفية السريعة. للإجابة على هذه الاسئلة المركبة والمتشعبة ربما يكون من المفيد القاء نظرة نقدية وتحليلية فى نفس الوقت على مسار المجتمع المصري خلال النصف قرن الاخير وتحديدا منذ قيام نظام يوليو عام 1952 وهنا نسجل ما يلي :
أحدث نظام يوليو قطيعة مع نظام استمر مايقرب من القرن ونصف القرن أى منذ اعتلاء محمد على السلطة وتولى اسلافه من بعده حكم مصر حتى قيام نظام يوليو
المسيرة المصرية الحديثة

بدأت مصر مسيرة جديدة تماما منذ عام 1952 فتم تغيير نظام الحكم الى نظام جمهوري وتداعت التغيرات وتم تبني سياسات تحمل ملامح مشروع لتحديث مصر انتهج سياسات التصنيع والاستقلال الوطني وانحياز اجتماعي واضح لطبقات اجتماعية على حساب طبقات طبقة او شرائح اجتماعية اخرى واستمرت هذه المرحلة من نظام يوليو حتى وفاة عبد الناصر فى سبتمبر عام 1970 ، ويمكن ان نعرف هذه المرحلة بمرحلة بناء الاشتراكية على الطريقة الناصرية مع ملاحظة ان هذه الاشتراكية كانت تفتقد الى الاشتراكيين وهو مايفسر ان القرارات والقوانين التى شكلت اساس هذه المرحلة كانت تتم بشكل فوقي يعتمد اساسا على كاريزمية الزعيم التاريخي لهذه المرحلة!
مع مجئ السادات حدث الانقطاع الثاني خلال اقل من عقدين لكن هذه المرة من داخل نفس النظام اى نظام يوليو مع دخول النظام الى مرحلة ثانية تمثلت فى التخلي عن المشروع الاساسي وتصفية رموزه ضمن عملية الصراع على مقاليد السلطة
بنجاح السادات فى القضاء على ما اطلق عليه مراكز القوى وهو تعبير عن رموز مشروع نظام يوليو فى مرحلته الناصرية فقدالنظام مضمونه الايديولوجي وحدث تفكك و فراغ عقائدي فى المشروع التحديثي الذي بدأ عام 52 ولم يجد السادات امامه الا ان يملأ هذا الفراغ بالايديولوجية الدينية فأعاد جماعة الاخوان وجريدتها الدعوة كما قام بخلق جماعات اسلامية باستخدام ادوات التنظيم السياسي الوحيد الذي كان قائما ختى ذلك الوقت وهو الاتحاد الاشتراكي العربي الذي تولى مسؤول التنظيم فيه محمد عثمان اسماعيل تمويل وتجهييز الجماعات الاسلامية التى اوكل اليها التصدى للحركات السياسية فى الجامعة بشكل اساسي فى ذلك الوقت (الحركات الطلابية 1972-1973). استمر محمد عثمان اسماعيل فى مهمته الخاصة بخلق وتجهييز الجماعات الاسلامية بعد ذلك من محافظة اسيوط التى عين محافظا لها وهذا عامل من بين عوامل اخرى لما تحتله هذه المحافظة من ثقل لنفوذ هذه الجماعات. بجانب ذلك كان عثمان احمد عثمان رجل الاقتصاد القوي وصهر السادات يقوم بنفس المهمة فى معسكرات التثقيف الديني التى كان يقيمها سنويا بمدينة الاسماعيلية لشباب الجماعات الدينية كل عام
استدار السادات دورة كاملة على المشروع الذي بدأ عام 52، وبعد استبدال الاشتراكية بأيديولوجية ذات مضمون ديني واضح مع تغير الخطاب السياسي واستبدال الشعارات السابقة بشعارات تعكس توجه المرحلة مثل دولة العلم والايمان واخلاق القرية واصدار قانون العيب بل ان الامر وصل الى حد الحديث عن امكانية عودة الخلافة ! لكن هذه المرحلة الثانية من نظام يوليو لم تستمر طويلا حتى تحقق اهدافها حيث شهدت اضطرابات اجتماعية وسياسية عديدة لعل اخطرها واشهرها انتفاضة يناير 1977 التى عكست مدى الازمة التى وصل اليها نظام السادات المتسرع الى إعادة النظام الرأسمالي لكن بلا راسماليين
حاول السادات خلق طبقة او شريحة راسمالية عن طريق سياسة الانفتاح الاقتصادي والقوانين التى سنت على عجل لتسهيل ظهور هذه الطبقة لكن النتيجة كانت مجموعات حققت ثروات مالية سريعة عن طريق الاتجار فى العملة وتهريب المخدرات وما عرف بعد ذلك بقضايا الفساد التى قدم بعضها للمحاكمات مع بداية حكم مبارك (رشاد عثمان وعصمت السادات شقيق الرئيس السابق نفسه). وانتهت هذه المرحلة ثانية من نظام يوليو كما نعرف جميعا بإغتيال السادات من قبل من خلقهم هو نفسه وذلك وسط جيشه واثناء العرض العسكري الذي يرمز الى اهم انجاز التصق باسمه اى حرب اكتوبر.
بإغتيال السادات انتهت المرحلة الثانية من نظام يوليو ومع مجئ مبارك كان الوضع المصري فى وضع سيريالي ! لقد هدم السادات مشروع ناصر الوطني ذو الابعاد أو الملامح الاشتراكية ولم ينجح السادات فى تحقيق حلمه او مشروعه بعودة الرأسمالية على الرغم من كل الشعارات والقوانين والتسهيلات وكم الفساد الذي ساد هذه المرحلة بهدف خلق طبقة راسمالية تتولى قيادة او تحقيق مشروع مصر وفقا لرؤيته
الأوضاع الحالية السيريالية

استمر الحال السيريالي مدة اكثر من عقد شهدت مصر خلالها حالة من الارتباك الايديولوجي وغياب المشروع المستقبلي ذلك ان من اغتالوا السادات كانوا هم ممثلوا الايديولوجية التى استعان بها السادات لمواجهة الايديولوجيات الاخرى المعارضة له سواء كانت وطنية ليبرالية او يسارية اشتراكية او ناصرية قومية (حملة الاعتقالات التى سبقت اغتيال السادات شملت جميع هؤلاء) كما تصاعدت اعمال العنف السياسي والمجتمعي بشدة كان ابرز تجسيد لها تمرد قوات الامن المركزي 1986 و وموجات العنف الديني المسلح فى التسعينيات.
بعد حالة التوهان الايديولوجي والسياسي التى استمرت اكثر من عقد ونصف العقد بدأ مبارك فى حسم توجهه فى الاستمرار فيما بدأه السادات مع استخدام لعبة التوازن مع التيارات السياسية الورقية التى تم خلقها على الخريطة الافتراضية للحياة السياسية المصرية بعد الغاء الاتحاد الاشتراكي وخلق المناير التى تحولت الى احزاب بقرارات رئاسية فوقية وهو العامل المشترك القوى الذي لم يتغير مع تغير المراحل المختلفة لنظام يوليو اى الاحتفاظ بهيمنة جكم الفرد مع اختلاف مشروعية كل من المراحل الثلاث. منذ اواسط التسعينيات بدأت سياسات دفع الاقتصاد المصري و محاولة الاسراع فى التحول الرأسمالي بمساعدة من ووفقا لسياسات وشروط البنك الدولي والمؤسسات الدولية الاخرى مثل صندوق النقد الدولي ومجموعة باريس الخ، وبسبب فرادة التجربة من الناحية الاقتصادية كانت قضايا الفساد التى شهدتها هذه السنوات ولا زالت شاهد على فشل هذا التحول بل وعلى مايحمله من افاق كارثية مستقبلية للمجتمع المصري بل وللنظام السياسي القائم ذاته. الفشل كان اكثر وضوحا فى فترتي عاطف عبيد والجنزوري وكان التداخل وازدواجية الخطاب الذي لايزال يستخدم مصطلحات المرحلة الاولى والثانية لنظام يوليو بالاضافة الى قاموس المصطلحات الجديدة المتضمن فى برامج البنك الدولي وبيوت الخبرة وهو ما نراه ونسمعه كلما تحدث احد من مسؤلي الحزب الوطني وخصوصا اعضاء لجنة السياسات والهيئات الملحقة به مثل دورات شباب رجال الاعمال وشباب الحزب والمرأة الخ, يكفي ان تستمع الى تلك الاسطوانات المشروخة عندما يتحدث واحد من هؤلاء عن تسويق المنتج وجودة المنتج والحديث عن الثقافة والتعليم كمنتج لتعلم انه يكرر ما تلقنه فى دورات هذا الكيان الحزبي
لكن المأساة بل الجريمة التى ترتكب فى حق مصر ان من يقوم على إعداد وهيكلة هذه الدورات وتفريخ هذه النوعية من الشباب هم أنفسهم الذين كانوا يقومون بهذه المهمة فى المرحلتين الاولى والثانية من نظام يوليو حيث كانوا يقومون بتكوين كوادر الاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب الاشتراكي العربي فى المرحلة الناصرية من خلال محاضراتهم عن الاشتراكية والنظريات الاجتماعية والنظرية الماركسية الخ، وهم انفسهم الذين تولوا هذه المهمة فى المرحلة الثانية فى عهد السادات من خلال مواقعهم كوزراء للتعليم والاعلام وهاهم يمارسون نفس الدور فى هذه المرحلة الثالثة فى عهد مبارك بعد ان غيروا مضمون الخطاب الذي يشكلون به نخب الحزب والدولة للمرة الثالثة. لايحتاج الامر الى أى جهد لاستدعاء الأسماء فهم حاضرين دائما والدور الذي قاموا ولايزالوا يقومون به يشكل احد اهم العوامل التى ادت الى ما ألت اليه الاحوال المصرية. الاسماء ليست قليلة لكن هؤلاء المثقفوقراط والتكنوبيروقراط يجب محاسبتهم على ما الحقوه بمصر من ضرر طوال نصف قرن، يكفي ان نعلم ان ثلاثة من هؤلاء تولوا أمانة تنظيم الشباب الاشتراكي العربي وكانوا مسؤولين مباشرة عن برامج التثقيف وإعداد الكوادر لجيلين من شباب مصر: حسين كامل بهاء الدين واحمد ابو المجد ومفيد شهاب وبالطبع لايمكن نسيان على الدين هلال اما فى المجال التشريعي وشخصنة القوانين فإن اسم فتحي سرور واللجان التى تتبعه لا يحتاج الى تذكير
الآن، بعد هذا العرض الموجز لنصف قرن شهد ثلاث انقطاعات (الاشتراكي القومي- الشعبوي المتمسح بالدين- الرأسمالي المتعولم) هل يمكن لنا ان نستنتج ان الفشل فى تحقيق هذا المشروع يكمن فى هذا التخبط الذي تحلت به النخب المصرية التى تولت أمور حكم مصر خلال النصف قرن الاخير؟ ودون الدخول فى تحليل سوسيولوجي لطبيعة هذه النخب يكفي ان نرصد عامل مشترك يجمع بينها وهو الأصل والتكوين العسكري لرأس النظام، ونحن نعلم مدى خطورة واهمية الدور الذي يلعبه من يتربع على قمة نظام الحكم شديد المركزية فى مصر. لكن التحليل السوسيولوجي للتحولات البنيوية التى طرأت على المجتمع المصري خلال العقود الثلاث الاخيرة لابد ان يأخذ نصيبه من الاهتمام
الثقافة البدوية الوهابية
ان فهم ما يحدث فى مصر الآن لا يمكن ان يتم دون فهم الدور الذي لعبته موجات العمالة المصرية التى ذهبت بالملايين للعمل فى دول الخليج البترولية ثم عادت محملة ببعض المدخرات ولكن الاخطر انها حملت معها فكرا وثقافة بدوية نشهد مظاهرها بوضوح الآن. لكن حتى هذه الثقافة البدوية أو الوهابية لم تكن لتحقق مثل هذا الانتشار فى المجتمع المصري الذي يتميز تاريخيا بثقافة وبناء فكرى اكثر تقدما بلا ادنى شك، نقول ان ذلك لم يكن ليتحقق بدون تواطؤ داخلي عمل على اضعاف بل وتفكيك المكونات الثقافية والتراث الفكري الذي راكمه المجتمع المصري خلال القرن العشرين ونهايات القرن التاسع عشر، من هم المتواطئون؟ اين يوجد حصان طرواده الذي يسهل ويعمل على تمكين ثقافة وفكر اكثر تخلفا كي ينتشر ويهدد الفكر المستنير او الاكثر تطورا؟ علينا قبل ان يحدث الطوفان البحث عن حصان طرواده فالمعركة لازالت طويلة. حصان طرواده فى الاعلام وفى التعليم وفى الثقافة، هنا مربط الفرس

ملحوظة
بالنسبة لموضوع الدراسات المستقبلية سيكون لنا حوارات مفصلة وبهذه المناسبة يسعدني ان اخبرك بانني قد ترجمت مع بعض الزملاء كتابا هاما فى هذا الموضوع لمنظمة اليونسكو وهو كتاب مفاتيح القرن الحادي والعشرين
Keys to the 21st Century
ولأسباب ادارية ويونيسكوية كان هناك عقد آخر لترجمة نفس الكتاب مع مجموعة من اساتذة الجامعة فى تونس ولقد صدرت الطبعة الشمال افريقية ولم تصدر ترجمتى او الطبعة المصرية حتى الآن لكن هناك اتصالات وجهود لأخذ موافقة اليونسكو لإصدار هذه الترجمة فى مصر بسعر يكون فى متناول كل من يهتم بهذا الموضوع. الكتاب هو حصيلة حوارات وسيمينارات دارت طوال السنوات الاخيرة من القرن العشرين بين علماء واخصائيين ومفكرين وفلاسفة الخ. العديد منهم حاصلين على جوائز نوبل فى مجالات مختلفة من الفيزياء الى الكيمياء والاقتصاد والسلام الخ. والنسخة الانجليزية للكتاب تقع فى حوالي 400 صفحة من القطع الكبير والطبعة الفرنسية فى اكثر من خمسمائة صفخة. ويقع الكتاب فى خمسة اجزاء تغطي كل ما يمكن ان نتصوره من مجالات النشاط الانساني من طبيعة المستقبل ذاته فى ابعاده الفلسفية والابستمولوجية ومستقبل الانواع وكوكب الارض ثم مستقبل الثقافة والتعليم والتعددية فى هذين المجالين وبعد ذلك تناول لمستقبل العيش معا أو نحو عقد اجتماعي جديد واخيرا مستقبل العالم فى ظل العولمة أو نحو عقد اخلاقي جديد، ويحتوى كل قسم من هذه الاقسام على عشرات المداخلات او الدراسات التفصيلية
فى النهاية اعتقد ان حوارات كثيرة ستبدأ وآمل ان يكون هناك فى مصر الآن من يهتم بهذه القضايا المتعلقة بالروئ المستقبلية على اساس علمي حقيقي
تحياتي
درويش الحلوجي
باريس 29 مايو ‏2007‏

الثلاثاء، أكتوبر ٠٢، ٢٠٠٧

التفكير الناقد، و التفكير الابتكاري

تفكير زمن التغيير الشامل

لا شك أن التصدّي لمهمة مواجهة أسس جديدة للحياة، تترتب عليها علاقات اجتماعية و اقتصادية و سياسية جديدة، كما كان لأمر عند الانتقال من عصر الزراعة إلى عصر الصناعة، و كما هو الحال ـ اليوم ـ مع انتقال البشرية ن عصر الصناة إلى عصر المعلومات ذلك النوع من التصدّي يحتاج إلى توفر مجموعة من المزايا العقلية، و الضوابط الأساسية في عمليات التحليل و التركيب الفكري، و من بين ذلك القدرة على ممارسة نوعين خاصين من التفكير، و ليس الوقوف عند حد التفكير المنطقي التقليدي هما : التفكير الناقد، والتفكير الابتكاري

التفكير الناقــد

في زمن التغيير الشديد المتلاحق الذي نعيشه، و الذي تحكم حياتنا فيه أسس و مبادئ و عقائد جديدة علينا، تختلف في معظم الأحيان مع ما كنا نأخذ به، بل و تتناقض مع في كثير منها . في هذا الزمن نحتاج إلى إبداء حرص شديد في تناولنا للأفكار و المعاني و الأوضاع السائدة،حتى لا نقع ـ شعوريا أو لاشعوريا ـ في أخطاء تفكير تعوق وضوح رؤيتنا
التفكير الناقد يمكن أن يكون خير معين لنا في هذا المجال، فهو يتيح أن ندرك تنوّع القيم و ضروب السلوك و أنماط البناء المجتمعي في العالم . و هو يستوجب امتحانا دائما للافتراضات التي نأخذ بها، والتعرف على السياق الذي تخرج منه أفكارنا و عقائدنا، لنتأمل إذا ما كان ذلك السياق يتفق مع سياق حياتنا الحالي و المستقبلي
و من مقومات التفكير الناقد
( 1 ) التعرّف على الافتراضات و تحدّيها
من أهم أسس التفكير الناقد، محاولة التعرف على الافتراضات التي يقوم عليها تفكيرنا و ضروب سلوكنا . ثم امتحان هذه الافتراضات، و التحقّق من مدى سلامتها و اتفاقها مع واقع الحياة التي يعيشها . علنا أن نتساءل بالنسبة لكل ما نأخذه مأخذ التسليم، و نعتبره من الأمور البديهية، سواء في تنظيم العمل، أو في العلاقة مع الآخرين، أو في الأساس الذي يقوم عيه التزامنا السياسي و العقائدي ( 2 ) الانتباه إلى السياق الذي تنبع منه الافتراضات
عندما نعي أهمية الافتراضات الخفية في تشكيل عاداتنا الإدراكية، و في فهمنا للأمور، و في تفسيرنا للعالم من حولنا، و في سلوكنا .. عندما يتحقق هذا، نصبح أكثر إدراكا لمدى تأثير السياق الذي تنبع منه تلك الافتراضات . ممارس التفكير الناقد، يعلم أن الممارسات و التصرفات و الترتيبات الاجتماعية لا تكون بلا سياق يحكمها
( 3 ) تصور و امتحان البدائل
من الأمور الأساسية في التفكير الناقد، القدرة على تخيّل و امتحان بدائل للطرق الحالية التي يلتزم بها الفرد في تفكيره و في حياته . ممارس التفكير الناقد، عندما يتحقّق من أن العديد من أفكاره و تصرفاته تنبع من افتراضات قد لا تكون مناسبة لحياته الراهنة، ينشغل دوما باكتشاف و امتحان طرق جديدة للتفكير و التصرف . و هو يعي دائما أثر السياق في تشكيل كل ما يعتبره عاديا و طبيعيا
( 4 ) التشكك التأمّـلي
عندما نكتشف بدائل جديدة لما كنّا نفترض رسوخه من نظم الاعتقاد و السلوك التي تعودنا عليها، نصبح أكثر تشككا فيما يمكن أن نسميه "الحقيقة النهائية"، أو " التفسير الكامل" الذي لا يمكن أن يلحق به الخلل من أي جانب، و هو ما نطلق عليه :التشكّك التأمّلي

الذين يمارسون التشكك التأملي، لا يأخذون الأمور على علتها . و هم يدركون أن التمسك بممارسة ما أو الاعتماد على بنية ما لزمن طويل، لا يعني أنها الأنسب لجميع الأزمان، و بالتحديد للحظة الراهنة. كما أن مجرّد قبول الفكرة من الجميع، لا يعفينا من امتحانها على أرض الواقع الراهن، ثم نقبلها أو نرفضها وفقا لما نتوصل إليه

التفكير الابتــكاري

التفكير الابتكاري، هو الذي يتيح لنا الوصول إلى البدائل الجديدة التي يدعو التفكير الناقد إلى البحث عنها . و الابتكار الذي نتحـدّث عنه، يتسع عن مجال الابتـكار الذي يمارسه المخترعـون و الفنانون و الأدباء . إنّه الأداة الضرورية للعامل العقلي الذي يسود مجال العمل في عصر المعلومات . و هو الابتكار المنظّم الذي يمكن للفرد العادي أن يتدرّب عليه
المشكلة هي أن التعامل مع التغيّرات الحالية، و مع المجتمع الجديد الذي تقود إليه، لا يجدي فيه الاعتماد على الأفكار أو الخبرات أو النظريات أو العقائد أو الأيديولوجيات النابعة من عصور سابقة، كعصر الزراعة أو عصر الصناعة . نحن في حاجة دائمة إلى تفكير ابتكاري، يفتح لنا سبلا جديدة لم نكن نعرفها من قبل، و يوفّر لنا بدائل متعددة جديدة لحل مشاكلنا، و تجويد عملنا، و إعادة بناء واقعنا وفقا لاحتياجات المجتمع الجديد، مجتمع المعلومات
التفكير الابتكاري، هو طوق النجاة، عندما نفشل في الوصول إلى حلول نعتمد فيها على جمع المعلومات و معالجتها، و تسليط المنطق التقليدي عليها . فالابتكار يتيح لنا الخروج من قبضة الخريطة المحفورة في مخّ كل واحد منّا، و يفتح الباب أمام الحلول الجديدة غير المسبوقة، التي تنسجم مع ما تقتضيه احتياجات المجتمع الجديد
و إذا كان استشراف المستقبل هو موضوعنا الأساسي، فالتفكير الابتكاري هو وسيلتنا لاستشراف المستقبل . قد نستطيع أن نحصل على بيانات كاملة عن الماضي أو الحاضر، لكن من المستحيل أن نصل إلى بيانات كاملة عن المستقبل.. بإمكاننا أن نصل إلى جانب من صورة المستقبل، بدراسة مؤشّرات التغيير الأساسية الراهنة، على صورة سيناريوهات مستقبلية
هذه فكر عاجلة عن هذين النوعين منن التفكير: التفكير الناقد، و التفكير الابتكاري
و لمن يريد التوسّع في معرفة شاملة في هذا الموضوع، أحيله لى الموقع الخاص بالابتكار، عنوانه

و إلى رسالة قادمة .. راجي

الاثنين، أكتوبر ٠١، ٢٠٠٧

تعليم مختلف .. لعصر مختلف


قبل التفكير في تغيير التعليم
علينا أن نعرف كل شيء عن
إنسان عصر المعلومات

بفضل مجموعة من المفكرين و العلماء ـ من الشرق و الغرب ـ أمكن الوصول إلى رؤية شاملة لمستقبل حياة جديدة للبشر، أطلق عليه في أوّل الأمر مجتمع ما بعد الصناعة . لقد أيقن هؤلاء أننا نمضي إلى نظام جديد للحياة، يختلف كثيرا عن نظامي الحياة الزراعية و الصناعية . و اكتشفوا أن النظم التي نجحت في عصر الصناعة، لن يكتب لها النجاح في النظام الجديد الذي يقوم على أسس و مبادئ تختلف كثيرا عن نظيراتها في عصر الصناعة
من واقع دراسة المجتمع الجديد، اتّفق الجميع على تسميته بمجتمع المعلومات، باعتبار أن المعلومات هي رأس المال الأهم فيه . و دون الدخول هنا في العوامل التي قادت إلى انقضاء عصر الصناعة، و سيادة عصر المعلومات، سنركّز على بعض التحوّلات الأساسية، التي تتيح لنا التعرّف على أسس التعليم الجديد
(1) من النمطية و الجماهيرية إلى التنوّع و التباين و احترام
(2) من المركزية إلى اللامركزية و النظام الشبك
(3)من العمل الجسدي إلى العمل العقلي و المعرفي
، (4) من الديموقراطية النيابية إلى ديموقراطية المشاركة
، (5) من التزامن المحكم، إلى الزمن المتكيّف،
(6) من التعليم النمطي، إلى التعليم الذاتي المستمر،
(7) من التخطيط قصير المدى، إلى الرؤية المستقبلية
، (8) من التخصّص الضيّق، إلى المعرفة الشاملة،
(9) من السعي إلى الضخامة و النهايات العظمى، إلى شعار الصغير أجمل .

إنسان عصر المعلومات


و لكي نتعرّف على النظم التعليمية الجديدة في مجتمع المعلومات، يجب أن نحدد مواصفات الإنسان المنسجم مع الحياة في عصر المعلومات، و الذي يستطيع الاستفادة من كلّ ما تتيحه الحياة في مجتمع المعلومات، ثم نبني على ذلك الأسس الجديدة للنظم التعليمية في هذا المجتمع
التعرّف على خصائص إنسان مجتمع المعلومات، يفيدنا في تحديد أسس التعليم التي تتيح تحقّق أعلى نسبة من هذه الخصائص . و هو يفيدنا أيضا في تحديد أسس العديد من مجالات نشاطنا المستقبلية، في الإدارة، و الممارسة الديموقراطية، إلى آخر ذلك

إنسان عصر المعلومات ـ دون الدخول حاليا في الشروح المطوّلة ـ له صفاته المحددة التي تختلف عن صفات إنسان عصر الصناعة، أو الزراعة، و التي من أهمّها أنّه

متفرّد، و غير نمطي
بعد انقضاء جدوى النمطية التي أشاعها عصر الصناعة، و نتيجة لتدفّق المعلومات و المعارف، يصبح إنسان مجتمع المعلومات أكثر حرصا على تفرّده و ذاتيته، و لا يرضى أن يكون صورة مكرّرة
للآخرين، قادرا على التعامل مع التكنولوجيات المعلوماتية التي تساعده على الاستفادة من تدفّق المعلومات، و الاستفادة منها
قادر على تحصيل المعارف ذاتيا، و بشكل دائم
مع تسارع المعلومات، و التغيرات التي تطرأ على المعارف، يستحيل أن يكتفي الفرد بتحصيل معارفه عند عمر معيّن، أو عند انتقاله من الدراسة إلى العمل، الأمر الذي كان سائدا في عصر الصناعة، لذلك فإن إنسان المستقبل يؤمن بأن الحياة عبارة عن سلسلة متعاقبة من التعليم و التدريب و العمل، ثم المزيد من التعليم، و إعادة التدريب . و هذا يقتضي أن يكون إنسان المستقبل مستعدا ـ في نفس الوقت ـ للاعتماد على نفسه، في ملاحقة المعلومات المستجدة، و ما يطرأ على العلوم و المعارف من تغيّرات، مستخدما التكنولوجيات المعلوماتية التي أصبحت متاحة للجميع، كالكمبيوتر و الإنترنيت ممارس للتفكير الناقد، قادر على الابتكار

مع تغيّر أسس الحياة جذريا، لا يبقى شيء على حاله، و يكون على إنسان مجتمع المعلومات أن يعيد النظر ـ دائما ـ في كل ما استقرّ عليه الرأي من قبل . و التفكير الناقد، يتيح التعرّف على الافتراضات التي قامت عليها الأفكار و النظريات و العقائد، لامتحان مدى استمرار صلاحيتها .. كما أنه يتيح الانتباه إلى السياق الذي نبعت من الأفكار المتداولة، لمعرفة مدى استمرار صلاحية ذلك السياق .. و نتيجة للتحوّل إلى العمل العقلي، أصبح على العامل أن يكون قادرا على : رصد المشكلة في عمله، و التفكير في حلول لها، و انتقاء الحل الأنسب و الأوفق، ثم تطبيق ذلك الحل، و التثبّت من صلاحيته .. هذا يعني أن الابتكار و التفكير الابتكاري أصبح سمة أساسية في نشاط إنسان مجتمع المعلومات
إيجابي، و متعاون

التنظيم الهرمي لتسلسل الرئاسات، الذي هو العمود الفقري للبيروقراطية .. هذا التنظيم الذي
نأخذ به، رغم تناقضه مع احتياجات عصر المعلومات، كان يفرض على الفرد أن ينفّذ التعليمات الصادرة إليه من المستويات الأعلى منفردا ..لكن التنظيمات الإدارية الجديدة للعمل، على امتداد العالم المتطور، تحوّلت إلى تنظيمات جديدة، تعتمد على هبوط نسبة كبيرة من مسئولية اتخاذ القرار، التي كانت تنفرد بها القيادة، إلى الوحدات القاعدية، متكاملة الخبرات، شبه مستقلة الأداء، حرّة الحركة تجرى اتصالاتها في جميع الاتجاهات . لهذا يجب أن يكون إنسان المستقبل إيجابيا، قادرا على المبادرة و على التفكير الخلاّق عند اتخاذ القرارات المتصلة بعمله، ناجحا في التعاون مع غيره من أفراد مجموعته، و مع المجموعات الأخرى، داخل مؤسسته و خارجها

معتزّ بعقيدته، محترم لعقائد الآخرين

مع اندفاع ثورة المعلومات، و التنوّع الكبير الذي سيطال البشر، إنسان مجتمع المعلومات لا يخجل من أفكاره و عقائده، الناتجة عن جهده في التفكير الناقد، معتزّا باختلافه عن الآخرين، و هو في نفس
الوقت يحترم عقائد الآخرين، و لا يحاول أن يفرض عليهم عقيدته

تعليم عصر المعلومات


إذا كانت هذه هي خصائص إنسان عصر المعلومات، فما هو نوع التعليم الذي يصلح له و لمجتمعه؟

وفقا لخصائص إنسان عصر المعلومات التي أوردناها في الرسالة السابقة،يمكننا أن نستنبط طبيعة التعليم التي تناسب هذا العصر .. و هذا الإنسان .. و التي تشير إلى
· تعليم يساعد على التفرّد، و يناهض القولبة، و محاولة جعل الأفراد آحادا متراصة متشابهة .
· تعليم خالق للمعرفة، يحض على التفكير و الابتكار، و يحارب التبعية النمطية و التلقين .
· تعليم يستفيد من دخول الأجيال إلى كل منابع المعلومات و المعارف، بلا قيود أو وصاية .
· تعليم يناهض كل ما هو جماهيري، من رواسب نظم عصر الصناعة، و يحترم الفروق بين الأفراد
تعليم لا يضع قيدا على العقيدة، و يحترم التنوّع الشديد الذي استحدثه تدفّق المعلومات و المعارف في عقائد البشر و توجّهاتهم، ويحضّ الفرد على الإيمان بأن اختلافه عن الآخرين، هو مصدر ثراء له و للآخرين

مع دخول الكمبيوتر، و الإدارة الرقمية، و الروبوت، إلى المصنع و المكتب، يقتضي الأمر الاعتماد على نظام تعليمية جديدة، تختلف كثيرا عمّا نأخذ به، من بينها التالي
( 1 ) من التلقين، إلى التفكير و الابتكار

الكمبيوتر و الروبوت نجح في تولّي معظم الأعمال الروتينية في المصنع و المكتب، و بشكل متفوّق عن الأداء البشري، فلم يبق للبشر سوى العمل العقـلي أو المعـرفي، الذي يقتضي التفكـير، و القدرة على حل المشاكل، بالبحثّ عن بدائل الحلول، و اختيار الحل الأوفق للظروف، ثم تطبيقه و متابعة أدائه . و هذا هو التحوّل الأساسي في النظام التعليمي المناسب لعصر المعلومات . من تعليم يقف عند حد تلقين المعلومات المحدودة، إلى تعليم يشجّع على التفكير، و البحث عن الحلول، و يحض على الابتكار و الإبداع . نحن ننتقل من تعليم عصر الصناعة الذي كان يعمد إلى تلقين التلاميذ، و حشو رؤوسهم بشتات المعلومات، و بعض التقنيات، إلى تعليم يستهدف خلق المعارف و التدريب المتواصل
( 2 ) بيئة تعليمية مفتوحة
ستتحوّل البيئة التعليمية المغلقة الحالية، إلى بيئة تعليمية مفتوحة، تعتمد على شبكات المعرفة الإلكترونية، التي تعطي أهمية أكبر للقدرات الشخصية . البيئة التعليمية الجديدة، تنهي احتكار المدرسة للعملية التعليمية، و تفتح الباب أمام ممارسة التعليم في البيوت، و في المؤسسات الاقتصادية التي ستتكفّل بجانب منه .
( 3 ) من التعليم النمطي، إلى الشخصي
النظام التقليدي النمطي الجماهيري، النابع من عقلية و احتياجات عصر الصناعة، يحل محلّه نظام جديد يقوم على أساس اعتبار قدرة الفرد و اختياراته . و هذا يعني أنّه في مكان نظام التعليم الحالي، الذي يجري تقسيمه على أساس الأعمار، يقوم نظام جديد يسمح لقدرات الأفراد بالتقدّم إلى مستويات متقدّمة، بصرف النظر عن العمر
( 4 ) التعليم على مدى الحياة
التعـليم العام لعصر الصناعة يقوم على تعليم إجباري، بالإضافة إلى فرص قليلة للتعليم الأعلى و الحرفي . و كان التعليم ينتهي عادة بالحصول على شهادة أتمام الدراسة، التي تؤهّل لدخول الوظائف و مجالات العمل
مع تسارع المعلومات و المعارف، و تغيّر النظريات، و هبوط علوم و صعود علوم جديدة، تنشأ ضرورة اعتماد الدارس، أيا كان عمره، على التكنولوجيات الإلكترونية الحديثة، لمتابعة ما يحدث بشكل عام، و في فرع تخصّصه بشكل خاص . و هذا يجعل تعليم عصر المعلومات عملية ممتدة على مدى حياة الفرد

( 5 ) التعليم الذاتي

يساعد على التعليم الدائم المتواصل، مبدأ التعليم الذاتي الذي يأخذ به عصر المعلومات . و هو ما يوفّره الكمبيوتر، و غير ذلك من التكنولوجيات الإلكترونية . لقد أصبح بإمكان الفرد أن يعلّم نفسه، على مدى مراحل عمره، اعتمادا على البرامج التعليمية الخاصّة بالكمبيوتر، الذي يقوم باختبار الدارس، عند مراحل معينة، للتثبّت من استيعابه، تمهيدا لإعادة الدرس، أو الانتقال إلى الدرس التالي

* * *

ماذا يعني هذا كلّه ؟.. يعني أساسا تعليميا مختلفا في كل شيء عن الذي أخذناـ و ما زلنا نأخذـ به .. بالنسبة لمكان التعليم و طرقه و المشرفين عليه و امتحاناته وأهدافه ..ثم يعني قبل كلّ شيء الاحتياج الحقيقي لفهم معنى كلّ من التفكير الناقد و التفكير الابتكاري.. و هو ما سنحاول طرحه ـ باختصار ـ في الرسائل التالية