الاثنين، أغسطس ١٨، ٢٠٠٨

الديموقراطية .. و الإعلام

حقيقــة الذي حـــدث

ديموقراطية سبيلها الإعلام

لم يعد ممكنا أن نستمر في وصايتنا على المعلومات و المعارف التي يسعى إليها الفرد، و التي يحتاجها في فهم ما يجري، و في الحكم على أداء المؤسّسات التي تدير حياته . لم يعد ممكنا أن تخفي الإذاعة خبرا، أو يمنع التلفزيون صورة، فموجات الأثير تطن بجميع الأخبار و الصور الحقيقية بلا تزيين أو تزييف . علينا أن نجعل إذاعتنا و تليفزيوننا أكثر صدقا و أقل تعبيرا عن إرادة القيادات الحاكمة .
لم يعد ممكنا أن تفرض الصحف و المجلات الحكومية ( التي نسمّيها كذبا بالقومية ) خبرا أو رأيا، و إذا كانت قوانين النشر تمنع ظهور الأكثر من الصحافة الخاصة، المعبرة عن توجّه الفئات و المجموعات الأقل عددا، و إذا كانت بعض المنشورات الخاصّة تمارس نفس التلاعب الذي تعمد إليه الصحف الحكومية، فبعد هذا و ذاك، هناك مواقع الإنترنيت على شاشة الكمبيوتر، التي أصبحت اللعبة المفضلة لجيل كامل متمرّد، لا نعلم شيئا عن توجّهاته و عقائده . و إذا كان رؤساء تحرير الصحف الحكومية ما زالوا يتحدّثون عن الديموقراطية، و يمارسون السيطرة على أجهزتهم و قرّائهم، إرضاء للحكومة، فالتغيّرات و التحوّلات نحو مبادئ عصر المعلومات، و ما تقتضيه ديموقراطية هذا العصر، لن تسمح باستمرار هذا الوضع غير الديموقراطي .

هواية مهاويس الكمبيوتر !

عندما أقول أن التكنولوجيات المعرفية تغيّر نظم حياتنا الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية، يتصوّر البعض أن هذا نوع من المبالغة .. و لكي أثبت هذا لهؤلاء المتشكّكين، سأطرح واقعة معاصرة، تحدث حاليا في أكثر الدول تباهيا بالحرّية، و بالتحديد بحريّة إعلامها، أقصد الولايات المتحدة الأمريكية .
دراسة هامّة في موقع على الإنترنيت، اسمه " حقيقة الذي حدث " . و كان عنوان الدراسة الطويل يقول " الخطأ الذي وقع فيه بوش، حول فهمه لتأثير الإنترنيت " . و تقول الدراسة، أن التاريخ سيسجّل، على الأرجح، أن الخطأ الأكبر الوحيد الذي وقعت فيه آلة الحرب التابعة لبوش، كان إقلالها من شأن الإنترنيت . إنّهم لم يفهموا الإنترنيت، أو ثقافة الإنترنيت، أو بعدها الاجتماعي .. و الأهم من هذا، لم يفهموا كيف أن استخدام الإنترنيت قد حوّل الأمريكيين، من مجرّد مستقبلين للمعلومات الإذاعية، إلى مشاركين نشطين و ناقدين في العملية الإعلامية .
كان الاعتقاد السائد، هو أن أخبار الإنترنيت هي مجرّد هواية، يمارسها (مهاويس) الكمبيوتر، ليستقبلها (مهاويس) آخرون، و هو أمر لا أهمية له . لم يعرف بوش و لا صحبته من الرجعيين الجدد ماذا يفعلون فيما يتّصل بالأنترنيت، و هكذا قادتهم تمنياتهم إلى اعتبارها غير مهمة . لكنّهم كانوا مخطئين .

قرضاي ..و زالماي !

بينما كانت قياسات الرأي العام تفيد أن العدد الأكبر من الجمهور ما زال يستمد أخباره من أجهزة التلفزيون، بأكثر ممّا يستمدّها من الإنترنيت، إلاّ أن الهامش أخذ في التناقص . و لم تشر قياسات الرأي تلك إلى أن أولئك الذين يشاهدون التلفزيون، لم يعودوا يرتبطون عقليا بفيض الأخبار المطروحة عليهم، و يستسلمون لها. هذا بالإضافة إلى أن جمهور الإنترنيت كان نشطا في نقل الأخبار إلى أولئك الذين ليست لهم علاقة بالإنترنيت .
و قد حدث بعد سقوط أفغانستان، أن قام هواة الإنترنيت بنقل أخبار تفيد أن الرئيس الأفغاني ( اللعبة ) الجديد، حامد قرضاي، و المبعوث الأمريكي الخاص إلى أفغانستان زالماي خليل زاد ( الذي خلف بريمر في العراق)، شكّلا معا جانبا من مجموعة العمل الخاصّة بإحدى شركات البترول، و التي أوصت الكونجرس عام 1998 بإجراء تغيير في نظام الحكم الأفغاني، من أجل تسهيل إنشاء خط أنابيب بترول . وسائل الإعلام الرئيسية لم تشر أبدا إلى هذه الحقيقة، بينما فعل ذلك أصحاب المواقع على الإنترنيت . و عندما شعر المواطن الأمريكي أن هناك من الأشياء التي تحدث في العالم، ما لا ينبئه به التلفزيون، بدأ في هجر التلفزيون و الاعتماد على الإنترنيت كمصدر للأخبار .

الحكومة تفقد احتكارها

عندما بدأ ظهور الخطر، شمّرت الحكومة و وسائل الإعلام التابعة (مثل فوكس ) عن ساعدها، و راحت تحذّر الأباء من أن الإنترنيت هو أداة إفساد الأبناء، و جرى دفع الأموال لمؤسسات العلاقات العامة، لتغطية و تكذيب أخبار الإنترنيت. و تقول الدراسة " لقد حدث شيء غريب .. فبعكس ما يحدث في التلفزيون أتاح الإنترنيت للأفراد الذين عاشوا على المعلومات الخاطئة ، وصولهم إلى المعلومات الحقيقية .. لهم .. و للعالم أجمع .. و فورا " .
فجأة، سقطت القاعدة القديمة التي تقول " ما تقوله الحكومة، يصدّقه الجمهور " . لقد فقدت شبكات التلفزيون الرئيسية احتكارها، وتحكّمها فيما يتدفق من معلومات . أصبح الجمهور قادرا على أن يقرر بنفسه ما الذي يستحق التصديق .
و عندنا .. مع كلّ هامش الحرية، الذي يتكرّر الحديث عنه، في اللقاءات الرسمية للحكومة و الحزب الوطني، ما زال إعلامنا يمضي وفق قواعد إعلام حكومي معدوم الشفافية.. فاقدا مصداقيته، بعد وصول التكنولوجيات المعرفية إلى أيدي أعداد متزايدة نشطة من الشباب المتعلّم . . و خير دليل على ذلك ما حدث في إضـراب 6 إبريل 2008، و الذي فضح موقف النظام المصري و سنده الوحيد الباقي، قوات الأمن المركزي، بعد فشل إعلامه الرسمي .

* * *

الإعلام المتّسم بالشفافية، و الذي يتيح للفرد الوصول إلى المعلومات و المعارف التي يريدها، في الوقت الذي يريدها فيه، هو الذي يسمح له أن يعلم .. و التعليم القائم على التفكير الناقد و الابتكاري في مكان التلقين، هو الذي يتيح له أن يفكّر و يختار، و يمارس الأشكال الديموقراطية النابعة من طبيعة مجتمع المعلومات .

و إلى الرسالة التالية، لنرى الأهمية الكبرى للمجتمع المدني، كأداة لتحقيق الديموقراطية .

الاثنين، أغسطس ٠٤، ٢٠٠٨

إعلام عصر المعلومات

ثانيا : الإعــــلام

و الديموقراطية المطلوبة لمصر


بعد التعليم، ننتقل إلى الشق الثاني من دعامات الديموقراطية الجديدة، أعني الإعلام .. كيف يتحوّل إعلامنا إلى أداة لديموقراطية عصر المعلومات ؟ .
في المعادلة التي طرحتها، كان من الضروري أن يتقدّم التعليم باقي عناصر المعادلة، باعتباره الأداة الأكثر أهمّية في تكوين الإنسان المتوافق مع مجتمع المعلومات، و القادر على ممارسة الديموقراطية الجديدة التي يفرضها عصر المعلومات . فالطفـل الذي يسـتفيد من النظام التعليمي الجديـد، يخرج إلى معترك الحياة بعد عقد أو عقد و نصف من الزمان، بينما لا تستغرق عمليات إعادة البناء في المجالات الأخرى من حياتنا بعض ذلك الوقت . و إذا كان التعليم هو الصناعة الثقيلة في مجال إعداد البشر لعصر المعلومات، فالإعلام هو الصناعة الاستهلاكية، التي لا غنى عنها .
إعلام عصر الصناعة ـ و الذي ما زلنا نأخذ به ـ كان إعلاما جماهيريا، يقـوم على مبدأ النمطية و التوحيد القياسي الذي ساد كلّ شيء في عصر الصناعة . كانت وظيفته الأساسية، نقل أفكار و توجيهات النخبة الرابضة عند القمّة إلى القواعد العريضة عند قاعدة الهرم . كان إعلاما يمضي دائما في اتّجاه واحد، من أعلى إلى أسفل . كانت الأنظمة الحاكمة ـ و ما زالت ـ ما أن تتسلّم الحكم، حتّى تندفع إلى تكوين جيش قوي يحميها من القوى الخارجية، و شرطة قادرة تحكم الداخل، و تضمن استمرار النظام الحاكم .. و في نفس الوقت كانت تحرص على إرساء إعلام مقروء و مسموع و منظور، تتحكّم فيه من خلال رجال إعلام محترفين، يعرفون جيّدا نوايا النظام الحاكم قبل أن ينطق بها، و يبادرون إلى تعميمها، و الدعاية لها . لهذا كانت وسائل الإعلام الجماهيرية تضم أقدر الخبرات في تزوير الحقائق و تلوينها بألف لون، وفقا لرغبات النظام الحاكم، و لعل خير مثال على هذا، تجربة جوبلز في الحقبة النازية بألمانيا.
البشر يتمرّدون على القولبة
ثورة المعلومات، التي ضاعفت التكنولوجيات المعلوماتية من اندفاعها، أتاحت للأفراد مساحة واسعة من المعلومات و المعارف، ليأخذ كل فرد منها ما يميل إليه، و يكون لكل فرد فهمه الخاص لما توصّل إليه من معلومات و معارف .. و هكذا، اختلف الأفراد و تباينوا و تنوّعت معارفهم و أمزجتهم، فخرجوا من قوقعة النمطية و التوحيد القياسي، و غير ذلك ممّا قام عليه المجتمع الصناعي و فرضه على البشر . لقد تمرّد البشر على محاولات القولبة غير الإنسانية التي مارسها عصر الصناعة . فانقضى كل ما يحمل صفة الجماهيرية، التعليم الجماهيري، و الأحزاب الجماهيرية، و أيضا الإعلام الجماهيري .
و عندنا .. مع كلّ هامش الحرية، الذي يتكرّر الحديث عنه، في اللقاءات الرسمية .. ما زال إعلامنا يمضي وفق قواعد الإعلام الجماهيري الذي ساد عصر الصناعة، و الذي فقد مصداقيته، بعد قيام ثورة المعلومات ..

من أجل الحكومة و الشعب معا

في صيف عام 1990، كتبت مقالا في مجلة ( المصوّر )، بعنوان " إعلام جديد لحساب الحكومة و الشعب معا " . قلت فيه، أن العاملين في وزارة الإعلام ما زالوا يتمسّكون بالفهم القديم، الذي يعتبر أن جهد وزارة الإعلام يجب أن يكون لحساب الحكومة، و ينحصر في نقل رؤيتها و قراراتها و توجيهاتها و أخبارها إلى أفراد الشعب . أي أن وظيفتها الأساسية هي أن تعمل من أعلى إلى أسفل فقط .
و قلت فيه " وظيفة وزارة الإعلام يجب أن تكون التخفيف من التناقض الحادث بين الحكومة و الشعب . و هذا التناقض موجود، و سيوجد، ما بقيت مركزية الحكومة على حالها . هذا التناقض، لا ينبع بالضرورة من سوء نيّة الحكومة، أو إهمالها و عدم مبالاتها، و لكنّه النتيجة الطبيعية لعدم قدرة الحكومة .." .
و شرحت هذا قائلا أن النظام البيروقراطي المركزي، يحرم الحكومة ـ أيّ حكومة، و ليس حكومة مصر فقط ـ من التغذية المرتدّة التي تحتاجها من القواعد الشعبية . و للعلم، هذه أزمة مستجدّة لم تواجه حكومات عصر الصناعة بالشكل الحالي . و السرّ في هذا أن الجمهور قد تحوّل ـ و يتحوّل كل يوم ـ إلى جماهير عديدة متباينة التوجّه و المطالب من الحياة، نتيجة لثورة المعلومات . و قلت أن وزارة الإعلام بأجهزتها كالإذاعة و التليفزيون، قادرة ـ بالإضافة إلى الصحافة ـ على تقديم عون جزئي للحكومة في هذا المجال، عندما يعكس لها صورة الواقع المتغيّر على أرض مصر .
الإعلام، نقطة البدء العملية
قلت أن التخطيط لمستقبل مصر على المدى البعيد، لا بد أن يمرّ من خلال ثورة إعادة بناء في مجال النظم التعليمية الحالية . لكن، نقطة البدء لإعادة بناء مصر ـ و الديموقراطية أساسا، و التعليم ضمنا ـ هي ضمان شفافية أجهزة الإعلام من صحافة و إذاعة و تليفزيون، و قدرتها على العمل كموصّل جيد بين مختلف مستويات المجتمع .
كما قلت أن الذي يزيد وضع التناقض بين الحكومة و الشعب سوءا، أن الأحزاب عندنا ـ وطني و معارضة ـ تعاني هي الأخرى من نفس القصور . لو أن هذه الأحزاب كانت أحزابا حقيقية، نابعة من إرادة جماعية لفئات و طبقات، لها قواعدها المحسوسة في الشارع المصري، لكانت قادرة على مساعدة الحكومة في تفهّم طبيعة التغيّرات في خريطة الشارع المصري .. و بديهي أن ما نقوله عن قصور الأحزاب الحالية،ينسحب أيضا على المجالس النيابية التي تتشكّل أساسا من هذه الأحزاب .

الحوار، و دور الإعلام

و أشرت إلى أننا في أشد الحاجة إلى التفكير و الفهم، لأن التفكير القائم على فهم الحقائق هو الذي يقود إلى إمكان رسم إطار رؤية مستقبلية شاملة لمصر، على أساس التغيّرات المستجدة للتحوّل من عصر الصناعة إلى المعلومات .
و قلت أن التفكير الذي أدعو إليه، لا يتبلور إلاّ من خلال الحوار الحرّ الصادق، بين أطراف يتوافر لها الحدّ الأدنى من المعلومات و المعارف المعاصرة . و هو حوار لا يمكن أن يدور في حجرات مغلقة، و ندوات خاصّة، بل لا بد أن يتم بصوت مرتفع، يسمعه جميع الناس، من القيادة إلى القواعد، فيفهّموه، و يدركوا من خلاله بدائل الأفكار، فينحازوا إلى الأفكار التي تجمع بين مصالحهم القريبة، و مصالحهم البعيدة .و أفضل وسيلة متاحة حاليا لتحقيق هذا الهدف، هو أن يتم الحوار على موجات الإذاعة، و قنوات التلفزيون، بالإضافة إلى الجرائد و المجلات .
و لن يصبح هذا مجديا إلاّ إذا تغيّرت العقلية السائدة في وسائل الإعلام، و فهم العاملون فيها طبيعة المهمة الجديدة الملقاة على عاتقهم، و فهموا أن مهمّتهم الحقيقية هي تفجير الأفكار، و ليس قتلها بتسليط قواعد الرقابة العامة و الذاتية عليها .

أقوى من حماس الوزير

تحمّس الوزير صفوت الشريف، فطبع صورا من المقال وزّعها على قيادات الإعلام في الوزارة طالبا منها أن تفكـّر
في طريقة الاستفادة من ذلك الكلام . و يبدو أن النتائج كانت مخيّبة، فاستدعاني مستشار الوزير، و سأل : ماذا نفعل ؟ . قلت نتكلّم، و تتكلّم قيادات الإعلام، لنرى ما الذي يمكن أن يتمخّض عنه هذا الحوار المبدئي . و بالفعل، تم تنظيم مؤتمـر في أحد الفنادق الكبرى، افتتحه الوزير صفوت الشريف، و دعيت إليه قيادات الإعلام .
كانت نتيجة ذلك الجهد، موقف سلبي من قيادات الإعلام، فانتصرت بيروقراطية قيادات الإعلام على حماس الوزير . لقد كان الصمت و الحذر هو الموقف السائد، و يبدو أن قيادات الإعلام تصوّرت أن الوزير ينصب لها فخّا، ليعرف مدى إخلاصها للنظام، فآثرت الصمت ! .. أضف إلى هذا أن رد الفعل الذي أشرت إليه يتكرر كثيرا، بين أفراد من خيرة الناس و صفوة المجتمع، الذين يحتلون المراكز العالية و القيادية، فهم يحجمون عن محاولة الفهم لما يترتب على ذلك من مراجعة أفكار قديمة .. نتيجة لعدم القدرة على متابعة و فهم المستجدات المتلاحقة، و عدم قدرة القيادات الواصلة على الاعتراف بأن فهمها ناقص .. بل و اقتناعها العميق أن ذلك الفهم الذي تتمسّك به، هو الذي خدمها، و أوصلها إلى المركز الذي تجد نفسها فيه ! .

الأربعاء، يوليو ١٦، ٢٠٠٨

ديموقراطية عصر المعلومات


الديموقراطية المطلوبة لمصر =
تعليم + إعلام + مجتمع مدني


ماذا عن مستقبل الممارسة الديموقراطية في مصر، و المطلوبة لصالح شعبها ؟ . من أين نبدأ المسيرة، وسط ركام التخلّف و الفشل و الفساد الذي يرتفع حولنا ؟ ..
الواجب العاجل الذي يدعونا أن نتجّه إليه، لمساعدتنا في التخلّص من الأفكار البالية، و الأوهام التي ما زلنا نتمسّك بها، و طرق الحياة الأثرية التي نعتقد في صلاحيتها .. هذا الواجب ينحصر في ثلاثة أركان رئيسية، يمكن أن يصلح جهدنا فيها كرأس حربة في اقتحامنا لعصر المعلومات، و مساعدتنا في تصميم الممارسة الديموقراطية التي تناسب واقعنا الحالي ..
الرؤية المستقبلية لمصر، التي يمكن أن تساعدنا في إعادة بناء كل شيء في حياتنا، بطريقة تنقذنا من الأخطاء التي أدمنّاها، و ترشدنا إلى كل ما يأخذ بيدنا لدخول عصر المعلومات . هذه الرؤية المستقبلية تقوم على أمرين :
أولا : وضوح الرؤية المستقبلية لمسار الجنس البشري في انتقاله من حياة المجتمع الصناعي، إلى حياة مجتمع المعلومات ( باعتبار أن هذا هو الهدف ) .
ثانيا : وضوح الخريطة الحضارية الراهنة لمصر، التي تكشف لنا بأمانة ( أين نقف ؟ ) .. و أعني بالخريطة الحضارية لمصر : إلى أي مدى ما زالت تسود حياتنا عقلية و ممارسات المجتمع الزراعي ؟، و ما حجم انتقالنا إلى الأخذ بعقلية المجتمع الصناعي ؟، و ما هو مدى اقترابنا من تخوم حياة مجتمع المعلومات ...
المحاور الأساسية للحركة :
المحاور الأساسية للحركة، التي يمكن أن تكون نقطة انطلاق سليمة، في عملية إعادة بناء حياتنا السياسية، أي إعادة بناء نظام ممارستنا السياسية، أي ديموقراطيتنا . هذه المحاور هي :
• التعليم .
• الإعلام .
• المجتمع المدني .

سنحاول فيما يلي أن نشرح هذه المعادلة التي طرحناها، و التي نعتقد أنها ستساعدنا في عبورنا إلى المستقبل .. بشكل سليم و آمن .. و قائم على الفهم المتكامل لحقيقة الحياة الجديدة التي يمضي إليها الجنس البشري .

أولا : التعليــــم

و لكي نتعرّف على النظم التعليمية الجديدة في مجتمع المعلومات، يجب أن نستفيد ممّا فعله بعض المفكرين لفهم تعليم عصر الصناعة .. أي أن نحدد مواصفات الإنسان المنسجم مع الحياة في عصر المعلومات، و الذي يستطيع الاستفادة من كلّ ما تتيحه الحياة في مجتمع المعلومات، ثم نبني على ذلك الأسس الجديدة للنظم التعليمية .
إنسان عصر المعلومات
إنسان عصر المعلومات ـ دون الدخول في الشروح المطوّلة ـ له صفاته المحددة التي تختلف عن صفات إنسان عصر الصناعة، أو الزراعة، و التي من أهمّها أنّه :
متفرّد، و غير نمطي :
بعد انقضاء جدوى النمطية التي أشاعها عصر الصناعة، و نتيجة لتدفّق المعلومات و المعارف، يصبح إنسان مجتمع المعلومات أكثر حرصا على تفرّده و ذاتيته، و لا يرضى أن يكون صورة مكرّرة للآخرين، قادرا على التعامل مع التكنولوجيات المعلوماتية التي تساعده على الاستفادة من تدفّق المعلومات، و الاستفادة منها .
قادر على تحصيل المعارف ذاتيا، و بشكل دائم :
مع تسارع المعلومات، و التغيرات التي تطرأ على المعارف، يستحيل أن يكتفي الفرد بتحصيل معارفه عند عمر معيّن، أو عند انتقاله من الدراسة إلى العمل، الأمر الذي كان سائدا في عصر الصناعة، لذلك فإن إنسان المستقبل يؤمن بأن الحياة عبارة عن سلسلة متعاقبة من التعليم و التدريب و العمل، ثم المزيد من التعليم، و إعادة التدريب . و هذا يقتضي أن يكون إنسان المستقبل مستعدا ـ في نفس الوقت ـ للاعتماد على نفسه، في ملاحقة المعلومات المستجدة، و ما يطرأ على العلوم و المعارف من تغيّرات، مستخدما التكنولوجيات المعلوماتية التي أصبحت متاحة للجميع .
ممارس للتفكير الناقد، قادر على الابتكار :
مع تغيّر أسس الحياة جذريا، لا يبقى شيء على حاله، و يكون على إنسان مجتمع المعلومات أن يعيد النظرـ دائما ـ في كل ما استقرّ عليه الرأي من قبل . و التفكير الناقد، يتيح التعرّف على الافتراضات التي قامت عليها الأفكار و النظريات و العقائد، لامتحان مدى استمرار صلاحيتها .. كما أنه يتيح الانتباه إلى السياق الذي نبعت من الأفكار المتداولة، لمعرفة مدى استمرار صلاحية ذلك السياق .
و نتيجة للتحوّل إلى العمل العقلي، أصبح على العامل أن يكون قادرا على : رصد المشكلة في عمله، و التفكير في حلول لها، و انتقاء الحل الأنسب و الأوفق، ثم تطبيق ذلك الحل، و التثبّت من صلاحيته .. هذا يعني أن الابتكار و التفكير الابتكاري أصبح سمة أساسية في نشاط إنسان مجتمع المعلومات .
إيجابي، و متعاون :
التنظيم الهرمي لتسلسـل الرئاسـات، الذي هو العمود الفقري للبيروقراطية .. هذا التنظيم الذي ما زلنا نأخذ به، رغم تناقضه مع احتياجات عصر المعلومات، كان يفرض على الفرد أن ينفّذ التعليمات الصادرة إليه من المستويات الأعلى منفردا ..لكن التنظيمات الإدارية الجديدة للعمل، على امتداد العالم المتطور، تحوّلت إلى تنظيمات جديدة، تعتمد على هبوط نسبة كبيرة من مسئولية اتخاذ القرار، التي كانت تنفرد بها القيادة، إلى الوحدات القاعـدية، متكاملة الخبرات، شبه مستقلة الأداء، حرّة الحركة تجرى اتصالاتها في جميع الاتجاهات . لهذا يجب أن يكون إنسان المستقبل إيجابيا، قادرا على المبادرة و على التفكير الخلاّق عند اتخاذ القرارات المتصلة بعمله، ناجحا في التعاون مع غيره من أفراد مجموعته، و مع المجموعات الأخرى، داخل مؤسسته و خارجها .
معتزّ بعقيدته، محترم لعقائد الآخرين :
مع اندفاع ثورة المعلومات، و التنوّع الكبير الذي سيطال البشر، إنسان مجتمع المعلومات لا يخجل من أفكاره و عقائده، الناتجة عن جهده في التفكير الناقد، معتزّا باختلافه عن الآخرين، و هو في نفس الوقت يحترم عقائد الآخرين، و لا يحاول أن يفرض عليهم عقيدته .
إذا كانت هذه هي خصائص إنسان عصر المعلومات، فما هو نوع التعليم الذي يصلح له، و لمجتمعه أيضا؟

تعليم عصر المعلومات

وفقا لخصائص إنسان عصر المعلومات التي أوردناها ،يمكننا أن نستنبط طبيعة التعليم التي تناسب هذا العصر،و هذا الإنسان .. و التي تشير إلى:
• تعليم يساعد على التفرّد، و يناهض القولبة، و محاولة جعل الأفراد آحادا متراصة متشابهة .
• تعليم خالق للمعرفة، يحض على التفكير و الابتكار، و يحارب التبعية النمطية و التلقين .
• تعليم يستفيد من دخول الأجيال إلى كل منابع المعلومات و المعارف، بلا قيود أو وصاية .
• تعليم يناهض كل ما هو جماهيري، من رواسب نظم عصر الصناعة، و يحترم الفروق بين الأفراد .
• تعليم لا يضع قيدا على العقيدة، و يحترم التنوّع الشديد الذي استحدثه تدفّق المعلومات و المعارف في عقائد البشر و توجّهاتهم، ويحضّ الفرد على الإيمان بأن اختلافه عن الآخرين، هو مصدر ثراء له و للآخرين .

نظم تعليمية جديدة

مع دخول الكمبيوتر، و الإدارة الرقمية، و الروبوت، إلى المصنع و المكتب، يقتضي الأمر الاعتماد على نظام تعليمية جديدة، تختلف كثيرا عمّا نأخذ به، من بينها التالي .
أولا : من التلقين، إلى التفكير و الابتكار
الكمبيوتر و الروبوت نجح في تولّي معظم الأعمال الروتينية في المصنع و المكتب، و بشكل متفوّق عن الأداء البشري، فلم يبق للبشر سوى العمل العقـلي أو المعـرفي، الذي يقتضي التفكـير، و القدرة على حلّ المشاكل، بالبحث عن بدائل الحلول، و اختيار الحل الأوفق للظروف، ثم تطبيقه و متابعة أدائه . و هذا هو التحوّل الأساسي في النظام التعليمي المناسب لعصر المعلومات . من تعليم يقف عند حد تلقين المعلومات المحدودة، إلى تعليم يشجّع على التفكير، و البحث عن الحلول، و يحض على الابتكار و الإبداع . نحن ننتقل من تعليم عصر الصناعة الذي كان يعمد إلى تلقين التلاميذ، و حشو رؤوسهم بشتات المعلومات، و بعض التقنيات، إلى تعليم يستهدف خلق المعارف و التدريب المتواصل .
ثانيا : بيئة تعليمية مفتوحة
ستتحوّل البيئة التعليمية المغلقة الحالية، إلى بيئة تعليمية مفتوحة، تعتمد على شبكات المعرفة الإلكترونية، التي تعطي أهمية أكبر للقـدرات الشـخصية . البيئة التعليمية الجديدة، تنهي احتـكار المدرسة للعملية التعليمية، و تفتح الباب أمام
ممارسة التعليم في البيوت، و في المؤسسات الاقتصادية التي ستتكفّل بجانب منه .
ثالثا : من التعليم النمطي، إلى الشخصي
النظام التقليدي النمطي الجماهيري، النابع من عقلية و احتياجات عصر الصناعة، يحل محلّه نظام جديد يقوم على أساس اعتبار قدرة الفرد و اختياراته . و هذا يعني أنّه في مكان نظام التعليم الحالي، الذي يجري تقسيمه على أساس الأعمار، يقوم نظام جديد يسمح لقدرات الأفراد بالتقدّم إلى مستويات متقدّمة، بصرف النظر عن العمر .
رابعا : التعليم على مدى الحياة
التعـليم العام لعصر الصناعة يقوم على تعليم إجباري، بالإضافة إلى فرص قليلة للتعليم الأعلى و الحرفي . و كان التعليم ينتهي عادة بالحصول على شهادة إتمام الدراسة، التي تؤهّل لدخول الوظائف و مجالات العمل .
مع تسارع المعلومات و المعارف، و تغيّر النظريات، و هبوط علوم و صعود علوم جديدة، تنشأ ضرورة اعتماد الدارس، أيا كان عمره، على التكنولوجيات الإلكترونية الحديثة، لمتابعة ما يحدث بشكل عام، و في فرع تخصّصه بشكل خاص . و هذا يجعل تعليم عصر المعلومات عملية ممتدة على مدى حياة الفرد .
خامسا : التعليم الذاتي
يساعد على التعليم الدائم المتواصل، مبدأ التعليم الذاتي الذي يأخذ به عصر المعلومات، و الذي يراعي و يحترم الفروق الشخصية بين الأفراد . و التعليم الذاتي يصبح ممكنا بفضل الكمبيوتر، و غير ذلك من التكنولوجيات الإلكترونية . لقد أصبح بإمكان الفرد أن يعلّم نفسه، على مدى مراحل عمره، اعتمادا على البرامج التعليمية الخاصّة بالكمبيوتر، الذي يقوم باختبار الدارس، عند مراحل معينة، للتثبّت من استيعابه، تمهيدا لإعادة الدرس، أو الانتقال إلى الدرس التالي، وفقا لإيقاعه الخاص .

* * *

هذا التعليم الذي أوضحنا خصائصه، هو الذي يساعد الفرد على ممارسة أنماط الممارسات الديموقراطية الجديدة، التي تنبع من احتياجات عصر المعلومات . لقد كان تعليم عصر الصناعة، الذي يوصف بالتعليم الجماهيري، هو أنسب ما يفيد الفرد في تعامله مع الديموقراطية الجماهيرية، أو ديموقراطية التمثيل النيابي، التي ابتدعها عصر الصناعة، و التي تقتصر على اختيار الفرد ـ بنفسه أو من خلال حزبه ـ للشخص الذي سيتّخذ قرارات حياته نيابة عنه ..
و هذا هو السرّ في أن تعليم عصر المعلومات يحتل الأولوية الأولى في بناء الديموقراطية جديدة المطلوبة لمصر .

و في الرسالة التالية، عن الدعامة التالية، أعني الإعلام

الأربعاء، يوليو ٠٢، ٢٠٠٨

ديموقراطية جديدة لمجتمع المعلومات


اليـد الخفــية ..

هل تصلح بديلا للسلطة البنيوية ؟

أحد بدائل السلطة البنيوية، هو النظام الذي فيه " يتولّى الناس أمورهم "، و يتصرفون وفق المعنى الضيّق للمصلحة الشخصية، ذلك النمط الذي يمكن أن نقتفي أصوله عند آدم سميث اقتصاديا، و جيرمي بينتام فلسفيا .. ذلك النمط الذي غالبا ما يطلق عليه تعبير " اليد الخفية " .
يقول الكاتب المستقبلي روبيرت ثيوبالد " هذا النمط يفيد أن الأفراد إذا ما اتّبعوا مصالحهم الخاصة، سيزدهر الاقتصاد و المجتمع .." . و هذا النموذج الفكري، يتضمّن الإيمان بأن العالم يمضي وفق ساعة كونية، من الحكمة عدم التدخّل في عملها . و لكن عند نهاية القرن التاسع عشر، تزايد وضوح نقائص ذلك النموذج . و في ستينيات القرن الماضي كان ( الهيبيز ) من أشد أنصار فكرة اليد الخفية هذه .
الحقيقة الخالصة، هي أنه ليس في إمكاننا أن نخلق ديموقراطية توقّعية حقيقية، دون تحوّل هائل في فهمنا حول عمل الاقتصاديات الاجتماعية، و في هذا يقول ثيوبالد " الطريقة التي نفهم بها العالم حاليا، و الطريقة التي نفكّر بها في هذا الأمر، لن توفّر لنا تناولا لمسألة اتخاذ القرار، يكون في نفس الوقت ديموقراطيا، و مستوعبا حقائق المستقبل .." .
يميل بعض المتحمسين لمشاركة المواطنين، و للديموقراطية التوقّعية، إلى المبالغة الضارّة، بتصوّرهم أن مشاركة المواطنين في صنع القرار، و الديموقراطية التوقعية، يقودان إلى مدينة فاضلة مثالية . و هذا يثقل على الجهد المبذول في هذا السبيل بتوقّعات لا يمكن تحقيقها . و يقول ثيوبالد " هذا الشكل المناسب لاتخاذ القرار، قد يجعل من الممكن ( إدارة أمور العالم )، و من خلاله يمكن الوصول إلى مستوى جديد من الكفاءة، تساعد على تحقيقه المستويات العالية من التكنولوجيا حاليا .." .

الكفاءة .. و اتخاذ القرار

يقول ثيوبالد أن هناك بديلا لنموذجي السلطة البنيوية، و اليد الخفية .. و وجهة النظر الجديدة هذه، تفيد أن الناس عليهم أن يتخذوا القرارات في المجالات التي تكشف عن كفاءتهم، و أن يحققوا الاتصال بين مجالات الكفاءة التي لا يوجد اتصال بينها، و أن يعملوا معا،مجتمعين، خلال كامل عملية التفكير في اتخاذ القرار .
و عادة ما تظهر ردود فعل مضادة، في مواجهة هذه الدعوة . أوّلها، أن ما يقول به البعض من أن الأخذ بهذا سيقود إلى عدم حدوث تغيير في المجتمع الحالي، أي أن تظل النخبة الحالية محتفظة بالسلطة . رغم أن ثيوبالد يعتقد أن النخبة التي بيدها السلطة حاليا لا تعكس ـ بالضرورة ـ الكفاءة في المجال الذي تسيطر عليه . و ثانـي ردود الفعل المضادة
يصدر عن جماعات تؤمن بعدم وجود اختبارات يمكن بها تحديد الكفاءة بشكل دقيق . و يرد على هذا بأن التجربة العملية في مواجهة المشاكل تكشف للجمهور مدى الكفاءة التي يتمتع بها القائد . و أن السر في صعوبة تولّي أصحاب الكفاءات لمواقع صنع القرار، المقاومة التي يبديها عدم الأكفاء الممسكين بالسلطة حاليا . و الاعتراض الثالث يصدر عن أفراد يخافون من أن تولي الأكفاء للسلطة يجعل من الصعب تغييرهم، إذا استجد أمر .

الانتماء إلى الحياة الجديدة

تصبح مشاركة المواطنين في صناعة القرار ممكنة و مطلوبة، إذا كان بالإمكان إحلال قيم و رؤى عصر المعلومات و الاتصالات، محل قيم و رؤى عصر الصناعة . و هو ما حدث عند انتقالنا من عصر الزراعة إلى عصر الصناعة .
التحوّل السابق تم عبر أجيال، مع اختلاف رؤية كلّ جيل عن الذي سبقه، و ممّا خلق نوعا من التوتّر بين الأجيال . المشكلة حاليا، هو أنه ليس لدينا الوقت الكافي لانتظار حدوث التغيير عبر أجيال، و أن كلّ واحد منا مطالب بأن يعيد اختبار أفكاره عن الحياة و النجاح، على ضوء التغيرات العريضة التي تتعرّض لها حضارتنا . و يقول ثيوبالد " معظمنا يجد هذا الواجب شاقا بشكل غير عادي، لغياب النماذج التي نهتدي بها . لكننا سنكتشف بعد قليل بأن القيم المطلوب منّا تبنيها أكثر إنسانية، و أكثر قبولا من التي يطلب منّا التخلّي عنها ..و مع ذلك لن يكون التغيير سهلا .." .

السلطة الحكيمة

ما نحتاجه، هو الفهم السليم للسلوك البشري . فلا صحة للقول الذي يتردد كثيرا حول أن الناس يتصرفون بما يتّفق مع مصالحهم، في لحظة إقدامهم على التصرّف . فلم يثبت من التجارب العملية أن الناس عرفوا أين تقع مصلحتهم، أو عرفوا التصرف الأسلم لبلوغ الهدف، أو التزموا بهذا في تصرفهم، انهم قد يسعون إلى هدف في وقت ما، ثم إلى هدف آخر في الوقت التالي . و يقول ثيوبالد " الحقيقة ببساطة هي أن الناس يختلف تعريفهم للنجاح.. و أن تعريف الفرد يتأسس
وفقا لمداركه، و لماضيه، و لخبرته الشخصية، و احتمالاته الوراثية .." . و هو يقول أن السعي لتغيير سلوك البشر يتضمّن التالي :
أولا : مساعدتهم على إعادة تقييم معنى خبراتهم السابقة .
ثانيا : تمكينهم من اكتشاف رؤى المستقبل، التي ستغيّر أهدافهم، إلى اتجاهات يرغبون فيها أكثر .
ثالثا : تعليمهم المهارات التي تساعد على جعل أقوالهم و تصرفاتهم تيسّر وصولهم إلى الأهداف المنشودة .
كأفراد، عليهم تعلّم ممارسة إعادة تقييم ماضيهم، و تصوّر مستقبلهم الجديد، و لا مناص من أن البدء في تعلّم محاولة التأثير على المجتمع الذي يعيشون فيه .. وهذا هو الذي سيقود إلى تحقيق ديموقراطية توقّعية فعّالة .. و مع كلّ هذا، فطبيعة الأمور تقول أن هذا سيقتضي بعض الوقت لظهور التغيير المنشود، بحكم القصور الذاتي الهائل للمجتمع، و مقاومة البنية البيروقراطية لأي تغيير .

طرق التحكّم في الذات

المشاركة الصادقة من جانب المواطنين، تحتاج إلى تحوّلات عميقة في الطرق التي نحكم بها أنفسنا :
أوّلا : نحن نحتاج معرفة أن هناك عدد قليل من الصراعات التي يكون فيها أحد الطرفين محقّا بالكامل، و الآخر مخطئا بالكامل . العيب في نظامنا القانوني هو سعيه لتخريب و إخفاء الظلال الرمادية، و اختزال الأمر إلى أسود و أبيـض
ثانيا : نحن في حاجة إلى تطوير هياكل جديدة تسمح للناس بتطوير أفكارهم و التعبير عنها، بأكبر قدر من الوضوح . في المستقبل، سنحتاج إلى البحث عن المدهش و غير المتوقّع . و القدرة على تقبّل ما هو مستجد، قبل أن يكتمل نضجه، يعتبر من أندر المهارات و أكثر ما نحتاجه منها، في حياتنا الجديدة .
نحن في حاجة إلى خلق آلية جديدة، تساعدنا في توضيح الخلافات و الفرص . و هذه العملية في شكلها الأمثل تتكوّن من أربعة جوانب :
الأول : جانب ينصب على توصيف عناصر الاتفاق القائم حول موضوع معيّن، و بخاصة العوامل التي تقود الناس إلى الإيمان بأن هذا الموضوع يستحق الاهتمام .
الثاني : و جانب يصف عناصر عدم الاتفاق القائمة حول الموضوع، و أسباب عدم الاتفاق، و نوع المعارف المطلوبة للمساعدة على الوصول إلى اتفاق .
الثالث : و جانب يستكشف نطاق السيناريوهات التي تفرضها التصورات المختلفة للموضوع الذي نتناوله، و اقتراح المعايير المختلفة للسياسات التي نحتاجها لنستوعب وجهات النظر المختلفة .
الرابع : و جانب يقرر الموارد المتاحة للمزيد من الدراسة ( مطبوعات، أوديو، فيديو، كمبيوتر .. إلى آخره ).
و الهدف من هذا المنهج ـ كما يقول الكاتب روبرت ثيوبالد ـ هو زيادة مساحة ما هو متّفق عليه، و الحدّ ممّا هو موضع خلاف، بالنسبة لموضوع ما، حتّى يكون لدى أولئك الذين يضعون السياسات أفضل المؤشرات، لفهم العالم الذي يعملون في حدوده .

و إلى الرسالة التالية، لنرى أثر هذا كلّه على الديموقراطية المطلوبة لمصر .

الجمعة، يونيو ٢٠، ٢٠٠٨

الأحد، يونيو ٠٨، ٢٠٠٨

ديموقراطية مجتمع المعلومات

مشاركة المواطنين في اتخاذ القرار

.... و آثـــارها العميقــــة

نحن نمضي الآن عبر ما يمكن أن نطلق عليه " الثورة الكوبيرنيكية الثانية " . هذا هو ما يقوله الكاتب المستقبلي روبرت ثيوبالد، في دراسة له حول الديموقراطية التوقّعية . و هو يستطرد قائلا أتاح لنا كوبيرنيكوس أن نرى الأرض، برؤية بعيدة عن الرؤية الشائعة في وقته، باعتبارها مركز الكون، فأثبت أنها تدور حول الشمس .. و كذلك علّمنا عصر الاتصالات أن كل إنسان هو ـ بالتأكيد ـ مركز كونه الخاص .. و أننا نستقبل العالم من خلال مناظيرنا الخاصّة الفريدة، و التي تتحدد بالتركيب الجيني الخاص بنا، بالإضافة إلى خبراتنا . و يضيف أن الفرق الأساسي بين عصر الصناعة و عصر المعلومات و الاتصالات، هو المدركات الخاصة بكل منهما .
خلال عصر الصناعة كنّا نؤمن بوجود حقيقة موضوعية، يمكن الوصول إليها و اكتشافها إذا ما كافحنا بشكل جاد من أجل ذلك . و كان السبيل الأساسي لذلك هو أن نجزّئ الواقع إلى شظايا أصغر فأصغر، لاعتقادنا أن هذا سيقودنا إلى مجموعة من الحقائق الخالصة . و المشكلة هي أننا وجدنا القليل من تلك الحقائق، و أن الحقائق التي وصلنا إليها بدت بلا نفع في وجه المشاكل التي نصادفها .
عصر المعلومات و الاتصالات ينطلق من إدراك جديد، هو أن كلّ شيء متبادل الاتصال .. هذا التناول يقتضي مجموعة مختلفة جدا من الأدوات، و أنماط السلوك، و النماذج . يقول ثيوبالد " علينا أن نتعلّم كيف نعمل من خلال نظام اتصالات، في مكان نظام التحكم، لكي نشجّع التنوع في مكان التشابه و النمطية، و أن نستقر عند " ما يكفي " بدلا من السعي إلى ما هو أكثر، و أن نتعلّم أيضا كيف نعمل من خلال نسق القيم الذي أطلقنا عليه في الماضي اسم النسق الديني : مثال ذلك الأمانة، و المسئولية، و التواضع، و الحب، و احترام الأسرار العقائدية .." .
و عصر المعلومات و الاتصالات ليس مجموعة من التجريدات . و في جميع الأحوال، على الذين يريدون أن يفهموا هذا العصر أن يلتزموا بالعيش فيه، بالضبط كما فعل أولئك الذين أوجدوا عصر الصناعة، عندما تنازلوا عن قيم عصر الزراعة ..
أي مناقشة ذات دلالة، لموضوع مشاركة المواطنين، أو مساهمة المواطنين، أو الديموقراطية التوقّعية، يجب أن تتضمّن بالضرورة مناقشة مصادر السلطة في الجماعات، و المؤسسات، و الثقافات . و معظم الأمريكيين لا يبدون ارتياحا حيال هذا الموضوع . و نتيجة لهذا، تظهر سلسلة من العقائد الجـامدة، التي لا تتوافق مع هذا الموضوع .
لهذا، يكون من المهم أن نختبر الافتراضات السائدة، و أن نضع المعالم العامة للرؤية البديلة للمجتمع .

السلطة البنيوية

يقول روبرت ثيوبالد أن ثقافـة عصر الصناعة التي نعيشها، تقوم على افتراض أن السلطة ( أي حق اتخاذ القرارات و تطبيقها )، تتوقّف على المركز الذي يسيطر عليه الفرد . و موقع القوّة يمكن الوصول إليه بعدة طرق : بالترقّي في سلم البيروقراطية، أو بالتعيين ( كما في الوظائف المدنية العليا أو في بعض جوانب من النظام القضائي )، أو من خلال الانتخاب على أساس العملية الديموقراطية الحالية . ويضيف، لأننا نخشى استغلال السلطة، فإن حق القيادة و التحكّم غالبا ما تكبّله مجموعة من القيود، التي يقصد بها منع استغلال السلطة بشكل غير سليم . و مبدأ الفصل بين السلطات التنفيذية و التشريعية و القضائية، يسيطر على مجمل النظام الأمريكي .
و درجة التوتّر التي تقوم بين أولئك الذين يمسكون بالسلطة، و أولئك الذين تمارس عليهم، تتوقّف أساسا على درجة الثقة بين الأطراف . و في السنوات الأخيرة، كشفت قياسات الرأي العام عن تدهور متواصل في الثقة الشعبية تجاه كل الجماعات التي تمسك بالسلطة : الحكومة، و رجال الأعمال، و السلطات العمالية، و وسائل الإعلام . و كان رد الفعل الذي لا مفـرّ منه، هو أن يمضي القابضون على السـلطة المزيد من الوقت في تجمـيل مواقفهم، على حسـاب الوقت المفترض لاتخاذ القرارات الضرورية .

السلطة تعبث بالمعلومات

يقول روبرت ثيوبالد " لسوء الحظ، تنشأ علاقة مباشرة، بين السلطة البنيوية، من النوع الذي أوردناه، و بين تزايد الإحساس بفقدان الثقة . . فالسلطة البنيوية تقود حتما إلى تخريب المعلومات، و إفساد الحقائق .. و على حد قول لورد آكتون : السلطة تميل إلى العبث بالمعلومات، و السلطة المطلقة تعبث بالمعلومات بشكل مطلق .." .
و يشرح ثيوبالد هذا قائلا : على سبيل المثال، عندما نعمل مع أفراد أو جماعات، تكون لديهم القدرة على التحكّم في حياتنا، إلى الأفضل أو الأسوأ، تكون النتيجة الطبيعية هو أن نتقدّم إليهم بالمعلومات التي ترضيهم . و كلّما كانت سلطتهم على حياتنا أكثر مباشرة و قوّة، كلّما زاد تبريرنا لتلاعبنا بالمعلومات، باعتبار أننا نضطر إلى ذلك، خوفا على عملنا أو على نمط حياتنا .
و طالما أننا ما زلنا متمسّكين بالنظام الحالي، فإن تركيز السلطة في أيدي قليلة، يستتبع بالضرورة أن يتعرّض هؤلاء الأقوياء إلى فيض من قذائف المعلومات التي يحمي أصحابها مصالحهم بعدم صحتها .

بين الديموقراطية و السلطة البنيوية

كيف يمكن للديموقراطية التوقّعية أن تعمل من خلال هذا النوع من بنية السلطة ؟ .. يقول ثيوبالد أن موضوع الطاقة النووية، كان أحد أسخن الموضوعات في انتخابات 1976، و هو يقدّم مثالا قويا لمدى التدهور في المعلومات الذي يمكن أن يحدث . في العديد من الولايات، اقترح الذين يخافون الآثار بعيدة المدى للإنتاج النووي على نوع الحياة و البيئة، أن يتم استفتاء عام حول الطاقة النووية . أما الذين كانوا مقتنعين بأن إنتاج طاقة إضافية يعتبر ضروريا من أجل رفاهية الولايات المتحدة، فقد عارضوا المجموعات صاحبة الرأي الآخر .
و الاستفتاء العام في الولايات المتحدة تكون له قوّة القانون، و هذا يعني أن الجمهور العام يمتلك سلطة مطلقة في ذلك المجال . لقد شعر أصحاب المصـالح في كلّ من الفريقين أن من حقهم "تحـريف" الحقيقـة، باعتبار أن القرار "الخـطأ" من جانب الجمهور يشكّل كارثة .
و كانات المحصلة النهائية تشويها ملفتا للمعلومات من الجانبين، نتيجة لاعتبار كل جانب أن موقفه هو الحـقّ الخالص . و أصبح من الأكثر صعوبة على المواطنين اتخاذ قرار قائم على المعلومات الصحيحة، حول التوجّه السليم الذي يجب أن يسلكه المجتمع في هذا الأمر .

تغيير بنية السلطة .. أوّلا

طالما تمسّكنا بنموذج بنية السلطة الذي نمضي بموجبه، تصبح فكرة دخول المواطن الذكي في ديموقراطية المشاركة أو الديموقراطية التوقّعية، من الأفكار الساذجة و الخاطئة . و في نفس الوقت، يمكن أن يقود دفع المواطنين إلى المشاركة، إلى الهبوط في معدلات الإنتاج . و مرجع ذلك إلى سببين :
أولا : كلما زادت القوّة التي يمارسها المواطنون من خلال الاستفتاء العام و غيره من الممارسات، كلما تعاظمت عملية تخريب المعلومات المتضمنّة .
ثانيا : جماعة المواطنين، هي واحدة من عدد كبير من الجماعات، و هي غالبا ما تكون الأضعف .
و يخرج روبرت ثيوبالد من هذا، بأن معظم مشاركة المواطنين الحالية، تثير المزيد من الإحباط و الغضب . . و بعض جماعات المواطنين تصبح " ناجحـة " بأن تصبح قوية بدرجة كافية، لكي تخضع أنماط بنية السلطة الأخرى لإرادتها . فإذا نظرنا إلى النتيجة النهائية، نجد أن كل الذي تغيّر هو تسلسل مواقع القوّة، أو تسلسل مراتب العذاب و المعاناة في حضارتنا .
يقول ثيوبالد " مشـاركة المواطنين، و الديموقراطية التوقّعـية، ممكنة فقـط بعد حـدوث تغـيير في أنماط بنية السلطة .. فما هي النماذج الأخرى لاتخاذ القرار التي يمكن أن نعتمد عليها ؟ " . هذا هو موضوع رسالتنا التالية

الثلاثاء، مايو ٢٧، ٢٠٠٨

في الديموقراطية التوقعية

في مواجهة الانهيار المتواصل

عند مركز عملية اتّخاذ القرار

في مواجهة الانهيار المتواصل عند مركز عملية اتخاذ القرار، يمكننا أن نسلك أحد طريقين :
الطريق الأوّل، هو محاولة المضي قدما في تقوية السلطة الحكومية، بالاعتماد على المزيد من السياسيين الإضافيين، و البيروقراطيين، و المستشارين ذوي الخبرة، مع التركيز على العقول الإلكترونية، على أمل اجتياز محنة التسارع و التعقيد و التركيب في الأحداث، المحلية و العالمية .
و الطريق الثاني، هو البدء في تخفيض عبء اتخاذ القرار، بتوسيع قاعدة المشاركين في ذلك العبء، و السماح بمزيد من القرارات التي يتم اتخاذها في القواعد و الأقاليم، أو في مراكز النشاط الفئوي، عوضا عن التركيز على قيادة صنع القرار المتخمة في المركز .
الطريق الأول يقود إلى المزيد من المركزية و التكنوقراطية و الشمولية، بينما يقود الطريق الثاني إلى ديموقراطية جديدة، ذات مستوى أكثر تطوّرا . و لا توجد أسباب تحضّ على سلوك الطريق الأول، فالقول بأن المركزية و الشمولية في اتخاذ القرار هما السبيل إلى " الكفاءة "، و أن الديموقراطية تقود إلى التشويش و الإخفاق .. هذا القول ليس سوى خرافة زائلة . فالنظر الأمين إلى الديموقراطية، بشيء من التعقّل، على ضوء نظرية المعلومات و اتخاذ القرار، بعيدا عن النظريات السياسية البالية، يفيد أنها تحقّق من الفضائل ما تفتقده المركزية و الشمولية .

مستقبل الدكتاتور

ما يحدث اليوم في مختلف المجتمعات من تغيير متلاحق متسـارع، يجعل مهمة الطاغية أو الدكتاتور محفوفة بالمخاطر . و إذا كان الدكتاتور قادرا على الحركة السريعة، نتيجة لعدم اضطراره لسماع و مواجهة الرأي الآخر، فإن هذا يعتبر ميزة في حالة كون ذلك الدكتاتور حكيما و ذكيا، و أيضا في حالة كون مجتمعه نمطيا، يتمتّع بثبات نسبي . و قد أثبتت التجارب السياسية، في مختلف أنحاء العالم، أنه في حالة تحقّق ذلك، فأن العائد الذي يصل إليه هذا النظام يكون مقترنا بمخاطر هائلة .
يقول توفلر " تصرفات الحاكم الأوحد تصبح بشكل متزايد عرضة للخطأ، و متسمة بالخطورة . و هي و إن كانت تستهدف تضخيم الذات، إلاّ أنها ـ في أغلب الأحيان ـ تقود إلى تحطيم الذات، إذا لم تتم مراجعتها عن طريق معارضة ديموقراطية، و إذا لم يجر تصحيحها و تقويمها على ضوء الأفكار المتغيرة القادمة من ( أسفل ) ..".
و يستطرد قائلا أنّه على العكس من هذا، يقود تضاعف قنوات التغذية المرتدة القائمة بين المواطنين، و بين صنّاع القرار في الحكومة، و خاصّة التغذية المرتدة السلبية، إلى المحافظة على استقرار المجتمع .. فهي تعمل عمل (الترموستات) في الأنظمة الحرارية، الأمر الذي يؤدي إلى تخفيض مخاطر الخطأ . كما يعني أيضا أن ارتكاب الخطأ يكون من الممكن تصحيحه بأقل الخسائر ..
كلما ضعفت التغذية، و التغذية المرتدة، في العملية الديموقراطية، زادت الفجوة بين القرارات و الواقع، و زاد خطر بقاء الأخطاء بدون تصحيح، حتى يتضخّم أثرها، و تتحوّل إلى أزمات .

الزمن كعامل مؤثّر

يمكن أن يصبح الحديث عن ديموقراطية المشاركة ناقصا ـ بشكل ما ـ إذا أهملنا النظر إلى الزمن كعامل مؤثّر في سلامة القرار . و لكي تكون مشاركة المواطنين في اتخاذ القرار فعّالة، لا بد أن يتجاوز اهتمامهم ما هو " هنا و الآن"، عند اتخاذهم للقرار . و أن يدخلوا في اعتبارهم الأوضاع الأكثر أهمية، و التي تؤثّر على المستقبل البعيد
إن ترك المواضيع طويلة المدى زمنيا للآخرين، على سبيل الإهمال أو عدم الاهتمام، ينتهي بالمواطنين ـ على أحسـن الفروض ـ إلى التورّط في اتخاذ قرارات قاصرة، ثم إلى الدخول في معارك، عند التصـدّي للتصوّرات بعيدة المدى، التي يكون غيرهم قد وضعها . و هذا هو السـرّ في أن الديموقراطية التوقّعية تصرّ على دمج التغـذية المرتدة للمواطنين بتوفّر الوعي المستقبلي لديهم .
المراقب المتأمّل للتجارب الأولى، في حقل الديموقراطية التوقّعية، في المجتمعات التي شرعت في الأخذ بها، سيلاحظ توتّرا متناميا بين أولئك الذين يؤمنون أساسا بالمشاركة، مع عدم اقتناعهم القوي بالتوجّه المستقبلي، و بين أصحاب الفكر المستقبلي الذين لا يضعون ثقلا مناسبا للمشاركة .

معالجة جديدة لعملية اتخاذ القرار

من المهم أن نتّفق على أن هذا التركيز على المستقبل بين الجماهير، ليس له علاقة بما عرفناه من جهود المخططين التكنوقراطيين .. الذين يتصوّرون أننا نحتـاج إلى : " خطة شاملة " لربع القرن القادم مثلا . أو بمن يتحمّسون للوصول إلى إجماع حول قضية ما، بما يعني أن نمضي جميعا وراء رؤية واحدة .. كلّ من هذين الموقفين يعتبر من مخلّفات المجتمع النمطي المنصرم .
أهم ما يناط بأولئك الذين يلتزمون بالديموقراطية التوقّعية، ليس السعي إلى استنباط أهداف محددة للحي أو المدينة أو المحافظة أو الدولة، و لكنه السعي إلى خلق و استنباط معالجة جديدة لعملية اتخاذ القرار، تتم فيها بصفة مستمرة إعادة تقييم الأهداف، بصرف النظر عن كونها أهداف هذا أو ذاك، و بأن يتم ذلك على ضوء التغيير المتسارع الذي نعيشه .
و على هذا، فالديموقراطية التوقّعية لا تعد بسلامة القرار الذي يتخذه عامة المواطنين ( حتّى عندما يتم ذلك بمساعدة الخبراء، كما هو الحال دائما )، كما أنها لا تفترض قدرة المواطن على فهم الأمور التقنية دون تعليم أو مساعدة من الخبراء، و هي لا تسعى ـ بالضرورة ـ للوصول إلى إجماع، دعك من فرضه .. إن ما تفعله هو بناء جمهور للمستقبل، و ليس هناك ما هو أهم من ذلك .. إنّها توفّر عددا كبيرا من المواطنين النشطين، الذين ـ بصرف النظر عمّا يمكن أن يكون بينهم من اختلافات ـ يتّفقون في اعتقادهم بأن خط النهاية للحياة السياسية يجب أن لا يقف عند حد الانتخابات التالية .

الفرص و البدائل الخلاّقة

هذا الجمهور المستقبلي، إذا جاز التعبير، يساعد على تحرير الساسة الأذكياء، و موظفو الدولة، من قيودهم الحالية، ممّا يتيح لهم القيام بعملهم بطريقة أفضل، حتّى في ظل أدوات اتخاذ القرار الحالية غير المناسبة ..و تحررهم بما يتيح لهم التحدّث بصراحة و ذكاء عن الاحتياجات بعيدة المدى، دون أن يظهروا بمظهر البلهاء أو المخرّفين ! .
و هكذا، توفّر الديموقراطية التوقّعية دعما للسياسات بعيدة النظر،و تضاعف من تقديرنا للفرص و البدائل الخلاّقة، بما في ذلك الرؤى المستقبلية، التي عادة ما يتم استبعادها بتأثير الاستقطاب السياسي .
خارج المجال السياسي الشكلي، تثير الديموقراطية التوقّعية العديد من الأسئلة الخصبة :
أولا : إلى أي مدى يمكن إعادة التوافق بين "الخبراء " و " المواطنين " ؟
ثانيا : و ما هي العلاقة بين الديموقراطية و التعليم ؟
ثالثا : و هل يمكن أن تساعدنا في وضع استراتيجيات عريضة للتطور التكنولوجي تحظى بتأييد المواطنين ؟ .
يقول توفلر " إذا نظرنا إلى الديموقراطية التوقّعية، على ضوء ضخامة المخاطر التي تواجهها، فقد نراها مجرّد استجابة متواضعة .. فهي لا تتضمّن حدثا درامـيا، و هي لا تقتـل و لا تخطـف خصومها، كما أنها لا تهدد بقلب نظام الحكم بشكل تآمري .. إنها في جوهرها أداة تهذيب ديموقراطية . و مع ذلك، فإننا نرتكب خطأ كبيرا عندما نقلل من قدر القوّة التي تولّدها، أو من دلالة هذه الطاقة السياسية الجديدة .." .