الخميس، أغسطس ٢٠، ٢٠٠٩

أزمة التفكير، في زمن التغيير


محنة صانع القرار

التغيير الشامل، و الفقّاعة المنطقية

المحاولات المختلفة لتكوين جماعة تشيع التفكير المستقبلي، و تطرح السبيل لتكوين رؤية مستقبلية، تصلح للتعامل مع الحاضر، و تتيح الاستعداد للتعامل مع المستقبل .. هذه المحاولات المتكررة على مدى عقدين من الزمان، كان من أهم أهدافها مساعدة صانع القرار، في أي مكان و على أيّ مستوى، على اتخاذ القرار في مواجهة المشاكل و الأزمات التي تنهال عليه، و التي يكون معظمها مستحدثا و غير مسبوق، و ليس له رصيد حلول في مخازن الخبرات السابقة . و القرار الذي نشير إليه، هو القرار المناسب في الوقت المناسب، و الذي يقود إلى حل المشكلة، دون خلق مشاكل جديدة مشابهة أو أخطـر في المستقبل ..
الثابت حتّى الآن، أنّه لا يبدو أن رجال السياسة أو أصحاب الخبرة أو أهل الفكر، في إمكانهم الوصول إلى منهج سليم مناسب لحل المشاكل و مواجهة الأزمات الحالية . و السرّ في هذا، أن الواقع شديد التغيّر الذي نعيشه حاليا، يفقد هؤلاء جميعا القدرة على رسم سبيل سليم على خريطة التفكير .
عندما أقول " صانع القرار "، فأنا لا أقصر الحديث على الحكّام و الرؤساء و القيادات الإدارية و السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية العليا، رغم أن المأزق عند هذا المستوى تكون له آثاره الهامة الفادحة، لكنّي أعني بهذا كل من يتصدّى لاتّخاذ قرار على أيّ مستوى من المستويات، سواء كان رب أسرة يبحث عن القرار المناسب لحلّ مشكلة أعباء الحياة المتغيّرة، أو شابا يتصدّى لاتخاذ قرار في نوع الدراسة التي يتّجه إليها، أو حتّى كان مواطنا عاديا يبحث عن أفضل وسيلة للوصول إلى عمله، من بين البدائل المتاحة .
الذي يجب أن ننتبه إليه، هو أن المسألة مسألة منهج تفكير جديد، في مواجهة الواقع الجديد المتغيّر .
إنها ليست مجرد نقص في البيانات و المعلومات، و لا عدم قدرة على معالجة تلك البيانات و المعلومات بهدف تحويلها إلى معارف نافعة.. و هي أيضا ليست مسألة نقص في الذكاء، أو قصور في رصيد الخبرات القديمة أو المعاصرة، المحلّية أو العالمية ..

من الذي يقتنع ؟

فما هي المسألة إذا ؟
المسألة هي أننا كنّا نمضي، خلال القرون الماضية ـ وفق أسلوب خاص متكامل في الحـياة، له منطقه و مبادئه و أسسه التي يستند إليها، و له تطبيقاته في كل مجال من مجالات الحياة .. في السياسة و الاقتصاد و الإدارة و التعليم و الثقافة ة الإعلام . مشكلتنا اليوم أننا نصمّم على الأخذ بتلك التطبيقات، و نتصوّر أنها بديهيات لا تناقش .
و إلاّ .. هل تستطيع أن تقنع أحدا بأنّ النظام السياسي المعمول به عندنا، و في أنحاء العالم أيضا، من مجالس نيابية و أحزاب و حكومات مركزية، قد انقضى زمنه، و فقد مصداقيته، و أنّه آيل للسقوط ؟ .. هل تستطيع أن تقنع أحدا بأن النظام التعليمي الذي نأخذ به، و الذي ما زالت تأخذ به العديد من دول العالم، لم يعد صالحا لإعداد الأجيال للتعامل مع الحياة القائمة و القادمة، و أنه السبيل إلى أخطر أنواع البطالة، البطالة البنيوية، النابعة من قيام العمل على أسس جديدة مغايرة ؟ .. هل تستطيع اقناع أقطاب الاقتصاد عندنا بأن النظريات الاقتصادية الكبرى، التي سادت القرون الأخيرة، من رأسمالية و اشتراكية، لم تعد قادرة على التعامل بمنطقها، مع منطق اقتصاد عصر المعلومات ؟ ..
أسلوب الحياة الذي عرفناه و أخذنا به، بدأ يتغيّر خلال العقود القليلة الأخيرة من القرن السابق، مفسحا المجال لأسلوب حياة جديد، له مبادئه و أسسه و منطقه، و له تطبيقاته غير المسبوقة في كل مجال من مجالات حياتنا .
هذا هو جوهر المأزق الذي نعيشه، و الذي تنهمر منه الأزمات المتنامية على صانع القرار . المناهج التي كان ـ و ما يزال ـ يعتمد عليها لم تعد صالحة. و هو في حاجة إلى مناهج جديدة، تصلح للتعامل مع الواقع الجديد الزاحف .

الفراغ .. و السلفية

و نسأل مرّة ثانية : ماذا يفعل صانع القرار في مواجهة هذا المأزق ؟ ..
ماذا نفعل جميعا في مواجهة الفراغ الهائل، الناتج عن انقضاء ما هو معمول به تقليديا، و عدم اكتمال تشكّل الآتي، و عدم استقرار مبادئه و أسسه و المنطق الجديد الذي يطرحه ؟ ..
معظم المشاكل التي تواجهنا في مصر، و تواجه باقي شعوب العالم، ناتجة عن ذلك الفراغ الذي تحدّثنا عنه . و هو سرّ عدم قدرتنا على توقّع المشاكل القادمة في وقت مناسب، و الاضطرار إلى انتظار المشكلة حتّى تحل، ثم محاولة التصدّي لها بما يتوفّر لدينا في ذلك الوقت من حلول غير متكاملة، كما أننا في محاولتنا لحل المشكلة الهابطة علينا، نلجأ إلى الأدوات السلفية، في غياب الفكر الجديد .
و السلفية التي نعاني منها، لا تقتصر على السلفية الدينية، و تصـوّر إمكان التعامل مع الواقع الجديـد بأدوات تاريخية قديمة، لكنّها تمتد إلى السلفية الأيديولوجية و العقائدية . السلفي الذي أتحدّث عنه ليس هو فقط مطلق اللحية و مرتدي الجلباب، لكنّه ذلك النمط الشائع في أعلى المواقع السياسية و التشريعية و التنفيذية، و توجد نماذجه بوفرة بين عدد من أساتذة الجامعات، و أصحاب الأقلام ! .
هذا الفراغ الذي أتحدّث عنه، هو المسئول عن الخلط الذهني والذاتية و الانتهازية التي تشيع في حياتنا، و التي لا تقتصر على فئة دون أخرى، و التي نرى بعض انعكاساتها على صفحات الحوادث و القضـايا .

الفقّاعة المنطقية

غياب المنطق الذي كان معمولا به، و عدم تأسّس المنطق الجديد، يقود إلى وضع خطير .. لقد أصبح كلّ واحد منّا يعيش في " فقّاعة منطقية " خاصّة به .. كل واحد منّا يعتمد على مفاهيمه و مداركه الخاصّة، التي تكون مستمدّة من الواقع القـديم أو التاريخـي، ويصنع منها فقّاعة تحيط بعقـله، و يتحـرّك بها إلى كلّ مجال .
داخل هذه الفقاعة يتصرّف الشخص بطريقة منطقية متوافقة تماما، لكن إذا ما كانت المفاهيم و المدارك التي اعتمد عليها محدودة أو خاطئة، فالأرجح أن يقود هذا إلى أن تكون أفكاره و أعماله غير سليمة أو مناسبة أو منطقية . و هذا هو أحد أسباب حالة الضياع و عدم الجدوى التي تتّسم بها مجالسنا و مؤتمراتنا و اجتماعاتنا .. و هذا هو مصدر حالة الرضا عن الذات التي يغرق فيها مفكّرونا، و التي تمنعهم من تبيّن أهمية النظر إلى مفاهيمهم و مداركهم بعين جديدة، على أساس الواقع المستجد للحياة .
هؤلاء هم السعداء بمهاراتهم الفكرية، الذين يتصوّرون أن هدف التفكير هو إثبات أنك على حقّ، من أجل إرضاء و إنعاش ذاتك .. الذين يرفضون الخروج من فقّاعتهم المنطقية، أو يعجزون عن ذلك، نتيجة لافتقادهم القدرة على ممارسة التفكير الابتكاري، و عدم توصّلهم إلى أدوات و تقنيات الابتكار .

الخميس، أغسطس ١٣، ٢٠٠٩

الأمن .. و الخوف من المستقبل


هل أكتب للورثـــة ؟ !
خطاب أمن الشئون المضحك


بعد انقطاع طويـل، جمعني حفل بالصديق أحمد رجـب، الجرّاح الساخر، و لا أقول الكاتب الساخر . بعد العناق و تبادل كلمات الترحيب، انتحى بي جانبا و تسـاءل بجدّية و بدون سخرية، " أنت تكتب و تتحدّث عن المستقبل لعديد من السنين، و أعجب لمواصلتك هذا، رغم ما تلقاه من استجابة ضعيفة .. قل لي : لمن تكتب ؟، و من الذي تتوجّه إليه بحديثك ؟ "، أجبت بدون تفكير " أكتب للورثة ! .." . اعتبرها أحمد رجب نكتة فضحك عاليا، و حقيقة الأمر أنني لم أكن أسعى إلى منافسـته في السخرية و التنكيت، و كنت جادّا في قولي هذا .. أنا لا أعيش في وهم، و أعرف أبعاد المقاومة التي يمكن أن يلقاها أيّ توجّه مستقبلي، في مصر و في معظم دول العالم الثالث، لهذا كنت ـ و ما زلت ـ أقول " فليكن حديث المستقبل إلى أهله، إلى الشباب و الأجيال الجديدة .. أصحاب المستقبل، الذين سيسعدون بنعيمه، أو يصلون جحيمه .. " .
و مع ذلك، فقد أتاحت لي كتاباتي و أحاديثي أن ألتقي بعدد من أصحاب العقول المستنيرة، الذين يؤمنون بضرورة استشراف المستقبل، و أهمّية التفكير المستقبلي عند التصدّي للمشاكل التي تتكاثر في حياتنا . لقد كنت حريصا على فتح صفحات باب " مستقبليات " لكل من يريد أن يساهم برأيه، بل كنت
أطلب هذا في كثير من الأحيان .. ذلك لأنّني كنت في أشدّ الحاجة إلى حوار صادق ذكي تنضج عليه أفكاري، و يزداد وضوحها في عقلي و عقول الآخرين .

آفـــاق 21

كانت مشكلتي منذ الصغر أنني لست جماهيريا بطبيعتي . أميل إلى القراءة و الكتابة منفردا، و تكون صلتي بالناس من خلال الكتب التي تنشر لي . كانت دائرة أصدقائي دائما محدودة، تتكوّن صداقاتي بصعوبة و بعد فترات اختبار طويلة، لكنّها تكون باقية . لم يحدث أن دخلت في أي نشاط جماهيري، حزبي أو غير حزبي . لهذا، كانت محاولات تأسيس الجماعات المستقبلية تنبع من الزملاء الآخرين، و ليس منّي . بالرغم من رغبتي الشديدة في مجال للحوار المثمر المنظّم حول المستقبل .
لقد أشرت من قبل إلى محاولات الصديق د. رفعت لقوشة لتكوين نادي المستقبليات، و محاولات المهندس حلمي السعيد لتكوين جمعية المستقبل، و التي دخلت في طور التأسيس الرسمي، و التقدّم إلى وزارة الشئون الاجتماعية بطلب الموافقة على تأسيس الجمعية .. غير أن جميع هذه المحاولات تكسّرت عند أبواب وزارة الشئون الاجتماعية، و بيروقراطية موظّفيها، و عدم خبرتنا بالمسالك السرّية التي يمضي فيها العارفون ! . و أخيرا، بدأت محاولة أكثر نضوجا و تنظيما تحت اسم " آفاق 21 "، تبنّاها الصديق د. محمود جبريل، و قد انضمّ إلى هذه المحاولة مجموعة كبيرة من أصحاب العقول المستنيرة من المفكّرين المستقبليين، الذين تعرّفت على معظمهم من خلال مساهماتهم في باب " مستقبليات "، تعقيبا و إضافة إلى ما كنت أكتب عنه و أناقشه .. لقد تميّزت هذه المحاولة باشتراك بعض الشباب المتحمّس للفكر المستقبلي من الجنسين . و كان اختيار اسم الجمعية الذي سنتقدّم به إلى الجهات الرسمية ـ آفاق 21 ـ من اقتراح بعض هؤلاء الشباب . لقد جمعت هذه المحاولة بين عدة أجيال من المتحمّسين لمستقبل مصر و العالم العربي، فكان من الأعضاء المؤسّسين دكتور محمود محفوظ، الطبيب المتميّز في مجال العلاج بالأشعة، و الوزير السابق، و رئيس لجنة الخدمات بمجلس الشورى، و الأهم من هذا و ذاك المفكّر المستقبلي النشيط صاحب القدرات العالية في مجال التفكير الابتكاري .
و منذ البداية ساهم في هذه المحاولة الأخيرة دكتور رفعت لقوشة، المفكّر المستقبلي المتميّز، و الأستاذ بجامعة الإسكندرية، الذي شارك بحماس في جميع المحاولات السابقة، و الزميل الصحفي الكبير محمود المراغي، رحمة الله عليه، و الدكتور على نصّار مستشار معهد التخطيط القومي و الخبير بمنتدى العالم الثالث، و الأستاذ ضياء الدين زاهر بكلية التربية جامعة عين شمس و صاحب واحد من أهم المراجع في مستقبل التعليم ، و من الأجيال الصاعدة محمد شلبي و خالد نصّار و أمل صقر .

الوضوح لمواجهة البيروقراطية

قبل أن نضع الورقة الأساسية التي تتضمّن أهم نقاط نشاط الجمعية، و التي سنتقدّم بها إلى وزارة الشئون الاجتماعية، عقدنا اجتماعات طويلة متكرّرة، و أعددنا عدة أوراق مختلفة لنختار من بينها الجوانب الفعلية الأهـم و الأوضح من نشـاط الجمعية، دون أن نترك فرصة للفهم الخاطئ من جانب الجهاز البيروقراطي المختصّ بوزارة الشئون الاجتماعية .
بعد انقضاء المماحكات ..
مرّ عام بعد عام، و المراسلات لا تتوقّف بين الجمعية و الإدارة المختصّة بوزارة الشئون، و مماحكات النظام الحاكم لا تنتهي . ففي ذلك الوقت لم تكن حكاية المجتمع المدني قد خرجت بعد من نطاق الأفعال الفاضحة ! .. قالت الوزارة أوّل الأمر أنها قد غيّرت اسم الجمعية من " آفاق 21 "، إلى " الأفق القادم " ! .. لماذا ؟ .. لوجود جمعية بالسيدة زينب تحمل نفس الاسم !! .. فوافقنا . طلبوا تشكيل مجلس إدارة الجمعية، و توزيع الوظائف فيه .. ففعلنا، و قد أصرّ أعضاء الجمعية على اختياري رئيسا لمجلس إدارتها، مع رفض كلّ مبررات الاعتذار ..

و مرّ عام جديد

و في 6 يوليو 2003، وصلني بصفتي رئيس مجلس الإدارة، الخطاب العجيب التالي :
محافظة القاهرة
إدارة شرق م. نصر الاجتماعية
إدارة الجمعيات
السيد الأستاذ رئيس مجلس إدارة جمعية " الأفق القادم " .
تحية طيبة و بعد،
نتشرّف بأن نرسل لسيادتكم، طيّ هذا الملف الخاص بإشهار الجمعية، حيث أنه تم الموافقة على قيد شهر الجمعية برقم 5212 بتاريخ 18\6\2003، على أن يتم استبعاد السيد/ راجي عنايت إبراهيم، لاعتراض الأمن عليه برقم 16701 بتاريخ 18\6\2003 . و يتم انتخاب أحد الأعضاء المؤسسين بدلا من السيد/ راجي عنايت إبراهيم، أو يظل المجلس كما هو لحين عقد أوّل جمعية عمـومية، و يتم تشكيل هيئة المكتب من جديد . برجاء التفضل بالإحاطة و اتخاذ اللازم ..(!!!)
احترت في تفسير خطاب أمن الشئون الاجتماعية المضحك هذا .. و تساءلت ..هل يعقل أن يكون ضباط الأمن الذين اتخذوا ذلك القرار قد فهموا مدى خطورة الكلام الجاد عن المستقبل على النظام الحاكم في مصر ؟ ! .

الثلاثاء، يوليو ٢٨، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل

كيف نخرج من الخريطة المفروضة على المخ ؟

الابتـكار هو طوق النجاة


خريطة المسارات التي جرى حفرها في المخ على مدى السـنين، تصبح غير صالحة لمعالجة المعلومات الجديدة، النابعة من الواقع الجديد . فالعقل البشـري لا يمكنه أن يرى إلاّ ما هو مهيّأ لرؤيته، من خلال الأنماط و النماذج القائمة فيه . و هذا هو السرّ في عجز القلّة الذكية، غير الانتهازية، و غير الجامدة، عن التعامل مع حقائق الواقع الجديد .
و لا بأس أن أورد هنا بعض ما قلته في هذا الصدد، في مناقشة ورقة " مصر و القرن الحادي و العشرين "، التي تقدّم بها هيكل، إلى مؤتمر جماعة خرّيجي المعهد القومي للإدارة العليا :
الذي أريد أن أوضّحه للأستاذ هيكل، و لغيره ممن يقتصرون في طرحهم على الواقع الراهن، أنّه حتّى إذا كان المستقبل ليس من بين اهتماماتهم، فإن قيامهم برصد الواقع الراهن يجيء قاصرا، إذا لم يتم من خلال رؤية مستقبلية واضحة، تستوعب النظرة الكلّية لجوهر ما يحدث الآن عندنا و حولنا، و التي تجمع بين الماضي و الحاضر و المستقبل .

مؤامرة الصمت المريبة ..

قلت تعليقا على ورقة الأستاذ هيكل أن القصّة ليست قصّة تفاؤل و تشاؤم، فالمنهج الذي أدعو إلى تأمّله، و الاعتماد عليه، و لو على سبيل التجريب، يقتضي نظرة إلى التاريخ أوسع من التي مارسناها، و ما زلنا نمارسها، دراسة و بحثا .. نظرة إلى التاريخ باعتباره تعاقبا لعصور حضارية كبرى، بدأت على مدى عشرة آلاف سنة بعصر الزراعة، ثم أعقبه عصر الصناعة الذي دام لما يقرب من ثلاثة قرون، ثم العصر الحالي، و الذي أميل ـ مع غيري من المهتمين بالمستقبل ـ إلى تسميته بعصر المعلومات .
فهم آليات التحوّل من عصر حضاري إلى آخر، يتيح لنا أن نتعرّف على جذور التغيرات الحالية، و ليس ظاهرها، و أن نصل إلى رؤية مستقبلية شاملة لها . بعد هذا و ليس قبله، يمكننا تطبيق معرفتنا هذه على الواقع الحالي لمصر، و أن نتعرّف على الأولويات في حركتنا عند التصدّي لحلّ مشاكلنا، و لتضييق فجوة التخلّف بيننا و بين المجتمعات الأكثر تقدّما . بعد هذا، و ليس قبله، يمكننا أن نبحث عن الخصائص التاريخية للشعب المصري، لنرى السياق الذي خرجت منه هذه الخصائص، و مدى المصداقية الحالية لذلك السياق، لكي نركّز على تنمية الخصائص التي تساعدنا انتقالنا إلى مقتضيات العصر الجديد .
قلت للأستاذ هيكل، لا أريد أن أفرض هذا المنهج على أحد .. لكن وسط الضياع و التشاؤم و التخبّط، و الفشل المتكرّر في الوصول إلى سبيل مثمر قابل للتطبيق، ألا يستحقّ الأمر مناقشة هذا المنهج، ثم الأخذ به أو تبرير رفضه؟، ألم يحن الوقت لكي نتواضع قليلا، و نتنازل عن الاستعلاء غير المفيد، و ننهي مؤامرة الصمت المريبة هذه ؟!.

النظر إلى الأشياء بعين جديدة

غياب الرؤية المستقبلية الشاملة، نتيجة للخضوع للمسارات التقليدية المرسومة على المخّ، و التي لا تصلح حاليا للتعامل مع التغيرات الراهنة و الحقائق الجديدة لعصر المعلومات، هو السبب في عجز القلّة الذكية المخلصة ـ و التي يعتبر الأستاذ هيكل بالقطع من بينها ـ عن التعامل مع الواقع الجديد .
نحن جميعا في أشد الحاجة إلى النظر إلى الأمور بعين جديدة، و من منظور مختلف، لكي تنفتـح أمامناالسبل الجديدة التي تقودنا إلى التوافق مع الإنجازات الجديدة لعصر المعلومات، و إلى فهم طبيعة المشاكل الكبرى التي تشغل البشر، و السبيل إلى حلّها .
و السؤال الذي يطرح نفسه هنا : كيف ننظر للأشياء و الأمور بعين جديدة، متحرّرين من قبضة الخريطة التقليدية المحفورة على أمخاخنا ؟ . هنا تظهر الأهمية المتعاظمة لآليّات التفكير الابتكاري . لقد كتبت كثيرا، و تحدّثت في برنامج مستقبليات التلفزيوني على مدى عدد من الحلقات، عن أهمية الابتكار و التفكير الابتكاري في عصر التغيير الشامل الذي نعيشه . ثم جمعت ذلك كلّه في كتاب كامل، صدر عن دار نهضة مصر بعنوان " الابتكار .. و المستقبل " .

الابتكار كممارسة شعبية

في أحوال الاستقرار النسبي، و قيام الحياة على مبادئ و أسس عامة مسـتقرة، يصبح الابتـكار شاغل صفوة نادرة . كان ذلك هو حال البشر طوال عصر الزراعة و الصناعة، السواد الأعظم من الشعب ينشغل بعمل عضلي روتيني بسيط متكرّر، لا يحتاج إلى قدر ـ و لو صغير ـ من الابتكار . بينما تتولّى صفوة أو نخبة صغيرة على رأس المجتمع، مسئوليات اتّخاذ القرار بما يقتضيه هذا من تفكير و ابتكار .
الانقلاب الذي حدث في مجال العمالة، بدخولنا إلى مجتمع المعلومات، نتيجة للاعتماد على الكمبيوتر و الإنسان الآلي في مجالات العمل، بالمصانع و المكاتب، أنهى الحاجة إلى العمالة العضلية اليدوية التي كانت تشكّل السواد الأعظم في مجال العمل الصناعي . و تحوّلت العمالة إلى عمالة عقلية معرفية، تتصدّى للمشاكل، و تبحث عن بدائل الحلول لها، و تطبّق الحلّ الأمثل من بينها، ثم تراقب مدى صلاحيته . و هذه كلّها أعمال تعتمد على التفكير و الابتكار .. و هكذا تحوّل الابتكار إلى ممارسة شعبية ضرورية . و الابتكار الذي نتكلّم عنه هنا، ليس هو ما عرفه البشر طويلا من لحظات ابتكار و إلهام بين الشـعراء و الأدباء و الفنانين . إنّه عملية منظّمة يمكن لأي فرد أن يتدرّب عليها، و يمارسها باستخدام آليات و تقنيات تساعده على الوصول إلى الحلول الابتكارية . هذا هو الذي يجب أن تنتبه إليه القلّة الذكية الواعدة التي تحدّثت عنها . ذلك أن النظر إلى المتغيرات الشاملة الحادثة حاليا، لا يمكن تناولها من نفس المنظور التقليدي القديم، و اعتمادا على خبرات سابقة، بل علينا أن ننظر إليها من منظور جديد، اعتمادا على ما توفّره لنا آليات التفكير الابتكاري . هذا المنظور الجديد، هو الذي يساعدنا على إرساء أسس المنهج المناسب لفهم الأمور غير المسبوقة التي تحدث حولنا، و التعامل معها، و التعرّف على معالم المستقبل التي يحملها إلينا عصر المعلومات .

الثلاثاء، يوليو ٢١، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل

ما الذي ينقصنا ؟ ..
النظام ... هو المنطق الذي يحكم الحياة

قبل أن أتحدّث عن آخر محاولاتنا لتأسيس كيان مستقبلي معترف به، أورد لقاء يوضّح سر إصراري على تأسيس مثل ذلك الكيان، و مدى ارتباط ذلك بمصلحة مصر و شعب مصر . منذ عدّة سنوات، تلقيت دعوة من المرحوم الأستاذ عبد الوهاب مطاوع، رئيس تحير مجلة " الشباب "، لأحضر اللقاء الذي نظّمه بجريدة الأهرام، و الذي سيجمع بين العالم المصري الأمريكي الدكتور أحمد زويل، في أولى زياراته لمصر بعد ترشيحه لجائزة نوبل، و بين مجموعة من شباب مصر الذين يدرسون في كلية العلوم، التي تخرّج فيها د. زويل قبل ذلك بسنوات عديدة .
تتابعت أسئلة الشباب الطموح، يريد أن يستدل على طريق النجاح في تحقيق ذلك الطموح، طامعا في الاستفادة من خبرات الزميل السابق في كلية العلوم ! . و كان السؤال الذي يلحّ على الجميع، هو " لماذا نجح و تفوّق خارج مصر عندما سافر للدراسة في أمريكا ؟" . و كان من أهم ما قاله د. زويل، أنّ السر الأوّل لتفوّقه بالخارج هو وجود " نظام "، يسّر له أن يظهر أبعاد تفوّقه .
و تجرّأ أحد الطلبة و سأل " لماذا، و قد حققّ كل الذي حقّقه علميا في أمريكا، لا يعود إلى مصر و يواصل أبحاثه في جامعاتها، ليستفيد منه هو و أقرانه من طلبة العلوم ؟ " .. فقال بكل شجاعة ما معناه أن غياب " النظام " في مصر، لا يسمح له بتطوير كشوفه العلمية التي توصّل إليها هناك .. و قد أكبرت فيه هذه الشجاعة و الأمانة في القول .

عن أي " نظام " نتكلّم ؟ ..

و من المفيد أن نفهم معنى و أبعاد كلمة " النظام" التي أوردها د. زويل . النظام الذي نتحدّث عنه، لا يقتصر على النظام السياسي، و طبيعة الحكم، و الأسس الإدارية و التنفيذية التي نمضي وفقا لها، لكنّه يتضمّن ذلك كلّه، و يتجاوزه .. النظام " SYSTEM "، يعني المنطق الذي تقوم عليه حياتنا، و الذي نتمسّك به دائما في وجه المصاعب و المغريات، و الذي تنبع منه استراتيجياتنا و أولوياتنا .
مع كلّ ما يقال و يجري عندنا، ما الذي ينقصنا ؟ .. ما الذي يحول في مصر بيننا و بين التوصّل إلى النظام الأوفق المطلوب، الذي ترتقي في ظلّه الحكومات و الأفراد ؟ . و ما هو السرّ في عدم قدرتنا على تبنّي المنطق الأسلم، الذي يخلّصنا من النواقص الحالية، و يتيح لنا أن نحل مشاكلنا المتشابكة، دون أن يترتّب
على ذلك المزيد من المشاكل في المستقبل ؟ .. ذلك المنطق الذي يتيح لقدرات و طاقات شباب مصر العلمية و الفكرية أن تنطلق، بمثل ما انطلقت طاقات د. زويل ؟ .

بين عدم الرغبة، و عدم القدرة

هناك عدّة أسباب جوهرية تمنعنا من تحقيق ذلك الحلم و التوصّل إلى ذلك الفهم، تتراوح بين عدم الرغبة، و عدم القدرة، أهمّها :
أولا : تناقض الفهم المطلوب مع المصالح المستقرّة .
لا شكّ أن النظام الحالي، أو بمعنى أدق اللانظام الحالي، يتيح للبعض منافعا معنوية و اقتصادية، على حساب الآخرين . و أي تغيير في الأوضاع القائمة ، سيترتّب عليه ـ حتما ـ انتقاصا لهذه المصالح، التي لم تكن قائمة على أساس عادل، و من هنا تأتي المقاومة الشرسة لأي جهد يستهدف إرساء أشكال جديدة لمنطق حياة البشر في مصر .
ثانيا : عدم الرغبة في تغيير الثوابت التقليدية .
التغيّرات الكبرى، التي تفرض نفسها على حياة البشر، كالانتقال من الزراعة إلى الصناعة على سبيل المثال، تهزّ بعنف الثوابت التقليدية و التاريخية، و في نفس الوقت ترسي ثوابت جديدة، نابعة من طبيعة المرحلة الجديدة التي تمر بها البشرية .
المشكلة تكمن في أن تلك الثوابت التقليدية، هي التي تتيح للأفراد التعامل مع الحياة، بأقلّ قدر من جهد التفكير و إعمال العقل . هذه الثوابت التاريخية ـ أيّا كانت درجة مصداقيتها ـ هي التي يستند إليها الأفراد في تحديد المواقف إزاء المستجدّات، و يعتمدون عليها في تسهيل عملية الاختيار بين البدائل المطروحة . لهذا، فإن الدعوة إلى إسقاط تلك الثوابت، أو تعديلها، يلقى مقاومة لاشعورية قوية . و في زمن التغيّرات الجذرية المتسارعة، الذي نمرّ به حاليا، يكون رد الفعل الغريزي لمعظمنا، هو التمسّك العصبي بهذه الثوابت، حتّى و لو لم تكن قادرة على الوصول بنا إلى برّ الأمان، وسط أمواج التغيير التي تدهمنا .
ثالثا : عدم القدرة على الفهم .
و هذا السبب يتّصل بقلّة من الأذكياء، غير المستفيدة ماديا أو معنويا من الوضع القائم، تؤمن بعدم جدوى التمسّك بالثوابت التقليدية أو التاريخية، تدرك جسامة التغيّرات الحالية، و ترصدها ة تدرسها، و تستخلص منها أفكارا، لكنّها تفعل ذلك كلّه معتمدة على الخبرات و النظريات و العقائد التي كانت سائدة قبل تدافع هذه التغيّرات . إنّها تستصعب فكرة استنباط منطق جديد، نابع من المتغيّرات، بينما نحن وسط دوّامتها، فتفشل في فهم جوهر المتغيرات، و استنتاج شكل الحياة التي تقود إليه .
هذه القلّة، رغم موقفها هذا، من الممكن أن ينعقد عليها الأمل، في ريادة حركة التغيير التي ترسي نظم حياتنا الجديدة، في مواجهة الانتهازية و الجمود الفكري .

النظام المعلوماتي ذاتي الترتيب

هذه القلّة الذكيّة المتحرّرة، المترفّعة عن المكاسب الانتهازية، يرجع عجزها لسبب لا ذنب لها فيه ! .. قد يبدو غريبا إذا ما قلنا أن ذلك السبب يتّصل بطبيعة عمل المخ البشري، كنظام معلوماتي ذاتي الترتيب . بمعنى أن نظمه تنبع من داخله، و ليس نتيجة لبرمجة من خارجه . الغرابة التي يمكن أن تبدو عليها مثل هذه الأقوال يمكن أن تتبدّد إذا ما تابعنا الطرح التالي .هناك نوعان من النظم المعلوماتية : النظم السـلبية، و النظم الإيجابية النشطة .. في النظم السلبية تكون المعلومات، و السطح الذي يجري
تسجيلها عليه، متّسمان بالسلبية و الركود . في هذه النظم يأتي كلّ النشاط و العمل من مصدر خارجي، يقوم بالربط بين المعلومات و تحريكها . أمّا في النظم الإيجابية النشطة، تكون المعلومات و السطح في حالة نشاط متّصل، و فيه تقوم المعلومات بتنظيم نفسها، دون عون من منظّم خارجي .. و هذا هو ما يشير إليه تعبير " ذاتية الترتيب " . و هذا هو النوع الذي ينتمي إليه المخّ البشري .

خريطة المخّ، و أمطار الجبل

شبكة الأعصاب في المخّ، تسمح للمعلومات الواردة أن تنظّم نفسها في تتابع من الأوضاع المستقرّة وقتيّا، ثم تمضي في أعقاب بعضها وفقا للنظام الخاص بها في المخّ . و خير مثال مادي لذلك، سفح الجبل الذي تسقط عليه الأمطار لأوّل مرّة، فيشقّ الماء مسالك عشوائية له، وفقا لتضاريس الجبل، و يمضي من خلالها إلى الوادي، صانعا النهر . و كلّما هبطت الأمطار بعد ذلك، اتخذت نفس المسارات، و عملت على تعميقها، أي أن الجبل قد أصبح نظاما ذاتي الترتيب، تمضي في الأمطار عبر المسالك المحفورة .
و هذا هو ما يجري في حالة المخّ البشري، المعلومات الواردة تقوم بترتيب نفسها على شكل تتابع من الخطوات . و مع الزمن، يصبح ذلك التتابع نوعا من المسارات و الأنماط المفضّلة للمخّ . هذه الأنماط، بعد تأسّيسها، تصبح مفيدة للغاية، إذ أنها تسمح لنا بالتعرّف على الأشياء . بمجرّد تنشيط النمط، نجد أنفسنا نسبح في اتجاهه، لنرى الأشياء وفقا لخبراتنا السابقة .
لهذا، كلّما نظرنا إلى الحياة حولنا نراها وفقا لأنماط و نماذج جاهزة لدينا . و هذا هو الذي يجعل عملية الإدراك عندنا على درجة عالية من القوّة و الكفاءة .
و لكن ما الذي يحدث إذا ما نشأت تغيّرات جذرية، تقيم حياتنا على أسس جديدة، و تجعل خبراتنا التقليدية غير صالحة للتعامل مع الواقع الجديد ؟ ..

و إلى الرسالة التالية لنتعرّف على طوق النجاة

الخميس، يوليو ١٦، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل العربي

منتدى المستقبل العربي
المستقبل .. يأتي بعد حلّ المشاكل ! ..


و مع هذا كلّه، قبلت آخر الأمر خوض هذه التجربة مع الأمير طلال بن عبد العزيز، بعد ما سمعته من الصديق الراحل أحمد بهاء الدين، عن تفرّده و استنارته . و أيضا، نتيجة لاكتشاف صعوبة إشهار جمعية للمستقبل في وزارة الشئون المصرية، و رغبتي في البحث عن مجال آخر للعمل المستقبلي، قد يتحقّق في الفرع المصري للتنظيم الأم " منتدى المستقبل العربي " .
و بدأت مع الأمير الخطوات الأولي لتأسيس المنتدى .
لم أقف طويلا عند مجموعة الأسماء التي رشّحها الأمير طلال للأعضاء العرب المؤسّسين، رغم إدراكي أنّ أغلبهم مقطوع الصلة بالفكر المستقبلي، و قد تصوّرت ـ في ذلك الوقت ـ أنّ بالإمكان كسب بعضهم إلى المسار المستقبلي، من خلال اللقاءات و الحوارات في إطار عمل المنتدى . و قد اكتفيت بإضافة أسماء بعض المصريين الذين أثق في توجّههم المستقبلي، و الذين يصلحون للعمل الجاد في الفرع أو القسم المصري من المنتدى . فقد كنت أتصوّر أن العمل الفعلي سيبدأ محلّيا، بعد استكمال المراحل الشكلية الأولى لإشهار المنتدى . غير أن تصوّري لم يكن سليما، و أن الأمر أكثر صعوبة ممّا تصوّرت . و دون الدخول في تفاصيل ما جرى بعد ذلك، على مدى ما يقرب من عامين، ثبت لي أن قبول التوجّه المستقبلي من جانب السياسيين، يعتبر من الأمور الشاقة، التي تكاد أن تصل إلى حد الاستحالة ! .
لقد تضمّنت قائمة المؤسّسين رؤساء وزارات، و وزراء، و شخصيات برلمانية عربية . و بعد الاطلاع على الأوراق التي تفيد جدّية التوجّه المستقبلي للمنتدى، رأى معظمهم أن الكلام طيب و عظيم، لكن ينبغي إرجاء الحديث عن المستقبل، إلى حين أن تنتهي الدول العربية من حلّ مشاكلها !! .

هيكل .. و الحب العذري

الوحيد الذي أبدى تحفظات قويّة حول المساهمة في المنتدى منذ البداية، و قبل أن يقرأ الأوراق التي أرسلت إليه، هو الأستاذ محمد حسنين هيكل . و أغلب الظن أن التحفّظات كانت تنصبّ على شخصي،و ليس على ورقة النقاش، أو فكرة المنتدى . و قد ذكرت في حكاياتي هذه، محاولة في بداية سعيي لمناقشة أفكاري أن أتعرّف على رأي هيكل في رؤيتي لدخول مصر إلى عصر المعلومات، و كيف أن الصديق أحمد حمروش عرض أن يقدّم ورقتي إلى الأستاذ هيكل، و فهمت أنه أخذها و لم يعلّق عليها، فيما عدا تضاحكه مع حمروش على خطأ مطبعي في بدايات الورقة ! .
و الحقيقة، أنّني كنت أبني آمالا على اهتمام هيكل بالمستقبل و الفكر المستقبلي، و أعتبر ذلك الاهتمام مكسبا للتوجّه المستقبلي . أمّا مصدر آمالي تلك و محرّكها، فقد كان ما اعتاد هيكل أن يختم به مقالاته، التي تغوص في أسـرار الماضي، قائلا ما معناه " دعونا ننفض أيديـنا من الماضي، و نولّي وجوهنا نحو المستقبل .." .
كنت أصدّقه، و أناقش ما يكتبه من منظور مستقبلي، و أحاول إظهار استحالة استقراء أبعاد الأوضاع الحالية، دون الاعتماد على رؤية مستقبلية متكاملة . لكنّه كان يعود في مقاله التالي، ليغرق في الماضي، طافيا إلى الحاضر بين الحين و الآخر، حريصا في جميع الأحوال على إرضاء ذاته .
و عندما تكرّرت دعوته إلى الآخرين بهجر الماضي و الالتفات إلى المستقبل، دون أن يبدأ بنفسه، كتبت أقول أن العلاقة بين محمد حسنين هيكل و المستقبل، أشبه ما تكون بالحب العذري، يتغزّل فيه عن بعد، دون أن يقوى على ملامسته .

المنهج الأسـلم

و أذكر أنه في تعليقي على كتاب الأستاذ هيكل " مصر، و القرن الواحد و العشرون "، قلت أن الذي أريد أن أوضّحه للأستاذ هيكل و غيره، ممّن يقتصرون في طرحهم على الواقع الراهن، أنّه حتّى إذا كان المستقبل ليس من بين اهتماماتهم، فإن رصدهم للواقع الراهن يجيء قاصرا، إذا لم يتم من خلال رؤية مستقبلية واضحة، تستوعب النظرة الكلية لما حدث و يحدث عندنا و حولنا .
المنهج الأسلم للتناول، يقتضي فهم الأسس الحضارية للتغيّرات الراهنة، و التي تنقلنا من عصر إلى عصر، أعني بذلك من عصر الصناعة الذي دام لما يقرب من ثلاثة قرون، إلى عصر المعلومات الذي بدأ زحفه في الثلث الأخير من القرن العشرين . المفكرون الذين عاشوا التحوّل من عصر الزراعة إلى عصر الصناعة، أصيبوا بحيرة كبرى، وهم يشهدون التغيّرات الكبرى التي تمس كل جوانب الحياة التي تعوّدوا عليها، فلم تكن لديهم سوابق لمثل ذلك التحوّل الحضاري الكبير .
و إذا كانت حيرة هؤلاء المفكّرين مبررة، لعدم وجود السوابق الواضحة، فما هو عذر مفكّري هذه الأيام، الذين يصممون على التخبّط في شباك الحيرة و التخمين، و استدعاء ( الهواجس ) !، كلّما سعوا إلى فهم "حقيقة " ما يحدث، و " مستقبله " .

تضخّم الذات، و العمل الجماعي

أبدى الأمير طلال دهشته لرد فعل صديقه الأستاذ هيكل، و تساءل عن سر تحفّظه بخصوص " منتدى المستقبل العربي "، حتّى قبل أن يطّلع على ورقة المناقشة . قلت للأمير أن اختيار الأستاذ هيكل للمشاركة في المنتدى، لم يكن سليما . فهو يستمد مجده من الكتابة عن الماضي و ليس عن المستقبل، و قد بلغ من الشهرة و السن ما لا يسمح له بأن يتقبّل فكرا جديدا، قد يتناقض مع فهمه للماضي، و يستدعي منه إعادة النظر في أفكاره التقليدية . كما أن إحساسه المتضخّم بالذات، لا يسمح له بالدخول في عمل جماعي، لا تكون له فيه القيادة و الصدارة .
هكذا، أغلق ملف منتدى المستقبل العربي، قبل أن نفتحه ! .
لقد كانت هذه، على رأي ماوتسي تونج، مجرّد المحاولة الفاشلة رقم كذا .. لكنها لم تكن، و لن تكون الأخيرة .. في تقديري حينذاك على الأقل .

و إلى الرسالة التالية لنرى سرّ عدم القدرة و الرغبة في فهم الواقع الجديد

الثلاثاء، يوليو ٠٧، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل العربي

استجابة الأمير طلال

و القفز فوق التجارب الفاشلة

بعد نشر الموضوع، سافرت إلى الخارج لعدّة أسابيع، عدت لأجد دعوة للقاء الأمير طلال بن عبد العزيز، الذي لم يكن لي شرف لقائه من قبل، و إن كنت قد سمعت الكثير من الصديق الراحل أحمد بهاء الدين عن فكره و حسّه السياسي النابض دائما . لقد اكتملت سعادتي بذلك اللقاء، عندما عرفت أن الهدف منه هو البـدء في تحقيق فكرة " جمعية مستقبل العالم العربي " .
و كما قلت من قبل، أننا كنّا في ذلك الوقت نتّخذ الإجراءات اللازمة لإشهار التجمّع الذي اقترحه دكتور رفعت لقوشة، و من ثم كنت أميل إلى أن نبدأ بكيان محلي، أو بكيانات محلية في البلاد العربية، تكون تمهيدا للكيان العربي الشامل . غير أن العقبات التي أثارتها وزارة الشئون الاجتماعية في وجه تسجيل نادي المستقبل أو جمعية المستقبليات، لم أكن أتصوّر مداها . و لقد جاءت دعوة الأمير طلال لتكوين جمعية مستقبل العالم العربي، في الوقت الذي توقّفت فيه الجهود من أجل تسجيل الكيان المصري، أشبه بالقفزة فوق تجربة الفشل المحلية هذه .

من أين نبدأ ؟

في ذلك اللقاء، قال الأمير طلال أنه يسعى إلى تحقيق هذه الفكرة منذ سنوات، و أنّه ناقشها مع المرحوم دكتور لويس عوض، و مع الأستاذ محمد حسنين هيكل، و مع الصديق الراحل أحمد بهاء الدين، على مدى هذه السنوات، غير أن النقاش لم ينتهي إلى خطوات عملية . و قال أنه قرأ ما كتبته في مجلة المصوّر عن " جمعية مستقبل العالم العربي "، و أنه يريدني أن أبدأ معه خطوات تحقيق هذه الفكرة . ثم سألني الأمير : من أين نبدأ ؟ .
عرضت بأن نبدأ بإعداد ورقة حول الفكرة، تطرح تصوّرا مبدئيا لمبررات قيامها، و أهدافها، و مجالات نشاطها، و الخطوات التنفيذية المطلوبة، على أن تخضع هذه الورقة للمناقشة و الحذف و الإضافة و التعديل، حتّى نصل آخر الأمر إلى التصوّر الأكمل .
في البداية، كنت أميل إلى أن تقتصر مناقشة الورقة على مجموعة محدودة من المفكّرين العرب، لكني وجدت ـ بعد إمعان التفكير ـ أنّه من المفيد طرح الموضوع على نطاق واسع من المفكّرين و الكتّاب و أصحاب الاهتمـام العام في العالم العربـي، مع فتح باب المناقشـة على صفحات المصوّر، ممّا يتيح أوسع مساهمة، تضع بين يدي المجموعة المحدودة تنوّعا أكبر من التوجّهات، و نطاقا أوسع من الأفكار .

و فيما يلي نص الورقة التي طرحت للنقاش العام :

" جمعية مستقبل العالم العربي "
أفكار للمناقشة

أولا : المبرّرات.. لماذا هذه الجمعية ؟
( 1 ) التغيّرات العالمية المتسارعة، لا يمكن اعتبارها تغيّرات كمّية، لأنّها تشير إلى تحوّل أساسي في حياة الجنس البشري، اقتصاديا و اجتماعيا و سياسيا و ثقافيا . و هي أشبه ما تكون بالتحوّلات المجتمعية التي تمت من المجتمعات الزراعية إلى المجتمعات الصناعية، إلاّ أن التحوّلات الحالية أعظم و أكثر تسارعا .
( 2 ) الأسس التي سادت العالم، على مدى القرنين الماضيين، من سنوات لمجتمع الصناعي، بدأت تنسحب مفسحة المجال لأسس جديدة، تنبع من مجتمع جديد، هو مجتمع المعلومات .
( 3 ) التعامل مع مشكلات اليوم، أو التخطيط للمستقبل القريب أو البعيد، وفقا للأسس التي كانت شائعة على مدى القرنين الماضيين، لن يقود إلاّ إلى المزيد من المشكلات و الفوضى . لهذا، كان من المهم جدا بالنسبة إلى أي بلد ـ و بلد عربي بصفة خاصّة ـ أن ينطلق في حركته، على أساس فهم لخريطة التغيير المتكاملة، بكل مؤشّراتها متبادلة التأثير، و ليس اعتمادا على التناول الآحادي لعناصر التغيير .
( 4 ) العالمية ( جلوباليزم)، هي سمة أساسية من سمات مجتمع المعلومات، على مختلف المستويات، اقتصاديا و اجتماعيا و سياسيا و ثقافيا . لهذا، لم يعد بإمكان أي بلد عربي أن يفكّر في حلّ مشكلاته أو في تطوير أوضاعه، بمعزل عن الفهم التفصيلي لمستقبل التغيّرات العالمية .
( 5 ) الاهتمام بالرؤية المستقبلية، و بتفهّم خصائص مجتمع المعلومات، يكون متزايدا في الدول المتطوّرة . و في العالم العربي ما زال هذا الاهتمام ضعيفا للغاية . حتّى على مستوى المفكّرين و المثقفين، تجري ممارسته المحدودة داخل جزر معزولة، ممّا لا يسمح للجهود في هذا المجال أن تتراكم .
( 6 ) نتيجة لهذا الفراغ الفكري، و هذا الضعف الشديد في التوجّه المستقبلي، لا تكون تحت يد صانع القرار في البلاد العربية الرؤية المستقبلية المتكاملة، التي تساعده على اتخاذ قراراته، بحيث تجيء متكاملة و سديدة و في الوقت المناسب .
ثانيا : أهداف الجمعية .
( 1 ) إشاعة الفهم السليم لحقيقة التحوّلات الحالية، و نشر الوعي المستقبلي بين أبناء الوطن العربي
( 2 ) استحداث و تبنّي الدراسات و البحوث التي تساعد على الفهم المستقبلي المنشود .
( 3 ) تحقيق التكامل بين الجهود المستقبلية للأفراد و الهيئات و الجماعات العاملة في هذا المجال بالوطن العربي، و ربطها بالنشاط الموازي عالميا .
( 4 ) السعي إلى نشر المعارف المستقبلية على أوسع نطاق في العالم العربي، اعتمادا على وسائل النشر و التثقيف و الإعلام، و تنظيم الدورات الدراسية .
( 5 ) وضع الرؤى المستقبلية لتنمية البلاد العربية، و تقديمها إلى جهات اتخاذ القرار، للاستفادة منها عندما ينعقد العزم على إعادة البناء، و كذلك إجراء تطبيقات على هذه الرؤى، للتعرّف على مستقبل كلّ مجال من مجالات النشاط البشري .
ثالثا: مجالات النشاط .
( 1 ) التنسيق بين الأفراد و الجماعات و الهيئات التي تهتم بالمستقبل و بدراساته، في العالم العربي
( 2 ) تنظيم المؤتمرات و الندوات و دورات دراسة المستقبل في العالم العربي، و دعوة المفكرين المستقبليين العالميين للتحاور مع نظرائهم العرب .
( 3 ) حضور المؤتمرات و الندوات المستقبلية العالمية، و إقامة علاقات متبادلة حيّة مع هيئات النشاط المستقبلي في العالم .
( 4 ) إصدار نشرة دورية مستقبلية، و مجلة أبحاث فصلية، و الكتب المستقبلية المؤلّفة و المترجمة
( 5 ) السعي لإشاعة التفكير الناقد و الابتكاري، و التوجّه المستقبلي، في التعليم العام، عربيا . و إفساح مساحات أوسع للحديث المستقبلي في وسائل الإعلام، و الدعوة إلى إنشاء أقسام للدراسات المستقبلية في الجامعات العربية .
رابعا : خطوات التنفيذ .
و قد تضمّن هذا القسم خطوات إجرائية، حول اختيار أمين عام مؤقّت للجمعية، و النواة الأولى للجمعية التي تتولّى دراسة ورقة العمل و آراء المفكّرين في تفاصيلها، تمهيدا لوضع مشروع ما يمكن أن نطلق عليه " البيان المستقبلي العربي " . و تساهم هذه النواة في اختيار الأعضاء المؤسّسين للجمعية، مع مراعاة تمثيل مفكّري البلاد العربية بقدر الإمكان . ثم الاتفاق على الصياغة الأخيرة للبيان المستقبلي .
و قد تضمّن هذا القسم ما يتّصل بتكوين الجهاز التنفيذي للجمعية، الذي يشرف على نشاطها اليومي، و على متابعة الخطّة السنوية التي اعتمدها المؤسسون .
* * *

عندما تلقيت دعوة الأمير طلال بن عبد العزيز للبدء في تكوين جمعية المستقبل العربي، تردّدت لعدّة أسباب . من بينها رغبتي في التدرّج عند إنشاء الكيانات المستقبلية، جمعية لمستقبل مصر، و جمعيات لمستقبل البلاد العربية في كل مكان، و بعد ذلك يمكن الدخول في تأسيس جمعية للمستقبل العربي . و أيضا تباين أوضاع الدول العربية، ممّا يجعل من الصعب تصوّر رؤية مستقبلية واحدة لجميع الدول العربية . لقد كنت أميل دائما إلى أن نبدأ بجهد مصري، لاكتشاف منهج الوصول إلى الرؤية المستقبلية المصرية، يصلح أن يعتمد عليه المفكّرون العرب في الدول الأخرى كمنهج، إذا رغبوا في ذلك .
أمّا السبب الأكبر لتردّدي، فهو اقتناعي بأن الأسس المجتمعية للدول العربية تختلف كثيرا عن بعضها البعض، رغم كثرة الروابط التقليدية المشتركة بين الشعوب العربية . و تعبير الأسس المجتمعية، أو الخريطة المجتمعية، أقصد به النسب بين ما تأخذ به الدولة من أسس و قيم المجتمعات الزراعية و الصناعية و المعلوماتية .. ما يصلح للدولة التي ما زالت تعتمد على الزراعة أساسا، و من ثمّ تأخذ بالنظم و الأسس و القيم الخاصّة بالمجتمع الزراعي، لا يصلح لدولة أخرى أخذت بأسباب الإنتاج الصناعي بشكل قوي، أو الدولة التي قطعت شوطا في الدخول إلى مجتمع المعلومات . هذا بالإضافة إلى سبب ثالث ، هو تخوفّي الطبيعي من التعامل مع الأمراء و الملوك و الرؤساء العرب، حتّى لا أحسب ضمن زمرة رجال الإعلام و الثقافة و الفكر الذين سعوا إلى التعامل معهم .

و إلى الرسالة التالية لنرى كيف استقبلت الريادات العربية هذه الدعوة

الاثنين، يونيو ٢٩، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل

حكايتي مع المستقبل

بين مستقبل مصر ..
و فكر شباب المحلة الكبرى

من أجل تحقيق ذلك الحلم، تحمّست لفكرة نادي المستقبل، ثم لجمعية مستقبل مصر التي طرحها أيضا الصديق د. رفعت لقوشة للمناقشة على صفحات " مستقبليات " في المصوّر . و شاركت في الاجتماع التأسيسي من أجل إشهار الجمعية، غير أن وزارة الشئون الاجتماعية أثارت العقبات واحدة بعد الأخرى، و لم أعرف حتّى الآن سببا لذلك، و أغلب الظن أن المسئولين في الوزارة تخوّفوا من حكاية المستقبل هذه، فنحن نخاف ما نجهله ..
ثم كان خطاب الشاب المستنير فتحي عبد الحميد، من المحلّة الكبرى، و قد نشرت نصّ الخطاب في باب " مستقبليات "، لكي يرى القارئ أبعاد الوعي المستقبلي الكامن بين شباب مصر، الذي يعيش في الأقاليم، بعيدا عن صخب العاصمة، دون أن تغيب عنه حركة الفكر المصري . لقد فوجئت بارتفاع مستوى الوعي المستقبلي عند ذلك الشاب، و وجدت في خطابه ردّا مفحما على أولئك المتشائمين المتقاعسين الذين لا يرون أي جدوى في الحديث عن المستقبل أو التفكير فيه .. فماذا قال ابن المحلّة الكبرى ؟ ..
قال بعد المقدمات :
لست أدري من أين أبدأ، لكنّي سأدخل مباشرة في لبّ الموضوع و هو ( مجتمع المعلومات )، و الذي لكم الفضل في طرح الأفكار المتعلّقة به، و تلخيص آراء معظم المفكّرين المستقبليين مثل توفلر و ماسودا .. إلى آخر القائمة . و رغم خطورة و أهمّية هذا الأمر المتعلّق بمستقبل أمّة كاملة، إلاّ أنني لا أسمع صدى أو ردود أفعال حول ما تفضّلتم بطرحه خلال سنوات مضت .
كنت أمنّي النفس بأن الأفكار المستقبلية، و كيفية تحوّلنا من مجتمع صناعي إلى مجتمع المعلومات، ستصبح هي الشغل الشاغل للجميع، حكومات، أو أحزاب، أو مفكّرين .

محور الاشتباك هو الماضي

و مع الأسف الشديد، فإن الأحزاب و التيارات السياسية في مصر ما زالت غارقة حتّى النخاع في أوهام سلفية مزمنة، الكلّ مشتبك مع الكلّ، و محور الاشتباك هو الماضي، و الماضي وحده . أمّا الحكومة فهي مشغولة بمشاكل التعليم و البطالة و الإسكان و الديون .. إلخ، و المفكّرون غارقون في تحليل الوضع الراهن بحثا عن حلول للمشاكل، مرتكزين على ثوابت عصر شمسه آيلة للغروب، تمهيدا لبزوغ شمس عصر جديد، هو عصر الثورة العلمية و التكنولوجية، بكل مقوماته و أسسه التي تختلف تماما عن مقومات و أسس عصر الصناعة .
يتحدّث الجميع عن انتصار الرأسمالية على الشيوعية، دون أن يدركوا إن مجتمع الغد سيسحب البساط من تحتهما معا .

جمعية مستقبل العالم العربي

سأطرح على سيادتكم اقتراحا، أرجو أن ينال اهتمامكم، إذا كان يستحقّ ذلك :
بداية، فإن يدا واحدة لا تصفّق، و لا يكفي أن يتصدّى للكتابة عن المستقبل مفكّر واحد، هو راجي عنايت، فالمهمّة كبيرة و تحتاج إلى جهد جماعي . و يكفيك شرف الاستمرار وحدك حتّى الآن، حاملا مشعل التبشير بمجتمع المعلومات. و لكن، تبقى المشكلة، و هي كيف نحوّل تلك الأفكار المستقبلية العظيمة إلى منهج عمل ؟، كيف نجذب إليها مفكّرين و سياسيين من العالم العربي كلّه ؟، كيف نوسّع دائرة المعرفة بها بين أكبر عدد ممكن من الشعوب العربية ؟ .. هنا يأتي اقتراحي :
هناك الآن " جمعية مستقبل العالم "، و سيادتكم تحضرون مؤتمراتها السنوية، مع المفكرين المستقبليين من أنحاء العالم .. لماذا لا نؤسّس ( جمعية مستقبل العالم العربي )، و ندعو لعضويتها مفكرين من كلّ الأحزاب و التيّارات السياسية العربية و مفكّرين و علماء من جميع التخصّصات .. على أن يترك الجميع أرديتهم الحزبية و القطرية عند باب هذه الجمعية ؟ .
سيكون لهذه الجمعية هدف أساسي هو ( صياغة المشروع الحضاري القومي المستقبلي )، و ذلك وفقا لمبادئ و أسس مجتمع المعلومات . بالإضافة إلى مهام أخرى فرعية، مثل إصدار مجلة للفكر المستقبلي، و ترجمة معظم الكتب المستقبلية، و عقد مؤتمر سنوي للمستقبليين العرب، و الدعوة لإنشاء أقسام متخصّصة للدراسات المستقبلية في الجامعات العربية، إلى آخر ذلك .
المهم، أننا سنسعى جاهدين لكي تتراكم الأفكار المستقبلية، حتّى نستطيع صياغة المشروع الحلم . و حتّى تنهض الجمعية بأعبائها، قد يكون من الملائم أن ندعو لعضويتها بعض الشخصيات العربية المهمومة بمستقبل هذه الأمّة، كالأمير طلال بن عبد العزيز رئيس مجلس الطفولة و التنمية، و دكتورة سعاد الصباح، و غيرهما .
عموما، المهمّة شاقّة، و تحتاج إلى مجهود مضن، لكن نبل الهدف يستحقّ منّا أن نحاول جادّين إخراج هذه الجمعية إلى النور، لتكون تعبيرا عن جهد شعبي عربي غير حكومي، مستهدفين وجه الله و الوطن .
و إذا كان كلّ من يتعاطون السياسة و الفكر في العالم العربي يتحدّثون عن أزمة غياب المشروع
الحضاري، فإن هذه الجمعية ستكون مهمومة بصياغة هذا المشروع .
عموما يا سيدي، إذا كان اقتراحي سيحوز موافقتكم، فإنه يشرّفني أن أكون أول المنضمّين لهذه الجمعية . فقد كان لكتاباتكم المستقبلية الفضل في تغيير اهتماماتي، من إنسان يتعاطى السياسة، إلى إنسان يتعاطى المستقبل عن فهم و اقتناع .
و لكم خالص تمنياتي .

فتحي عبد الحميد
باحث اجتماعي بمديرية أوقاف الغربية

تعليقي على الخطاب

أكرر تحيّتي للأستاذ فتحي عبد الحميد، و تقديري لحماسه القائم على الفهم السليم .. و أطمئنه إلى يقيني بأن يدا واحدة لا تصفّق .. و إلى أن كتاباتي و مساهماتي في الندوات و المحاضرات و المؤتمرات تكشف لي ـ يوما بعد يوم ـ تضاعف عدد الفاهمين، الملتزمين بالتوجّه المستقبلي . و هذا هو سرّ حماسي لتأسيس " نادي المستقبل " الذي دعا إليه دكتور رفعت لقوشة، أستاذ الاقتصاد بجامعة الإسكندرية
و أعتقد أن الخطوات التي تتخذ لإشهار نادي المستقبل، ستتيح للأستاذ فتحي و غيره من المتحمسين، أن يجدوا مجالا لتعميق أفكارهم المستقبلية، و إجراء الحوار المثمر، الذي يفيد في فهم حقيقة واقعنا، و طبيعة المشاكل التي نعاني منها، و مدى ارتباطها ببعضها البعض، و السبيل إلى حلّ هذه المشاكل بشكل حقيقي و دائم، و تجاوز التخلّف الذي فرض علينا، أو ارتضيناه لأنفسنا، و الدخول إلى القرن الحادي و العشرين من موقع أفضل ممّا نحن عليه .
و أعتقد أن نادي المستقبل سيتمكّن من تحقيق المهام التي أوردها الأخ فتحي باعتبارها مهام فرعية، و التي أراها من المهام الأساسية، التي يصعب بدونها القيام بصياغة المشروع الحضاري القومي المستقبلي، أعني بذلك مهام إصدار مجلة للفكر المستقبلي، و ترجمة الكتب المستقبلية، و عقد المؤتمرات المستقبلية . و إذا كان نادي المستقبل سيقتصر في الأغلب على أبناء مصر، في البداية على الأقلّ، فأنا لا أرى ما يمنع أن تنتشر النوادي المستقبلية في الدول العربية، على يد ريادات الفكر المستقبلي فيها، ممّا يتيح في المستقبل القريب تكوين " جمعية مستقبل العالم العربي "، التي يمكن أن تتحمّس لها الشخصيات العربية، كالأمير طلال بن عبد العزيز، و دكتورة سعاد الصباح، و الأمير الحسن بن طلال .

و إلى الرسالة التالية، لنرى استجابة الأمير طلال