الأربعاء، ديسمبر ٠٣، ٢٠٠٨

حكايتي مع المستقبل

أسرار شفرة

المجتمع الصناعي المنصرم

كان فهم جوهر المجتمع الصناعي، سبيلي للتعرّف على جوهر مجتمع المعلومات الذي يحل محلّه . لقد توصّل توفلر إلى أسرار الشـفرة الخفية للمجتمع الصناعي، التي قامت عليها الحياة في عصر الصناعة، و من ثمّ أمكن أن نفهم الإطار العام الذي قامت عليه أوجه النشاط البشري طوال سيادة ذلك المجتمع . و في هذا يقول " عندما اجتاحت الصناعة كوكبنا، أصبح تصميمها الفريد الخفي ظاهرا لنا . و هو يتكوّن من ستّة مبادئ، متبادلة التأثير، التي برمجت سلوك الملايين . هذه المبادئ التي نمت بشكل طبيعي من الانفصال بين الإنتاج و الاستهلاك، أثّرت على كل وجه من أوجه الحياة، من الجنس إلى الرياضة إلى العمل إلى الحرب .." .
هذه المبادئ الستة هي :
النمطية أو التوحيد القياسي. الإنتاج الصناعي على نطاق واسع، اقتضى الأخذ القوي بالتوحيد القياسي، لتصنيع المنتجات التي على نفس النمط، و بأقلّ تكلفة . و نتيجة لنجاح هذا التوجّه في التصنيع، عمد المجتمع الصناعي إلى تعميمه على كل شيء : نظم العمل، المدارس، المستشفيات، القطارات، محطات البنزين، الملابس . و لعبت وسائل الإعلام الجماهيري دورا هاما في تكريس النمطية، و صورة التوحيد القياسي، عندما يرى البشر نفس الصور و يطالعون نفس الكلام . بل لقد مضى المجتمع الصناعي فى هذا، إلى حد محاولة التوحيد القياسي للإنسان، رغم تنافي هذا مع الطبيعة البشرية .
التخصّص الممعن . مع تزايد تقسيم مراحل العمل، استبدل المجتمع الصناعي العامل الزراعي القادر على القيام بعدد من الأعمال، بالعامل الصناعي صاحب الاختصاص الضيّق، الذي يؤدّي عملية واحدة محدودة، و يظل يكررها طوال حياته، دون ما حاجة إلى إعمال العقل .
التزامن، أو ضبط توقيت الأشياء . الانفصال بين الإنتاج و الاستهلاك، قاد إلى فرض التغيير على الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الزمن . فالنظام الاجتماعي المعتمد على السوق، يصبح فيه الزمن معادلا للمال . و الآلات الغالية لا يمكن أن تترك خامدة، و يجب أن تعمل وفقا لإيقاعها الخاص.. و هكذا تبلور مبدأ التزامن . أصبح من الضروري حساب التزامن بين العمليات المختلفة، و ظهرت أهمّية الضبط الدقيق للوقت باستخدام الساعة، استجابة لصفارة المصنع، أو لجرس المدرسة .
التركيـــز . مع الإنتاج على نطاق واسع، و الاستهلاك على نطاق واسع، كانت هناك ضرورة لظهور السوق كوسيط، و قاد هذا بدوره إلى الأخذ بمبدأ التركيز . تركيز السكن في مدن كبيرة حول مراكز النشاطين الصناعي و التجاري . و تركيز التلاميذ في المدارس، و المرضى في المستشفيات، و العجزة في الملاجئ، و المجرمين في السجون . . و أيضا تركـيز رؤوس الأموال في شركات كبرى، و احتكارات عظيمة، باعتبار أن تركيز الإنتاج يضاعف من كفاءته .
عشق الضخامة . كما خلق الانفصال بين الإنتاج و الاستهلاك حالة من عشق الضخامة، و السعي إلى النهايات القصوى . و ساد زعم بأن الضخامة مكافئة للكفاءة . فارتفعت ناطحات السحاب، و أقيمت أضخم السدود، و شيّدت أوسع الملاعب .. و اندمجت الشركات الصغيرة في شركات كبيرة، حتّى تتاح لها قدرة أكبر على المنافسة الداخلية و الخارجية .
المركـــزية . لقد سعت جميع الدول الصناعية إلى تطوير المركزية . فمن أجل مواجهة التوحيد القياسي للعمليات الإنتاجية و الأجور و برامج العمل، و تزامن العمليات التي تجري على بعد مئات الكيلومترات، و مع خلق التخصصات اللازمة للعمليات و الأقسام الجديدة، و مع تركيز رأس المال و الطاقة و البشر من العاملين، و مع السعي للوصول بحجم شبكة العمل إلى الحدّ الأقصى من الضخامة .. من أجل هذا كلّه كان من الضروري خلق أشكال جديدة من التنظيم، مبنيّة على مركزية المعلومات و القرارات .
و في هذا يقول آلفين توفلر أن عملية التصنيع في الولايات المتحدة الأمريكية، دفعت النظام السياسي نحو المزيد من المركزية، فوضعت واشنطن في يديها عددا متزايدا من مفاتيح القوّة و المسئوليات، و احتكرت يوما بعد يوم سـلطة اتخاذ القرار المركـزي، فانتقلت السـلطة فعلا من الكونجرس و القضاء إلى أكثر السلطات الثلاث مركزية : الأجهزة التنفيذية

هذه المبادئ تفقد صلاحيتها

كلّما تأمّلت أوضاع البشر في عصر الصناعة، وجدت هذه المبادئ الستّة وراء كل نشاط من النشاطات البشرية . و ساعدني هذا على تكوين رؤية شاملة للمجتمع الصناعي . و عندما بدأت هذه المبادئ تهتزّ و تتهاوى، في أواخر القرن الماضي، أدركت معنى التغيرات التي نمر بها . لم تعد مجرّد تغيير هنا و تغيير هناك، بل اكتسبت الإطار العام الضروري، الذي يربط بينها .
من واقع دراستي لمرحلة التحوّل من المجتمع الزراعي إلى المجتمع الصناعي، و من خلال تعرّفي على المبادئ الأساسية التي قام عليها لمجتمع الصناعي، بدأت أفهم طبيعة مرحلة التحوّل التي يمر بها البشر حاليا . كما استطعت أن أميّز بين الظواهر الناتجة عن مقاومة أصحاب المصلحة في بقاء نظم المجتمع الصناعي، و محاولة استنزاف آخر مكاسبه، و إطالة عمره، و بين الظواهر الصحّية الناتجة عن مقدم المجتمع الجديد، مجتمع المعلومات .
و بقي سـؤال مهم، كيف فقدت تلك المبادئ الراسخة صلاحيتها ؟، كيف انهار النظام الصناعي
الذي دام في أوج قوّته لما يزيد عن قرنين ؟ . كان من المهم أن نجد إجابة على هذا السؤال، قبل أن نبدأ التفكير في طبيعة النظام الجديد الذي يحلّ محل النظام الصناعي، و قبل أن نسعى إلى التعرّف على المبادئ الجديدة، التي ستحل محل المبادئ الستّة للمجتمع الصناعي .
البشـر .. و المعلومات
رغم اقتناعي بأن التحوّلات الكبرى في حياة البشر، لا يمكن إرجاعها إلى عامل واحد أو عاملين، بل إلى العديد من العوامل المرصودة و غير المرصودة، التي تتبادل التأثير فيما بينها، غير أنني اكتشفت أن العلاقة بين البشر و المعلومات هي حجر الزاوية في تحولنا من المجتمع الصناعي إلى المجتمع الجديد .
و كان من الواضح أن التكنولوجيات المتطوّرة في مجالي الاتصال و الكمبيوتر، هي التي قادت إلى تغيير علاقة الإنسان بالمعلومات، و خلقت ما نطلق عليه " ثورة المعلومات " .
· لقد أتاحت تكنولوجيا المعلومات و الاتصال المتطوّرة حصول البشر على قدر من المعلومات، لم يكن يتيسّر لهم من قبل .
· و مع استقبال الإنسان لهذا التدفّق من المعلومات، يختار منها ما يتّفق مع أهدافه و استعداده، و من ثمّ يتباين الأفراد في أفكارهم و مواقفهم، و هذا يقود إلى تباين أساليب حياتهم .
· هذا التباين بين الأفراد، يخلق بطبيعته المزيد من المعلومات و المعارف .
· و مع المزيد من التطوّر التكنولوجي في مجال المعلومات ( كمبيوتر ـ اتصالات )، يتم استيعاب المعلومات المتدفّقة، و تتولّد عنها معلومات و معارف جديدة .
· و هذا يقود بدوره إلى المزيد من تباين البشر، و من ثمّ المزيد من المعلومات ..

ثم كان لقاء ساليزبورج مع المفكر المستقبلي الياباني ماسودا .

السبت، أكتوبر ٢٥، ٢٠٠٨

حكايتي مع المستقبل


توفلر.. و صدمة المستقبل

كنت في حاجة إلى فهم آليات التغيّر، التي تنقل البشر من طريقة حياة، إلى طريقة أخرى تختلف في كلّ شيء عن سابقتها . و فهم لمسببات التغيّرات الكبرى، التي تنقل البشر من نمط مجتمعي إلى نمط آخر . كانت لديّ بعض الأفكار المتناثرة، لكنّها كانت تفتقر إلى الإطار العام الذي يجمعها، و يتيح للرؤية المستقبلية أن تكون واضحة، تسمح بأن نستنبط منها مستقبل أي ظاهرة، أو نشاط بشري .. و لم يحدث ذلك قبل أن ألتقي بصاحب " الموجة الثالثة "، المفكّر المستقبلي الملهم آلفن توفلر .
و الحق، أنني قرأت توفلر قبل ذلك بسنوات عديدة، في كتابه الشهير " صدمة المستقبل " . و رغم إعجابي بالموضوع و الكتاب و الكاتب، إلاّ أنني لم أكن قد بدأت اهتمامي المنظّم بالمستقبل، و هكذا واصلت قراءاتي في موضوعات اهتمامي السابقة . و فيما بعد، أدركت أن ذلك الكتاب بقي كامنا في لاشعوري، مستقرّا في ذاكرتي، يفعل فعله دون أن أشعر .

الموجـة الثالثـة

في بداية الثمانينيات، من القرن الماضي، قرأت كتاب " الموجـة الثالثـة "، للمفكّر المستقبلي الكبير آلفن توفلر، ففتح أمامي باب فهم المسيرة الحقيقية للتاريخ البشري واسعا .عندما كنت أطرح رؤيتي لمجتمع الغد في الاجتماعات و اللقاءات، كنت أجد من يقول لي مستنكرا " من أين جئت بتشخيصك لمجتمع الغد، أو مجتمع المعلومات كما تسمّيه ؟، أذكر لنا دولة واحدة أو مجتمعا واحدا تنطبق عليه مواصفات المجتمع الذي تتحدّث عنه .." . كان من الصعب أن أقدّم إجابة عن ذلك التساؤل، و نحن في وسط دوامة التحوّل، من مجتمع الصناعة إلى مجتمع المعلومات . من كتاب " الموجة الثالثة "، وضعت يدي على المنهج السليم، الذي يدعم تصوّراتي لمجتمع المعلومات، و القوانين التي تحكمه . و بفضل ذلك الكتاب، بدأت دراسـة أقرب مراحل التطورات الكبرى، في حياة البشر : التحوّل من حياة الزراعة إلى حياة الصناعة .
تعبير "الموجة "، الذي اختاره توفلر، يعفيه من تعبير " حضارة "، أو " عصر "، سعيا إلى الوضوح الذي قد تؤثّر عليه الارتباطات التاريخية و الإقليمية و القاموسية للتعبيرات الأخرى . في كتابه هذا، يتحدّث عن موجات تحوّل كبرى يمر بها البشر على سطح الأرض، تحدث تغييرات جذرية في كل شيء، في المجالات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية، و تقوم على ابتكار تكنولوجيات كبرى عميقة التأثير . الموجة الأولي صنعت الحياة الزراعية، و الموجة الثانية صنعت الحياة الصناعية، أمّا الموجة الثالثة فهي التي تصنع حياة المعارف و المعلومات .

ثوابت المجتمعات البشرية

بدأت أركّز على دراسة المجتمع الزراعي، و نمط الحياة الذي يتأسّس في أيّ مجتمع زراعي مستقرّ على سطح الأرض، في أي مكان من العالم . و رغم خصوصية المجتمعات الزراعية في مختلف بقاع الأرض، فقد استطعت أن أصل إلى الثوابت المشتركة بين هذه المجتمعات، الثوابت التي ترسي أعمق الخصائص في المجتمع .. إيقاع حياة الفرد، و طبيعة عمله و حدود الاقتصاد السائد، و العلاقات التي بين أفراد ذلك المجتمع، و نوع الأسرة و تركيبها الخاص، و حدود مسئولية اتخاذ القرار، و القيم و المبادئ و العقائد التي تحكم حياة الأفراد في المجتمع الزراعي، و التي تكون واحدة، سواء كان ذلك في جنوب آسيا أو وسط أفريقيا، أو في بلدان أوروبا و أمريكا . لقد دامت هذه الثوابت على مدى العمر الطويل للمجتمعات الزراعية، و الذي بلغ ما يقرب من عشرة آلاف سنة .

مرحلة التحوّلات العظمى

ثم انتقلت إلى دراسة أقرب مراحل التحوّل العظمى، مرحلة التحوّل من الزراعة إلى الصناعة . و سعيت إلى فهم التكنولوجيات الأساسية التي فجّرت ذلك التحوّل،و آثارها على حياة البشر في المجتمعات الصناعية، أيّا كان مكانها، في الغرب أم الشرق، في الشمال أم الجنوب . آثارها على الإنتاج و طبيعة العمل، و على الاقتصاد و العلاقة بين الإنتاج و الاستهلاك . و على حياة الأسرة التي تحوّلت من أسرة كبيرة ممتدّة إلى أسرة صغيرة قادرة على الحركة . و على أساليب التعليم التي شـاعت في عصر الزراعة، و التي تحوّلت إلى نظـام تعليمي محدّد الأهـداف، يخدم إنتاج و اقتصاد الحياة الصناعية
كما حرصت على الرصد الدقيق للتحوّلات التي طرأت على نسق حياة الفرد، و على المبادئ و الأسس و العقائد التي كانت شائعة في عصر الزراعة . ثم رصد المبادئ و الأسس و العقائد الجديدة التي فرضها المجتمع الصناعي لخدمة مصالحه .

منطق التغيّرات

دراسة مرحلة التحوّل العظمى هذه، كانت السبيل لفهم مرحلة التحوّل الحالية، من الصناعة إلى المعلومات، و كانت السبيل إلى وضوح الرؤية المستقبلية، التي تسمح باستشراف المستقبل، و التعرّف على دقائق مجتمع المعلومات، و هو ما زال في طور التشكّل .
هذه الرؤية المستقبلية، أتاحت لي أن أنتقل من مجرّد رصد التغيّرات الحالية، و طرح التصورات الانتقائية، إلى فهم المنطق الذي تخضع له التغيرات في كل مجال، وفقا لمبادئ و سس و عقائد مجتمع المعلومات .
استطعت أن أفهم : لماذا كانت الأشياء على صورتها التي عرفناها طوال سنوات سيادة عصر الصناعة . و تعرّفت على الشفرة الخاصّة لعصر الصناعة، و على مكوّناتها، التي فرضت شكلا خاص للعمل و العمالة، و البناء الاقتصادي، و التعليم الذي جرى تصميمه لصالح الاقتصاد الصناعي، و الإدارة التي نجحت في ضبط العمل لحساب المؤسّسات الكبرى . عرفت السرّ في شيوع ما أطلقنا عليه الإعلام الجماهيري، في الصحافة و الإذاعة و التلفزيون، و طبيعة الثقافة الجماهيرية التي تواكبه . عرفت لماذا كان الاستعمار و الحروب الاستعمارية، توجها ضروريا للدول الصناعية الكبرى .. عرفت الكثير الذي ساعدني على فهم طبيعة الحياة القادمة .

و إلى الرسالة التالية، لنسترض معا أسرار شفرة المجتمع الصناعي المنصرم .

الخميس، أكتوبر ٠٢، ٢٠٠٨

حكايتي مع المستقبل

مؤشّـرات التغييـر

التي تعيد بناء حياتنا

أفادني – بداية - قراءة كتاب " المؤشرات العظمى "، للكاتب المستقبلي مارفن سيترون . أعجبني المنهج الذي يلتزم به، و تصورت وقتها أنّه المنهج العلمي السليم للنظر في التغيرات التي تمر على حياة البشر .
ظهر الكتاب عام 1982، و قد تضمّنت طبعة عام 1984، التي قرأتها، مقدمة تشرح المنهج الذي التزم به ناسبيت في رصد المؤشّرات الكبرى التي يمر بها المجتمع، و بالتحديد المجتمع الأمـريكي . و هو يقول أن الطريقة التي يمكن أن نعتمـد عليها أكثر من غيرها، في استشـراف المستقبل، تكون بفهم الحاضر .
تحليل المضمـون
يقول ناسبيت في مقدمته " ما تعلّمناه عن مجتمعنا، كان من خلال المنهـج الذي يطلـق عليه ( تحليل المضمون )، الذي يضرب بجذوره إلى الحرب العالمية الثانية . فخلال تلك الحرب، سعى خبراء المخابرات للحصول على نوع المعلومات، عن دول الأعداء، التي عادة ما توفّرها استطلاعات الرأي العام .. " . لقد توصّل خبراء المخابرات إلى اكتشاف التوتّر في الشعب الألماني، و في صناعته، و في اقتصاده، من واقع دراسة المضمون للصحف و المجلات الألمانية .
و يشير ناسبيت إلى أن المنهج الذي يلتزم به، مع باقي العاملين معه، يخلو من التقارير المغرضة، لأنّهم يهتمون فقط بالأحداث أو بالسلوك ذاته . و مجموعة ناسبيت تجمع المعلومات حول ما يجري محلّيا عبر البلاد، ثم يبدأ البحث عن النسق الذي يجمعها .
و هو يقول " بعد 12 سنة من الرصد الدقيق للأحداث المحلية، بهذه الطريقة، تطوّر لدي بالتدريج ما يبدو لي رؤية واضحة، للاتجاهات التي نلتزم بها في إعادة بناء الولايات المتحدة الأمريكية .."، إلى أن يقول " وأنا أخاطر بعد رضا الخبراء، و المحللين، الذين يمكنهم القول بأن القيام بهذه القفزة، لوصف العالم بمصطلحات عشرة متغيّرات، يعتبر تبسيطا مخلاّ . و قد يكونون على حق في تفكيرهم، و مع ذلك أعتقد أن الأمر يستحقّ هذه المخاطرة .. " .

التوجّهات العشرة

لقد أفادني الكتاب فائـدة كبـرى، و جعلني أكثر قـدرة على اقتحـام مجالات أبعد من العلوم و التكنولوجيا . أمّا المؤشّرات أو التوجهات العشرة لناسبيت فقد كانت :
• التحوّل من المجتمع الصناعي، إلى مجتمع المعلومات .
• من تكنولوجيا القوّة، إلى التكنولوجيا العالية ذات اللمسة البشرية .
• من الاقتصاد القومي، إلى الاقتصاد العالمي .
• من التخطيط قصير المدى، إلى التخطيط طويل المدى .
• من المركزية، إلى اللامركزية .
• من الاعتماد على المؤسّسات و الدولة، إلى الاعتماد على الذات .
• من ديموقراطية التمثيل النيابي، إلى ديموقراطية المشاركة .
• من نظام تسلسل الرئاسات، إلى التنظيم الشبكي .
• النمو و الرواج من الشمال، إلى الجنوب . ( وهذا مؤشّر خاص بالولايات المتحدة، لكن من الممكن أن نطبقه على مناطق أخرى من العالم ) .
• من منطق : إمّا \ أو، إلى الفرص المتعدّدة .

إيجابيات هذا المنهج

بالنسبة لي، كان الاطّلاع على مؤشّرات ناسبيت فتحا كبيرا . لقد ساعدني ذلك على الربط بين التكنولوجيات الجديدة، و بين الإنتاج و الاقتصاد و الإدارة و التخطيط والممارسة الديموقراطية . كما فهمت منه أن القصة ليست تكنولوجيات مبهرة، و لكنها تحوّل أساسي من نمط الحياة الصناعية التي عرفها البشر لما يزيد عن قرنين، إلى نمط حياة جديدة أطلق عليها اسم " مجتمع المعلومات " .
و الأهم في هذا كلّه، التزامه بأسلوب علمي أمين، في السعي إلى النتائج . لم يعتمد على أفكاره، أو على أفكار الآخرين، أو على ما تصدره الحكومة من إحصاءات و ما تستنبطه من نتائج، بل اعتمد على استمداد الوقائع من القواعد و المحلّيات، معتمدا على عشرات الآلاف من المصادر، من صحف و مجلات و برامج تلفزيونية، بالإضافة إلى المقابلات الموجّهة، ثم إخضاع ذلك ـ مستعينا بالكمبيوتر ـ لعملية تحليل المضمون .
إنها عملية رصد واعية و دقيقة . و هذا هو الذي أكسبها مصداقيتها . فالمؤشّرات التي طرحها ناسبيت منذ أكثر من ثلاثين سنة، ما زالت تحتفظ بقوّتها، و التطورات التي يمر بها البشر عاما بعد عاما تزيد من مصداقيتها .
و مع ذلك، بقيت لدي الكثير من التساؤلات، التي أثارتها هذه المؤشرات و لم تقدّم إجابة شافية لها . لماذا يحدث هذا التحوّل الكبير في حياة البشر؟، و ما هي الآلية التي تجعل ظهور تكنولوجيا كبيرة جديدة، سبيلا لتغيير أحوال البشر و قيمهم ؟، و ما هو التأثير المتبادل بين هذه المؤشّـرات ؟، و ما هي الرؤية الشاملة لمستقبل العالم على ضوء هذه التغيّرات ؟ .

آفاق جديدة مع دانييل بل

كلما سافرت إلى لندن، كنت أحرص على القيام بمسح للمكتبات، بحثا عن الكتب التي تهتم بالمستقبل، و كنت أقتني كل ما أستطيع أن أقتنيه . و كان الجهد شاقا بعض الشيء . فحتّى في مكتبات لندن، لم أكن أجد قسما خاصا بالدراسات و الكتابات المستقبلية . كان عليّ أن أمسـح جميع الأقسام لأجد الكتب التي تتصل بالمستقبل، في أقسام العلوم و الاقتصاد و الاجتماع، إلى آخر ذلك . و عندما أعود إلى القاهرة، و أبدأ في قراءة ما جمعت، لم تكن النتائج دائما مرضية، أو مفيدة لي ـ على الأقل ـ في الوصول إلى إجابات عن تساؤلاتي .
و كانت المفاجأة الأولي، عندما التقيت بالأستاذ دانييل بل، أستاذ الاجتماع في جامعة هارفارد، في كتابه الهام " مقدم مجتمع ما بعد الصناعة ـ مغامرة في التنبؤ الاجتماعي " .
في هذا الكتاب، قرأت عن التحوّل من المجتمع الصناعي إلى مجتمع ما بعد الصناعة، من خلال نظريات التطوّر الاجتماعي . و عن التحوّل من السلع إلى الخدمات و أثره على الاقتصاد . و عن آفاق المعرفة و التكنولوجيا، و البناء الطبقي الجديد لمجتمع ما بعد الصناعة . و عن مدى صلاحية مفاهيمنا و أدوات تفكيرنا . ثم عن من الذي سيحكم المجتمع الجديد، و دور الساسة و التكنوقراطيين في المجتمع الجديد .

وجدت هنا العديد من الإجابات عن تساؤلاتي الرئيسية . لكن بقيت لدي حاجة إلى فهم قانون تغيّر المجتمعات عبر التاريخ، لمقارنة ما حدث من تحوّلات بالتحوّل الحالي .

الاثنين، سبتمبر ١٥، ٢٠٠٨

حكايتي مع المستقبل

( 1 ) بداية الحكايـة ..

بين التفكير المستقبلي، و الخيال العلمي

التفكير المستقبلي ليس نوعا من التنجيم و قراءة الطالع .. إنّه جهد عقلاني منطقي ابتكاري للتعرّف على مسار حركة حياة البشر بين الماضي و الحاضر و المستقبل . و عملية التعرّف هذه لا تكون قطعية أو حاسمة، و هي تتوقّف على المنهج الذي يلتزم به المفكّر . بدون الالتزام بمنهج سليم واضح، يمكن أن نصل إلى توقعات خاطئة .
مثال ذلك ما حدث في "نادي روما "، عندما استند إلى منهج رصد التطور، و مدّ الخطوط على استقامتها، بالاعتماد على الكمبيوتر، للتعرّف على مسـتقبل الأوضاع، ممّا تضمنه تقريـره الشهير " حدود للنمو "، الذي ظهر عام 1972 . و قاد هذا إلى توقّعات غير صحيحة، ممّا اضطر النادي إلى الرجوع عن ذلك المنهج . و مد الخطوط على استقامتها، يعني تصوّر إنّ الآتي بالنسبة لظاهرة ما، سيمضي بنفس معدّل نمو تلك الظاهرة في الماضي . و نحن بهذا نتناسى علاقة تلك الظاهرة بغيرها من الظواهر المتغيّرة، كما نتناسى عنصر الصدفة في الحياة .

من أين جاء الخلط ؟

في بدايات اهتمامي بالتفكير المستقبلي، و الكتابة عن المستقبل، وخلال لقاءاتي مع الجمهور، كان يتكرر سؤال من بعض الحاضرين، يسبّب لي انزعاجا : " أليس الحديث عن المستقبل، نوعا من الخيال العلمي ؟ " . و كنت عادة ما أصرّ على توضيح الفرق، و أقول أن الخيال العلمي ينطلق من حقيقة علمية، ثمّ يضخّم من آثارها، ساعيا إلى تجسيد عنصر المفاجأة و الإثارة التي تكسب ذلك النوع من الكتابة جاذبيته .
كنت أتصور أنّني ـ شخصيا ـ السبب في هذا الخلط . فقبل أن هتم بالتفكر المستقبلي، كنت أتابع إنتاج قصص الخيال العلمي، و أستمتع به، و أجمع أحدث ما يظهر من كتب و قصص و روايات في مجال الخيال العلمي، حتّى تأسّست لدي مكتبة كبيرة في هذا المجال . و لعل مرجع هذا إلى دراستي العلمية، و إلى تقديري للعقلية الابتكارية التي يعتمد عليها كاتب هذا النوع من الأدب .
و لعل الخلط قد جاء نتيجة لنشـري ترجمات و ملخّصات، لأهمّ قصـص الخـيال العلمي في الصحف و المجلاّت، ثم إصداري لثلاث كتب تتضمّن مجموعات من أنجح قصص الخيال العلمي، لأهمّ الكتّاب المعاصرين في هذا المجال، مثل إيزاك آزيموف، و آرثر كلارك، و راي برادبوري، و برترام شاندلر .
نتيجة لنقص هذا النوع من الكتب في مكتباتنا، كنت أنتهز فرصة سفري إلى بيروت، و بعد ذلك إلى لندن، لأقتني أحدث ما ظهر من كتب الخيال العلمي . و كما قلت من قبل، لم أكن حتّى ذلك الوقت قد انشغلت بالتفكير المستقبلي .. حتى حدثت المصادفة، عن طريق الخطأ ! .

آرثــر كلارك، و الكوكب الثالث !

في عام 1974، وجدت في إحدى مكتبات بيروت كتابا جديدا لآرثر كلارك، بعنوان " تقريرعن الكوكب الثالث، و تأمّلات أخرى "، فاشتريته باعتباره كتابا من كتب الخيال العلمي .
و كانت المفاجأة الرائعة، أن أجد في كلمات كلارك مدخلا مبهرا للتفكير المستقبلي . الكتاب لا يخلو من حديث عن كتاباته في مجال الخيال العلمي، و عن جهده في فيلم "أوديسا الفضاء 2001 "، لكنه حرص على طرح ما تحقق من أشياء أوردها في قصصه و مقالاته .
مقاله عن " رجال فوق القمر " الذي نشرته مجلة (هوليداي ) عام 1958، و قبل أن يستطيع الإنسان إطلاق أي جسم إلى الفضاء الخارجي، جاءت الأحداث التي تضمنّها مطابقة لما تحقّق بعد ذلك . بل إن المجموعة الأولى من مقالاته التأمّلية بعنوان " تحديات أمام سفينة الفضاء "، التي نشرت عام 1959، قبل عشر سنوات من وضع نيل آرمسترونج قدمه على القمر، تضمنت من التوقعات العلمية الدقيقة ما أثبتته الأيام بعد ذلك .
التكنولوجيا و المستقبل
لكن أكثر ما بهرني في ذلك الكتاب، هو ما جاء في نصفه الثاني من حديث عن الآلة المفكّرة، و عن عصر آلات الإدارة الذاتية، أي التي تدير نفسها، و أثر ذلك على العمل و العمالة، و على انقضاء مصطلحات ذلك الوقت الاجتماعية و السياسية . و كلام كثير ملفت، كقوله أن الألعاب هي البديل الضروري لدوافع القنص و الصيد عند الإنسان، و أن التعليم هو هدف الوجود في المستقبل، و أن الفن هو التعويض عن تشوّهات الواقع، و أن هدفنا في المستقبل لن يكون أن نستكشف، بل أن نفهم و نستمتع .
و في فصل التكنولوجيا و المستقبل يقول " بديهي أنه من المستحيل إن نتنبّأ بالمسـتقبل، , أنا لم يحدث أن عمدت إلى فعل هذا . الذي حاولت أن أفعله، في كتابات الخيال العلمي و غيرها من الكتابات، هو أن أرسم إطارا لمساحات لا بد أن يقع المستبقل داخلها .." .
و كمرشد للمستقبلات المحتملة، يضع آرثر كلارك ثلاثة قوانينن وجدها مفيدة :
القانون الأوّل لكلارك : عندما يقرر عالم متميّز و مسنّ أن شيئا ما يكون ممكنا، فهو يكون في الأغلب على حق بالتأكيد . و عندما يقول أن شيئا ما مستحيل، فالأرجح أنّه مخطئ .
القانون الثاني لكلارك : الوسيلة الوحيدة لاكتشاف حدود الممكن، هي أن تمضي عبرها إلى ما هو مستحيل .
القانون الثالث لكلارك : أي تكنولوجيا متقدّمة بشكل كاف، لا يمكن التفريق بينها و بين السحر .

الباب الواسع للتفكير المستقبلي

كان كتاب " تقرير عن الكوكب الثالث، و تأمّلات أخرى "، بابا واسعا عبرت منه لأوّل مرّة إلى عالم التفكير المستقبلي . لقد فهمت منه كيف يمكن أن يكون الاتصال و الانتقال بديلان، كلما كان أحدهما أكثر تطوّرا قلّت حاجتنا إلى الآخر . قرأت فيه عن قرن أقمار الاتصال، قبل أن يطلق العالم أول واحد منها، و عن أنواع الأقمار الاصطناعية التي سيطلقها البشر، و أثر ذلك على البيت و المدينة و العالم بأكمله .
سعيت بعد ذلك إلى اقتناء كل ما تقع عليه عيني من الكتب التي تتحدّث عن المستقبل و التفكير المستقبلي . و كان أكثر ما أعجبني كتاب " صدمة المستقبل " للكاتب و المفكّر المستقبلي الكبير آلفين توفلر . لقد رسم لي ذلك الكتاب جانبا من الأبعاد النفسية و الاجتماعية و السياسية للتطور التكنولوجي . و مع ذلك، فقد تهيبت الخوض في آفاق المستقبل، من النواحي الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية، لنقص خبرتي في تلك المجالات . و آثرت أن التزم جانب الحذر في سعيي، مقتصرا على دراسة المستقبل من الجانبين العلمي و التكنولوجي، مما تؤهّلني له دراستي و تخصّصي .
تركّزت قراءاتي على الكتب و المراجع التي تتناول مستقبل العلوم و التكنولوجيا . و من هنا كان أول كتبي عن المستقبل يدور في ذلك الإطار . كتاب " هذا الغد العجيب " .

الذي لم أكـن أعــرفه ..

في أوّل الأمر، ظهرت مادة كتاب " هذا الغد العجيب " كمقالات في مجلة " المصوّر "، و عندما لاحظت مدى اهتمام القارئ بها، قررت أن أعتمد عليها في إعداد مادة الكتاب، الذي ظهرت طبعته الأولى عام 1984 . طرح ذلك الكتاب استشراف لمستقبل أهم المجالات التي تؤثّر على حياة الأفراد و المجتمعات، على المدى القريب و البعيد .. في مجالات الانتقال و الاتصال و الطاقة و الصناعة و التعليم و هندسة الجينات .
في مجال الانتقال و النقل نجد حديثا عن مستقبل الشوارع المتحرّكة و السيارة الكهربائية . كما نكتشف كيف سينتهي عصر العجلة و الميناء و المطار، و كيف تضع ثورة المستقبل في المواصلات و النقل خاتمة لحياة القطار، الذي عرفته البشرية لحوالي قرن و نصف . و ما يراه بعض علماء المستقبل، من أن القطار سيعرف عصره الذهبي، عندما يبدأ الإنسان في استعمار الكواكب الأخرى التي يسعى إلى استغلال ما بها من ثروات معدنية، يفتقر إليها على الأرض .
و في مجال الطيران، كيف سيستهدف التطور القادم تحقيق سرعة أكبر، و المزيد من الاعتماد على طائرات الإقلاع و الهبوط العمودي، التي يطلق عليها الفرتولات، و التي تحل محل طائرات الهيليكوبتر الحالية . و يقول الكتاب أن العالم قد تحرّك على عجلات لمدة ستة آلاف سنة، غير أن حركة التطـور توحي بأن العجـلات قـد آن لها أن تسـقط عن عرشها، مفسـحة المجال لعصر الحوّامات، التي تسير على حشيّة من الهواء، فوق الماء و اليابسة .
و يمضي الكتاب في تسجيل الأحلام العلمية الأبعد لمستقبل الانتقال، فيطرح أفكار الاعتماد على الجاذبية المضادة .

مستقبل الطاقة و المادة و الاتصال

يتناول الكتاب مخاطر الاعتماد على طاقة الحفريات، و طاقة الانشطار النووي . و كيف أن ما توصلنا إليه بالفعل ـ معمليا ـ من إطلاق طاقة الاندماج النووي، سيتيح لنا في المستقبل ما لا حدّ له من الطاقة، اعتمادا على مياه المحيطات ! . هذا بالإضافة إلى ما حققته البحوث العلمية في مجال استنباط مصادر جديدة للطاقة، كالطاقة الشمسية، و الجوفية، وطاقة الرياح و الأمواج .
و هنا أيضا، يمضي الكتاب إلى استكشاف أفاق أبعد من المستقبل، فيتحدّث عن حلم إرسال الطاقة لاسلكيا، بالضبط كما يحدث مع موجات اللاسلكي و التلفزيون . ثم يمضي إلى الحديث عن استغلال الأشعة الكونية، و المجال المغناطيسي كمصدر محتمل للطاقة .
و بالنسبة لمستقبل الوصول إلى المواد الخام المطلوبة، يود الكتاب عمليات التعدين في الأرض و البحر و الجو . ثم يمضي لما هو أبعد مستقبليا، ليطرح فكرة، أو مغامرة، سحب النيازك والكويكبات، و الاستفادة ممّا بها من ثروة معدنية . كما يورد أحلام " التحوّل العنصري " التي تراود العلماء، أي تحويل عنصر يشيع وجوده إلى عنصر آخر تشتد الحاجة إليه، التي يمكن أن تتحقّق مع تطور علم المستقبل، الذي يمكن أن نطلق عليه اسم "الكيمياء النووية " .
في الفصل الخاص بمسـتقبل الاتصـال، يطرح الكتاب عرضا سريعا لوسـائل الاتصال عبر التاريخ، ابتداء من الحركات و الأصوات، إلى اللغة، و حتّى أقمار الاتصال الاصطناعية . ثم يتحدّث عن انفجار المعلومات الذي تولّد عن ارتباط تلك الأقمار بالكمبيوتر، و حيرة الإنسان في متابعة التضاعف الهائل في حجم المعلومات يوما بعد يوم، التي لم يضع حدّ لها سوى ظهور الكمبيوتر فائق السرعة .
العديد من التطورات التي تحدّث عنها الكتاب في بدايات الثمانينيات، قد تحقّقت اليوم، لكنها كانت تبدو كالعجائب في ذلك الحين، مثال ذلك التليفون التلفزيوني، الذي يتيح رؤية من تتحدّث إليه، و الذي يستخدم حاليا في إجراء اللقاء بين أطراف في أنحاء مختلفة من العالم .

التسيير الذاتي .. و العمالة

يقول الكتاب أن الإنتاج الذي نعرفه اليوم، قد تطوّر فوق التربة الخصبة التي وفّرتها له العلوم الهندسية و التكنولوجية التي وصلتنا من الماضي . و من هنا، يكون علي كل من يسعى إلى تحديد شكل الإنتاج في المستقبل أن يكون قادرا على رؤية كل ما هو جديد، و استشراف ما هو في سبيله إلى التخلّق داخل المعامل و مراكز البحث العلمي .
و يرى الكتاب أن الأوتوماتية، أو التسيير الذاتي للمصانع، هو القطب الذي تنجذب إليه جهود التطوير . فجوهر الإنتاج الصناعي الكبير، هو صناعة الأدوات أو الأجهزة الصناعية، التي تمكّن الإنسان من إنتاج السلع .
و يشرح الكتاب، كيف أن المستقبل سيشهد قفزة هائلة في إنتاج الآلات ذات التحكّم العددي، لتصبح الآلة الواحـدة قادرة على القيام بعشرات الأعمال . و هـذا يقود بدوره إلى سـيادة العقـل الإلكتروني، ليقتصر دور الإنسان على تحديد هدف تلك الآلة .

القنبلة الموقوتــة !

في فصل بهذا العنوان، يتحدّث الكتاب عن عالم غريب في ذلك الوقت، هو عالم هندسة الجينات، و عن جهود العلماء في حلّ شفرة الحياة و الوراثة . و يورد تاريخ تطوّر هذا العلم العجيب، منذ عام 1953، منذ أعلن العالمان واتسون و كريك اكتشافهما لسلّم الحياة الحلزوني، إلى أن عرفنا كيف تعيد مادة (د ن آ) إنتاج نفسها، و حللنا شفرتها، و تعرّفنا على وظائف الجينات المختلفة، و تمكّنا من عزل جينات بشرية نقية، و رسمنا خريطة الجينات، بل و تمكّننا من بناء الجينات اصطناعيا، و تغيير الخصائص الوراثية للخلية الحيّة .
و منذ ذلك الحين، بقيت هذه الكشوف أشبه بالقنبـلة الموقوتة، كلما مضينا في تطبيقاتها، أو في مجرّد التفكير في مستقبلها . و منذ ذلك الحين، اشتدّ الجدل حول مزايا و عواقب هذا الإنجاز العلمي، و بخاصة في مجال الاستنساخ . و منذ ذلك الحين، تحدّث العلماء عن مخاطر تكنولوجيا الاستنساخ، لو وقعت في يد المغامرين أو الطغاة .. و ما زال الجدل قائما ..

مـاذا بعــد ؟

لقي كتاب " هذا الغد العجيب " إقبالا واسعا من القرّاء، و أعيد طبعه أربع مرّات . و كتب الراحل أحمد بهاء الدين في جريدة الأهرام، يلفت النظر إلى أهمية الكتاب في إعداد عقول الأجيال للغد، و اقترح على وزارة التربية و التعليم أن تعمّمه على تلاميذ المدارس .
و حتّى يومنا هذا، كلما التقيت بالشباب العامل في مجال المعلومات و الكمبيوتر، في المؤسّسات أو في جهاز المعلومات التابع لرئاسة الوزراء، راحوا يحكون لي عن أثر قراءة ذلك الكتاب على تفكيرهم، و على تحديد مستقبل دراستهم .
لقد أشرت من قبل أنّني في ذلك الوقت، اقتصرت على تناول أبعاد المستقبل، في الحدود العلمية و التكنولوجية، تهيبا من الخوض فيما هو أوسع من ذلك من مجالات اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية . لكنّى، مع مواصلة القراءة و البحث و التفكير، اكتشفت عدم جدوى الإحجام عن فهم الارتباطات القوية بين مختلف جوانب الحياة . و فهمت الذي لم أكن أعرفه، و هو ضرورة التعرّف على العلاقات متبادلة التأثير بين مختلف مؤشّرات التغيير .. و بدأت صفحة جديدة من حكايتي الطويلة مع المستقبل .

* * *

لقد اكتشفت أن مجرّد رصد المستقبل العلمي و التكنولوجي، مع ما فيه من فائدة، لا يفيد في فهم أبعاد التغيير السريع المتلاحق الذي تمر به حياة البشر . كان السؤال الذي يلحّ على عقلي هو : ما هي نتائج التغييرات الحادثة ؟، و إلى أين تمضي بنا ؟ .. و إلى رسالة تالية .

السبت، أغسطس ٣٠، ٢٠٠٨

ديموقراطية جديدة لمجتمع المعلومات

الديموقراطية المطلوبة لمصر

ثالثا : المجتــمع المدنــــي

لكي يصبح المواطن قادرا على اتخاذ القرار السليم في أمور حياته، و مجتمعه، يحتاج إلى :
أولا : تعليم يقوم على المعرفة الشاملة، و الابتكار و الإبداع، و يسقط ما اعتدنا عليه من قبول للتلقين، و تعجيز للعقل ..
ثانيا : كما يحتاج ذلك المواطن إلى إعلام يتميّز بالشفافية، يتيح له الوصول إلى كل ما يحتاجه من معلومات و معارف، تفيده في تكوين رأيه على أساس سليم .. إعلام قادر على طرح ما يعتمل في القواعد من أفكار و توجّهات، و ردود أفعال، و أحلام و أماني، حتّى يتاح للقيادات أن تتخذ القرارات السليمة في الوقت السليم ..
ثالثا : ثم يأتي دور العنصر الثالث في طرف المعادلة، أعني بذلك المجتمع المدني القوي النشيط، الذي يعتبر حقل التجارب الصحّي لممارسة ديموقراطية المشاركة .

السبيل إلى المواطنة

يقول أستاذ العلوم السياسية، بنجامين باربر " بدون مجتمع مدني قوي و عفيّ، لن يكون هناك مواطنون، سنجد فقط مستهلكين للسلع، أو ضحايا لقهر الدول .. و بدون مواطنين لا توجد ديموقراطية .. " .
و يتساءل الكاتب الاسكتلندي، دافيد ماكليتشي " متى تنقل حكومتنا المسئولية و السلطة إلى الأفراد ؟"، ثم يستطرد قائلا " نحن أفراد مسئولون، قادرون على اتّخاذ قراراتنا الخاصّة، و صياغة مستقبلاتنا الخاصة .. لسنا مجرّد تروس في ماكينة الدولة، و لكن عن طريق قبولنا الطوعي المتبادل للقوانين، و المؤسسات التي تتضمّن المجتمع المدني، مدركون أن هذه المساواة في ظل القانون توفّر لنا أفضل الفرص لتحقيق أهدافنا الشخصية و الجماعية .." . أفكار هذا الكاتب تعكس فهما عميقا لجوهر الممارسة الديموقراطية في مجتمع المعلومات، و هو يرى أن دور الحكومة ضروري، و لكنه محدود . و الحكومة لم تقم لكي توجّه حياة الناس، بحيث تتفق مع أهدافها السياسية ـ كما يعتقد المسئولين عنها ـ بما تتضمنه تلك الأهداف من خليط الاستراتيجيات و الخطط . فالحكومة موجودة أساسا لتوفير الظروف التي تسمح لأفراد الشعب أن يتحكّموا في حياتهم الخاصّة، و أن يختاروا أهدافهم الخاصة .
و يشير ماكليتشي إلى مسألة محورية، عندما يقول أن القوّة العظمى لمثل هذا المجتمع تنبع من تنوّعه و تباينه . التوجيه من أعلى إلى أسفل، يخلق النمطية و القولبة و السطحية، بينما نحن نبحث عن التقدّم، و الابتكار، و المستويات العالية التي تنبع من الجمع بين : التنافس، و التعاون، ممّا يميّز المجتمع الحرّ في أحسن أحواله .

من التوكيل إلى المشاركة

المجتمع المدني هو التمهيد الطبيعي للتحوّل من الديموقراطية النيابية، إلى ديموقراطية المشاركة .
و دعونا نعود إلى الاقتباس من الدراسة الهامة التي قامت بها مجموعة المفكرين الآسيويين، و التي طرحت الجانب الأكبر منها فيماسبق .. يقول أصحاب الدراسة ، التالي يعكس ما نؤمن به، نحن أصحاب هذه الورقة، من بزوغ لقيم المجتمع المدني العالمي، و رؤيته العالمية :
الغرض : الغرض الحقيقي للمجتمع المني العالمي، ليس هو الاستيلاء على السلطة، لاستبدال السلطة القابضة الحالية، بنظامها الموروث غير العادل، و القائم على العنف . و ليس هو أيضا فرض برنامج أيديولوجي . إنّه من أجل إحلال الثقافات الأصيلة البازغة، و علاقات المشاركة في السلطة داخل المجتمع، محل الثقافة المصنوعة للإمبراطورية ( تقصد
بالإمبراطورية القوى الإمبريالية العالمية المعاصرة، مثل الولايات المتحدة الأمريكية )، و علاقات السيطرة النابعة منها ، باعتبار عملية الإحلال هذه هي الأساس لحضارة بشرية جديدة .
العقائد و رؤية العالم : نحن ـ جمهور المجتمع المدني العالمي ـ نؤمن بوحدة الحياة الكلية المقدّسة، و بمشاعر الخير الأصيلة، و بإمكانات كل فرد في يعمل كمواطن مسئول، يدرك احتياجات الكل .
القيم : نحن ـ جمهور المجتمع المدني العالمي ـ نقيّم الحياة، و الديموقراطية، و الحرّية، و العدالة، و التعاون، و المواطنة النشطة، و الروح، و الحلول السلمية للتناقضات . إننا نبحث عن المجتمع الذي يأخذ بهذه القيم، و يحترمها، كما نؤمن بأن الوسائل التي سنتّبعها يجب أن تكون متوافقة مع هذه القيم .
الثقافة : المجتمعات تعرّف بنفسها و بأهدافها، من خلال القيم المشتركة بالنسبة لثقافتها، و لرموزها، و لرؤيتها المشتركة للعالم . و سلطة تعريف الثقافة بشكل صحيح، تخص البشر، و المجتمع المدني . القوّة الأخلاقية للثقافة الأصيلة، التي تنبع من الخبرات الروحية و الاجتماعية الأصيلة للبشر، هي القوة الاجتماعية العظمى ـ قوّة البشر ـ لأنّها القوّة التي يحق لها أن تستردّها شرعا من المؤسسات الحاكمة، في المجالات السياسية و الاقتصادية .
تكمن أهمية المجتمع المدني ـ بمعناه الصحيح ـ أنه المجال الطبيعي لتدريب المواطنين على ممارسة ديموقراطية المشاركة التي تنبع من احتياجات مجتمع المعلومات، أو ما تطلق عليه الدراسة التي أشرنا إليها " علاقات المشاركة في السلطة داخل المجتمع " .

مصر .. و المجتمع المدني

في الفترة الأخيرة، ظهرت العديد من الكتب و الدراسات عن المجتمع المدني في مصر، نتيجة للموقف السلبي ـ غير الذكي ـ من جانب النظام الحاكم المصري، الذي لم يدرك بعد ما حدث من تغيرات في حياة البشر. و هكذا تواضع دور المجتمع المدني في مصر لأن النظام الحاكم لم يدرك ـ ضمن أشياء كثيرة أخرى ـ أهمية تشكيلات المجتمع المدني، في التقريب بينه و بين الشعب، و تيسير هدف التراضي المفترض أن يكون قائما بينهما . لم يدرك النظام الحاكم أن جماعات المجتمع المدني، هي النتيجة الطبيعية للتنوّع و التعدّد الذي أفرزته ثورة المعلومات، و الأقليات البازغة التي أتاحها دخول البشر إلى مجتمع المعلومات ..

* * *

الإعلام المتّسم بالشفافية، و الذي يتيح للفرد الوصول إلى المعلومات و المعارف التي يريدها، في الوقت الذي يريدها فيه، هو الذي يسمح له أن يعلم .. و التعليم القائم على التفكير الناقد و الابتكاري في مكان التلقين، هو الذي يتيح له أن يستخدم معلوماته و معارفه في التفكير و الابتكار و حل المشاكل .. و المجتمع المدني القوي و النشط، هو الذي يخلق البيئة المناسبة لبزوغ المواطن القادر على الاستفادة من ذلك التعليم و الإعلام في المشاركة السياسية، و ممارسة الشكل الجديد من الديموقراطية، النابعة من مقتضيات عصر المعلومات .

صدّقوني .. هذا هو السبيل العملي لإنقاذ مصر من جميع المشاكل التي تغرق فيها ..من أزمة رغيف العيش، إلى محنة شيوع السيطرة الأمنية، إلى الفساد الضارب في مصر من قمّتها إلى قواعدها ..

الاثنين، أغسطس ١٨، ٢٠٠٨

الديموقراطية .. و الإعلام

حقيقــة الذي حـــدث

ديموقراطية سبيلها الإعلام

لم يعد ممكنا أن نستمر في وصايتنا على المعلومات و المعارف التي يسعى إليها الفرد، و التي يحتاجها في فهم ما يجري، و في الحكم على أداء المؤسّسات التي تدير حياته . لم يعد ممكنا أن تخفي الإذاعة خبرا، أو يمنع التلفزيون صورة، فموجات الأثير تطن بجميع الأخبار و الصور الحقيقية بلا تزيين أو تزييف . علينا أن نجعل إذاعتنا و تليفزيوننا أكثر صدقا و أقل تعبيرا عن إرادة القيادات الحاكمة .
لم يعد ممكنا أن تفرض الصحف و المجلات الحكومية ( التي نسمّيها كذبا بالقومية ) خبرا أو رأيا، و إذا كانت قوانين النشر تمنع ظهور الأكثر من الصحافة الخاصة، المعبرة عن توجّه الفئات و المجموعات الأقل عددا، و إذا كانت بعض المنشورات الخاصّة تمارس نفس التلاعب الذي تعمد إليه الصحف الحكومية، فبعد هذا و ذاك، هناك مواقع الإنترنيت على شاشة الكمبيوتر، التي أصبحت اللعبة المفضلة لجيل كامل متمرّد، لا نعلم شيئا عن توجّهاته و عقائده . و إذا كان رؤساء تحرير الصحف الحكومية ما زالوا يتحدّثون عن الديموقراطية، و يمارسون السيطرة على أجهزتهم و قرّائهم، إرضاء للحكومة، فالتغيّرات و التحوّلات نحو مبادئ عصر المعلومات، و ما تقتضيه ديموقراطية هذا العصر، لن تسمح باستمرار هذا الوضع غير الديموقراطي .

هواية مهاويس الكمبيوتر !

عندما أقول أن التكنولوجيات المعرفية تغيّر نظم حياتنا الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية، يتصوّر البعض أن هذا نوع من المبالغة .. و لكي أثبت هذا لهؤلاء المتشكّكين، سأطرح واقعة معاصرة، تحدث حاليا في أكثر الدول تباهيا بالحرّية، و بالتحديد بحريّة إعلامها، أقصد الولايات المتحدة الأمريكية .
دراسة هامّة في موقع على الإنترنيت، اسمه " حقيقة الذي حدث " . و كان عنوان الدراسة الطويل يقول " الخطأ الذي وقع فيه بوش، حول فهمه لتأثير الإنترنيت " . و تقول الدراسة، أن التاريخ سيسجّل، على الأرجح، أن الخطأ الأكبر الوحيد الذي وقعت فيه آلة الحرب التابعة لبوش، كان إقلالها من شأن الإنترنيت . إنّهم لم يفهموا الإنترنيت، أو ثقافة الإنترنيت، أو بعدها الاجتماعي .. و الأهم من هذا، لم يفهموا كيف أن استخدام الإنترنيت قد حوّل الأمريكيين، من مجرّد مستقبلين للمعلومات الإذاعية، إلى مشاركين نشطين و ناقدين في العملية الإعلامية .
كان الاعتقاد السائد، هو أن أخبار الإنترنيت هي مجرّد هواية، يمارسها (مهاويس) الكمبيوتر، ليستقبلها (مهاويس) آخرون، و هو أمر لا أهمية له . لم يعرف بوش و لا صحبته من الرجعيين الجدد ماذا يفعلون فيما يتّصل بالأنترنيت، و هكذا قادتهم تمنياتهم إلى اعتبارها غير مهمة . لكنّهم كانوا مخطئين .

قرضاي ..و زالماي !

بينما كانت قياسات الرأي العام تفيد أن العدد الأكبر من الجمهور ما زال يستمد أخباره من أجهزة التلفزيون، بأكثر ممّا يستمدّها من الإنترنيت، إلاّ أن الهامش أخذ في التناقص . و لم تشر قياسات الرأي تلك إلى أن أولئك الذين يشاهدون التلفزيون، لم يعودوا يرتبطون عقليا بفيض الأخبار المطروحة عليهم، و يستسلمون لها. هذا بالإضافة إلى أن جمهور الإنترنيت كان نشطا في نقل الأخبار إلى أولئك الذين ليست لهم علاقة بالإنترنيت .
و قد حدث بعد سقوط أفغانستان، أن قام هواة الإنترنيت بنقل أخبار تفيد أن الرئيس الأفغاني ( اللعبة ) الجديد، حامد قرضاي، و المبعوث الأمريكي الخاص إلى أفغانستان زالماي خليل زاد ( الذي خلف بريمر في العراق)، شكّلا معا جانبا من مجموعة العمل الخاصّة بإحدى شركات البترول، و التي أوصت الكونجرس عام 1998 بإجراء تغيير في نظام الحكم الأفغاني، من أجل تسهيل إنشاء خط أنابيب بترول . وسائل الإعلام الرئيسية لم تشر أبدا إلى هذه الحقيقة، بينما فعل ذلك أصحاب المواقع على الإنترنيت . و عندما شعر المواطن الأمريكي أن هناك من الأشياء التي تحدث في العالم، ما لا ينبئه به التلفزيون، بدأ في هجر التلفزيون و الاعتماد على الإنترنيت كمصدر للأخبار .

الحكومة تفقد احتكارها

عندما بدأ ظهور الخطر، شمّرت الحكومة و وسائل الإعلام التابعة (مثل فوكس ) عن ساعدها، و راحت تحذّر الأباء من أن الإنترنيت هو أداة إفساد الأبناء، و جرى دفع الأموال لمؤسسات العلاقات العامة، لتغطية و تكذيب أخبار الإنترنيت. و تقول الدراسة " لقد حدث شيء غريب .. فبعكس ما يحدث في التلفزيون أتاح الإنترنيت للأفراد الذين عاشوا على المعلومات الخاطئة ، وصولهم إلى المعلومات الحقيقية .. لهم .. و للعالم أجمع .. و فورا " .
فجأة، سقطت القاعدة القديمة التي تقول " ما تقوله الحكومة، يصدّقه الجمهور " . لقد فقدت شبكات التلفزيون الرئيسية احتكارها، وتحكّمها فيما يتدفق من معلومات . أصبح الجمهور قادرا على أن يقرر بنفسه ما الذي يستحق التصديق .
و عندنا .. مع كلّ هامش الحرية، الذي يتكرّر الحديث عنه، في اللقاءات الرسمية للحكومة و الحزب الوطني، ما زال إعلامنا يمضي وفق قواعد إعلام حكومي معدوم الشفافية.. فاقدا مصداقيته، بعد وصول التكنولوجيات المعرفية إلى أيدي أعداد متزايدة نشطة من الشباب المتعلّم . . و خير دليل على ذلك ما حدث في إضـراب 6 إبريل 2008، و الذي فضح موقف النظام المصري و سنده الوحيد الباقي، قوات الأمن المركزي، بعد فشل إعلامه الرسمي .

* * *

الإعلام المتّسم بالشفافية، و الذي يتيح للفرد الوصول إلى المعلومات و المعارف التي يريدها، في الوقت الذي يريدها فيه، هو الذي يسمح له أن يعلم .. و التعليم القائم على التفكير الناقد و الابتكاري في مكان التلقين، هو الذي يتيح له أن يفكّر و يختار، و يمارس الأشكال الديموقراطية النابعة من طبيعة مجتمع المعلومات .

و إلى الرسالة التالية، لنرى الأهمية الكبرى للمجتمع المدني، كأداة لتحقيق الديموقراطية .

الاثنين، أغسطس ٠٤، ٢٠٠٨

إعلام عصر المعلومات

ثانيا : الإعــــلام

و الديموقراطية المطلوبة لمصر


بعد التعليم، ننتقل إلى الشق الثاني من دعامات الديموقراطية الجديدة، أعني الإعلام .. كيف يتحوّل إعلامنا إلى أداة لديموقراطية عصر المعلومات ؟ .
في المعادلة التي طرحتها، كان من الضروري أن يتقدّم التعليم باقي عناصر المعادلة، باعتباره الأداة الأكثر أهمّية في تكوين الإنسان المتوافق مع مجتمع المعلومات، و القادر على ممارسة الديموقراطية الجديدة التي يفرضها عصر المعلومات . فالطفـل الذي يسـتفيد من النظام التعليمي الجديـد، يخرج إلى معترك الحياة بعد عقد أو عقد و نصف من الزمان، بينما لا تستغرق عمليات إعادة البناء في المجالات الأخرى من حياتنا بعض ذلك الوقت . و إذا كان التعليم هو الصناعة الثقيلة في مجال إعداد البشر لعصر المعلومات، فالإعلام هو الصناعة الاستهلاكية، التي لا غنى عنها .
إعلام عصر الصناعة ـ و الذي ما زلنا نأخذ به ـ كان إعلاما جماهيريا، يقـوم على مبدأ النمطية و التوحيد القياسي الذي ساد كلّ شيء في عصر الصناعة . كانت وظيفته الأساسية، نقل أفكار و توجيهات النخبة الرابضة عند القمّة إلى القواعد العريضة عند قاعدة الهرم . كان إعلاما يمضي دائما في اتّجاه واحد، من أعلى إلى أسفل . كانت الأنظمة الحاكمة ـ و ما زالت ـ ما أن تتسلّم الحكم، حتّى تندفع إلى تكوين جيش قوي يحميها من القوى الخارجية، و شرطة قادرة تحكم الداخل، و تضمن استمرار النظام الحاكم .. و في نفس الوقت كانت تحرص على إرساء إعلام مقروء و مسموع و منظور، تتحكّم فيه من خلال رجال إعلام محترفين، يعرفون جيّدا نوايا النظام الحاكم قبل أن ينطق بها، و يبادرون إلى تعميمها، و الدعاية لها . لهذا كانت وسائل الإعلام الجماهيرية تضم أقدر الخبرات في تزوير الحقائق و تلوينها بألف لون، وفقا لرغبات النظام الحاكم، و لعل خير مثال على هذا، تجربة جوبلز في الحقبة النازية بألمانيا.
البشر يتمرّدون على القولبة
ثورة المعلومات، التي ضاعفت التكنولوجيات المعلوماتية من اندفاعها، أتاحت للأفراد مساحة واسعة من المعلومات و المعارف، ليأخذ كل فرد منها ما يميل إليه، و يكون لكل فرد فهمه الخاص لما توصّل إليه من معلومات و معارف .. و هكذا، اختلف الأفراد و تباينوا و تنوّعت معارفهم و أمزجتهم، فخرجوا من قوقعة النمطية و التوحيد القياسي، و غير ذلك ممّا قام عليه المجتمع الصناعي و فرضه على البشر . لقد تمرّد البشر على محاولات القولبة غير الإنسانية التي مارسها عصر الصناعة . فانقضى كل ما يحمل صفة الجماهيرية، التعليم الجماهيري، و الأحزاب الجماهيرية، و أيضا الإعلام الجماهيري .
و عندنا .. مع كلّ هامش الحرية، الذي يتكرّر الحديث عنه، في اللقاءات الرسمية .. ما زال إعلامنا يمضي وفق قواعد الإعلام الجماهيري الذي ساد عصر الصناعة، و الذي فقد مصداقيته، بعد قيام ثورة المعلومات ..

من أجل الحكومة و الشعب معا

في صيف عام 1990، كتبت مقالا في مجلة ( المصوّر )، بعنوان " إعلام جديد لحساب الحكومة و الشعب معا " . قلت فيه، أن العاملين في وزارة الإعلام ما زالوا يتمسّكون بالفهم القديم، الذي يعتبر أن جهد وزارة الإعلام يجب أن يكون لحساب الحكومة، و ينحصر في نقل رؤيتها و قراراتها و توجيهاتها و أخبارها إلى أفراد الشعب . أي أن وظيفتها الأساسية هي أن تعمل من أعلى إلى أسفل فقط .
و قلت فيه " وظيفة وزارة الإعلام يجب أن تكون التخفيف من التناقض الحادث بين الحكومة و الشعب . و هذا التناقض موجود، و سيوجد، ما بقيت مركزية الحكومة على حالها . هذا التناقض، لا ينبع بالضرورة من سوء نيّة الحكومة، أو إهمالها و عدم مبالاتها، و لكنّه النتيجة الطبيعية لعدم قدرة الحكومة .." .
و شرحت هذا قائلا أن النظام البيروقراطي المركزي، يحرم الحكومة ـ أيّ حكومة، و ليس حكومة مصر فقط ـ من التغذية المرتدّة التي تحتاجها من القواعد الشعبية . و للعلم، هذه أزمة مستجدّة لم تواجه حكومات عصر الصناعة بالشكل الحالي . و السرّ في هذا أن الجمهور قد تحوّل ـ و يتحوّل كل يوم ـ إلى جماهير عديدة متباينة التوجّه و المطالب من الحياة، نتيجة لثورة المعلومات . و قلت أن وزارة الإعلام بأجهزتها كالإذاعة و التليفزيون، قادرة ـ بالإضافة إلى الصحافة ـ على تقديم عون جزئي للحكومة في هذا المجال، عندما يعكس لها صورة الواقع المتغيّر على أرض مصر .
الإعلام، نقطة البدء العملية
قلت أن التخطيط لمستقبل مصر على المدى البعيد، لا بد أن يمرّ من خلال ثورة إعادة بناء في مجال النظم التعليمية الحالية . لكن، نقطة البدء لإعادة بناء مصر ـ و الديموقراطية أساسا، و التعليم ضمنا ـ هي ضمان شفافية أجهزة الإعلام من صحافة و إذاعة و تليفزيون، و قدرتها على العمل كموصّل جيد بين مختلف مستويات المجتمع .
كما قلت أن الذي يزيد وضع التناقض بين الحكومة و الشعب سوءا، أن الأحزاب عندنا ـ وطني و معارضة ـ تعاني هي الأخرى من نفس القصور . لو أن هذه الأحزاب كانت أحزابا حقيقية، نابعة من إرادة جماعية لفئات و طبقات، لها قواعدها المحسوسة في الشارع المصري، لكانت قادرة على مساعدة الحكومة في تفهّم طبيعة التغيّرات في خريطة الشارع المصري .. و بديهي أن ما نقوله عن قصور الأحزاب الحالية،ينسحب أيضا على المجالس النيابية التي تتشكّل أساسا من هذه الأحزاب .

الحوار، و دور الإعلام

و أشرت إلى أننا في أشد الحاجة إلى التفكير و الفهم، لأن التفكير القائم على فهم الحقائق هو الذي يقود إلى إمكان رسم إطار رؤية مستقبلية شاملة لمصر، على أساس التغيّرات المستجدة للتحوّل من عصر الصناعة إلى المعلومات .
و قلت أن التفكير الذي أدعو إليه، لا يتبلور إلاّ من خلال الحوار الحرّ الصادق، بين أطراف يتوافر لها الحدّ الأدنى من المعلومات و المعارف المعاصرة . و هو حوار لا يمكن أن يدور في حجرات مغلقة، و ندوات خاصّة، بل لا بد أن يتم بصوت مرتفع، يسمعه جميع الناس، من القيادة إلى القواعد، فيفهّموه، و يدركوا من خلاله بدائل الأفكار، فينحازوا إلى الأفكار التي تجمع بين مصالحهم القريبة، و مصالحهم البعيدة .و أفضل وسيلة متاحة حاليا لتحقيق هذا الهدف، هو أن يتم الحوار على موجات الإذاعة، و قنوات التلفزيون، بالإضافة إلى الجرائد و المجلات .
و لن يصبح هذا مجديا إلاّ إذا تغيّرت العقلية السائدة في وسائل الإعلام، و فهم العاملون فيها طبيعة المهمة الجديدة الملقاة على عاتقهم، و فهموا أن مهمّتهم الحقيقية هي تفجير الأفكار، و ليس قتلها بتسليط قواعد الرقابة العامة و الذاتية عليها .

أقوى من حماس الوزير

تحمّس الوزير صفوت الشريف، فطبع صورا من المقال وزّعها على قيادات الإعلام في الوزارة طالبا منها أن تفكـّر
في طريقة الاستفادة من ذلك الكلام . و يبدو أن النتائج كانت مخيّبة، فاستدعاني مستشار الوزير، و سأل : ماذا نفعل ؟ . قلت نتكلّم، و تتكلّم قيادات الإعلام، لنرى ما الذي يمكن أن يتمخّض عنه هذا الحوار المبدئي . و بالفعل، تم تنظيم مؤتمـر في أحد الفنادق الكبرى، افتتحه الوزير صفوت الشريف، و دعيت إليه قيادات الإعلام .
كانت نتيجة ذلك الجهد، موقف سلبي من قيادات الإعلام، فانتصرت بيروقراطية قيادات الإعلام على حماس الوزير . لقد كان الصمت و الحذر هو الموقف السائد، و يبدو أن قيادات الإعلام تصوّرت أن الوزير ينصب لها فخّا، ليعرف مدى إخلاصها للنظام، فآثرت الصمت ! .. أضف إلى هذا أن رد الفعل الذي أشرت إليه يتكرر كثيرا، بين أفراد من خيرة الناس و صفوة المجتمع، الذين يحتلون المراكز العالية و القيادية، فهم يحجمون عن محاولة الفهم لما يترتب على ذلك من مراجعة أفكار قديمة .. نتيجة لعدم القدرة على متابعة و فهم المستجدات المتلاحقة، و عدم قدرة القيادات الواصلة على الاعتراف بأن فهمها ناقص .. بل و اقتناعها العميق أن ذلك الفهم الذي تتمسّك به، هو الذي خدمها، و أوصلها إلى المركز الذي تجد نفسها فيه ! .