الخميس، يونيو ١١، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل

القواعد المرعية .. الفاشلة

مستقبل الطفولة و الأمومة

كنت قد تلقيت في عام 1989، دعوة من السيدة هدى بدران، رئيسة المجلس القومي للطفولة و الأمومة، للاشتراك في مجموعة عمل خاصة، وكّل إليها استشراف ملامح المجتمع المصري خلال فترة التسعينات و ما بعدها، و انعكاسات ذاك على الطفل و الأم . تولّت د. هدى رئاسة المجموعة، التي ضمّت عددا من المفكّرين، أذكر منهم المرحوم السفير تحسين بشير و د. سعد الدين إبراهيم، كما شاركت فيها د. أمينة الجندي، و كيلة المجلس في ذلك الحين، و وزيرة الشئون الاجتماعية بعد ذلك . لاحظت في الجلسات الأولى أن الأمر سيمضي وفق العادة المرعية، بالبحث عن نواقص الوضع الحالي، و التفكير في البحث عن حلّ لكل نقيصة، وفقا للخبرات السابقة . فتدخّلت، طالبا أن نحاول النظر إلى الأمر بطريقة أخرى . و وضعت أمام المجموعة بعض الحقائق الأساسية للتفكير في مستقبل الطفولة و الأمومة، وهي :
· التفكير في مستقبل الطفولة، و وضع استراتيجية لذلك، يجب أن ينبع من رؤية مستقبلية شاملة لمصر، تنبع منها مختلف الاستراتيجيات، في مجالات حياتنا .
· فهم مؤشّرات التغيير الأساسية التي تسود العالم حاليا، و محاولة اكتشاف القوانين التي تحكمها، و التأثيرات المتبادلة بينها، هو الخطوة الأولى للوصول إلى الرؤية الشاملة لمصر .
· هذا التسلسل يسهّل فهمنا الأمين الصادق للواقع المصري الحالي، و يحدّد لنا نقطة البدء الراسخة، التي ننطلق منها إلى المستقبل .

الفرق بين السياسة و الفكر

و بفضل طبيعة المهمّة و نوعية المشاركين، مضى العمل بعد ذلك وفقا لهذا الأساس السـليم .. و مع ذلك، لم يخل الأمر من حوارات طويلة معقّدة، نتيجة لغياب منهج مسـتقبلي لدى عدد من المشاركين . و انتهى الأمر بتكليفي بمهمة صياغة ورقة تتضمّن حصيلة المناقشات و الحوارات . و كان المفروض أن تطرح الورقة للمناقشة في اجتماع يضم عددا كبيرا من المفكّرين و المختصين و الكتّاب .
في شهر مارس عام 1990، تمّ اللقاء الموسّع بحضور ما يقرب من 40 مشاركا . و قرأت الورقة التي حدّدت الخطوات التي التزمت بها المجموعة في عملها :
( 1 ) التعرّف على جذور التغيّرات العالمية الحالية .
( 2 ) تحديد مؤشّرات التغيّر العالمية التي ترسم صورة مجتمع الغد .
( 3 ) تحديد الصفات الأساسية للإنسان المتوافق مع هذه التغيّرات، و التي تحتاجها طفولة اليوم .
صفات إنسان مجتمع المعلومات
قلت أن طفل اليوم سيدخل إلى معترك الحياة العملية بعد حوالي عقدين من الزمان . و أنّه من الضروري تهيئة طفل اليوم للمستقبل، ليكون متوافقا مع المجتمع، و فاعلا فيه . و أن هذا يتم إذا عرفنا صفات الإنسان المتوافق مع مجتمع المعلومات، و التي من بينها أن يكون :
· متفرّد و غير نمطي، لا يخضع للقولبة التي كان يفرضها المجتمع الصناعي، منفتح على سيل المعلومات المتدفّق، بمساعدة التكنولوجيات المعلوماتية الجديدة، مستعد للتفاعل معها .
· ممارس للتفكير العلمي و التفكير الناقد، متعرّف على مفردات المنهج العلمي، ممارس للتفكير الناقد، الذي يتيح له أن ينظر للأمور بعين جديدة، و أن يراجع الافتراضات التي قامت عليها حياته، قادر على اكتشاف الافتراضات الجديدة التي تتفق مع الواقع الجديد المتغيّر .
· قادر على التعلّم الدائم و الذاتي و الشامل، مؤمن بأن الحياة أصبحت عبارة عن سلسلة متعاقبة من التعليم و التدريب و العمل .
· مبدع مبتكر، يجيد العمل العقلي، يعتمد على الابتكار كوسيلة لاكتشاف المشاكل، و البحث عن بدائل حلولها، و اختيار الحل الأنسب منها، ثم العمل على تطبيقه ومراقبة صلاحيته .
· إيجابي متعاون، مشاركا في اتخاذ القرارات التي تتصل بعمله و حياته، قادر على التعاون مع الآخرين للتوصّل إلى القرارات، بعد انقضاء التنظيم البيروقراطي الذي كانت تحتكر فيه القيادات اتّخاذ القرارات .
و بدأت المناقشات الجادة، و إن لم تخل من رواسب التفكير السياسي القاصر .

التفكير المعادي للمستقبل

بدأت مناقشات ورقة مستقبل الطفولة، و كانت في معظمها جادة و مفيدة، و صدر الرأي الغريب من د. ماهر مهران، رحمه الله، الذي كان مسئولا عن المجلس القومي للسكان . كان د. مهران عصبيا في كلمته، يتكلّم بنبرة سياسية غريبة على طبيعة كلمات الآخرين . فماذا قال ؟ .
قال د. ماهر مهران، في لهجة أقرب إلى الخطاب الانتخابي " أنا لا يهمّني شيء ممّا قيل عن المسـتقبل و مجتمع المعلومات .. يهمّني أكثر من هذا أن أنقـذ الطفـل المصري من الذباب الذي على وجهه .." . لم يحظ هذا القول بأكثر من همهمات استنكار من الحاضرين .

نواقص التخصّص الضيّق

من بين المجموعة الموسّعة التي ناقشت ورقة مستقبل الطفولة، د. حسين كامل بهاء الدين، الذي أصبح وزيرا للتعليم بعد ذلك اللقاء بوقت قليل . و قد اختار أن يعلّق على أحد مؤشّرات التحوّل التي أقمت عليها رؤيتي للتغيرات المجتمعية التي تصنع مجتمع المعلومات، ذلك هو مؤشّر التحوّل من التخصّص الضيّق الذي أخذ به المجتمع الصناعي، إلى المعرفة الأعم و الأكثر شمولا .
قال أنه يرى ـ على عكس ما قلته ـ أننا نتحوّل من التخصّص الضيق إلى التخصّص الأكثر ضيقا . و دلّل على ذلك بما يحدث في مجال الممارسة الطبّية، حيث أصبح الطبيب يتخصّص كلّ يوم في جزئية أدقّ، ممّا جعل التخصّصات تتضاعف بالآلاف، يوما بعد يوم .
و عندما تولّى د. حسين بهاء الدين يعد ذلك بقليل وزارة التعليم، كتبت مقالا بعنوان " حديث عن الطب، مع وزير التعليم ! " . في ذلك المقال شرحت معنى مؤشّر التحوّل من التخصّص الضيق إلى المعرفة الشاملة، و قلت أنه في ظل معدّلات التغيّر غير المسبوقة في مجال المعلومات و المعارف، نتيجة لتطوّر تكنولوجيا المعلومات، تختفي تخصّصات بأكملها، بل و تتراجع علوم بأكملها مفسحة المجال لعلوم جديدة، و تخصّصات جديدة، لم تكن معروفة من قبل .
كما أن التحوّل من الصناعات الكهروميكانيكية التقليدية، كمركز ثقل في النشاط الصناعي، إلى صناعات جديدة تقوم على خليط من العلوم، كانت محدودة الرواج منذ ثلاثين أو أربعين عاما فقط، مثل علم الإلكتـرونيات الكمـّية، و نظرية المعلومات و علم الأحـياء الجزيئي و علوم المحيطات و الفضاء .. هذا التحوّل يقضي على العديد من التخصّصات الضيّقة القديمة، و يترك أصحابها بلا عمل في مجالات الصناعات الجديدة .

شمولية المعرفة .. ضرورة

من هنا كانت أهمّية شمولية المعرفة، إلى جوار الدراسة المتخصّصة، في معاهد التعليم . كذلك ضرورة الأخذ بالمناهج الديناميكية التي تتغيّر و تنمو، وفقا للتسارع في المعارف و التكنولوجيات . و كذلك ضرورة الأخذ بمبدأ التعليم من المهد إلى اللحد، الذي يجعل من التعليم عملية لا تنتهي بانتهاء مرحلة دراسية معيّنة، و بالدخول إلى مجال العمل . و أيضا، أهمّية إدراك أن صلاحية أي شهادة دراسية يجب أن تكون موقوتة، بحيث تفقد هذه الشهادة قيمتها كمستند، إذا لم يسع صاحبها إلى تجديد و تعديل و تطوير معارفه، وفقا للمعارف المستجدّة .
إنّنا ننتقل، في إطار مجتمع المعلومات، من تدريب الفرد على تخصّص ضيّق معيّن، إلى تدريبه على أن يعتمد على ذاته ـ أوّلا بأول ـ في الوصول إلى المعلومات و المعارف الجديدة، و على أن يتكيّف بالتخصصات الجديدة .
و أعطيت د. حسين كامل بهاء الدين مثالا على ما يفعله التخصّص في مجال الطب . فقلت أن تطبيق التخصّص على مجال التعامل مع الآلة كان نافعا و مفيدا، طوال عصر الصناعة . إلاّ أن تطبيقه في مجال الطـب و العـلاج، رغم كلّ ما وفـّره خلال القرنـين الماضيين من اكتشافات و إنجازات هامة ، جاء متناقضا مع طبيعة الإنسان، و قاد إلى حالة العجز التي تعاني منها الممارسة الطبّية، ليس فقط في مصر، و لكن في جميع أنحاء العالم المتطوّر . و المخلصون الصادقون من الأطباء يعرفون ـ أكثر من غيرهم ـ حالة العجـز التي أحكي عنها .. يعرفون أن الطب يتعامل مع حوالي 15% فقـط من الحالات المرضـية، و يصف 85% من الحالات بأنّها سيكوسوماتية، و هي التي تظهر فيها الأعراض المرضية بينما يكون العضو المعني سليما، بمعنى أن الأعراض المرضية مصدرها غامض في العقل البشري .

السرّ الحقيقي لهذا العجز

السر في هذا العجز، خطأ استراتيجي جعل الحركة الطبية تتعامل مع الإنسان بنفس منطق التعامل مع الآلة، نتيجة للانبهار العام بالآلة و المصنع طوال عصر الصناعة . و الإنسان لا يمكن أن يعامل معاملة الآلة . فالسيارة عندما تحتاج إلى إصلاح نذهب بها إلى المختصّ، بالنسبة لإطاراتها، أو هيكلها، أو تبريدها، أو نظام محرّكها، و نظامها الكهربائي . و يكفي أن يقوم المختصّ في أحد هذه الجوانب بعمله، حتّى ينتهي الخلل .
لكن طبيعة الجسم البشري تختلف عن هذا، فالأعضاء و العمليات في الجسم البشري تكون على أعلى مستوى من التكامل و تبادل التأثير . و العرض الذي يشكو منه إنسان قد يحتاج في علاجه إلى عدد من المختصّين . و هذا هو ما دعا بعض الدول المتقدّمة إلى مواجهة هذا القصور في الممارسة الطبية إلى تنمية و تصعيد دور الممارس العام، غير المتخصّص، و استمراره طوال حياته كممارس عام، مستمتعا بالفوائد المادية و الأدبية للطبيب المختص .

الشفاء .. و إيجابية المريض

و هناك خطأ استراتيجي آخر وقعت فيه الحركة الطبية، خلال عصر الصناعة، بافتراض الدور السلبي للمريض في عملية الشفاء، شأنه شأن الآلة التي لا يكون لها دور ما في إصلاح عطبها . فالمهندس المختصّ، يشخّص الخلل، و يحدد العلاج، و يطبّقه على الآلة، دون توقّع دور إيجابي لها في ذلك العلاج .
لقد أثبتت التجارب العلمية الحديثة، القدرات الواسعة للإنسان في تحقيق الشفاء الذاتي، بما يعجز الطب الحديث عن تفسيره . و الغريب أن التراث الطبي الإسلامي، وقت ازدهار الحضارة الإسلامية، كان يعطي اهتماما كبيرا بهذه الحقيقة، الأمر الذي نجده في كتابات ابن سينا و الرازي و غيرهما من كبار علماء ذلك العصر .

و إلى الرسالة التالية لرى كيف تنتصر انتهازية الوزير على التفكير الجاد .

الثلاثاء، يونيو ٠٢، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل

موقف مضحك لقيادات الإعلام


الإعلام .. بعد التعليم ..

كتبت أقول أن وزارة الإعلام ما زالت تتمسّك بالفهم القديم، الذي يفترض أن جهدها يجب أن يكون لحساب الحكومة، و ينحصر في نقل رؤية الحكومة و قراراتها و توجيهاتها و أخبارها إلى أفراد الشعب، أي أن تعمل من أعلـى إلى أسـفل فقط . و قلت أن وزارة الإعلام ـ في إطار ثورة المعلومات ـ يجب أن تتحوّل إلى وسيلة توصيل جيّدة و حسّاسة، من أسفل إلى أعلى و من أعلى إلى أسفل، خاصّة في ظلّ استمرار أخذنا بالنظام الهرمي المركزي .
و قلت أن وظيفة وزارة الإعـلام يجب أن تكون التخـفيف من التناقض الحادث بين الحكومة و الشعب .. هذا التناقض الموجود، و الذي سيستمر وجوده، طالما بقيت مركزية الحكومة على حالها . هذا التناقض لا يرجع ـ بالضرورة ـ إلى سوء نيّة الحكومة، أو إهمالها، أو عدم مبالاتها، لكنّه النتيجة الطبيعية لعدم قدرة الحكومة ـ أيّ حكومة ـ في إطار المركزية الممعنة، على استيعاب التحوّلات التي تحدث في القواعد، و من ثم افتقاد المعلومات حول نتائج هذه التحوّلات .
تسارع المعلومات، و شيوعها بفضل تكنولوجيا المعلومات المستجدّة، يقود إلى التباين في مواقف و رؤى و احتياجات الإفراد، و إلى تبديل و تغيير دائمين فيها . و في ظلّ ترهّل الجهاز المركزي الحكومي، و التباطؤ الشديد في استجابته للتغيّرات، يخلق ذلك التناقض الذي أحكي عنه، و المفترض أن يخلق المزيد من التناقضات في المستقبل القريب .

أحزاب .. أم جرائد ؟ !

و قلت أن الذي يزيد الوضع سوءا، هو أن الأحزاب عندنا ـ حكومة و معارضة ـ تعاني هي أيضا من نفس القصور . و لو أن الأحزاب عندنا كانت أحزابا حقيقية، نابعة من إرادة جماعية لفئات أو طبقات، لها قواعدها المحسوسة في الشارع المصري، لكانت قادرة على مساعدة الحكومة في تفهّم طبيعة التغيّر في خريطة الشعب . غير أن أحزابنا ليست أكثر من جرائد، تعبّر ـ أيضا بشكل مركزي ـ عن إرادة قيادة هذه الأحزاب، و لا تمثّل الحركة الحقيقية لأحلام و مواقف الشعب المصري، مكتفية بهامش المناورة السياسية المتاح . و هكذا، تفقد الأحزاب وظيفتها التقليدية، كمعبّر عن تنوّع إرادة أفراد الشعب . و طبيعي أن ما نقوله عن قصور الأحزاب الحالية، ينسحب أيضا على المجالس النيابية التي لدينا، و التي تتشكّل أساسا من هذه الأحزاب .

المشاركة في التفكير

قلت أن التفكـير هو سبيلنا إلى رسم رؤية مسـتقبلية شاملة لمصر . التفكير الذي دعوت إليه ـ في ذلك الوقت ـ لا يجب أن يقتصر على الحجرات المغلقة، و الندوات الخاصّة، بل يجب أن يتم بصوت مرتفع، يسمعه الناس جميعا، في القيادة و القواعد، لكي يتعرّفوا على بدائل الأفكار، ثم يأخذوا بالأفكار التي تعبّر عن مصالحهم .
كما قلت أن أفضل وسيلة متاحة حاليا لتحقيق ذلك الهدف، هو أن يتم الحوار على موجات الإذاعة و عبر قنوات التلفزيون، ممّا يشجّع الصحف على اقتحام الحوار الصادق الأمين . و لن يصبح هذا ممكنا إلاّ إذا تغيّرت العقلية السائدة في أجهزة الإعلام، و فهم العاملون فيها طبيعة المهمّة الجديدة الملقاة على عاتقهم، و عرفوا أن مهمّتهم الحقيقية هي تفجير الأفكار، و ليس قتلها بتسليط قواعد الرقابة العامة و الذاتية عليها .
و لتصوير الواقع المرفـوض، طرحت مثالا على ذلك إحدى حلقات برنامج " موضوع للمناقشة "، أدارتها سهير الإتربي، حول الإصلاح الإداري، و دعت إليها مجموعة من المختصّين، و كيف أدارت الحوار باستعلاء واضح . و عندما عرض المتحدّثون أهمية البحث عن المدير المبتكر، القادر على التغيير، ظهرت التكشيرة على وجه المذيعة، و قالت " أنا مش ح أقلب نظام الدولة علشان أعمل المدير الناجح، أنا عاوزة أعرف إزاي نختار المدير الناجح من القيادات الموجودة حاليا " ! . ثم ختمت الندوة قائلة للمختصّين، بلا أدنى لباقة " هذه السياسات التي تتحدّثون عنها، ليست جديدة علينا، كلّنا عارفينها " .
و ختمت مقالي قائلا " هذا مجرّد مثال، و تبقى بعد ذلك المهمة الحيوية أمام أجهزة الإعلام، مهمّة أن تعيد بناء نفسها، بما يسمح لها أن تلعب الدور الأساسي المطلوب منها في هذه الظروف . صدّقوني، إذا تمّ هذا، فسيكون في مصلحة الحكومة و الشعب معا .." .

الاسـتجابة الذكيـة

تركت هذا الموضوع، مع غيره من الموضوعات، قبل سفري إلى لندن، لتغطية فترة إجازتي . و عندما عدت إلى القاهرة، تلقيت مكالمة من أحد كبار المسئولين بالوزارة، أستاذ حجاج على ما أذكر، يطلب أن ألتقي به في الوزارة .
عندما جلست معه في مكتبه، وجدت نسخا عديدة من مقالي ( فوتو كوبي ) فوق المكتب . قال، لقد طلب الوزير أن نوزّع المقال على قيادات الإعلام، و نطلب منها مقترحاتها بصدد تحقيق ما جاء بالمقال، فلم يقتنع الوزير صفوت الشريف بما قدّموه، و طلب أن ألجأ إليك لنرى ما الذي يمكن أن تفعله الوزارة . و الحق، أدركت ساعتها ذكاء الوزير في استجابته هذه، في الوقت الذي يستشيط غيره من الوزراء غضبا، إذا تكلمت عن مجال نشاطهم، و يبكون ـ بدموع حقيقية ـ من تعليقي على آرائهم أو أفعالهم، لكل من يشكون إليه . المهم، قلت " لا يوجد ما نبدأ به سوى أن نتكلّم .. نتكلّم و نفهم و نناقش مع قيادات الإعلام، حول الواقع المتغيّر الجديد، و الدور الجديد للإعلام في مجتمع المعلومات .. " و أضفت " لا أحب أن أنفرد بهذا، و أقترح دعوة بعض المهتمين بالمستقبل ..".

افتقاد الرؤية المتجانسة

رشّحت د. مختار هلّودة، و د. سعد الدين ابراهيم، و أضاف من جانبه الإعلامي حمدي الكنيسي . و بدأنا اجتماعات، في أحد فنادق المعادي، استمرّت لعدة شهور . كان المطلوب أن نكوّن معا رؤية متجانسة، قبل أن نلتقي بقيادات الإعلام، فاكتشفت أنها مهمّة صعبة ! .
آخر الأمر، أعلن د. سعد الدين إبراهيم العصيان، و قال أنه لا يستطيع أن يواصل العمل في هذه المهمّة، إلاّ إذا طلب منه الوزير ذلك شخصيا في مقابلة ! .
و كان الفشل الأول، قبل أن يتم اللقاء .
بعد عدّة شهور، اتّصل بي الصديق أمين بسيوني، و طلب منّي أن أواصل معه الإعداد للقاء قيادات الإعلام . و بدأنا من جديد اجتماعات طويلة متكرّرة، بحضور عدّة شخصيات إعلامية، برعاية مؤسّسة ألمانية تكفّلت بالإنفاق على العملية . و هنا أيضا، اكتشفت أن غياب الفهم المشترك لطبيعة ما يجري، و آثاره على مختلف مجالات حياتنا، بظلّ عقبة كبرى، حتّى بالنسبة لمعظم المثقفين و المفكّرين .
و دون الدخول في المزيد من التفاصيل، انتهى الأمر بالاتفاق على عقد اجتماع مع قيادات الإعلام، يحضره الوزير، و أطرح فيه أفكاري، و أفكار بعض المسئولين في الوزارة، تمهيدا لإجراء الحوار المأمول مع قيادات الإعلام . و تمّ ذلك في قاعة واسعة من قاعات أحد الفنادق الكبرى .. فماذا كانت النتيجة ؟ .
ألقى الوزير صفوت الشريف كلمة حماسية، و طرح جانبا من أفكاري التي كنت قد تقدّمت بها، و قال لقيادات الإعلام " إذا لم نفهم أفكاره ـ يقصدني ـ و نعمل بها، فلن يحدث أي تقدّم في إعلامنا .." .
الظاهرة الملفتة، هي الموقف السلبي لقيادات الإعلام، التي بدا أن هدف وجودها هو الاستجابة لدعوة الوزير . و يبدو أن تلك القيادات قد باغتتها كلمات الوزير، و صدمها المنطق الجديد الذي تكلّمت به عن مستقبل الإعلام، فانشغلت بالتفكير في المبررات الخفيّة لهذا اللقاء، و فيما يحتمل أن يكون وراء هذا اللقاء من تغيّرات في أجهزة الإعلام من الممكن أن تمس مواقعهم في الوزارة ! .
و هكذا انتهى اللقاء، و انتهى معه أي تفكير في مستقبل الإعلام المصري، و مضت أجهزة الإعلام في سبيلها التقليدي . فبقيت وظيفة الإعلام الأساسية نقل رسائل القيادة و الحكومة، و الإلحاح بها على الشعب، و بقي ما أطلق عليه تعبير البرامج الحوارية مجرّد حديث شكلي، يرسّخ رؤية القيادة .. لم يبدأ التغيّر في هذا المجال، إلاّ بعد ما يزيد عن عشر سنوات، عندما ظهرت الصحف الخاصة غير الحكومية، و عندما انتشرت القنوات الفضائية العربية، و قدّم بعضها برامج حوارية تحتفي بالرأي الآخر، و تطرح القضايا ـ التي اصطلحنا على تسميتها بالحسّاسة ـ بشجاعة لم يعرفها إعلامنا . هنا فقط، و كرد فعل لهذا، بدأت تظهر عندنا بعض البرامج التي يتاح لها هامشا من طرح الرأي الآخر، و تجاوز الوقوف عند الرأي الرسمي للحكومة . و هكذا، تمسّكنا في هذا أيضا أن تكون استجابتنا كردّ فعل لما تقدّمه القنوات الفضائية العربية، و ليس كمبادرة واعية .

و إلى الرسلة التالية لنرى حكاية مستقبل الطفولة و الأمومة

الأربعاء، مايو ٢٧، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل

التصادم مع الواقع


الجنزوري.. و خطته الخمسية


من الطبيعي أن تدخل الخطة الخمسية لمصر في صميم اهتمامي، باعتبار أن الخطّة، أيّ خطّة سنوية أو خمسية، لابد أن تنبع من استراتيجية طويلة المدى، بحيث تكون الخطة هي السبيل الذي نختاره من المتاح إلى المأمول . حرصت على قراءة كل ما يقوله د. كمال الجنزوري، وزير التخطيط في ذلك الوقت، في وسائل الإعلام المختلفة من صحافة إلى إذاعة إلى تليفزيون . وجدت أن ما يقدّمه لا يرقى إلى مستوى خطة، فكتبت مقال قصير بعنوان " خطة خمسية .. أم برنامج ردود أفعال ؟ " .
من بين ما قلته، أن الخطة لا تضيف جديدا إلى ما فعلته و تفعله الحكومة خلال السنوات الماضية . فهي تتناول المشاكل واحدة بعد الأخرى، و تحاول أن ترسم حلاّ لكل مشكلة بقدر ما تسمح به الظروف، دون أن ترجع إلى رؤية شاملة تستنبط منها هذه الحلول، فتعطي لكل مشكلة حجمها الحقيقي بالنسبة للمشاكل الأخرى، و دون إدراك كامل للعلاقات متبادلة التأثير بين هذه المشاكل . إنّها خطة ردود فعل، نبعت من مكاتب الخبراء و المختصّين و الفنيين، عند قمّة الجهاز البيروقراطي .
ثم قلت أن " اللـزمة " المتكرّرة، و التي تتردّد في مختلف بنود الخطة، هي " المزيد من كذا .. و المزيد من كيت .." . و هذا يعني أن واضع الخطة يتصوّر المستقبل و كأنّه استمرار للماضي، أو ـ على أحسن الفروض ـ المزيد ممّا هو حادث . و هذا خطأ أساسي و قاتل، قد يجوز في أحوال الاستقرار الحضاري الشامل، لكنّه لا يجوز في ظل الظروف دائمة التغيّر التي تمر بها البلاد، و التي تتّسم بالديناميكية العقائدية، الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية .

تجاهل التحوّلات العالمية

و قلت أن أهم نقد يوجّه إلى هذه الخطة الخمسية، هو تجاهلها للتحوّلات الحضارية الكبرى التي تسود العالم .. " و لكن .. ما قيمة هذا الحديث الآن، و الخطة الخمسية الجديدة قد أجيزت، و بدأ النقاش حول البرامج التنفيذية للسنة الأولى منها ؟ .. كلّ ما أطمح إليه، هو أن نبدأ من الآن التفكير في أسلوب جديد لوضع الخطة الخمسية القادمة، و التي يجب أن تنبع من استراتيجية أبعد زمنا " .
ثم طرحت مجموعة الواجبات التالية :
· التفكير في طريقة ديموقراطية لوضع إطار الخطة، تتيح مساهمة القواعد، فأحلام شعب مصر لا يمكن أن تتحدّد من وراء مكاتب الصفوة العليا للجهاز التنفيذي .
· رفع كفاءة أجهزة الإحصاء و الرصد، و خلق القدر الكافي من قنوات التوصيل بين قاعدة الهرم و قمّته، حتّى يمكن لأجهزة التخطيط أن تقوم بعملها على أساس من الرصد الأمين لواقع مصر، في تطوّر ذلك الواقع من يوم لآخر .
· أن ندرس بجدّية، و على نطاق واسع، معالم المجتمع الجديد الزاحف على العالم، و الذي بدأ يحلّ محلّ المجتمع الصناعي . , أن نتعرّف على التحوّلات الأساسية التي يمرّ بها العالم. و التي تقلب ـ رأسا على عقب ـ ما تعارفنا عليه طوال القرون الثلاثة الماضية، و كلّ ما درسناه عن التخطيط و العمل و البطالة و التعليم و الطاقة و الحكومة و العقيدة .

لماذا قامت الدنيا، و لم تقعد ؟ !

لم أكن أتصوّر أن تحدث هذه الكلمات القليلة ذلك الأثر، الذي امتدت آثاره على شخصي لسنوات ! . لم أفهم ـ في ذلك الوقت ـ لماذا قامت الدنيا و لم تقعد، في أعقاب ما كتبت . كان من حقّي أن أتساءل لماذا ثارت ثائرة الوزير على كلماتي المحدودة، و الجرائد و المجلاّت و محطات الإذاعة و قنوات التلفزيون تحتشد كل يوم بتصريحات الجنزوري عن خطته الجديدة ؟ .
و فوجئت بعد أسبوعين بمجلة " المصوّر "، التي أكتب فيها، تجري مع الوزير حوار الأسبوع في سبع صفحات، لم يكتف الجنزوري فيها بالدفاع عن خطته، لكنه قال ما معناه أنّه عندكم من يكتبون عن الخطة دون أن يقرؤها أو يفهموها ! .. فكتبت ردّا على ذلك أنّني علّقت في كلماتي على ما أوردته وسائل الإعلام القومية، على لسان الوزير عن خطّته . و نظرا لأن الوزير لم يكذّب ما جاء على لسانه، اعتبرت ما قيل يتضمّن أفكاره عن خطته الجديدة، فعلّقت على ذلك .
بعد ذلك بأيام، تلقيت مكالمة من الدكتور يوسف والي، دون سابق معرفة شخصية بيننا، و كان، للحق، رقيقا و مهذّبا . قال " نريد أن نصفّي الخلاف الذي بينك و بين الأخ كمال، و ننهي هذه الخصومة .." . قلت له أن ما بيني و بين الوزيـر خلاف موضـوعي، و ليس خصـومة، رغم أنه تجاوز حـدّ الليـاقة عندما وصمني بعدم الفهم . و بعد حوار طويل ختمه بأن قال " أستأذنك في أن يطلبك الأخ كمال تليفونيا، لننهي هذا الموقف.."، فقلت على الرحب و السعة .
في اليوم التالي، اتّصل د. الجنزوري، و كان حديثه يفتقد رقّة د. يوسف والي . قال لي " أنـا زعلان منك علشان انت شتمتني ! " . أجبت بهدوء أنّني مؤدّب و لا أشتم أحدا، و كل ما فعلته أنّني علّقت رافضا إهانتك لي بعدم الفهم ..
المهم، أن المسألة انتهت بأن وعدني بإرسال نسخة كاملة من الخطة إلى منزلي . و حدث، فقرأت مقدمة الخطة، التي تتضمّن التوجّهات العامة التي تستند إليها تفاصيل الخطّة، فوجدت أن النقد الذي قدّمته في البداية ما زال قائما . فقلت هذا كتابة في المجلة، و انتهت بذلك الواقعة، على الأقل إلى أن جاء د. الجنزوري كرئيس للوزارة، بعد سنوات .

المفكّر .. و السياسي

ظلّ تساؤلي بلا جواب " لماذا قامت الدنيا و لم تقعد، في أعقاب كلماتي القليلة عن الخطة ؟ .
قيل لي أن كلماتي جاءت في وقت حسّاس بالنسبة للدكتور الجنزوري، فقد كان في ذلك الوقت مرشّحا لرئاسة الوزارة . و يبدو أنه قد حدث رجوع عن ذلك الترشيح، و ظهر اسم د. عاطف صدقي كبديل . و جاءت كلمتي، دون أن أدري، رأس رمح في عملية نقد رئاسية شاملة للجنزوري، تمهيدا لإعلان الاختيار الجديد لرئاسة الوزارة .
و أنا في هذا أستند إلى معلومات لا أعرف مدى صحّتها، لكنها تبدو بعد مرور الأيام معقولة . و هذا، يفسّر العصبية الشديدة التي تناول بها د. الجنزوري هذا الموضوع، كما يفسّر تدخّل د. يوسف والي، من أجل التوقّف عن توجيه نقد جديد .
تأكّدت بعد هذه التجربة، من محنة الاحتكاك بين الفكر و السياسة . ففي الوقت الذي يسعى فيه المفكّر إلى الحقيقة، دون اعتبارات أخرى، يعمد السياسي إلى تلوين الحقيقة بألف لون، لكي تجيء متّفقة مع المصلحة الآنية . لهذا تنشأ الخصومة التاريخية بين الساسة و أصحاب الرؤية المستقبلية، و هي ليست خصومة شخصية، و لكنّها النتيجة الطبيعية للتناقض في الأهداف و المنهج .

تجربة تالية مختلفة

دار الاحتكاك التالي مع الساسة و رجال الحكم، في مجال الإعلام . فقد كنت أقول دائما أن اقتحام المجتمع المصري للمستقبل، يمكن أن يتم من خلال رأسي حربة، هما : التعليم و الإعلام . لهذا كنت أكتب بشكل متواتر عن هذا، على أمل أن تحدث ذات يوم الاستجابة، التي تضعنا على أول طريق المستقبل . تجربتي مع التعليم طويلة و مأساوية، سيأتي ذكرها فيما بعد . و قد بدأت تجربتي مع الإعلام بمقال كان عنوانه " إعلام جديد، لحساب الشعب و الحكومة معا " .

و إلى الرسالة التالية لنرى ما حدث في مجال الإعلام

الأربعاء، مايو ٢٠، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل

التصادم مع الواقع


عندما تنتصر السياسة على الفكر


لم تكن هناك مشكلة عند طرحي لأفكاري المستقبلية بشكل نظري، كان البعض يتحمّس و يسعى إلى حوار خاص معي، كتابة أو في لقاء شخصي، و كنّا نتّفق و نختلف، دون أن يفسد هذا للودّ قضية .. و لكن، عندما انتقلت إلى تطبيق ما أفكّر فيه على الواقع المصري، بدأت المشاكل و المخاطر ! .
لقد تحدّثت قبل هذا عن خصوم المستقبل من أصحاب العقائد و الأيديولوجيات، الذين يقعون أسرى افتراضاتهم التي فقدت مصداقيّتها، في ظل التطوّر الذي طرأ على المجتمع البشري، و قلت أنّهم أحوج من غيرهم لممارسة التفكير الناقد .
لكن الخصومة المحتدمة تأتي من السياسيين و المسئولين و الحكّام، الذين يستفيدون من الواقع المصري الراهن، بكل ما فيه من سلبيات . بل إن هذه السلبيات تكون في بعض الأحيان السبيل إلى السيطرة و النفع المادي . قد يفهم بعض الساسة ما أتحدّث عنه، و قد يفهمون أن الأوضاع الحالية تقود إلى كارثة في المستقبل القريب، و هم يقبلون ما أقوله طالما بقي عند حدود الطرح النظري .
في الأحوال العادية و التصرّفات اليومية، لم أكن أتعرّض لهذه الفئة، أو لأقوالها و تصرّفاتها، و لم يحدث الاحتكاك معها إلاّ عندما تقتحم ـ عن عدم علم ـ مجال المستقبل .

استراتيجية سرور لتطوير التعليم

الذي لا شك فيه أن مستوى التعليم عندنا تحت الصفر، حتّى بمنطق نظم تعليم عصر الصناعة، لهذا لم أكن أناقش أقوال و تصريحات وزير التعليم ـ د. فتحي سرور في ذلك الوقت ـ إلاّ عندما عقد مؤتمرا قوميا لوضع استراتيجية مستقبلية للتعليم في مصر .
كتبت في ذلك الحين أقول أن ما جاء في مقدمة التوصيات سليم من حيث توجّهه المستقبلي، لكن ما أن ننتقل إلى التفاصيل حتّى يظهر الخلط، و تبدأ عملية ( لملمة ) للآراء القديمة، و توصيات المؤتمرات السابقة، مع كلّ ما بينها من تناقض، و مع بعدها الواضح عن الشعارات المستقبلية المطروحة .
قلت له، لا بد أن نعترف بحقيقة مرّة، هي أن الذين يتحدّثون عن تطوير التعليم، و يشاركون في المؤتمرات، و يضعون التوصيات، يكون معظمهم من أصحاب الأفكار التقليدية، مع قلّة محدودة من أصحاب الآراء الجديدة، يضيع صوتها وسط صخب و نفوذ التقليديين . و ليس هذا انتقاصا من قدر أصحاب الآراء التقليدية من القيادات التعليمية، أو تشكيكا في إخلاصهم أو خبراتهم، إلاّ أن الآراء و الأفكار التي يطرحونها كان من الممكن أن تفيد فائدة كبرى، لو أن الآتي هو استمرار للماضي و الحاضر .. فخصوصية اللحظة التاريخية النـادرة التي نعيشها، تجعل الحديث عن مسـتقبل التعليم ـ بالذات ـ يختلـف عن كل ما عرفوه و تخصّصوا فيه .

مصير 6 مليون دولار

لقد صرّح وزير التعليم د. فتحي سرور أنّه شرع في تكوين أوّل مركز مصري لتطوير المناهج الدراسية و المواد التعليمية، و أن لديه ميزانية تبلغ 6 مليون دولار، لحساب ذلك المركز .
و قد كتبت أرجوه أن يرصد نصف في المائة من هذه الميزانية لإجراء دراسات مستقبلية، و تجميع مكتبة متخصّصة في فروع علم المستقبل، و بخاصّة مستقبل التعليم، و من أجل عقد حلقات نقاش و ندوات و مؤتمرات .. بحيث يكون الهدف من هذا كلّه، التعرّف على شكل الحياة على الأرض بعد ربع قـرن .. على أن يتم هذا، قبل أن نتكلّم كلمة واحـدة عن التعليم و المناهج و الوسائل التعليمية .
و قلت للوزير " إذا حدث هذا، فستكون قد أسديت أكبر خدمة، ليس فقط للتعليم، بل لمستقبل مصر كلّها " .
للتاريخ، كان د. فتحي سرور واسع الصدر إزاء تعليقاتي على جهوده في التعليم، بل كان في بعض الأحيان يرسل إلىّ خطابا شخصيا، يبدي فيه تقديره لجهدي، و يشرح فيه وجهة نظره فيما اختلفت معه حوله . و أشهد أن نقدي للوزير لم يتحوّل يوما إلى خصومة، بعكس ما حدث مع من تولى المسئولية بعده، دكتور حسين كامل بهاء الدين، و الذي استخدم كلّ ما تحت يديه من أسلحة ضغط ـ شريفة و غير شريفة ـ للنيل منّي .. لكن هذا له حديث آخر، يأتي وقته بعد أن يحين موقعه في الحدوث .
و إلى الرسالة التالية لنرى واقعة ساخنة للصدام بين الفكر و السياسة

الجمعة، مايو ٠٨، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل

خصوم المستقبل :

بين الحلّ الإسلامي

و الحل الماركسي

أصحاب العقائد القويّة و الأيديولوجيات الحاكمة يفشلون عادة في اكتشاف انقضاء زمن الافتراضات التي تقوم عليها عقائـدهم . و من ثم عدم قدرتهم على امتحان مدى مصداقية تلك الافتراضات في ظل التغيّرات الجذرية المتلاحقة في حياة البشر .
قبل أن أضع أفكاري في الكتب، كنت أكتب أوراقا حول التفكير المستقبلي، و التحوّلات التي تقودنا إلى مجتمع المعلومات . عرضت واحدة من هذه الأوراق على الصديق أحمد حمروش، رئيس اللجنة المصرية للتضامن، فقرأها و اقترح عرضها على الأستاذ محمد حسنين هيكل، فتحمّست لذلك الاقتراح . ثم اكتشفت بعد ذلك أنّه لم يأخذ الورقة مأخذ الجد، و وقف عند التعليق على خطأ مطبعي ! .

في مواجهة الماركسيين

قال حمروش " لماذا لا تناقش ورقتك في لجنة الفكر السياسي .. هذه فرصة للحوار المثمر، خاصّة و أنّ رئيس هذه اللجنة هو الدكتور فؤاد مرسي .." . تحدّد موعد للقاء، و قد جلس على رأس المنضدة الدكتور مرسي، و جلست في مقابله، بينما اصطفّ على الجانبين مجموعة من غلاة الماركسيين، أعضاء اللجنة، أعرف بعضهم و لا أعرف البعض الآخر .
طرحت أفكاري حول مرحلة التحوّل الحالية في العالم، من المجتمع الصناعي إلى مجتمع المعلومات .. لماذا تمت ؟، و ماذا يترتّب عليها من تغيّرات كبرى في جميع مجالات حياة البشر ؟.
فلاحظت التململ على الحاضرين، و الرفض الضمني لكلام يخرج عن نطاق القاموس الماركسي، و كانت القشّة التي قصمت ظهر البعير، كما يقولون، ما قلته من انقضاء صلاحية كل من الاقتصاد الرأسمالي و الاقتصاد الاشتراكي، في التعامل مع الواقع الجديد، باعتبار أن الرأسمالية و الاشتراكية هما وجهان لعملة واحدة هي عصر الصناعة، و رؤيتان مختلفتان للتعامل مع واقع المجتمع الصناعي . و رحت أشرح هذا على ضوء التطورات التي أحدثتها ثورة المعلومات .
كانت ردّة فعل الحاضرين، مزيج من الرفض و الوجـوم، ثم توجّه أحدهم إلى الدكتور مرسي
سائلا بسخرية " ما هو رأيك يا دكتور فيما يقال ؟ ! ". تحيّر دكتور مرسي قليلا، ثم قال " لا أعرف ماذا أقول له .. إن ما يقوله أشبه بما يقوله جورباتشوف هذه الأيام .." .
أدركت في ذلك الوقت صعوبة مراجعة صاحب العقيدة ـ و لو كانت الاشتراكية العلمية ـ لافتراضاته، دون وجود أداة مثل التفكير الناقد تساعده على ذلك .

في جامعة الإسكندرية

بعد هذا، جاءت تجربة اللقاء مع أعضاء نادي هيئة التدريس بجامعة الإسكندرية . عندما تلقيت الدعوة للحديث عن المستقبل و عن مجتمع المعلومات، وسط نخبة من الأسـاتذة و العلمـاء، تحمّست لذلك اللقاء، و اعتبرته فرصة لحوار ناضج مسئول .
الذي لم أكن أعلمه، أن النادي كان قد مرّ بتحوّل كبير، بعد استبعاد العناصر التقدّمية من أعضاء مجلس إدارته، ليقتصر مجلس الإدارة على مجموعة من الأساتذة الإسلاميين .
قبل المحاضرة، استقبلني بحفاوة أحد الأساتذة، أظنّه على ما أذكر عميدا لكلية العلوم أو رئيسا لأحد أقسام الكلية . بعد أن احتسينا القهوة، قادني إلى قاعة اللقاء، التي حفلت بجمع كبير من أعضاء هيئات التدريس بالجامعة .
كان موضوع المحاضرة " الرؤية المستقبلية، و مجتمع المعلومات " . و كان لا بد أن أبدأ بطرح منهجي في التوصّل للرؤية المستقبلية، و تحدثت عن التحوّلات الكبرى في حياة البشر، من عصر الزراعة، إلى الصناعة، إلى المعلومات، و كيف لعبت التكنولوجيات الابتكارية العظمى دورا أساسيا في إعادة صياغة مختلف مجالات حياة البشر، الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية . ثم طرحت التحوّلات الحالية من مبادئ مجتمع الصناعة إلى مبادئ مجتمع المعلومات .

لماذا نعتمد على علوم الغرب ؟ !

عندما انتهيت من كلامي، و قبل أن يبدأ النقـاش مع جمهور الحاضرين، حدثت مفاجأة أدهشتني . الأستاذ الدكتور الوقور الذي استقبلني، و قادني إلى القاعة، و الذي قدمني في بداية الأمر، و جلس إلى جواري، وجدته يهب واقفا، و يصيح بأعلى صوته هاتفا بشعار طويل لا أذكر نصّه حاليا، و لكن أذكر قوله في النهاية " .. و الإسلام مستقبلنا .." .
رسمت ابتسامة ساذجة على وجهي، لإخفاء دهشتي و حيرتي فيما هو مطلوب منّي أن أفعله . و ما أن انتهت موجة التصفيق ـ التي مازلت لا أعلم إن كانت موجّهة لكلماتي أم لهتاف الأستاذ الوقور ! ـ حتّى بدأت أسئلة الحاضرين .
كان محور تساؤلات ذلك الجمع العلمي حول استنكار الاعتماد على العقل في مكان النقل ! . قال أحد الأساتذة أن ما أقوله من أفكار وارد من الغرب، قد ينطبق على مجتمعاتهم، لكنه لا يصلح لنا كأمّة إسلامية . و تساءل ـ و هو أستاذ جامعي ـ عمّا يدفعنا إلى علوم و معارف الغرب، بينما لدينا منبع العلم و المعرفة .
قلت أن النهضة العلمية الإسلامية، في بغداد، قامت على ترجمة المراجع الإغريقية و الهندية و الفارسية . اطّلع العلماء المسلمون على ما سبق من علوم الغرب و الشرق، و فكّروا، و ابتدعوا،
و أضافوا إلى تلك العلوم، ما حفلت به مراجعهم في الطب و الكيمياء و الرياضيات و الجغرافيا، إلى آخر ذلك، ممّا صنع ما نطلق عليه الحضارة العلمية الإسلامية . و لم يجدوا من يلومهم على الاستفادة من علوم الآخرين .
و الغرب، الذي كان يعيش في جهالة القرون الوسطى، قرأ إنتاج علماء الإسلام، و ظلّ يدرّسه في معاهده و جامعاته على مدى عدّة قرون، و أضاف إليه، ممّا صنع بدايات النهضة الأوروبية الحديثة
.. و هنا أيضا، لم يجدوا من يؤاخذهم على هذا .

الرؤية المستقبلية، و الحلّ الإسلامي

ثم نهض أحد الجالسين في الصفوف الأولى، و سألني قائلا " و ما هي علاقة ما قلته لنا عن التحوّل إلى مجتمع المعلومات بالحلّ الإسلامي ؟ " .
قلت له صادقا " أنا لا أعرف ما تسمّيه بالحلّ الإسلامي .. لا شكّ أنّك أدرى به منّي " . ثم قلت له أنّني تكلمت عن مجموعة من التحوّلات تقودنا إلى مجتمع المعلومات، مثل التحوّل من المركزية إلى اللامركزية، و من القولبة و النمطية إلى التنوّع و التمايز و احترام ذاتية الفرد، و من التزامن إلى الزمن المرن الذي يوسّع نطاق حرية الفرد، و من العمل العضلي البدني المتكرّر الذي لا يستوجب التفكير، إلى العمل العقلي الذي يعتمد على التفكير و الابتكار.. تكلّمت عن هذا و غيره، فهل وجدت شيئا ممّا أوردته متناقضا مع الحلّ الإسلامي الذي تقول به .
بعد صمت قصير قال " لا .." . فقلت مبتسما " هذا هو الذي يهمّني في الأمر .." .
هنا أيضا أدركت أهمية إشاعة التفكير الناقد، من اكتشاف الافتراضات الأساسية التي يقوم عليها فكرنا و عملنا، و فحص مدى مصداقية تلك الافتراضات في ظل الواقع المتغيّر الذي نعيشه، ثم البحث عن افتراضات جديده نابعة من الواقع الجديد، تحكم فكرنا و عملنا .

و إلى الرسالة التالية، لنرى كيف تنتصر السياسة على الفكر

الجمعة، أبريل ٢٤، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل

خصــوم المسـتقبل

بين المستقبل و التنبؤات الجوّية

في بدايات اهتمامي بالمستقبل و الرؤية المستقبلية، و خلال لقائي بالجمهور، كان يتردد سؤال حول مشروعية التفكير المستقبلي، باعتبار أن المستقبل بيد الله . فكنت أقول أن ما أفعله، و يفعله معظم المفكرين المستقبليين، هو البحث عن الاحتمالات الأقوى لما يجري من تغيير في حياة البشر، و عن أثر ذلك التغيير على حياتنا القادمة، حتّى نستعد له .
كنت أعطي مثالا بالتنبؤات الجوّية التي ترد كل يوم في النشرات الجوّية . فخبراء الأحوال الجوّية، يرصدون حركة الرياح و تغيّرات الضغط، و غير ذلك من المؤثّرات، ليقدموا لنا أقوى الاحتمالات في حالة الطقس للغد، و ربما الأيام التي تليه . و الإنسان العاقل، يقرأ هذه النشرة، فيستعد لغده بالطريقة المناسبة . إذا كان الطقس سيكون باردا، يعمد إلى ارتداء الثقيل من الملابس، و إذا كان ممطرا، يحمل مظلّته لاتّقاء الأمطار، و هكذا ..
إن ما يفعله المفكّر المستقبلي، هو أقرب ما يكون إلى هذا : التعرّف على الاحتمالات الغد، للبحث عن أفضل الوسائل لمواجهتها .

الخوف من التغيير

رغم أنّ التغيير هو سنّة الحياة، فمعظمنا يخافه، إلى حدّ إنكار حدوثه مهما بدا واضحا . فالتغيير معناه عدم القدرة على مواصلة الحياة بنفس الطريقة التي اعتدنا عليها، ممّا يتطلّب البحث عن طريقة جديدة للنظر إلى الأشياء و التعامل معها .
و في مصر، يظهر هذا الخوف بشكل أعمق، نتيجة لبقاء نسبة كبيرة من النمط الزراعي في حياتنا . فالمجتمع الزراعي لم يكن يعرف التغيير إلاّ بمرور أزمان طويلة، كانت التغيرات التكنولوجية و الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية بطيئة للغاية . و ربما كان يمضي عمر الإنسان في المجتمع الزراعي دون أن يصطدم بأي من التغيّرات .
و عندما قامت الثورة الصناعية في الدول الكبرى، تتابعت التغيّرات الجذرية، و تغيّرت الأسس التي تقوم عليها الحياة، و سعى أبناء تلك الدول إلى إعادة بناء حياتهم على الأسس الجديدة . أمّا نحن، فنتيجة لظروف الاسـتعمار المتتابعة، فقد فرضـت علينا بعض الأوضاع الجديدة، و قبل بها البعض، رغم تناقضها مع خريطة التطوّر الفعلية في مصر، و عدم اقتحامنا لمقتضيات المجتمع الصناعي . أي أننا لم نتعامل مع التغيير مباشرة، و إنّما تعاملنا معه بالوكالة ! .
و مع انقضاء عصر الصناعة في منتصف القرن الماضي، انفجرت ثورة تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات في أنحاء العالم، و أصبحت التغيّرات متلاحقة متسارعة، و ظهرت الحاجة الشديدة للتفكير المستقبلي في الدول المتطورة، لرصد مؤشّرات التحوّل، و دراسة العلاقات المتبادلة بين هذه المؤشّرات، في محاولة لإرساء رؤية مستقبلية تساعد على إعادة البناء في مجالات الحياة المختلفة، بما ينسجم مع الأوضاع المستجدّة .
مع أننا تخلّصنا من الاستعمار في ذلك الوقت، لكن الأوضاع السياسية للمنطقة و العالم شغلتنا عن التفكير المستقبلي الجاد، و اكتفينا بتبنّي ما يصل إلينا من الدول التي سبقتنا في مضمار التقدّم . لم يكن باستطاعتنا أن نتصدّى لذلك الجهد، للبحث عن آفاق مستقبلنا في مصر، نتيجة لشيوع التفكير التقليدي، و لإصرارنا على التعامل مع الواقع الجديد بأدواتنا القديمة .
لهذا أدركت أهميّة التأكيد على ضرورة تبنّي منهج تفكير جديد، يساعدنا على فهم الواقع الجديد و التعامل معه . و من ثمّ، طرحت موضوع التفكير الناقد في كتاباتي أكثر من مرّة، باعتباره الحد الأدنى من التفكير الذي يساعد على الدخول إلى المستقبل .

التفكيـر الناقـد

كان المصطلح جديدا علينا في مصر، رغم اعتماد عدد من صفوة المفكّرين المصريين لجوهره... كان من الضروري إن أطرحه بشكل مبسّط و متكرر، على أمل إنقاذنا من الخوف المرضي الذي يسببه التغيير، و على أمل التخلّص من أسر الأفكار و المبادئ و العقائد القديمة، التي تسيطر على تفكيرنا، بل و على تفكير الطبقات المتعلّمة عندنا .
سعيت إلى التعرّف على أحدث المدارس التي تجيب على سؤال محدّد : كيف يجب أن نفكّر اليوم ؟ . و من بين مدارس " التفكير الواضح " و " التفكير الاختراقي "، وجدت أن مدرسة " التفكير الناقد " هي التي تشتدّ حاجتنا إليها في مصر .
يقول ستيفن بروكفيلد، الأستاذ بجامعة كولومبيا، في كنابه " تطوير ممارسة التفكير الناقد "، أن التفكير الناقد نشاط مثمر و إيجابي . و أنّه عملية و ليس نتيجة، ففيه نتساءل بشكل متواصل حول الافتراضات المستقرّة، و لا نتصوّر يوما أننا وصلنا إلى الحقيقة الشاملة . و هو لا ينكر التأثير العاطفي للتفكير الناقد، فطرح أسئلة ناقـدة حول قيمـنا و أفكارنا و أنماط سلوكنا، التي التزمنا بها طويلا، يثير لدينا القلق، لكنّنا نشعر بالراحة عندما ننجح في الوصول إلى طرق جديدة .

و يطرح بروكفيلد أربعة مكوّنات أساسية للتفكير الناقد :

( 1 ) التعرّف على الافتراضات و تحدّيها : ممارس التفكير الناقد يبدأ بالتعرّف على الافتراضات التي تقوم عليها أفكاره و قيمه و أسس عمله . ثمّ عليه أن يمتحن مدى مصداقيّتها حاليا، سواء كانت تتّصل بطريقته في تنظيم عمله، أو بتوجّهاته السياسية، أو بأسس علاقاته الحميمة مع الآخرين . إنه يتساءل عن مصداقية الرؤى التي تتدفّق عليه من تصريحات المسئولين و من وسائل الإعلام . وهو يكون مستعدّا للتخلّي عن تلك الافتراضات القديمة، عند اكتشاف عدم توافقها مع واقع حياته الحالي، و البحث عن افتراضات بديلة أكثر انسجاما مع خبراته العملية المعاصرة .
( 2 ) أهمّية تحدّي السياق : ممارس التفكر الناقد يكون واعيا بأن الممارسات و التصرّفات و الهياكل تخرج دائما من سياق معين، يعكس الثقافة و العصر الذي عشنا فيه . و من هنا تجيء أهمّية الوعي بالسياق الذي يخرج منه كلّ شيء في حياتنا .
( 3 ) تصوّر و استكشاف البدائل : التفكير الناقد يتضمّن القدرة على تخيّل و استكشاف بدائل لطرقنا الحالية في التفكير و الحياة .
( 4 ) التشكّك التأمّلي : عندما نتحقّق من وجود بدائل لما هو ثابت في عقائدنا و سلوكياتنا، و ما ارتضيناه من هياكل لحياتنا الاجتماعية، نصبح أكثر تشكّكا في دعاوى الحقيقة المطلقة أو النهائية . هذا هو ما يطلق عليه بروكفيلد اسم " التشكّك التأمّلي " . فمجرّد قبول الفكرة من الجميع، أو لزمن طويل، لا يعني أن نصدّقها دون مراجعتها أوّلا، و بعد التأكّد من عدم تناقضها مع واقعنا الراهن .

* * *

يقول بروكفيلد أن ممارس التفكير الناقد ينشغل بخلق و إعادة خلق حياته الشخصية و العملية و السياسية . وهو لا يأخذ عناصر هويته كأمر واقع، بل يكون مدركا للآفاق الواسعة لمجالات تنمية خبراته . و هو يرى المستقبل مفتوحا لجهده و تأثيره، و ينظر إلى العالم باعتباره قابلا للتغيير، من خلال الجهد الشخصي و الجماعي، بالتضامن مع الآخرين الذين يشاركونه رؤيته .
هذه فكرة عاجلة، وشديدة الاختصار، لعملية التفكير الناقد، التي أجدها ضرورية لكل من يسعى إلى التفكير في الحاضر و يحاول استشراف المستقبل ...

و قد تأكدت من أهمية التكير الناقد عند مواجهتي لنوعيات من خصوم التفكير المستقبلي .. و إلى الرسالة التالية .

السبت، أبريل ٠٤، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل


حكايتي مع المستقبل

أفيقــوا … يرحمــكم الله


في يونيو عام 1992، ظهرت الطبعة الأولى من كتابي " أفيقوا يرحمكم الله .. كيف يجب أن يفكّر الإنسان العربي في مستقبل : التعليم، الإدارة، الاقتصاد، الممارسة الديموقراطية، الإعلام " .
لا أعرف لماذا صدّرت الكتاب بنداء !!، ربّما كان هدفي أن أستنفر القارئ، من أجل أن يتحـقّق له الفهم المنشود للمستقبل . فماذا قال هذا " النداء " ؟ .
" ما أقوله يتناقض مع يسوّد صفحات الجرائد و المجلات عندنا، و ما يشغل موجات البثّ الإذاعي و التلفزيوني، و مع ما يتدفّق من تصريحات السياسيين و المسئولين، و مع ما تختال به صفوة المفكّرين و الخبراء في بلدنا خلال المؤتمرات و الندوات .. إنّني لا أستعذب النفخ في قربة مقطوعة ـ كما يتصوّر البعض ـ و لكنّي أومن أن إصراري على إيقاظ النيام، و كشف الزيف و التدليس، و إدانة الكسل الذهني، يؤتي ثماره بالتدريج البطيء، الذي يتناسب مع جهدي الفردي المتواضع، الذي لا يستند إلى جماعة أو هيئة أو مؤسّسة أو حزب، أو حتّى شلّة، في مواجهة أغلبية لا تريد أن تفيق، و لا تريد أن تتبيّن الهوّة التي تنتظرها، و هي تمضي كالسائر في نومه، تلك الهوّة التي تزداد عمقا و اتّساعا مع مرور الأيام، بفضل تسارع التغيّرات التي يمرّ بها الجنس البشري . إلى القلّة الضـئيلة التي بدأت تنتبه إلى الواقع الذي أكتب عنه أقول : فكّروا و ناقشوا و اطرحوا جانبا كل ما اعتدتم سماعه من آراء و أفكار تقليدية، و تماسكوا لتنجحوا في نقل رؤيتكم إلى الآخرين .. و إلى السائرين نياما أقول : أفيقوا يرحمكم الله ! " .
تحاشي الأخطاء الشائعة
و في نهاية مقدمة الكتاب، قدّمت للقارئ جانبا من الأخطاء التي علينا أن نتحاشاها، لكي نفهم حقيقة الواقع و المستقبل :
· اعتبار أن الآتي هو المزيد ممّا كان، إيّ أن الذي يحدث في العالم اليوم هو مجرّد تغيّر كمّي يخضع لنفس القوانين السابق تطبيقها .
· تصوّر أنّه من الممكن النظر إلى كل ظاهرة، و دراستها بشكل جزئي، بمعزل عن باقي الظواهر المتزامنة .
· استخدام الكلمات و الاصطلاحات بمعناها القديم، دون الاتفاق على مضمونها الجديد .
· الانطلاق من أيديولوجية أو نظرية أو عقيدة سابقة، نبعت من ظروف مجتمعية مختلفة .
· تصوّر إمكان دراسة الظاهرة كما هي، دون الرجوع إلى جذورها، و استشراف مستقبلها .
· الاكتفاء بمجرّد حصر مؤشّرات التغيير في كل مجال من مجالات الحياة دون تفهّم العلاقات المتبادلة، القائمة بين هذه المؤشّرات .
· محاولة رسم مستقبل نشاط ما، في غياب رؤية شاملة، تربط بين هذا النشاط و غيره من النشاطات .

دعوة إلى الوضوح الفكري

و كنت واضحا فيما أحاول تقديمه في هذا الكتاب، فقلت أن ما سأفعله في الصفحات التالية، هو أن أطرح نماذج من التفكير في بناء مختلف نشاطات حياتنا، على أساس مؤشّرات التغيير التي تقود إلى مجتمع المعلومات . و أننّي اخترت في عنوان الكتاب تعبير " كيف يجب أن يفكّر الإنسان العربي في المستقبل"، و لم أقل كيف نحقّق المستقبل على أرض الواقع ـ فمجال ذلك حديث آخرـ باعتبار أن الوضوح الفكري، و شمولية النظرة، هما السبيل إلى جهد الاستشراف الناجح .
بعد أن طرحت الأسس التي يقوم عليها مجتمع المعلومات، قمت بتطبيق المنهج الذي توصّلت إليه على عدّة مجالات . و كان من الطبيعي أن أبدأ بالتعليم في مجتمع المعلومات، لإحساسي بأن التعليم يجب أن تكون له الأولوية، باعتبار أن التلميذ الذي يدخل اليوم إلى النظام التعليمي الجديد، يصبح ضمن القوى المنتجة في المجتمع بعد حوالي 15 سنة، هي سنوات الدراسة المختلفة .
ثم أجريت تطبيق على مستقبل الإدارة في مجتمع المعلومات، و كيف أن التحوّل إلى المجتمع الجديد أسقط الأسس الإدارية التي كانت ناجحة و محقّقة للنمو، و أحلّ مكانها أسس جديدة للنظم الإدارية، تناقض مع الأسس القديمة . الشركات الكبرى في الدول المتطوّرة تكنولوجيا، أحسّت بعمق التحوّل الحادث، و بدأت في ابتكار نظم إدارية جديدة، على أساس الواقع الذي فرضه عصرالمعلومات، فاستطعت تقديم أمثلة عملية، تدعم الطرح النظري الذي قمت به .
ثم أجريت نفس التطبيق على مجال الممارسة الديموقراطية، و السر في التحوّل من الديموقراطية إلى ديموقراطية المشاركة . و كذلك على مجال الإعلام الجماهيري، الذي تلقّى أكثر الضربات تأثيرا، نتيجة لتفتّت الجماهير، و تحوّلها إلى مجموعات متمايزة .
كما أجريت بعض التطبيقات الأخرى، عن مستقبل المـرأة في مجتمع المعلومات، و مسـتقبل حروب عصر الصناعة، و مستقبل فكرة الوحدة العربية، و استحالة تحقّق الوحدة الإندماجية .

اقتصاد مجتمع المعلومات

كان من الطبيعي أن أبدأ بالاقتصاد، عند طرح تصوّراتي لمجالات النشاط البشري الأخرى في مجتمع المعلومات، باعتباره من العوامل الأكثر أهمّية في حياة الشعوب، و لأنّه يضرب بجذوره في جميع المشاكل المعاصرة، على امتداد العالم . إلاّ أنّني آثرت أن أمهّد لذلك بطرح التطبيقات الأخرى، حتّى يتأكّد القارئ أننا بصدد عملية إعادة بناء شاملة، و ليس مجرّد تحسين و تجويد و تطوير لما هو قائم، أو مأخوذ به . و ربّما لصعوبة موضوع الاقتصاد بالنسبة للقارئ، و بالنسبة لي شخصيا .
و لكي أرسم صورة عريضة لاستشـراف اقتصـاد المعلومات، طرحت آراء و أفكار عدّة مفكّرين مستقبليين، جون ناسبيت، الذي يعتمد على تحليل مضمون كلّ ما يقال و يكتب، لتحديد المؤشّرات التي ترسم إطار الاقتصاد الجديد . ثم قدّمت رؤية أعمق للمفكّر المستقبلي الكبير بيتر دراكر، أستاذ الاقتصاديات و الفلسفة، و الذي يطلق عليه أيضا لقب " رائد الإدارة الحديثة " .. و استفدت كثيرا من آراء و طريقة تفكير المفكّر المستقبلي الرائد آلفين توفلر .
و ختمت حديثى عن اقتصاد المعلومات بطرح الرؤية المتميّزة للأستاذ الرياضيات، و المفكر الياباني كاورو ياماجوشي . لقد التقيت هذا المفكّر المستقبلي في برشلونة، بأسبانيا، ضمن المشاركين في مؤتمر من مؤتمرات جمعية دراسات المستقبل . أثناء فترة تناول الغذاء بين جلسات المؤتمر، كنت أجلس معه نناقش أفكارنا عن المستقبل، فأعجبني فكره المنظّم، و رؤيته الواضحة، فسألته إذا ما كان له كتب بالإنجليزية، قال أن المتوفّر بالإنجليزية الآن دراسة عن اقتصاد مجتمع المعلومات، و لكنّها مجموعة أوراق و ليست كتابا، و هي تباع في مكتبة المؤتمر، فاشتريتها . عندما عدت إلى القاهرة، قرأتها، و دهشت لمستواها الفكري المرتفع، فطرحت هذا كلّه في الفصل الخاص باقتصاد المعلومات من كتابي .
حظي كتاب " أفيقوا يرحمكم الله " بترحيب من بعض الكتّاب الجادين، في مصر و لبنان و الخليج . و عندما نفذت الطبعة الأولى، رفضت دار الشروق تقديم طبعة ثانية، و دون إبداء الأسباب . اندهشت، و لم أدرك في ذلك الوقت سرّ هذا الموقف، فعلاقتي بالدار ترجع إلى منتصف الثمانينيات، و معظم كتبي نشرتها الدار في طبعات متكرّرة، تزيد عن الخمس . لم أدرك أن هذا الموقف كان أحد حلقات الحصار الذي واجهته، نتيجة لتصادم الفكر مع الحساسيات الذاتية، و الغوغائية السياسية .

و إلى الرسالة التالية، حتّى أستعرض لكم خصوم المستقبل الذين صادفتهم في مسيرتي .