الثلاثاء، يوليو ٠٧، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل العربي

استجابة الأمير طلال

و القفز فوق التجارب الفاشلة

بعد نشر الموضوع، سافرت إلى الخارج لعدّة أسابيع، عدت لأجد دعوة للقاء الأمير طلال بن عبد العزيز، الذي لم يكن لي شرف لقائه من قبل، و إن كنت قد سمعت الكثير من الصديق الراحل أحمد بهاء الدين عن فكره و حسّه السياسي النابض دائما . لقد اكتملت سعادتي بذلك اللقاء، عندما عرفت أن الهدف منه هو البـدء في تحقيق فكرة " جمعية مستقبل العالم العربي " .
و كما قلت من قبل، أننا كنّا في ذلك الوقت نتّخذ الإجراءات اللازمة لإشهار التجمّع الذي اقترحه دكتور رفعت لقوشة، و من ثم كنت أميل إلى أن نبدأ بكيان محلي، أو بكيانات محلية في البلاد العربية، تكون تمهيدا للكيان العربي الشامل . غير أن العقبات التي أثارتها وزارة الشئون الاجتماعية في وجه تسجيل نادي المستقبل أو جمعية المستقبليات، لم أكن أتصوّر مداها . و لقد جاءت دعوة الأمير طلال لتكوين جمعية مستقبل العالم العربي، في الوقت الذي توقّفت فيه الجهود من أجل تسجيل الكيان المصري، أشبه بالقفزة فوق تجربة الفشل المحلية هذه .

من أين نبدأ ؟

في ذلك اللقاء، قال الأمير طلال أنه يسعى إلى تحقيق هذه الفكرة منذ سنوات، و أنّه ناقشها مع المرحوم دكتور لويس عوض، و مع الأستاذ محمد حسنين هيكل، و مع الصديق الراحل أحمد بهاء الدين، على مدى هذه السنوات، غير أن النقاش لم ينتهي إلى خطوات عملية . و قال أنه قرأ ما كتبته في مجلة المصوّر عن " جمعية مستقبل العالم العربي "، و أنه يريدني أن أبدأ معه خطوات تحقيق هذه الفكرة . ثم سألني الأمير : من أين نبدأ ؟ .
عرضت بأن نبدأ بإعداد ورقة حول الفكرة، تطرح تصوّرا مبدئيا لمبررات قيامها، و أهدافها، و مجالات نشاطها، و الخطوات التنفيذية المطلوبة، على أن تخضع هذه الورقة للمناقشة و الحذف و الإضافة و التعديل، حتّى نصل آخر الأمر إلى التصوّر الأكمل .
في البداية، كنت أميل إلى أن تقتصر مناقشة الورقة على مجموعة محدودة من المفكّرين العرب، لكني وجدت ـ بعد إمعان التفكير ـ أنّه من المفيد طرح الموضوع على نطاق واسع من المفكّرين و الكتّاب و أصحاب الاهتمـام العام في العالم العربـي، مع فتح باب المناقشـة على صفحات المصوّر، ممّا يتيح أوسع مساهمة، تضع بين يدي المجموعة المحدودة تنوّعا أكبر من التوجّهات، و نطاقا أوسع من الأفكار .

و فيما يلي نص الورقة التي طرحت للنقاش العام :

" جمعية مستقبل العالم العربي "
أفكار للمناقشة

أولا : المبرّرات.. لماذا هذه الجمعية ؟
( 1 ) التغيّرات العالمية المتسارعة، لا يمكن اعتبارها تغيّرات كمّية، لأنّها تشير إلى تحوّل أساسي في حياة الجنس البشري، اقتصاديا و اجتماعيا و سياسيا و ثقافيا . و هي أشبه ما تكون بالتحوّلات المجتمعية التي تمت من المجتمعات الزراعية إلى المجتمعات الصناعية، إلاّ أن التحوّلات الحالية أعظم و أكثر تسارعا .
( 2 ) الأسس التي سادت العالم، على مدى القرنين الماضيين، من سنوات لمجتمع الصناعي، بدأت تنسحب مفسحة المجال لأسس جديدة، تنبع من مجتمع جديد، هو مجتمع المعلومات .
( 3 ) التعامل مع مشكلات اليوم، أو التخطيط للمستقبل القريب أو البعيد، وفقا للأسس التي كانت شائعة على مدى القرنين الماضيين، لن يقود إلاّ إلى المزيد من المشكلات و الفوضى . لهذا، كان من المهم جدا بالنسبة إلى أي بلد ـ و بلد عربي بصفة خاصّة ـ أن ينطلق في حركته، على أساس فهم لخريطة التغيير المتكاملة، بكل مؤشّراتها متبادلة التأثير، و ليس اعتمادا على التناول الآحادي لعناصر التغيير .
( 4 ) العالمية ( جلوباليزم)، هي سمة أساسية من سمات مجتمع المعلومات، على مختلف المستويات، اقتصاديا و اجتماعيا و سياسيا و ثقافيا . لهذا، لم يعد بإمكان أي بلد عربي أن يفكّر في حلّ مشكلاته أو في تطوير أوضاعه، بمعزل عن الفهم التفصيلي لمستقبل التغيّرات العالمية .
( 5 ) الاهتمام بالرؤية المستقبلية، و بتفهّم خصائص مجتمع المعلومات، يكون متزايدا في الدول المتطوّرة . و في العالم العربي ما زال هذا الاهتمام ضعيفا للغاية . حتّى على مستوى المفكّرين و المثقفين، تجري ممارسته المحدودة داخل جزر معزولة، ممّا لا يسمح للجهود في هذا المجال أن تتراكم .
( 6 ) نتيجة لهذا الفراغ الفكري، و هذا الضعف الشديد في التوجّه المستقبلي، لا تكون تحت يد صانع القرار في البلاد العربية الرؤية المستقبلية المتكاملة، التي تساعده على اتخاذ قراراته، بحيث تجيء متكاملة و سديدة و في الوقت المناسب .
ثانيا : أهداف الجمعية .
( 1 ) إشاعة الفهم السليم لحقيقة التحوّلات الحالية، و نشر الوعي المستقبلي بين أبناء الوطن العربي
( 2 ) استحداث و تبنّي الدراسات و البحوث التي تساعد على الفهم المستقبلي المنشود .
( 3 ) تحقيق التكامل بين الجهود المستقبلية للأفراد و الهيئات و الجماعات العاملة في هذا المجال بالوطن العربي، و ربطها بالنشاط الموازي عالميا .
( 4 ) السعي إلى نشر المعارف المستقبلية على أوسع نطاق في العالم العربي، اعتمادا على وسائل النشر و التثقيف و الإعلام، و تنظيم الدورات الدراسية .
( 5 ) وضع الرؤى المستقبلية لتنمية البلاد العربية، و تقديمها إلى جهات اتخاذ القرار، للاستفادة منها عندما ينعقد العزم على إعادة البناء، و كذلك إجراء تطبيقات على هذه الرؤى، للتعرّف على مستقبل كلّ مجال من مجالات النشاط البشري .
ثالثا: مجالات النشاط .
( 1 ) التنسيق بين الأفراد و الجماعات و الهيئات التي تهتم بالمستقبل و بدراساته، في العالم العربي
( 2 ) تنظيم المؤتمرات و الندوات و دورات دراسة المستقبل في العالم العربي، و دعوة المفكرين المستقبليين العالميين للتحاور مع نظرائهم العرب .
( 3 ) حضور المؤتمرات و الندوات المستقبلية العالمية، و إقامة علاقات متبادلة حيّة مع هيئات النشاط المستقبلي في العالم .
( 4 ) إصدار نشرة دورية مستقبلية، و مجلة أبحاث فصلية، و الكتب المستقبلية المؤلّفة و المترجمة
( 5 ) السعي لإشاعة التفكير الناقد و الابتكاري، و التوجّه المستقبلي، في التعليم العام، عربيا . و إفساح مساحات أوسع للحديث المستقبلي في وسائل الإعلام، و الدعوة إلى إنشاء أقسام للدراسات المستقبلية في الجامعات العربية .
رابعا : خطوات التنفيذ .
و قد تضمّن هذا القسم خطوات إجرائية، حول اختيار أمين عام مؤقّت للجمعية، و النواة الأولى للجمعية التي تتولّى دراسة ورقة العمل و آراء المفكّرين في تفاصيلها، تمهيدا لوضع مشروع ما يمكن أن نطلق عليه " البيان المستقبلي العربي " . و تساهم هذه النواة في اختيار الأعضاء المؤسّسين للجمعية، مع مراعاة تمثيل مفكّري البلاد العربية بقدر الإمكان . ثم الاتفاق على الصياغة الأخيرة للبيان المستقبلي .
و قد تضمّن هذا القسم ما يتّصل بتكوين الجهاز التنفيذي للجمعية، الذي يشرف على نشاطها اليومي، و على متابعة الخطّة السنوية التي اعتمدها المؤسسون .
* * *

عندما تلقيت دعوة الأمير طلال بن عبد العزيز للبدء في تكوين جمعية المستقبل العربي، تردّدت لعدّة أسباب . من بينها رغبتي في التدرّج عند إنشاء الكيانات المستقبلية، جمعية لمستقبل مصر، و جمعيات لمستقبل البلاد العربية في كل مكان، و بعد ذلك يمكن الدخول في تأسيس جمعية للمستقبل العربي . و أيضا تباين أوضاع الدول العربية، ممّا يجعل من الصعب تصوّر رؤية مستقبلية واحدة لجميع الدول العربية . لقد كنت أميل دائما إلى أن نبدأ بجهد مصري، لاكتشاف منهج الوصول إلى الرؤية المستقبلية المصرية، يصلح أن يعتمد عليه المفكّرون العرب في الدول الأخرى كمنهج، إذا رغبوا في ذلك .
أمّا السبب الأكبر لتردّدي، فهو اقتناعي بأن الأسس المجتمعية للدول العربية تختلف كثيرا عن بعضها البعض، رغم كثرة الروابط التقليدية المشتركة بين الشعوب العربية . و تعبير الأسس المجتمعية، أو الخريطة المجتمعية، أقصد به النسب بين ما تأخذ به الدولة من أسس و قيم المجتمعات الزراعية و الصناعية و المعلوماتية .. ما يصلح للدولة التي ما زالت تعتمد على الزراعة أساسا، و من ثمّ تأخذ بالنظم و الأسس و القيم الخاصّة بالمجتمع الزراعي، لا يصلح لدولة أخرى أخذت بأسباب الإنتاج الصناعي بشكل قوي، أو الدولة التي قطعت شوطا في الدخول إلى مجتمع المعلومات . هذا بالإضافة إلى سبب ثالث ، هو تخوفّي الطبيعي من التعامل مع الأمراء و الملوك و الرؤساء العرب، حتّى لا أحسب ضمن زمرة رجال الإعلام و الثقافة و الفكر الذين سعوا إلى التعامل معهم .

و إلى الرسالة التالية لنرى كيف استقبلت الريادات العربية هذه الدعوة

الاثنين، يونيو ٢٩، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل

حكايتي مع المستقبل

بين مستقبل مصر ..
و فكر شباب المحلة الكبرى

من أجل تحقيق ذلك الحلم، تحمّست لفكرة نادي المستقبل، ثم لجمعية مستقبل مصر التي طرحها أيضا الصديق د. رفعت لقوشة للمناقشة على صفحات " مستقبليات " في المصوّر . و شاركت في الاجتماع التأسيسي من أجل إشهار الجمعية، غير أن وزارة الشئون الاجتماعية أثارت العقبات واحدة بعد الأخرى، و لم أعرف حتّى الآن سببا لذلك، و أغلب الظن أن المسئولين في الوزارة تخوّفوا من حكاية المستقبل هذه، فنحن نخاف ما نجهله ..
ثم كان خطاب الشاب المستنير فتحي عبد الحميد، من المحلّة الكبرى، و قد نشرت نصّ الخطاب في باب " مستقبليات "، لكي يرى القارئ أبعاد الوعي المستقبلي الكامن بين شباب مصر، الذي يعيش في الأقاليم، بعيدا عن صخب العاصمة، دون أن تغيب عنه حركة الفكر المصري . لقد فوجئت بارتفاع مستوى الوعي المستقبلي عند ذلك الشاب، و وجدت في خطابه ردّا مفحما على أولئك المتشائمين المتقاعسين الذين لا يرون أي جدوى في الحديث عن المستقبل أو التفكير فيه .. فماذا قال ابن المحلّة الكبرى ؟ ..
قال بعد المقدمات :
لست أدري من أين أبدأ، لكنّي سأدخل مباشرة في لبّ الموضوع و هو ( مجتمع المعلومات )، و الذي لكم الفضل في طرح الأفكار المتعلّقة به، و تلخيص آراء معظم المفكّرين المستقبليين مثل توفلر و ماسودا .. إلى آخر القائمة . و رغم خطورة و أهمّية هذا الأمر المتعلّق بمستقبل أمّة كاملة، إلاّ أنني لا أسمع صدى أو ردود أفعال حول ما تفضّلتم بطرحه خلال سنوات مضت .
كنت أمنّي النفس بأن الأفكار المستقبلية، و كيفية تحوّلنا من مجتمع صناعي إلى مجتمع المعلومات، ستصبح هي الشغل الشاغل للجميع، حكومات، أو أحزاب، أو مفكّرين .

محور الاشتباك هو الماضي

و مع الأسف الشديد، فإن الأحزاب و التيارات السياسية في مصر ما زالت غارقة حتّى النخاع في أوهام سلفية مزمنة، الكلّ مشتبك مع الكلّ، و محور الاشتباك هو الماضي، و الماضي وحده . أمّا الحكومة فهي مشغولة بمشاكل التعليم و البطالة و الإسكان و الديون .. إلخ، و المفكّرون غارقون في تحليل الوضع الراهن بحثا عن حلول للمشاكل، مرتكزين على ثوابت عصر شمسه آيلة للغروب، تمهيدا لبزوغ شمس عصر جديد، هو عصر الثورة العلمية و التكنولوجية، بكل مقوماته و أسسه التي تختلف تماما عن مقومات و أسس عصر الصناعة .
يتحدّث الجميع عن انتصار الرأسمالية على الشيوعية، دون أن يدركوا إن مجتمع الغد سيسحب البساط من تحتهما معا .

جمعية مستقبل العالم العربي

سأطرح على سيادتكم اقتراحا، أرجو أن ينال اهتمامكم، إذا كان يستحقّ ذلك :
بداية، فإن يدا واحدة لا تصفّق، و لا يكفي أن يتصدّى للكتابة عن المستقبل مفكّر واحد، هو راجي عنايت، فالمهمّة كبيرة و تحتاج إلى جهد جماعي . و يكفيك شرف الاستمرار وحدك حتّى الآن، حاملا مشعل التبشير بمجتمع المعلومات. و لكن، تبقى المشكلة، و هي كيف نحوّل تلك الأفكار المستقبلية العظيمة إلى منهج عمل ؟، كيف نجذب إليها مفكّرين و سياسيين من العالم العربي كلّه ؟، كيف نوسّع دائرة المعرفة بها بين أكبر عدد ممكن من الشعوب العربية ؟ .. هنا يأتي اقتراحي :
هناك الآن " جمعية مستقبل العالم "، و سيادتكم تحضرون مؤتمراتها السنوية، مع المفكرين المستقبليين من أنحاء العالم .. لماذا لا نؤسّس ( جمعية مستقبل العالم العربي )، و ندعو لعضويتها مفكرين من كلّ الأحزاب و التيّارات السياسية العربية و مفكّرين و علماء من جميع التخصّصات .. على أن يترك الجميع أرديتهم الحزبية و القطرية عند باب هذه الجمعية ؟ .
سيكون لهذه الجمعية هدف أساسي هو ( صياغة المشروع الحضاري القومي المستقبلي )، و ذلك وفقا لمبادئ و أسس مجتمع المعلومات . بالإضافة إلى مهام أخرى فرعية، مثل إصدار مجلة للفكر المستقبلي، و ترجمة معظم الكتب المستقبلية، و عقد مؤتمر سنوي للمستقبليين العرب، و الدعوة لإنشاء أقسام متخصّصة للدراسات المستقبلية في الجامعات العربية، إلى آخر ذلك .
المهم، أننا سنسعى جاهدين لكي تتراكم الأفكار المستقبلية، حتّى نستطيع صياغة المشروع الحلم . و حتّى تنهض الجمعية بأعبائها، قد يكون من الملائم أن ندعو لعضويتها بعض الشخصيات العربية المهمومة بمستقبل هذه الأمّة، كالأمير طلال بن عبد العزيز رئيس مجلس الطفولة و التنمية، و دكتورة سعاد الصباح، و غيرهما .
عموما، المهمّة شاقّة، و تحتاج إلى مجهود مضن، لكن نبل الهدف يستحقّ منّا أن نحاول جادّين إخراج هذه الجمعية إلى النور، لتكون تعبيرا عن جهد شعبي عربي غير حكومي، مستهدفين وجه الله و الوطن .
و إذا كان كلّ من يتعاطون السياسة و الفكر في العالم العربي يتحدّثون عن أزمة غياب المشروع
الحضاري، فإن هذه الجمعية ستكون مهمومة بصياغة هذا المشروع .
عموما يا سيدي، إذا كان اقتراحي سيحوز موافقتكم، فإنه يشرّفني أن أكون أول المنضمّين لهذه الجمعية . فقد كان لكتاباتكم المستقبلية الفضل في تغيير اهتماماتي، من إنسان يتعاطى السياسة، إلى إنسان يتعاطى المستقبل عن فهم و اقتناع .
و لكم خالص تمنياتي .

فتحي عبد الحميد
باحث اجتماعي بمديرية أوقاف الغربية

تعليقي على الخطاب

أكرر تحيّتي للأستاذ فتحي عبد الحميد، و تقديري لحماسه القائم على الفهم السليم .. و أطمئنه إلى يقيني بأن يدا واحدة لا تصفّق .. و إلى أن كتاباتي و مساهماتي في الندوات و المحاضرات و المؤتمرات تكشف لي ـ يوما بعد يوم ـ تضاعف عدد الفاهمين، الملتزمين بالتوجّه المستقبلي . و هذا هو سرّ حماسي لتأسيس " نادي المستقبل " الذي دعا إليه دكتور رفعت لقوشة، أستاذ الاقتصاد بجامعة الإسكندرية
و أعتقد أن الخطوات التي تتخذ لإشهار نادي المستقبل، ستتيح للأستاذ فتحي و غيره من المتحمسين، أن يجدوا مجالا لتعميق أفكارهم المستقبلية، و إجراء الحوار المثمر، الذي يفيد في فهم حقيقة واقعنا، و طبيعة المشاكل التي نعاني منها، و مدى ارتباطها ببعضها البعض، و السبيل إلى حلّ هذه المشاكل بشكل حقيقي و دائم، و تجاوز التخلّف الذي فرض علينا، أو ارتضيناه لأنفسنا، و الدخول إلى القرن الحادي و العشرين من موقع أفضل ممّا نحن عليه .
و أعتقد أن نادي المستقبل سيتمكّن من تحقيق المهام التي أوردها الأخ فتحي باعتبارها مهام فرعية، و التي أراها من المهام الأساسية، التي يصعب بدونها القيام بصياغة المشروع الحضاري القومي المستقبلي، أعني بذلك مهام إصدار مجلة للفكر المستقبلي، و ترجمة الكتب المستقبلية، و عقد المؤتمرات المستقبلية . و إذا كان نادي المستقبل سيقتصر في الأغلب على أبناء مصر، في البداية على الأقلّ، فأنا لا أرى ما يمنع أن تنتشر النوادي المستقبلية في الدول العربية، على يد ريادات الفكر المستقبلي فيها، ممّا يتيح في المستقبل القريب تكوين " جمعية مستقبل العالم العربي "، التي يمكن أن تتحمّس لها الشخصيات العربية، كالأمير طلال بن عبد العزيز، و دكتورة سعاد الصباح، و الأمير الحسن بن طلال .

و إلى الرسالة التالية، لنرى استجابة الأمير طلال

الاثنين، يونيو ٢٢، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل


أنصار المستقبل

دكتور إبراهيم حلمي ..

و ضحكات التخريمة الحضارية !


غير أن خبراتي مع القرّاء، لم تكن أبدا بهذه السلبية التي وجدتها عند الساسة و المتنفّذين البيروقراطيين، لقد اكتشفت جمهورا واسعا من القراء المستنيرين الراغبين في المزيد من فهم الواقع الصادق لحياتنا الحالية، و عناصر التغيير الشامل التي نمر بها، و شكل حياتنا القادمة التي يرسمها .
و في البداية حاولت أن ألتقي بمن سبقوني إلى خوض مجال التفكير المستقبلي، لكي أستفيد من خبراتهم، و لكي أحاورهم لأمتحن الفكر الذي أطرحه على محكّ خبرتهم و معارفهم .
و من بين الذين أفادني حوارهم كثيرا، المفكّر الراحل د. إبراهيم حلمي عبد الرحمن، وزير التخطيط الأسبق، و أحد مؤسّسي اتّحاد دراسات مستقبل العالم . كنت أسعى إلى زيارته في منزله بصحبة السفير الراحل تحسين بشير، الذي كان صديقا قديما له .
عندما كنت أعرض عليه أفكاري، و تصوّري لكيفية اقتحام مصر، و باقي الدول النامية، لعصر المعلومات، توقّف طويلا عند حديثي عن إمكان الانتقال إلى مجتمع المعلومات، قبل اكتمال نموّنا الصناعي . عدت أطرح تصوّري، فقال ضاحكا " أنت تعني أن نقوم بتخريمة حضارية ؟! .."، فضحكت معه و أنا أقول " فعلا .. قد لا أعرف الآن الآليات التي يتحقق بها هذا، و لكنّي واثق أن تأجيل دخولنا إلى عصر المعلومات إلى حين استكمال نموّنا الصناعي، سيوقعنا في تخلّف صناعي معلوماتي مركّب .." . كان حوار الدكتور إبراهيم معي حول هذه النقطة، هو الذي جعلني أولي اهتمامي الشديد ـ بد ذلك بسنوات ـ بحديث المفكّر الياباني ماسودا في مؤتمر سالزبورج، حول التنمية الآنية المزدوجة الصناعية المعلوماتية، لدول العالم الثالث .
لكن هذا المجال الخارجي له حديث آخر ..

* * *

مع انتظام ظهور باب " مستقبليات " في مجلة المصور، كنت أسعد باتصال و لقاء العديد ممن استجابوا لرؤيتي المستقبلية، حول التغيّرات و التحوّلات التي يمرّ بها البشر، و التي تصنع مجتمع المعلومات .. كان من بينهم شباب في مقتبل حياتهم العملية، و أساتذة و مفكّرون قرأت لهم و لكن لم أكن قد حظيت بفرصة اللقاء الشخصي معهم .
من أوائل الذين اتّصلوا بي من الشباب، فتحي عبد الحميد و محمد شلبي، و من الأساتذة و المفكّرين و الكتّاب المهندس الراحل حافظ أمين، و د. رفعت لقّوشة، و د. محمود جبريل، و د. محمود محفوظ .

اللقاء الأوّل مع طلبة الثانوي

اتّصل بي الشاب محمد شلبي، ثم زارني بالمنزل، و عرفت أنه مدرّس لغة عربية بمدرسة ليسيه الحرّية بالإسكندرية . قال أنه يتابع كتاباتي في المصوّر، و أنه قد قرأ ما صدر من كتبي عن المستقبل، و جاء مفوّضا من إدارة المدرسة يدعوني لحوار عن المستقبل مع طلبة الثانوية العامة بالمدرسة . و أضاف قائلا أن الطلبة يريدون مناقشتك في كتابك " العالم سنة 2000 " بالتحديد .
لم يستمر تردّدي طويلا نتيجة للحماس الشديد من جانب محمد شلبي، فوافقت . و في اليوم المحدد سافرت إلى الإسكندرية، و قبل الوقت المحدّد كنت أقف بسيارتي أمام مدخل المدرسة . فوجئت بالمظاهرة التي رتبها محمد شلبي.. طلبة الثانوية من البنين و البنات يقفون على جانبي الدرج الذي يقود إلى داخل المدرسة، يصفّقون على سبيل التحية .. و أنا امضي متقدما كاتما ضحكتي لهذا الموقف الذي وضعت نفسي فيه .
المهم، أنه عندما التقيت مع التلاميذ في المدرج، و بدأت تساؤلاتهم، اكتشفت أنهم قد قرءوا الكتاب بالفعل، و أن أسئلتهم تكشف عن فهم ملفت ! . و بقي اندهاشي، حتّى قال لي شلبي أنه اختار هذا الكتاب لبرنامج القراءات الحرّة، و أنه قد ناقشهم فيه على مدى عدّة أسابيع .
بقي الشاب المتحمس محمد شلبي على صلة دائمة بي، و تابعت نشاطاته، و تغيّرات مسار عمله، عندما ترك التدريس للعمل في برامج الكمبيوتر، ثم جهوده في تجهيز برامج الجامعة المفتوحة بكلية التجارة بالإسكندرية .. ثم عمله كخبير في التفكير الابتكاري بجامعة الدول العربية ، و أخيرا انضمامه آخر الأمر إلى "جيتراك "، مركز التدريب و الاستشارة، ثم عمله كخبير ابتكاري في العالم العربي .

نادي المســتقبل

عندما لمست حماسا للفكر المستقبلي لدى العديد من القراء، طرحت فكرة تكوين كيان أو مجموعة تفكير أو جماعة بحث، تتبادل الأفكار حول الرؤية المستقبلية التي تفيد في إعادة بناء حياتنا، بما يتيح لنا أن نتجاوز صفة التخلّف التي لحقت بنا طويلا .
و كانت الاستجابة الأولى، من الدكتور رفعت لقوشة، الأستاذ بجامعة الإسكندرية،طرح فيها صيغة إقامة " نادي المستقبل "، حتى يبعد بالتجمّع المنشود عن الصفة الحزبية، و يضفي عليه صفة التجمّع الثقافي، الذي يتيح الحوار و تبادل الأفكار حول المستقبل بشكل عام، و حول مستقبل مصر بشكل خاص . و قد حظي اقتراح د. لقوشة بحماس عدد من المتحمسين لفكرة البحث المستقبلي، من الشباب و الكبار . و قد أفردت باب " مستقبليات " في المصوّر لمساهمات جميع الذين رغبوا في طرح أفكارهم المستقبلية أو التنظيمية . كنت أسعى من وراء هذا إلى أن نتوصّل إلى صياغة بيان مستقبلي، يساعدنا على وضع رؤية مستقبلية بديلة للواقع المصري الحالي، تصلح أساسا لعملية إعادة بناء استراتيجية، تتيح لنا أن نلحق بركب المجتمعات الساعية إلى اقتحام مجتمع المعلومات من أوسع أبوابه .

الرؤية البديـلة

و من أجل توضيح أهمية الرؤية المستقبلية البديلة، كتبت قائلا أن النظام ـ أيّ نظام ـ سواء كان نظاما سياسيا ( حكومة )، أو نظاما اقتصاديا ( شركة ) ، أو نظاما كيميائيا ( مركّب كيميائي )، أو نظاما بيولوجيا ( جسم الإنسان )، يتعرّض دائما لنوعين من الضغوط : ضغوط داخلية و ضغوط خارجية .
و لنأخذ، على سبيل المثال، نظاما اقتصاديا، مؤسّسة أو شركة ما . هذه المؤسّسة تحقّق نموّها في وجه ضغوط داخلية ( تنظيمية أو إدارية أو عمّالية )، و ضغوط خارجية ( مؤسّسات منافسة، تغيرات في النظام الضريبي العام أو الجمارك، تغيرات في أسعار الصرف، مشاكل في البيئة ) . و من المعروف في دنيا الاقتصاد أنّه إذا ما وصلت الضغوط الداخلية إلى حدّ معين، مع تصاعد الضغوط الخارجية إلى حدّ معين، ينهار النظام، و تتبدّد المؤسّسة .
المخرج الوحيد لهذا الوضع المأساوي، هو أن تكون لدى تلك المؤسّسة رؤية بديلة شاملة، يمكن أن يعاد بناء المؤسسة بالكامل على أساسها، لإنقاذها من مأزق الضغوط المزدوجة الواقعة تحت تأثيرها .
و نفس الشيء ينطبق على الحكومة . أي حكومة من الحكومات التي تعاقبت على مصر، لم تكن لديها الجرأة لإحداث تغييرات جذرية تتوافق مع التغيّرات الكبرى التي يمرّ بها العالم، و التي تستجيب لها الدول المتطوّرة قدر طاقتها . و عندما كنت أطرح في محاضراتي أو لقاءاتي الأسس الجديدة التي تقوم عليها الحياة الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية في مجتمع المعلومات، كانت ردود فعل الحاضرين تتراوح بين اليأس و الغضب، و هم يتساءلون " متي ينتبه صناع القرار في مصر إلى ما تطرحه من حقائق ؟، و هل تعتقد أنهم سيستجيبون يوما ما لما تفرضه حقائق التحوّل من تغييرات و عمليات إعادة بناء ؟ .." .
كنت أعترف لهؤلاء بأنني لا أعرف إجابة عن هذه التساؤلات، و لكن الذي أعرفه جيدا، أن تصاعد التغيّرات النابعة من التحوّل إلى مجتمع المعلومات، سيقود إلى تصاعد الضغوط الداخلية و الخارجية، على النظم الحاكمة في العالم بدرجات متفاوتة، و أن ما أسعى إليه من كتاباتي و محاضراتي، هو أن أشيع الوعي بأهمية التفكير المستقبلي، و بأهمية طرح رؤية مستقبلية شاملة نابعة من مصالحنا و فهمنا، و بضرورة تكاتف أصحاب الفكر المستقبلي و سعيهم إلى وضع إطار بيان مستقبلي، يمكن لصانع القرار الحالي، أو من سيحلّ محلّه، أن يلجأ إليه عندما تتصاعد الضغوط، مهدّدة بالانفجار ..! .

و إلى الرسالة التالية، لنرى نتائج محاولة تعميم الفكرة على العالم العربي .

الاثنين، يونيو ١٥، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل

عندما ينتصر السياسي على المفكّر ..

وزير التعليم، و توجيهات الرئيس..

و أربعة ملايين كاد يفقدها مكرم محمد أحمد


كانت قد مضت أيام على تولّي د. حسين كامل بهاء الدين لوزارة التعليم، عندما دعاني إلى لقاء مسائي في الديوان القديم للوزارة، ليناقش معي ما كتبته عن التعليم و الطب . خلال ذلك اللقاء أحسست أنّه لم يقرأ جيّدا ما كتبته، و أنّه منشغل العقل بالوزارة و ترتيباته الشخصية . لقد دخلت ذلك اللقاء متفائلا، و خرجت منه و قد فقدت الكثير من ذلك التفاؤل، نتيجة لإحساسي بأنّه يستجيب لنوازع السياسي، أكثر ممّا يستجيب لدواعي الفكر الموضوعي .
كان ذلك اللقاء الخاص مع الوزير حسين كامل بهاء الدين هو الأوّل و الأخير . فمن خلال كتاباتي عن الرؤية المستقبلية لمجتمع المعلومات، كنت أتناول مختلف مجالات النشاط البشري، و من بينها التعليم، لكنّي شعرت أنه يستجيب بحساسية مرضية لما أكتبه عن التعليم، رغم قولي أكثر من مرّة أن مشكلة التعليم في مصر ليست من صنع أي وزير من وزراء التعليم

الشكاوى .. و الضغوط !

كلّما كتبت شيئا عن التعليم، كان الوزير يبادر بالشكوى لرئيس التحرير . و للحق، كان رئيس التحرير، الأستاذ مكرم محمد أحمد، يستمع إلى الشكوى، و لا يبلغني بها في أغلب الأحيان . إلى أن واجهني رئيس التحرير ذات يوم، راجيا سحب مقال لي عن التعليم في عصر المعلومات، بدعوى أن الوزير قد توقّف عن توقيع عقد طبع الكتب الملوّنة، المخصّصة لدار الهلال، نتيجة لكتابتي عن التعليم . و قال لي، ما كرّره عضو مجلس الإدارة المنتدب الأستاذ عبد الحميد حمروش، رحمه الله، من أن الدار ستخسر ما يصل إلى أربعة ملايين جنيه، بعدم توقيع الوزير لذلك العقد . و طلب منّي الأستاذ مكرم، تأجيل تقديم الموضوع لما بعد توقيع العقد .
لم أشأ أن أتسبب في هذه الخسارة للدار، فسحبت الموضوع، و لم أعد إلى تقديمه .

خطاب مبارك في احتفال دار العلوم

في الاحتفال بمرور 120 سنة على إنشاء دار العلوم، ألقى الرئيس مبارك خطابا، طالب فيه كل مصري و مصرية بأن يهتم بمستقبل العلم و الثقافة . و من بين التوجّهات الأساسية في الخطاب :
· التعليم و الثقافة في طليعة أولويات و هموم مصر .
· التعليم هو ركيزة التقدّم، و العنصر الذي يحكم قدرتنا على مواجهة تحدّيات العصر .
· المجتمع البشري يشهد في هذه المرحلة من تاريخه ثورة علمية و تقنية هائلة، تمتدّ إلى شتّى جوانب الحياة، و تصوغ تصوّرنا جميعا للمستقبل .
· التحـدّي الحقيقي، هو تنمية قـدرات الطالب الذهنية، بحيث يصبح مؤهّلا لاستنباط المعلومات و تحليلها، و الانطلاق منها إلى آفاق جديدة في الزمان و المكان . و بذلك يصبح أكثر قدرة على التعامل مع هذا العالم المتغيّر .
و في اليوم التالي، استقبل الرئيس وزير التعليم، و طالبه بضرورة تطوير المناهج بما يتماشى مع طبيعة العصر و تحدّياته .

هل يستطيع وزير التعليم ؟

سعدت بتوجّهات الرئيس مبارك، و كتبت معلّقا :
" بداية .. أتّفق مع الرئيس مبارك في كلّ ما استخلصه في خطابه .
و بداهة .. أن هذا الذي يدعو إليه ليس متحققا في التعليم المصري الحالي .
و أمانة .. يعتبر التعليم في مصر، دون نقطة الصفر، حتّى بالمقاييس القديمة .
و هذا يعني .. أن ما نقوله يجب ألاّ يشكّل حساسية ما لدى د. حسين كامل بهاء الدين وزير التعليم، فليس هو من أوصل التعليم في مصر إلى هذا المستوى المتدنّي، الذي نعاني منه .
و لكن هذا لا يمنع أنّ على وزير التعليم أن يتصدّى لمهمتين في نفس الوقت : الأولى تتعلّق بجهد تنفيذي تقوم به وزارته، من أجل رفع مستوى التعليم المصري إلى نقطة الصفر . و الثانية تتعلّق بجهد فكري علمي فلسفي، يستهدف وضع استراتيجية طويلة المدى لتحقيق الأحلام التي طرحها الرئيس .. " .
و قلت أنّه إذا كانت إمكانات الوزير لا تسمح له بأن يقوم بالمهمّة الثانية، نتيجة للجهد الشاق المطلوب لتحقيق المهمّة الأولى، يصبح من الضروري أن تتكفّل قيادة مصر بالمهمة الثانية، من خلال مجموعة من المفكّرين ـ و لا أقول خبراء التعليم ـ يتوفّر فيهم الفهم الشامل لحقائق العصر، و إدراك الآثار المجتمعية لثورة المعلومات، في المجالات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية .
ماذا كانت حصيلة هذا كلّه ؟ ..
الاستجابة الوحيدة، كانت مقالا في جريدة الأهرام، كتبه أستاذ جامعي، كان ضمن رجال الوزير في ذلك الوقت، ثم انقلب عليه ! . كان مقال ذلك الأستاذ ردا على مقال لي توجّهت فيه بالحديث إلى د. مصطفى خليـل، مقرّر لجنة الحـوار الوطـني، و كرّرت فيه ما سبق أن قلته من أن التصدّي لإعادة بناء الاقتصاد أو التعليم أو الإدارة، يحتاج إلى رؤية مستقبلية شاملة للتغيير الجذري الحادث في حياة البشر . و في مجال التعليم، قلت أنّ إعادة بناء التعليم لا ينفع فيها التطوير و الإصلاح، بل يحتاج إلى نفس الثورية التي يحتاجها إعادة البناء في مجالات الحياة الأخرى . و تعقيبا على مقال ذلك الأستاذ الذي قال فيه أن الثورة تعبير مستهلك (!)، كتبت مقالا أشرح فيه وجهة نظري، و أناقش بعض ما أورده في مقاله . لكن يبدو أن التوقيت لم يكن مناسبا للكلام عن التعليم، في مرحلة توقيع عقود حصّة دار الهلال في طبع الكتب المدرسية، فرفض الأستاذ مكرم محمد أحمد نشر الموضوع .

بفضل توجيهات السيد الرئيس !!

ظلّ هذا هو موقفي في دار الهلال، أكتب ما أكتبه معبّرا بصدق و صراحة عن آرائي، فيوافق رئيس تحير المصوّر، الأستاذ مكرم محمد أحمد، على النشر، أو يرفض، فيعاد الموضوع إلى، ليدخل ضمن ملف المرفوضات . فقد كنت أدرك أن الدعوة إلى إعادة بناء مصر تحتاج إلى الصبر و النفس الطويل . و لم أعد للكتابة عن مستقبل التعليم، إلاّ عندما قدّم التلفزيون حلقة من برنامج جديد، هو برنامج " واجه الصحافة "، و قد جمعت الحلقة بين وزير التعليم د. حسين كامل بهاء الدين و بعض القيادات الصحفية .
حاول الوزير أن يقصر الحديث على الثانوية العامة الجديدة و القديمة، و على موضوع إضافة سنة إلى التعليم الابتدائي و حاول أن يزيّن حديثه بين الحين و الآخر، بالإشارة إلى الموجة الثالثة و آلفن توفلر و مجتمع المعلومات . و أنا على يقين من أن د. حسين كامل بهاء الدين لو كان قد قرأ يتمعّن كتابات توفلر التي تحدّث فيها عن الموجة الثالثة، لفهم أن النظام التعليمي الحالي، عندنا و عند غيرنا، نظام آيل للسقوط، نتيجة لسقوط كل ما فرضه عصر الصناعة .
الأقل من السياسة و الأكثر من الفكر
كتبت حول هذا، و قلت إن المطلوب من د. بهاء الدين ـ بصفته وزيرا للتربية و التعليم ـ أن يخفّف من اندفاعه تجاه العمل السياسي، و يميل قليلا إلى اتّجاه الفكر، الذي هو مؤهّل له . فمثل هذا التوجّه سيخفّف من التناقض بين ما يقوله و بين ما يفعله . فالمعروف أن السـياسي ـ في جميع أنحاء العالم ـ لا يقول الحقيقة الكاملة، إلاّ فيما ندر .
كان من الممكن أن يتقبّل الوزير كلماتي هذه .. لكن يبدو أنني تجاوزت حدودي ، عندما نصحته في ذلك المقال بأن يخفّف من ترديده لتعبير " توجيهات السيد الرئيس "، خاصّة عندما بتحدّث عن تنظيمات تفصيلية أو فرعية .
قلت في مقالي " أشك في أن هذا يتم بدافع الغيرية و الإيثار .. فهل هو نوع من النفاق ؟، أم هي محاولة للتهرّب من المسئولية ؟ .. إذا ثبت أن قرار لإضافة سنة إلى التعليم الابتدائي لم يكن قرارا صائبا، هل نعفي الوزير من مسئولية اتخاذ القرار، باعتبار أنّه كان من توجيهات السيد الرئيس ؟! .. الذي أفهمه، أن رئيس الدولة ـ أي دولة ـ لا يكون خبيرا في الاقتصاد و التعليم و الإدارة و الصناعة و الإعلام و الثقافة و الصحّة و المواصلات .. و قد ابتدع نظام الحكومة و التمثيل النيابي لتوزيع مسئولية اتخاذ القرار في الدولة الحديثة، التي يتضمّن عملها قدرا هائلا من القرارات . و إذا كانت لرئيس الجمهورية توجيهات، فهي في مجال السياسة العليا و الاستراتيجيات و الرؤى .." .

مكرم، و الباب الذي يجئ منه الريح !

بعد أن نشر الموضوع في "المصوّر"، اكتشفت أنه لغياب الأستاذ مكرم رئيس التحرير، أو انشغاله، لم يكن قد قرأ الموضوع قبل نشره، فلم تتح له فرصة رفض النشر و إعادة الموضوع، لكي أضمّه إلى باقي المواضيع المرفوضة .
و كالعادة، تصاعدت شكاوى الوزير، و انصبّ اللوم ـ غالبا ـ على رئيس التحرير، الذي بدأ على الفور البحث عن سبيل لغلق ذلك الباب الذي يأتي منه الريح .. إلى أن فوجئت ذات يوم بموظف صغير في حسابات دار الهلال يخبرني بأن الأستاذ مكرم قد أنهى عقده معي، و أنني لم أعد أعمل في الدار !
كانت دهشتي كبيرة .. لهذا التصرّف من مكرم، بعد عملي لأكثر من ربع قرن في دار الهلال، جئتها بطلب من الصديق أحمد بهاء الدين، و قبل أن تصل إلى مكرم .. و أرجعت ذلك إلى نقص في الشجاعة منعه من مواجهتي، و ربما إلى بقية من الحياء . المهم أنني لم ألتق به منذ ذلك التاريخ حتى أناقش معه دوافعه ! .
لقد أغلق الباب الذي تأتي منه الريح، فاستراح، و حظي برضا الوزير الغاضب دائما .. فهل بقي هو أوالوزير ؟! .

و إلى الرسالة التالية لاستعراض الوجه المشرق للتجربة

الخميس، يونيو ١١، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل

القواعد المرعية .. الفاشلة

مستقبل الطفولة و الأمومة

كنت قد تلقيت في عام 1989، دعوة من السيدة هدى بدران، رئيسة المجلس القومي للطفولة و الأمومة، للاشتراك في مجموعة عمل خاصة، وكّل إليها استشراف ملامح المجتمع المصري خلال فترة التسعينات و ما بعدها، و انعكاسات ذاك على الطفل و الأم . تولّت د. هدى رئاسة المجموعة، التي ضمّت عددا من المفكّرين، أذكر منهم المرحوم السفير تحسين بشير و د. سعد الدين إبراهيم، كما شاركت فيها د. أمينة الجندي، و كيلة المجلس في ذلك الحين، و وزيرة الشئون الاجتماعية بعد ذلك . لاحظت في الجلسات الأولى أن الأمر سيمضي وفق العادة المرعية، بالبحث عن نواقص الوضع الحالي، و التفكير في البحث عن حلّ لكل نقيصة، وفقا للخبرات السابقة . فتدخّلت، طالبا أن نحاول النظر إلى الأمر بطريقة أخرى . و وضعت أمام المجموعة بعض الحقائق الأساسية للتفكير في مستقبل الطفولة و الأمومة، وهي :
· التفكير في مستقبل الطفولة، و وضع استراتيجية لذلك، يجب أن ينبع من رؤية مستقبلية شاملة لمصر، تنبع منها مختلف الاستراتيجيات، في مجالات حياتنا .
· فهم مؤشّرات التغيير الأساسية التي تسود العالم حاليا، و محاولة اكتشاف القوانين التي تحكمها، و التأثيرات المتبادلة بينها، هو الخطوة الأولى للوصول إلى الرؤية الشاملة لمصر .
· هذا التسلسل يسهّل فهمنا الأمين الصادق للواقع المصري الحالي، و يحدّد لنا نقطة البدء الراسخة، التي ننطلق منها إلى المستقبل .

الفرق بين السياسة و الفكر

و بفضل طبيعة المهمّة و نوعية المشاركين، مضى العمل بعد ذلك وفقا لهذا الأساس السـليم .. و مع ذلك، لم يخل الأمر من حوارات طويلة معقّدة، نتيجة لغياب منهج مسـتقبلي لدى عدد من المشاركين . و انتهى الأمر بتكليفي بمهمة صياغة ورقة تتضمّن حصيلة المناقشات و الحوارات . و كان المفروض أن تطرح الورقة للمناقشة في اجتماع يضم عددا كبيرا من المفكّرين و المختصين و الكتّاب .
في شهر مارس عام 1990، تمّ اللقاء الموسّع بحضور ما يقرب من 40 مشاركا . و قرأت الورقة التي حدّدت الخطوات التي التزمت بها المجموعة في عملها :
( 1 ) التعرّف على جذور التغيّرات العالمية الحالية .
( 2 ) تحديد مؤشّرات التغيّر العالمية التي ترسم صورة مجتمع الغد .
( 3 ) تحديد الصفات الأساسية للإنسان المتوافق مع هذه التغيّرات، و التي تحتاجها طفولة اليوم .
صفات إنسان مجتمع المعلومات
قلت أن طفل اليوم سيدخل إلى معترك الحياة العملية بعد حوالي عقدين من الزمان . و أنّه من الضروري تهيئة طفل اليوم للمستقبل، ليكون متوافقا مع المجتمع، و فاعلا فيه . و أن هذا يتم إذا عرفنا صفات الإنسان المتوافق مع مجتمع المعلومات، و التي من بينها أن يكون :
· متفرّد و غير نمطي، لا يخضع للقولبة التي كان يفرضها المجتمع الصناعي، منفتح على سيل المعلومات المتدفّق، بمساعدة التكنولوجيات المعلوماتية الجديدة، مستعد للتفاعل معها .
· ممارس للتفكير العلمي و التفكير الناقد، متعرّف على مفردات المنهج العلمي، ممارس للتفكير الناقد، الذي يتيح له أن ينظر للأمور بعين جديدة، و أن يراجع الافتراضات التي قامت عليها حياته، قادر على اكتشاف الافتراضات الجديدة التي تتفق مع الواقع الجديد المتغيّر .
· قادر على التعلّم الدائم و الذاتي و الشامل، مؤمن بأن الحياة أصبحت عبارة عن سلسلة متعاقبة من التعليم و التدريب و العمل .
· مبدع مبتكر، يجيد العمل العقلي، يعتمد على الابتكار كوسيلة لاكتشاف المشاكل، و البحث عن بدائل حلولها، و اختيار الحل الأنسب منها، ثم العمل على تطبيقه ومراقبة صلاحيته .
· إيجابي متعاون، مشاركا في اتخاذ القرارات التي تتصل بعمله و حياته، قادر على التعاون مع الآخرين للتوصّل إلى القرارات، بعد انقضاء التنظيم البيروقراطي الذي كانت تحتكر فيه القيادات اتّخاذ القرارات .
و بدأت المناقشات الجادة، و إن لم تخل من رواسب التفكير السياسي القاصر .

التفكير المعادي للمستقبل

بدأت مناقشات ورقة مستقبل الطفولة، و كانت في معظمها جادة و مفيدة، و صدر الرأي الغريب من د. ماهر مهران، رحمه الله، الذي كان مسئولا عن المجلس القومي للسكان . كان د. مهران عصبيا في كلمته، يتكلّم بنبرة سياسية غريبة على طبيعة كلمات الآخرين . فماذا قال ؟ .
قال د. ماهر مهران، في لهجة أقرب إلى الخطاب الانتخابي " أنا لا يهمّني شيء ممّا قيل عن المسـتقبل و مجتمع المعلومات .. يهمّني أكثر من هذا أن أنقـذ الطفـل المصري من الذباب الذي على وجهه .." . لم يحظ هذا القول بأكثر من همهمات استنكار من الحاضرين .

نواقص التخصّص الضيّق

من بين المجموعة الموسّعة التي ناقشت ورقة مستقبل الطفولة، د. حسين كامل بهاء الدين، الذي أصبح وزيرا للتعليم بعد ذلك اللقاء بوقت قليل . و قد اختار أن يعلّق على أحد مؤشّرات التحوّل التي أقمت عليها رؤيتي للتغيرات المجتمعية التي تصنع مجتمع المعلومات، ذلك هو مؤشّر التحوّل من التخصّص الضيّق الذي أخذ به المجتمع الصناعي، إلى المعرفة الأعم و الأكثر شمولا .
قال أنه يرى ـ على عكس ما قلته ـ أننا نتحوّل من التخصّص الضيق إلى التخصّص الأكثر ضيقا . و دلّل على ذلك بما يحدث في مجال الممارسة الطبّية، حيث أصبح الطبيب يتخصّص كلّ يوم في جزئية أدقّ، ممّا جعل التخصّصات تتضاعف بالآلاف، يوما بعد يوم .
و عندما تولّى د. حسين بهاء الدين يعد ذلك بقليل وزارة التعليم، كتبت مقالا بعنوان " حديث عن الطب، مع وزير التعليم ! " . في ذلك المقال شرحت معنى مؤشّر التحوّل من التخصّص الضيق إلى المعرفة الشاملة، و قلت أنه في ظل معدّلات التغيّر غير المسبوقة في مجال المعلومات و المعارف، نتيجة لتطوّر تكنولوجيا المعلومات، تختفي تخصّصات بأكملها، بل و تتراجع علوم بأكملها مفسحة المجال لعلوم جديدة، و تخصّصات جديدة، لم تكن معروفة من قبل .
كما أن التحوّل من الصناعات الكهروميكانيكية التقليدية، كمركز ثقل في النشاط الصناعي، إلى صناعات جديدة تقوم على خليط من العلوم، كانت محدودة الرواج منذ ثلاثين أو أربعين عاما فقط، مثل علم الإلكتـرونيات الكمـّية، و نظرية المعلومات و علم الأحـياء الجزيئي و علوم المحيطات و الفضاء .. هذا التحوّل يقضي على العديد من التخصّصات الضيّقة القديمة، و يترك أصحابها بلا عمل في مجالات الصناعات الجديدة .

شمولية المعرفة .. ضرورة

من هنا كانت أهمّية شمولية المعرفة، إلى جوار الدراسة المتخصّصة، في معاهد التعليم . كذلك ضرورة الأخذ بالمناهج الديناميكية التي تتغيّر و تنمو، وفقا للتسارع في المعارف و التكنولوجيات . و كذلك ضرورة الأخذ بمبدأ التعليم من المهد إلى اللحد، الذي يجعل من التعليم عملية لا تنتهي بانتهاء مرحلة دراسية معيّنة، و بالدخول إلى مجال العمل . و أيضا، أهمّية إدراك أن صلاحية أي شهادة دراسية يجب أن تكون موقوتة، بحيث تفقد هذه الشهادة قيمتها كمستند، إذا لم يسع صاحبها إلى تجديد و تعديل و تطوير معارفه، وفقا للمعارف المستجدّة .
إنّنا ننتقل، في إطار مجتمع المعلومات، من تدريب الفرد على تخصّص ضيّق معيّن، إلى تدريبه على أن يعتمد على ذاته ـ أوّلا بأول ـ في الوصول إلى المعلومات و المعارف الجديدة، و على أن يتكيّف بالتخصصات الجديدة .
و أعطيت د. حسين كامل بهاء الدين مثالا على ما يفعله التخصّص في مجال الطب . فقلت أن تطبيق التخصّص على مجال التعامل مع الآلة كان نافعا و مفيدا، طوال عصر الصناعة . إلاّ أن تطبيقه في مجال الطـب و العـلاج، رغم كلّ ما وفـّره خلال القرنـين الماضيين من اكتشافات و إنجازات هامة ، جاء متناقضا مع طبيعة الإنسان، و قاد إلى حالة العجز التي تعاني منها الممارسة الطبّية، ليس فقط في مصر، و لكن في جميع أنحاء العالم المتطوّر . و المخلصون الصادقون من الأطباء يعرفون ـ أكثر من غيرهم ـ حالة العجـز التي أحكي عنها .. يعرفون أن الطب يتعامل مع حوالي 15% فقـط من الحالات المرضـية، و يصف 85% من الحالات بأنّها سيكوسوماتية، و هي التي تظهر فيها الأعراض المرضية بينما يكون العضو المعني سليما، بمعنى أن الأعراض المرضية مصدرها غامض في العقل البشري .

السرّ الحقيقي لهذا العجز

السر في هذا العجز، خطأ استراتيجي جعل الحركة الطبية تتعامل مع الإنسان بنفس منطق التعامل مع الآلة، نتيجة للانبهار العام بالآلة و المصنع طوال عصر الصناعة . و الإنسان لا يمكن أن يعامل معاملة الآلة . فالسيارة عندما تحتاج إلى إصلاح نذهب بها إلى المختصّ، بالنسبة لإطاراتها، أو هيكلها، أو تبريدها، أو نظام محرّكها، و نظامها الكهربائي . و يكفي أن يقوم المختصّ في أحد هذه الجوانب بعمله، حتّى ينتهي الخلل .
لكن طبيعة الجسم البشري تختلف عن هذا، فالأعضاء و العمليات في الجسم البشري تكون على أعلى مستوى من التكامل و تبادل التأثير . و العرض الذي يشكو منه إنسان قد يحتاج في علاجه إلى عدد من المختصّين . و هذا هو ما دعا بعض الدول المتقدّمة إلى مواجهة هذا القصور في الممارسة الطبية إلى تنمية و تصعيد دور الممارس العام، غير المتخصّص، و استمراره طوال حياته كممارس عام، مستمتعا بالفوائد المادية و الأدبية للطبيب المختص .

الشفاء .. و إيجابية المريض

و هناك خطأ استراتيجي آخر وقعت فيه الحركة الطبية، خلال عصر الصناعة، بافتراض الدور السلبي للمريض في عملية الشفاء، شأنه شأن الآلة التي لا يكون لها دور ما في إصلاح عطبها . فالمهندس المختصّ، يشخّص الخلل، و يحدد العلاج، و يطبّقه على الآلة، دون توقّع دور إيجابي لها في ذلك العلاج .
لقد أثبتت التجارب العلمية الحديثة، القدرات الواسعة للإنسان في تحقيق الشفاء الذاتي، بما يعجز الطب الحديث عن تفسيره . و الغريب أن التراث الطبي الإسلامي، وقت ازدهار الحضارة الإسلامية، كان يعطي اهتماما كبيرا بهذه الحقيقة، الأمر الذي نجده في كتابات ابن سينا و الرازي و غيرهما من كبار علماء ذلك العصر .

و إلى الرسالة التالية لرى كيف تنتصر انتهازية الوزير على التفكير الجاد .

الثلاثاء، يونيو ٠٢، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل

موقف مضحك لقيادات الإعلام


الإعلام .. بعد التعليم ..

كتبت أقول أن وزارة الإعلام ما زالت تتمسّك بالفهم القديم، الذي يفترض أن جهدها يجب أن يكون لحساب الحكومة، و ينحصر في نقل رؤية الحكومة و قراراتها و توجيهاتها و أخبارها إلى أفراد الشعب، أي أن تعمل من أعلـى إلى أسـفل فقط . و قلت أن وزارة الإعلام ـ في إطار ثورة المعلومات ـ يجب أن تتحوّل إلى وسيلة توصيل جيّدة و حسّاسة، من أسفل إلى أعلى و من أعلى إلى أسفل، خاصّة في ظلّ استمرار أخذنا بالنظام الهرمي المركزي .
و قلت أن وظيفة وزارة الإعـلام يجب أن تكون التخـفيف من التناقض الحادث بين الحكومة و الشعب .. هذا التناقض الموجود، و الذي سيستمر وجوده، طالما بقيت مركزية الحكومة على حالها . هذا التناقض لا يرجع ـ بالضرورة ـ إلى سوء نيّة الحكومة، أو إهمالها، أو عدم مبالاتها، لكنّه النتيجة الطبيعية لعدم قدرة الحكومة ـ أيّ حكومة ـ في إطار المركزية الممعنة، على استيعاب التحوّلات التي تحدث في القواعد، و من ثم افتقاد المعلومات حول نتائج هذه التحوّلات .
تسارع المعلومات، و شيوعها بفضل تكنولوجيا المعلومات المستجدّة، يقود إلى التباين في مواقف و رؤى و احتياجات الإفراد، و إلى تبديل و تغيير دائمين فيها . و في ظلّ ترهّل الجهاز المركزي الحكومي، و التباطؤ الشديد في استجابته للتغيّرات، يخلق ذلك التناقض الذي أحكي عنه، و المفترض أن يخلق المزيد من التناقضات في المستقبل القريب .

أحزاب .. أم جرائد ؟ !

و قلت أن الذي يزيد الوضع سوءا، هو أن الأحزاب عندنا ـ حكومة و معارضة ـ تعاني هي أيضا من نفس القصور . و لو أن الأحزاب عندنا كانت أحزابا حقيقية، نابعة من إرادة جماعية لفئات أو طبقات، لها قواعدها المحسوسة في الشارع المصري، لكانت قادرة على مساعدة الحكومة في تفهّم طبيعة التغيّر في خريطة الشعب . غير أن أحزابنا ليست أكثر من جرائد، تعبّر ـ أيضا بشكل مركزي ـ عن إرادة قيادة هذه الأحزاب، و لا تمثّل الحركة الحقيقية لأحلام و مواقف الشعب المصري، مكتفية بهامش المناورة السياسية المتاح . و هكذا، تفقد الأحزاب وظيفتها التقليدية، كمعبّر عن تنوّع إرادة أفراد الشعب . و طبيعي أن ما نقوله عن قصور الأحزاب الحالية، ينسحب أيضا على المجالس النيابية التي لدينا، و التي تتشكّل أساسا من هذه الأحزاب .

المشاركة في التفكير

قلت أن التفكـير هو سبيلنا إلى رسم رؤية مسـتقبلية شاملة لمصر . التفكير الذي دعوت إليه ـ في ذلك الوقت ـ لا يجب أن يقتصر على الحجرات المغلقة، و الندوات الخاصّة، بل يجب أن يتم بصوت مرتفع، يسمعه الناس جميعا، في القيادة و القواعد، لكي يتعرّفوا على بدائل الأفكار، ثم يأخذوا بالأفكار التي تعبّر عن مصالحهم .
كما قلت أن أفضل وسيلة متاحة حاليا لتحقيق ذلك الهدف، هو أن يتم الحوار على موجات الإذاعة و عبر قنوات التلفزيون، ممّا يشجّع الصحف على اقتحام الحوار الصادق الأمين . و لن يصبح هذا ممكنا إلاّ إذا تغيّرت العقلية السائدة في أجهزة الإعلام، و فهم العاملون فيها طبيعة المهمّة الجديدة الملقاة على عاتقهم، و عرفوا أن مهمّتهم الحقيقية هي تفجير الأفكار، و ليس قتلها بتسليط قواعد الرقابة العامة و الذاتية عليها .
و لتصوير الواقع المرفـوض، طرحت مثالا على ذلك إحدى حلقات برنامج " موضوع للمناقشة "، أدارتها سهير الإتربي، حول الإصلاح الإداري، و دعت إليها مجموعة من المختصّين، و كيف أدارت الحوار باستعلاء واضح . و عندما عرض المتحدّثون أهمية البحث عن المدير المبتكر، القادر على التغيير، ظهرت التكشيرة على وجه المذيعة، و قالت " أنا مش ح أقلب نظام الدولة علشان أعمل المدير الناجح، أنا عاوزة أعرف إزاي نختار المدير الناجح من القيادات الموجودة حاليا " ! . ثم ختمت الندوة قائلة للمختصّين، بلا أدنى لباقة " هذه السياسات التي تتحدّثون عنها، ليست جديدة علينا، كلّنا عارفينها " .
و ختمت مقالي قائلا " هذا مجرّد مثال، و تبقى بعد ذلك المهمة الحيوية أمام أجهزة الإعلام، مهمّة أن تعيد بناء نفسها، بما يسمح لها أن تلعب الدور الأساسي المطلوب منها في هذه الظروف . صدّقوني، إذا تمّ هذا، فسيكون في مصلحة الحكومة و الشعب معا .." .

الاسـتجابة الذكيـة

تركت هذا الموضوع، مع غيره من الموضوعات، قبل سفري إلى لندن، لتغطية فترة إجازتي . و عندما عدت إلى القاهرة، تلقيت مكالمة من أحد كبار المسئولين بالوزارة، أستاذ حجاج على ما أذكر، يطلب أن ألتقي به في الوزارة .
عندما جلست معه في مكتبه، وجدت نسخا عديدة من مقالي ( فوتو كوبي ) فوق المكتب . قال، لقد طلب الوزير أن نوزّع المقال على قيادات الإعلام، و نطلب منها مقترحاتها بصدد تحقيق ما جاء بالمقال، فلم يقتنع الوزير صفوت الشريف بما قدّموه، و طلب أن ألجأ إليك لنرى ما الذي يمكن أن تفعله الوزارة . و الحق، أدركت ساعتها ذكاء الوزير في استجابته هذه، في الوقت الذي يستشيط غيره من الوزراء غضبا، إذا تكلمت عن مجال نشاطهم، و يبكون ـ بدموع حقيقية ـ من تعليقي على آرائهم أو أفعالهم، لكل من يشكون إليه . المهم، قلت " لا يوجد ما نبدأ به سوى أن نتكلّم .. نتكلّم و نفهم و نناقش مع قيادات الإعلام، حول الواقع المتغيّر الجديد، و الدور الجديد للإعلام في مجتمع المعلومات .. " و أضفت " لا أحب أن أنفرد بهذا، و أقترح دعوة بعض المهتمين بالمستقبل ..".

افتقاد الرؤية المتجانسة

رشّحت د. مختار هلّودة، و د. سعد الدين ابراهيم، و أضاف من جانبه الإعلامي حمدي الكنيسي . و بدأنا اجتماعات، في أحد فنادق المعادي، استمرّت لعدة شهور . كان المطلوب أن نكوّن معا رؤية متجانسة، قبل أن نلتقي بقيادات الإعلام، فاكتشفت أنها مهمّة صعبة ! .
آخر الأمر، أعلن د. سعد الدين إبراهيم العصيان، و قال أنه لا يستطيع أن يواصل العمل في هذه المهمّة، إلاّ إذا طلب منه الوزير ذلك شخصيا في مقابلة ! .
و كان الفشل الأول، قبل أن يتم اللقاء .
بعد عدّة شهور، اتّصل بي الصديق أمين بسيوني، و طلب منّي أن أواصل معه الإعداد للقاء قيادات الإعلام . و بدأنا من جديد اجتماعات طويلة متكرّرة، بحضور عدّة شخصيات إعلامية، برعاية مؤسّسة ألمانية تكفّلت بالإنفاق على العملية . و هنا أيضا، اكتشفت أن غياب الفهم المشترك لطبيعة ما يجري، و آثاره على مختلف مجالات حياتنا، بظلّ عقبة كبرى، حتّى بالنسبة لمعظم المثقفين و المفكّرين .
و دون الدخول في المزيد من التفاصيل، انتهى الأمر بالاتفاق على عقد اجتماع مع قيادات الإعلام، يحضره الوزير، و أطرح فيه أفكاري، و أفكار بعض المسئولين في الوزارة، تمهيدا لإجراء الحوار المأمول مع قيادات الإعلام . و تمّ ذلك في قاعة واسعة من قاعات أحد الفنادق الكبرى .. فماذا كانت النتيجة ؟ .
ألقى الوزير صفوت الشريف كلمة حماسية، و طرح جانبا من أفكاري التي كنت قد تقدّمت بها، و قال لقيادات الإعلام " إذا لم نفهم أفكاره ـ يقصدني ـ و نعمل بها، فلن يحدث أي تقدّم في إعلامنا .." .
الظاهرة الملفتة، هي الموقف السلبي لقيادات الإعلام، التي بدا أن هدف وجودها هو الاستجابة لدعوة الوزير . و يبدو أن تلك القيادات قد باغتتها كلمات الوزير، و صدمها المنطق الجديد الذي تكلّمت به عن مستقبل الإعلام، فانشغلت بالتفكير في المبررات الخفيّة لهذا اللقاء، و فيما يحتمل أن يكون وراء هذا اللقاء من تغيّرات في أجهزة الإعلام من الممكن أن تمس مواقعهم في الوزارة ! .
و هكذا انتهى اللقاء، و انتهى معه أي تفكير في مستقبل الإعلام المصري، و مضت أجهزة الإعلام في سبيلها التقليدي . فبقيت وظيفة الإعلام الأساسية نقل رسائل القيادة و الحكومة، و الإلحاح بها على الشعب، و بقي ما أطلق عليه تعبير البرامج الحوارية مجرّد حديث شكلي، يرسّخ رؤية القيادة .. لم يبدأ التغيّر في هذا المجال، إلاّ بعد ما يزيد عن عشر سنوات، عندما ظهرت الصحف الخاصة غير الحكومية، و عندما انتشرت القنوات الفضائية العربية، و قدّم بعضها برامج حوارية تحتفي بالرأي الآخر، و تطرح القضايا ـ التي اصطلحنا على تسميتها بالحسّاسة ـ بشجاعة لم يعرفها إعلامنا . هنا فقط، و كرد فعل لهذا، بدأت تظهر عندنا بعض البرامج التي يتاح لها هامشا من طرح الرأي الآخر، و تجاوز الوقوف عند الرأي الرسمي للحكومة . و هكذا، تمسّكنا في هذا أيضا أن تكون استجابتنا كردّ فعل لما تقدّمه القنوات الفضائية العربية، و ليس كمبادرة واعية .

و إلى الرسلة التالية لنرى حكاية مستقبل الطفولة و الأمومة

الأربعاء، مايو ٢٧، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل

التصادم مع الواقع


الجنزوري.. و خطته الخمسية


من الطبيعي أن تدخل الخطة الخمسية لمصر في صميم اهتمامي، باعتبار أن الخطّة، أيّ خطّة سنوية أو خمسية، لابد أن تنبع من استراتيجية طويلة المدى، بحيث تكون الخطة هي السبيل الذي نختاره من المتاح إلى المأمول . حرصت على قراءة كل ما يقوله د. كمال الجنزوري، وزير التخطيط في ذلك الوقت، في وسائل الإعلام المختلفة من صحافة إلى إذاعة إلى تليفزيون . وجدت أن ما يقدّمه لا يرقى إلى مستوى خطة، فكتبت مقال قصير بعنوان " خطة خمسية .. أم برنامج ردود أفعال ؟ " .
من بين ما قلته، أن الخطة لا تضيف جديدا إلى ما فعلته و تفعله الحكومة خلال السنوات الماضية . فهي تتناول المشاكل واحدة بعد الأخرى، و تحاول أن ترسم حلاّ لكل مشكلة بقدر ما تسمح به الظروف، دون أن ترجع إلى رؤية شاملة تستنبط منها هذه الحلول، فتعطي لكل مشكلة حجمها الحقيقي بالنسبة للمشاكل الأخرى، و دون إدراك كامل للعلاقات متبادلة التأثير بين هذه المشاكل . إنّها خطة ردود فعل، نبعت من مكاتب الخبراء و المختصّين و الفنيين، عند قمّة الجهاز البيروقراطي .
ثم قلت أن " اللـزمة " المتكرّرة، و التي تتردّد في مختلف بنود الخطة، هي " المزيد من كذا .. و المزيد من كيت .." . و هذا يعني أن واضع الخطة يتصوّر المستقبل و كأنّه استمرار للماضي، أو ـ على أحسن الفروض ـ المزيد ممّا هو حادث . و هذا خطأ أساسي و قاتل، قد يجوز في أحوال الاستقرار الحضاري الشامل، لكنّه لا يجوز في ظل الظروف دائمة التغيّر التي تمر بها البلاد، و التي تتّسم بالديناميكية العقائدية، الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية .

تجاهل التحوّلات العالمية

و قلت أن أهم نقد يوجّه إلى هذه الخطة الخمسية، هو تجاهلها للتحوّلات الحضارية الكبرى التي تسود العالم .. " و لكن .. ما قيمة هذا الحديث الآن، و الخطة الخمسية الجديدة قد أجيزت، و بدأ النقاش حول البرامج التنفيذية للسنة الأولى منها ؟ .. كلّ ما أطمح إليه، هو أن نبدأ من الآن التفكير في أسلوب جديد لوضع الخطة الخمسية القادمة، و التي يجب أن تنبع من استراتيجية أبعد زمنا " .
ثم طرحت مجموعة الواجبات التالية :
· التفكير في طريقة ديموقراطية لوضع إطار الخطة، تتيح مساهمة القواعد، فأحلام شعب مصر لا يمكن أن تتحدّد من وراء مكاتب الصفوة العليا للجهاز التنفيذي .
· رفع كفاءة أجهزة الإحصاء و الرصد، و خلق القدر الكافي من قنوات التوصيل بين قاعدة الهرم و قمّته، حتّى يمكن لأجهزة التخطيط أن تقوم بعملها على أساس من الرصد الأمين لواقع مصر، في تطوّر ذلك الواقع من يوم لآخر .
· أن ندرس بجدّية، و على نطاق واسع، معالم المجتمع الجديد الزاحف على العالم، و الذي بدأ يحلّ محلّ المجتمع الصناعي . , أن نتعرّف على التحوّلات الأساسية التي يمرّ بها العالم. و التي تقلب ـ رأسا على عقب ـ ما تعارفنا عليه طوال القرون الثلاثة الماضية، و كلّ ما درسناه عن التخطيط و العمل و البطالة و التعليم و الطاقة و الحكومة و العقيدة .

لماذا قامت الدنيا، و لم تقعد ؟ !

لم أكن أتصوّر أن تحدث هذه الكلمات القليلة ذلك الأثر، الذي امتدت آثاره على شخصي لسنوات ! . لم أفهم ـ في ذلك الوقت ـ لماذا قامت الدنيا و لم تقعد، في أعقاب ما كتبت . كان من حقّي أن أتساءل لماذا ثارت ثائرة الوزير على كلماتي المحدودة، و الجرائد و المجلاّت و محطات الإذاعة و قنوات التلفزيون تحتشد كل يوم بتصريحات الجنزوري عن خطته الجديدة ؟ .
و فوجئت بعد أسبوعين بمجلة " المصوّر "، التي أكتب فيها، تجري مع الوزير حوار الأسبوع في سبع صفحات، لم يكتف الجنزوري فيها بالدفاع عن خطته، لكنه قال ما معناه أنّه عندكم من يكتبون عن الخطة دون أن يقرؤها أو يفهموها ! .. فكتبت ردّا على ذلك أنّني علّقت في كلماتي على ما أوردته وسائل الإعلام القومية، على لسان الوزير عن خطّته . و نظرا لأن الوزير لم يكذّب ما جاء على لسانه، اعتبرت ما قيل يتضمّن أفكاره عن خطته الجديدة، فعلّقت على ذلك .
بعد ذلك بأيام، تلقيت مكالمة من الدكتور يوسف والي، دون سابق معرفة شخصية بيننا، و كان، للحق، رقيقا و مهذّبا . قال " نريد أن نصفّي الخلاف الذي بينك و بين الأخ كمال، و ننهي هذه الخصومة .." . قلت له أن ما بيني و بين الوزيـر خلاف موضـوعي، و ليس خصـومة، رغم أنه تجاوز حـدّ الليـاقة عندما وصمني بعدم الفهم . و بعد حوار طويل ختمه بأن قال " أستأذنك في أن يطلبك الأخ كمال تليفونيا، لننهي هذا الموقف.."، فقلت على الرحب و السعة .
في اليوم التالي، اتّصل د. الجنزوري، و كان حديثه يفتقد رقّة د. يوسف والي . قال لي " أنـا زعلان منك علشان انت شتمتني ! " . أجبت بهدوء أنّني مؤدّب و لا أشتم أحدا، و كل ما فعلته أنّني علّقت رافضا إهانتك لي بعدم الفهم ..
المهم، أن المسألة انتهت بأن وعدني بإرسال نسخة كاملة من الخطة إلى منزلي . و حدث، فقرأت مقدمة الخطة، التي تتضمّن التوجّهات العامة التي تستند إليها تفاصيل الخطّة، فوجدت أن النقد الذي قدّمته في البداية ما زال قائما . فقلت هذا كتابة في المجلة، و انتهت بذلك الواقعة، على الأقل إلى أن جاء د. الجنزوري كرئيس للوزارة، بعد سنوات .

المفكّر .. و السياسي

ظلّ تساؤلي بلا جواب " لماذا قامت الدنيا و لم تقعد، في أعقاب كلماتي القليلة عن الخطة ؟ .
قيل لي أن كلماتي جاءت في وقت حسّاس بالنسبة للدكتور الجنزوري، فقد كان في ذلك الوقت مرشّحا لرئاسة الوزارة . و يبدو أنه قد حدث رجوع عن ذلك الترشيح، و ظهر اسم د. عاطف صدقي كبديل . و جاءت كلمتي، دون أن أدري، رأس رمح في عملية نقد رئاسية شاملة للجنزوري، تمهيدا لإعلان الاختيار الجديد لرئاسة الوزارة .
و أنا في هذا أستند إلى معلومات لا أعرف مدى صحّتها، لكنها تبدو بعد مرور الأيام معقولة . و هذا، يفسّر العصبية الشديدة التي تناول بها د. الجنزوري هذا الموضوع، كما يفسّر تدخّل د. يوسف والي، من أجل التوقّف عن توجيه نقد جديد .
تأكّدت بعد هذه التجربة، من محنة الاحتكاك بين الفكر و السياسة . ففي الوقت الذي يسعى فيه المفكّر إلى الحقيقة، دون اعتبارات أخرى، يعمد السياسي إلى تلوين الحقيقة بألف لون، لكي تجيء متّفقة مع المصلحة الآنية . لهذا تنشأ الخصومة التاريخية بين الساسة و أصحاب الرؤية المستقبلية، و هي ليست خصومة شخصية، و لكنّها النتيجة الطبيعية للتناقض في الأهداف و المنهج .

تجربة تالية مختلفة

دار الاحتكاك التالي مع الساسة و رجال الحكم، في مجال الإعلام . فقد كنت أقول دائما أن اقتحام المجتمع المصري للمستقبل، يمكن أن يتم من خلال رأسي حربة، هما : التعليم و الإعلام . لهذا كنت أكتب بشكل متواتر عن هذا، على أمل أن تحدث ذات يوم الاستجابة، التي تضعنا على أول طريق المستقبل . تجربتي مع التعليم طويلة و مأساوية، سيأتي ذكرها فيما بعد . و قد بدأت تجربتي مع الإعلام بمقال كان عنوانه " إعلام جديد، لحساب الشعب و الحكومة معا " .

و إلى الرسالة التالية لنرى ما حدث في مجال الإعلام