السبت، سبتمبر ٠٥، ٢٠٠٩

الرؤية المستقبلية لمصر

على من يمكن أن :
ينعقـــد الأمـل ؟

لقد رأينا فيما سبق أهمّية السعي إلى تغيير المفاهيم، وفقا للواقع الجديد الذي نعيشه . و فيما يلي نعطي ـ على سبيل المثال ـ المفاهيم التي يجب أن تتغيّر في بعض مجالات النشاط البشري . و كيف أن المفاهيم القديمة في مجال ما، يمكن أن توصلنا إلى استخلاص خاطئ في مجال آخر .
و لنبدأ بمجال العمل و العمالة ..
نتيجة للتوصّل إلى تكنولوجيات إلكترونية متطوّرة، مثل الكمبيوتر و الإنسان الآلي الذي يعمل بالكمبيوتر، تغيّر مفهوم العمل و العمالة تماما، قياسا على المفهوم الذي ساد قرون عصر الصناعة .
لقد أثبت الروبوت، أو الإنسان الآلي، أنّه قادر على القيام بمعظم الأعمال الروتينية التي يمكن برمجتها، في المصنع و المكتب، و التي كانت تشكّل النسبة العظمى من العمالة في عصر الصناعة . و بعد أن تكفّل بذلك، لم يبق أمام العمالة البشرية سوى الأعمال العقلية التي تقتضي التفكير . عامل عصر المعلومات، قد تراه جالسا أمام جهاز كمبيوتر، يتابع سير العمل الذي تقوم به أجهزة الروبوت، و يتدخّل عندما تظهر مشكلة ما، و يفكّر في بدائل الحلول المتاحة لتلك المشكلة، ثم يختار من هذه الحلول أنسبها لظروف العمل، و يطبّقه ثم يراقب تطبيقه، ليضمن سلامة الاختيار .
هذه صورة عامل اليوم و الغد، و هي تختلف اختلافا جذريا عن صورة العامل و مفهوم العمل، ممّا كان شائعا و مأخوذ به طوال عصر الصناعة .
إذا لم ننجح في تغيير مفهوم العمل و العمالة عندنا، و في ترسيخ المفهوم الجديد النابع من طبيعة عصر المعلومات، فسنقع في أخطاء كبيرة عند التفكير في إعادة بناء مجالات نشاط بشري أخرى، كالإدارة و الاقتصاد و التعليم .

الابتكار .. و تغيير المفاهيم

المفهوم القديـم للعمل، تقوم عليه الكثير من أفكارنا و نظرياتنا و نظم حياتنا الحالية، في مختلف المجالات . و جهد التفكير الابتكاري هو الذي يسمح لنا بإعادة النظر في جميع افتراضاتنا الحالية، للتثبّت من استمرار صلاحيتها، أو لتبنّي افتراضات جديدة مناسبة .
الواقع الجديـد للعمل و العمالة، يضعف قيمة كلّ ما يتحدّث به الخبـراء حاليا، عن البـطالة و أسبابها و كيفية التصدّي لها . لن يفيدنا في مواجهة هذا الواقع الجديد أن نرجع إلى المؤلّفات و النظريات و الخبرات التقليدية . و هذا يعني، أنه إذا أردنا اليوم أن نصل إلى حلّ لمشاكل البطالة المتفاقمة، لا يقودنا إلى مشاكل أكبر، فلا بد أن يقوم هذا الحل على المفهوم الجديد للعمل و العمالة .
و دون الدخول في التفاصيل، يمكننا أن نرى كيف تؤثّر الطبيعة الجديدة للعمل و العمالة على مستقبل الإدارة، و كيف تسقط معظم النظريات الإدارية التي كانت ناجحة للغاية في عصر الصناعة، و كيف تعيد تشكيل مؤسّسات العمل، مسقطة الاعتماد على التنظيم البيروقراطي الهرمي، و مفسحة المجال لعديد من أشكال التنظيمات الشبكية الجديدة، التي تنسجم مع طبيعة العمالة الجديدة .
العامل العقلي الجديد، لم تعد تنفع معه نظم الإدارة بالأوامر، و أصبح صالح العمل يقتضي مساعدته على اتّخاذ قراراته بنفسه . المؤسّسات الكبرى، في الدول المتطوّرة اقتصاديا، استشعرت مبكرا التغيرات المطلوبة التي نشير إليها، و أعادت تنظيم نفسها على أساس جديد، مستغنية عن تسلسل الرئاسات و التنظيم الهرمي التقليدي، و معتمدة على العديد من التنظيمات المبتكرة الجديدة، التي تعتمد أساسا على فريق العمل الصغير المتكامل، حرّ الحركة، شبه المستقل، المتّصل بقيادة العمل مباشرة، دون تدخّل من الإدارات الوسيطة .
كلّ هذا، جاء أساسا نتيجة لتغيّر مفهوم العمل و العمالة في عصر المعلومات .

تعليم جديد، لدعم العمالة الجديدة

و نفس الشيء ينسحب على التعليم، لأنّنا في أشد الحاجة لإعادة بناء نظمنا التعليمية على أساس المفهوم الجديد للعمل و العمالة، فالتعليم يسعى أساسا لسد حاجات العمل في المجتمع . غير أن حظ التعليم يكون دائما أتعس من حظ الإدارة، و خاصة إدارة المشروعات الخاصّة . فالنشاط الاقتصادي الخاصّ لا يكذب على نفسه، و يزعم أن الأوضاع على خير ما يرام، بينما تكون الأزمة واضحة للعيان . لقد بدأ استكشاف السبل الإدارية الجديدة لمجتمع المعلومات، على يد المؤسّسات الخاصة، التي شعرت أن معدّلات نموها لم تعد تحتفظ بنفس النسبة السابقة . إنّها لم تنتظر حتّى تفلس، بل بدأت قلقها و البحث عن حلول لمجرّد أن معدّل رواجها قد بدأ يتناقص . و هذا هو عكس ما يحدث في النشاطات الحكومية .
رغم أن التعليم عندنا قد وصل إلى الحضيض، بالمقاييس التقليدية القديمة، و رغم أننا نثبت كلّ يوم عدم قدرتنا على تحديد أولويات الحركة في إعادة بناء التعليم المناسب للحياة في عصر المعلومات، فإنّنا نجد من يتحدّث ـ متبجّحا ـ عن نهضة علمية، و عن ريادة في هذا المجال تشهد بها جامعات العالم ! .
تعليم عصر المعلومات الذي نطالب بإعـادة بناء التعليم على أساسه، يناسب التحوّل في مفهـوم العمل و العمالة الذي تحدّثنا عنه . التعليم الأساسي الجديـد لمجتمع المعلومات يستهدف توفير عمالة جديـدة، هي العمالة العقلية أو المعرفية، و يستهدف تدريب المتعلّمين على العمل في هياكل غير التي كان يستهدفها تعليم عصر الصناعة .
و هنا أيضا يفشل العديد من الأذكياء، الحريصين على المصلحة العامة، في تبين سبيلهم، و معرفة أولويات إعادة بناء النظم التعليمية الجديدة، نتيجة لأن الأمر يقتضي القدرة على تغيير المفاهيم، و هو أمر شاق ما لم نعتمد على آليات التفكير الابتكاري، التي أشرت إليها من قبل، و ربّما يتاح لي فيما يلي من حديث أن أوردها بشيء من التفصيل .

من أين نبدأ ؟

بعد هذا، نعود إلى السؤال القديم : من أين نبدأ ؟، و من المنوط به أن يبدأ ؟ ..
أقول دائما أننا في حاجة إلى الحدّ الأدنى من الاتفاق على" رؤية مستقبلية " لمصر . و هذا لا يمكن أن يتم بالاعتماد على المفاهيم و المدارك التقليدية الشائعة حاليا .. هذه الرؤية تكون " مستقبلية "، لأنّها تستوعب " مستقبل " التغيير في المفاهيم . و هذا يبيّن ـ ثانية ـ أهميّة الاعتماد على التفكير الابتـكاري، الذي يمكن أن يساعدنا على النظر إلى ما نحن فيه بعين جديدة، تتيح التعرّف على المسالك الجديدة، التي تستوجبها المفاهيم الجديدة .
و نعود مرّة ثالثة إلى السؤال المطروح .... من الذي يمكن أن يبدأ مسيرة رسم الرؤية المستقبلية لمصر ؟ . ما هي الجهة التي يبدأ عندها ذلك الجهد ؟ .
هذا الجهد ـ كما قلنا من قبل ـ يعتمد على المعرفة الشاملة المتجدّدة، غير الغارقة في التخصّص، كما يعتمد على التفكير الابتكاري المنظّم، الذي يتيح النظر إلى أي شيء، و كلّ شيء، بعين جديدة، و بشكل غير تقليدي، يتجاوز النظرة السياسية النفعية قصيرة المدى، التي تسعى إلى تلوين الحقيقة بكلّ ألوان الطيف، وفقا للمصالح القريبة .
استبعاد الاعتماد على الحكومة
بهذا المنطق، يمكننا استبعاد احتمال الاعتماد على الحكومة بوزاراتها و أجهزتها المختلفة . لقد تصوّرت ذات يوم أن بإمكان جهاز المعلومات لخدمة صناعة القرار، التابع لرئاسة الوزراء، أن يتكفّل بالبدء في مهمة وضع إطار العمل الذي يقود إلى صياغة الرؤية المستقبلية لمصر . و قد نبع تصوّري من إدراكي أن تقاليد الحكم عندنا لا تسمح بقبول الرأي المخالف، إذا ما صدر من خارج مؤسّسة الحكم .. تصوّرت أن الجهاز بتبعيته لرئاسة الوزراء يمكن أن يطرح التوجّه المستقبلي، دون خدش للكرامة الوهمية التي تتمسّك بها الحكومة . غير أن التجربة العملية أثبتت لي خطأ تصوّري . فمن الذي بقي لنعتمد ليه ؟! ..
يبدأ الحلّ بالتخلّص من الأوهام التي نحرص على التمسّك بها، رغن أنّها هي التي تعوق تقدمنا .

الخميس، أغسطس ٢٧، ٢٠٠٩

محنة التفكير، في زمن التغيير

البحث عن خريطة جديدة للتفكير

العلم ـ الفهم ـ العمل


ماذا يفعل صانع القرار في مواجهة المأزق الحالي ؟ .. كيف يستطيع أن يخرج من الفقّاعة المنطقية التي تشكّلت حول عقله نتيجة لمفاهيم و مدارك أثبتت التطورات التي حدثت في مجال المعرفة البشرية، و في نسق الحياة السائد، أنّها عتيقة أو خاطئة ؟ . الخروج من المأزق يقتضي الاعتماد على ثلاثة عناصر، وفقا لتتابعها : العلم ـ الفهم ـ العمل .
أن يعلـم صانع القرار، يعني أن يفتح جميع القـنوات المتاحة، لكي تتدفّق منها المعلومات من كلّ اتّجاه، و أن يسخّر كل التكنولوجيات المتطوّرة المتاحة لتحقيق هذا الهدف، حتّى تتوفّر له المعلومات المتجدّدة كل يوم و كل ساعة، لكي يتعرّف منها على طبيعة التغيّرات الجذرية المتسارعة التي تطرأ على المجال الذي يتحرّك فيه .
لكن المعلومات، في حد ذاتها، لا تكفي . و كما يقال، نحن نغرق في فيض من المعلومات، لكنّنا ما زلنا جوعى للمعرفة . فالمعلومات تحتاج إلى معالجتها، حتّى يمكن أن تتحوّل إلى معارف مفيدة . و هنا تنشأ مشكلة جديدة .. في أوضاع الاستقرار النسبي، و عند التصدّي لمجرّد التحسين و التجويد، وفقا لنفس الأسس القائمة، تكفي عملية معالجة المعلومات و تحليلها للوصول إلى المعرفة المطلوبة . لكن الأمر يختلف عندما نسعى إلى فهم جديد لعناصر الواقع المستجد، و هنا تظهر أهمّية التفكير الابتكاري و الفهم القائم عليه .
فهم المعلومات، و المعارف الناتجة عنها، بأدوات و خبرات و نظريات و أوضاع قديمة منصرمة، لا يفيد في حل المشكلات أو إعادة البناء من أجل التوافق مع الأوضاع المستجدّة .

أولويات العمل

الفهم القائم على الابتكار، و على النظر إلى الأشياء بعين جديدة، و من منظور مختلف، هو الذّي يتيح تشكّل الرؤية الصحيحة المطلوبة، لما هو حادث و ما هو قادم .
و الوصول إلى الرؤية الشاملة، هو الذي يتيح لنا أن نحدّد الأولويات.. و هو أيضا الذي يوفّر لنا أمرا بالغ الأهمية، أعني بذلك الرؤية الواضحة للعلاقات المتبادلة بين هذه الأولويات، و علاقتها بالهدف الذي نسعى إليه .
عندما يتحقّق الفهم، و تتضح الرؤيـة، و تتحدّد الأولويات، يبدأ العمل بعد وضع استراتيجياته و خططه، و يمضي التنفيذ وفقا لتلك الخطط و أولوياتها . فالأولوية هي رأس الحربـة التي نقتحـم بها الواقع الحالي . و تحديد الأولويات يخرجنا من حالة الإغماء التي تصيبنا كلّما فكّرنا في عمليات إعادة البناء المطـلوبة، و هو الذي يتيح لنا أن مضي في مسارات معيّنة دون غيرها، و لا نفقد في الوقت نفسه العلاقة بين الأولوية و الهدف، و لا العلاقات المتبادلة بين تلك الأولويات .
حتّى الآن، كان حديثي منصبّا على صناعة القرار بشكل عام، بالنسبة للقيادات و الأفراد، من الوزير إلى مدير الشركة إلى رب الأسرة . و لكن، كيف ينطبق هذا على صناعة القرار في مصر الدولة ؟، كيف يتحوّل العلم و الفهم عند قيادة مصر إلى عمل ؟

معنى المشــكلة

المأزق الذي تحدّثنا عنه، يبدو أكثر استحكاما على مستوى القيادات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية، عندما تتصدّى للمشاكل التي تتدافع حولها، دون سابق إنذار، و التي لا تجدي معها الحلول التقليدية و السوابق التي جرى الأخذ بها .
دعونا نتساءل : ما هي المشكلة ؟ ، و ما الذي يعنيه الواحد منّا عندما يقول أن مشكلة ظهرت له ؟
المشكلة ـ ببساطة ـ هي عبارة عن تغيير في بيئة النظام ، الداخلية او الخارجية، سواء كان ذلك النظام مركّبا كيميائيا، أم جسدا بشريا، أم فردا في مجتمع، أم شركة أو مؤسّسة، أم حكومة، أم منظّمة عالمية . إذا كان ما حدث اليوم، على نسق ما حدث أمس، فليست هناك مشكلة .. لكن إذا ما طرأ تغيير فيما يحيط بي من أشياء أو علاقات أو ظروف، شعرت بوجود مشكلة أو عدّة مشاكل . و أيضا، إذا ما حدث التغيير بداخلي، جسديا أو عاطفيا أو عقليا، شعرت بوجود مشكلة أو عدّة مشاكل .
و من هنا، لا تهبط علينا المشكلة من فراغ، أو مصادفة، إنّها النتيجة الطبيعية للتغيرات الخارجية أو الداخلية التي تطرأ علينا .
إذا كانت التغيّرات مسبوقة، أي شبيهة بتغيرات سابقة مررنا بها، أمكن التصدّي للمشاكل الناتجة عنها بحلول معروفة لنا، و جاهزة في رصيد خبراتنا، و هكذا تنتهي المشكلة . أمّا إذا كانت غير مسبوقة، فالأمر يقتضي أن نبتكر لها حلولا غير مسبوقة .
و هذا هو المأزق الذي تجد نفسها فيه قيادات العمل السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي حاليا، قيادات أقصى اليمين و حتّى أقصى اليسار .. إنّها تتعامل مع مشاكل جديدة، ساعية إلى حلّها بأدوات تقليدية قديمة . و هذا هو ما يجعل تصدّيها لحل المشاكل متمخّضا عن مشاكل أكبر، فتصبح عملية اتّخاذ القرار شاقّة و محبطة للغاية .


خريطة جديدة للتفكير

لقد تكلّمت من قبل عن " الفقّـاعة المنطقـية " الخاصّة التي يعيش فيها الفرد، و التي تستمدّ كيانها من مفاهيمه و مدركاته الخاصّة، تبدو أفكاره و ردود فعله داخلها منسجمة مع بعضها و منطقية للغاية .. و إذا كانت مفاهيمه عتيقة و مدركاته خاطئة، فإن هذه الأفكار و ردود الفعل تصبح غير منطقية و لا تقود إلى نتائج سليمة .
المطلوب من كل قائد سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي حاليا، أن يتخلّى عن فقّلعته المنطقية الخاصّة به، و أن يفهم أن التصدّي للمشاكل الحالية غير المسبوقة، يقتضي رسم خريطة جديدة للتفكير، تقوم على افتراضات و مدارك و مفاهيم جديدة، غير التقليدية السابقة، يمكن رسم طريق الحلول عليها .. و هذا هو ما يقودنا للوصول إلى القرار السليم في الوقت المناسب .
و هنا .. نصل إلى عمق المأزق ..
ما الذي يمكن أن يعتمد عليه القائد في عملية إرساء خريطة التفكير الجديدة، التي ستكون أداته للتصدّي للتغيّرات الزاحفة المتسارعة غير المسبوقة ؟.

الشائع حول حلّ المشاكل

الشائع حاليا ـ على مختلف المستويات ـ أن السبيل الأمثل لحلّ مشكلة ما، هو جمع أكبر قدر من البيانات عنها، و معالجة هذه البيانات، للوصل إلى معلومات عن الوضع .. و كذلك تحليل المشكلة إلى أصغر عناصرها، و الاعتماد على الجدل و المنطق في الوصول إلى حلّ لها .
لقد كان هذا ناجحا على مدى عشرات السنين، لحلّ المشاكل و تحسين مجال العمل و تجويد الإنتاج، عندما كانت المفاهيم و المدارك الأساسية و التي تأخذ بها الغالبية تتمتّع بحالة من الاستقرار النسبي، نتيجة لاستقرار العناصر الأساسية في أسلوب الحياة المأخوذ به .
غير أن هذا لم يعد كافيا للتعامل مع الواقع المستجدّ ..
و المطلوب حاليا، هو الوصول إلى طريقة أو منهج أو آلية تساعدنا على تغيير المفاهيم و المدارك، و إعادة النظر في الافتراضات التي قام عليها هيكل تفكيرنا التقليدي .. و هذا لا يتحقّق إلاّ بالاعتماد على التفكير الابتكاري، و آليّاته المتاحة .
السرّ في هذا أن تغيير المفاهيم ليس أمرا سهلا، ممّا يقتضي القيام بمناورة متعمّدة للتحلّل من سيطرة المفاهيم القديمة على العقل، و الخروج من الفقّاعة المنطقية التي نعيش داخلها، و التي تجعلنا نبدو ـ على غير الحقيقة ـ منطقيّين أمام أنفسنا .

الخميس، أغسطس ٢٠، ٢٠٠٩

أزمة التفكير، في زمن التغيير


محنة صانع القرار

التغيير الشامل، و الفقّاعة المنطقية

المحاولات المختلفة لتكوين جماعة تشيع التفكير المستقبلي، و تطرح السبيل لتكوين رؤية مستقبلية، تصلح للتعامل مع الحاضر، و تتيح الاستعداد للتعامل مع المستقبل .. هذه المحاولات المتكررة على مدى عقدين من الزمان، كان من أهم أهدافها مساعدة صانع القرار، في أي مكان و على أيّ مستوى، على اتخاذ القرار في مواجهة المشاكل و الأزمات التي تنهال عليه، و التي يكون معظمها مستحدثا و غير مسبوق، و ليس له رصيد حلول في مخازن الخبرات السابقة . و القرار الذي نشير إليه، هو القرار المناسب في الوقت المناسب، و الذي يقود إلى حل المشكلة، دون خلق مشاكل جديدة مشابهة أو أخطـر في المستقبل ..
الثابت حتّى الآن، أنّه لا يبدو أن رجال السياسة أو أصحاب الخبرة أو أهل الفكر، في إمكانهم الوصول إلى منهج سليم مناسب لحل المشاكل و مواجهة الأزمات الحالية . و السرّ في هذا، أن الواقع شديد التغيّر الذي نعيشه حاليا، يفقد هؤلاء جميعا القدرة على رسم سبيل سليم على خريطة التفكير .
عندما أقول " صانع القرار "، فأنا لا أقصر الحديث على الحكّام و الرؤساء و القيادات الإدارية و السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية العليا، رغم أن المأزق عند هذا المستوى تكون له آثاره الهامة الفادحة، لكنّي أعني بهذا كل من يتصدّى لاتّخاذ قرار على أيّ مستوى من المستويات، سواء كان رب أسرة يبحث عن القرار المناسب لحلّ مشكلة أعباء الحياة المتغيّرة، أو شابا يتصدّى لاتخاذ قرار في نوع الدراسة التي يتّجه إليها، أو حتّى كان مواطنا عاديا يبحث عن أفضل وسيلة للوصول إلى عمله، من بين البدائل المتاحة .
الذي يجب أن ننتبه إليه، هو أن المسألة مسألة منهج تفكير جديد، في مواجهة الواقع الجديد المتغيّر .
إنها ليست مجرد نقص في البيانات و المعلومات، و لا عدم قدرة على معالجة تلك البيانات و المعلومات بهدف تحويلها إلى معارف نافعة.. و هي أيضا ليست مسألة نقص في الذكاء، أو قصور في رصيد الخبرات القديمة أو المعاصرة، المحلّية أو العالمية ..

من الذي يقتنع ؟

فما هي المسألة إذا ؟
المسألة هي أننا كنّا نمضي، خلال القرون الماضية ـ وفق أسلوب خاص متكامل في الحـياة، له منطقه و مبادئه و أسسه التي يستند إليها، و له تطبيقاته في كل مجال من مجالات الحياة .. في السياسة و الاقتصاد و الإدارة و التعليم و الثقافة ة الإعلام . مشكلتنا اليوم أننا نصمّم على الأخذ بتلك التطبيقات، و نتصوّر أنها بديهيات لا تناقش .
و إلاّ .. هل تستطيع أن تقنع أحدا بأنّ النظام السياسي المعمول به عندنا، و في أنحاء العالم أيضا، من مجالس نيابية و أحزاب و حكومات مركزية، قد انقضى زمنه، و فقد مصداقيته، و أنّه آيل للسقوط ؟ .. هل تستطيع أن تقنع أحدا بأن النظام التعليمي الذي نأخذ به، و الذي ما زالت تأخذ به العديد من دول العالم، لم يعد صالحا لإعداد الأجيال للتعامل مع الحياة القائمة و القادمة، و أنه السبيل إلى أخطر أنواع البطالة، البطالة البنيوية، النابعة من قيام العمل على أسس جديدة مغايرة ؟ .. هل تستطيع اقناع أقطاب الاقتصاد عندنا بأن النظريات الاقتصادية الكبرى، التي سادت القرون الأخيرة، من رأسمالية و اشتراكية، لم تعد قادرة على التعامل بمنطقها، مع منطق اقتصاد عصر المعلومات ؟ ..
أسلوب الحياة الذي عرفناه و أخذنا به، بدأ يتغيّر خلال العقود القليلة الأخيرة من القرن السابق، مفسحا المجال لأسلوب حياة جديد، له مبادئه و أسسه و منطقه، و له تطبيقاته غير المسبوقة في كل مجال من مجالات حياتنا .
هذا هو جوهر المأزق الذي نعيشه، و الذي تنهمر منه الأزمات المتنامية على صانع القرار . المناهج التي كان ـ و ما يزال ـ يعتمد عليها لم تعد صالحة. و هو في حاجة إلى مناهج جديدة، تصلح للتعامل مع الواقع الجديد الزاحف .

الفراغ .. و السلفية

و نسأل مرّة ثانية : ماذا يفعل صانع القرار في مواجهة هذا المأزق ؟ ..
ماذا نفعل جميعا في مواجهة الفراغ الهائل، الناتج عن انقضاء ما هو معمول به تقليديا، و عدم اكتمال تشكّل الآتي، و عدم استقرار مبادئه و أسسه و المنطق الجديد الذي يطرحه ؟ ..
معظم المشاكل التي تواجهنا في مصر، و تواجه باقي شعوب العالم، ناتجة عن ذلك الفراغ الذي تحدّثنا عنه . و هو سرّ عدم قدرتنا على توقّع المشاكل القادمة في وقت مناسب، و الاضطرار إلى انتظار المشكلة حتّى تحل، ثم محاولة التصدّي لها بما يتوفّر لدينا في ذلك الوقت من حلول غير متكاملة، كما أننا في محاولتنا لحل المشكلة الهابطة علينا، نلجأ إلى الأدوات السلفية، في غياب الفكر الجديد .
و السلفية التي نعاني منها، لا تقتصر على السلفية الدينية، و تصـوّر إمكان التعامل مع الواقع الجديـد بأدوات تاريخية قديمة، لكنّها تمتد إلى السلفية الأيديولوجية و العقائدية . السلفي الذي أتحدّث عنه ليس هو فقط مطلق اللحية و مرتدي الجلباب، لكنّه ذلك النمط الشائع في أعلى المواقع السياسية و التشريعية و التنفيذية، و توجد نماذجه بوفرة بين عدد من أساتذة الجامعات، و أصحاب الأقلام ! .
هذا الفراغ الذي أتحدّث عنه، هو المسئول عن الخلط الذهني والذاتية و الانتهازية التي تشيع في حياتنا، و التي لا تقتصر على فئة دون أخرى، و التي نرى بعض انعكاساتها على صفحات الحوادث و القضـايا .

الفقّاعة المنطقية

غياب المنطق الذي كان معمولا به، و عدم تأسّس المنطق الجديد، يقود إلى وضع خطير .. لقد أصبح كلّ واحد منّا يعيش في " فقّاعة منطقية " خاصّة به .. كل واحد منّا يعتمد على مفاهيمه و مداركه الخاصّة، التي تكون مستمدّة من الواقع القـديم أو التاريخـي، ويصنع منها فقّاعة تحيط بعقـله، و يتحـرّك بها إلى كلّ مجال .
داخل هذه الفقاعة يتصرّف الشخص بطريقة منطقية متوافقة تماما، لكن إذا ما كانت المفاهيم و المدارك التي اعتمد عليها محدودة أو خاطئة، فالأرجح أن يقود هذا إلى أن تكون أفكاره و أعماله غير سليمة أو مناسبة أو منطقية . و هذا هو أحد أسباب حالة الضياع و عدم الجدوى التي تتّسم بها مجالسنا و مؤتمراتنا و اجتماعاتنا .. و هذا هو مصدر حالة الرضا عن الذات التي يغرق فيها مفكّرونا، و التي تمنعهم من تبيّن أهمية النظر إلى مفاهيمهم و مداركهم بعين جديدة، على أساس الواقع المستجد للحياة .
هؤلاء هم السعداء بمهاراتهم الفكرية، الذين يتصوّرون أن هدف التفكير هو إثبات أنك على حقّ، من أجل إرضاء و إنعاش ذاتك .. الذين يرفضون الخروج من فقّاعتهم المنطقية، أو يعجزون عن ذلك، نتيجة لافتقادهم القدرة على ممارسة التفكير الابتكاري، و عدم توصّلهم إلى أدوات و تقنيات الابتكار .

الخميس، أغسطس ١٣، ٢٠٠٩

الأمن .. و الخوف من المستقبل


هل أكتب للورثـــة ؟ !
خطاب أمن الشئون المضحك


بعد انقطاع طويـل، جمعني حفل بالصديق أحمد رجـب، الجرّاح الساخر، و لا أقول الكاتب الساخر . بعد العناق و تبادل كلمات الترحيب، انتحى بي جانبا و تسـاءل بجدّية و بدون سخرية، " أنت تكتب و تتحدّث عن المستقبل لعديد من السنين، و أعجب لمواصلتك هذا، رغم ما تلقاه من استجابة ضعيفة .. قل لي : لمن تكتب ؟، و من الذي تتوجّه إليه بحديثك ؟ "، أجبت بدون تفكير " أكتب للورثة ! .." . اعتبرها أحمد رجب نكتة فضحك عاليا، و حقيقة الأمر أنني لم أكن أسعى إلى منافسـته في السخرية و التنكيت، و كنت جادّا في قولي هذا .. أنا لا أعيش في وهم، و أعرف أبعاد المقاومة التي يمكن أن يلقاها أيّ توجّه مستقبلي، في مصر و في معظم دول العالم الثالث، لهذا كنت ـ و ما زلت ـ أقول " فليكن حديث المستقبل إلى أهله، إلى الشباب و الأجيال الجديدة .. أصحاب المستقبل، الذين سيسعدون بنعيمه، أو يصلون جحيمه .. " .
و مع ذلك، فقد أتاحت لي كتاباتي و أحاديثي أن ألتقي بعدد من أصحاب العقول المستنيرة، الذين يؤمنون بضرورة استشراف المستقبل، و أهمّية التفكير المستقبلي عند التصدّي للمشاكل التي تتكاثر في حياتنا . لقد كنت حريصا على فتح صفحات باب " مستقبليات " لكل من يريد أن يساهم برأيه، بل كنت
أطلب هذا في كثير من الأحيان .. ذلك لأنّني كنت في أشدّ الحاجة إلى حوار صادق ذكي تنضج عليه أفكاري، و يزداد وضوحها في عقلي و عقول الآخرين .

آفـــاق 21

كانت مشكلتي منذ الصغر أنني لست جماهيريا بطبيعتي . أميل إلى القراءة و الكتابة منفردا، و تكون صلتي بالناس من خلال الكتب التي تنشر لي . كانت دائرة أصدقائي دائما محدودة، تتكوّن صداقاتي بصعوبة و بعد فترات اختبار طويلة، لكنّها تكون باقية . لم يحدث أن دخلت في أي نشاط جماهيري، حزبي أو غير حزبي . لهذا، كانت محاولات تأسيس الجماعات المستقبلية تنبع من الزملاء الآخرين، و ليس منّي . بالرغم من رغبتي الشديدة في مجال للحوار المثمر المنظّم حول المستقبل .
لقد أشرت من قبل إلى محاولات الصديق د. رفعت لقوشة لتكوين نادي المستقبليات، و محاولات المهندس حلمي السعيد لتكوين جمعية المستقبل، و التي دخلت في طور التأسيس الرسمي، و التقدّم إلى وزارة الشئون الاجتماعية بطلب الموافقة على تأسيس الجمعية .. غير أن جميع هذه المحاولات تكسّرت عند أبواب وزارة الشئون الاجتماعية، و بيروقراطية موظّفيها، و عدم خبرتنا بالمسالك السرّية التي يمضي فيها العارفون ! . و أخيرا، بدأت محاولة أكثر نضوجا و تنظيما تحت اسم " آفاق 21 "، تبنّاها الصديق د. محمود جبريل، و قد انضمّ إلى هذه المحاولة مجموعة كبيرة من أصحاب العقول المستنيرة من المفكّرين المستقبليين، الذين تعرّفت على معظمهم من خلال مساهماتهم في باب " مستقبليات "، تعقيبا و إضافة إلى ما كنت أكتب عنه و أناقشه .. لقد تميّزت هذه المحاولة باشتراك بعض الشباب المتحمّس للفكر المستقبلي من الجنسين . و كان اختيار اسم الجمعية الذي سنتقدّم به إلى الجهات الرسمية ـ آفاق 21 ـ من اقتراح بعض هؤلاء الشباب . لقد جمعت هذه المحاولة بين عدة أجيال من المتحمّسين لمستقبل مصر و العالم العربي، فكان من الأعضاء المؤسّسين دكتور محمود محفوظ، الطبيب المتميّز في مجال العلاج بالأشعة، و الوزير السابق، و رئيس لجنة الخدمات بمجلس الشورى، و الأهم من هذا و ذاك المفكّر المستقبلي النشيط صاحب القدرات العالية في مجال التفكير الابتكاري .
و منذ البداية ساهم في هذه المحاولة الأخيرة دكتور رفعت لقوشة، المفكّر المستقبلي المتميّز، و الأستاذ بجامعة الإسكندرية، الذي شارك بحماس في جميع المحاولات السابقة، و الزميل الصحفي الكبير محمود المراغي، رحمة الله عليه، و الدكتور على نصّار مستشار معهد التخطيط القومي و الخبير بمنتدى العالم الثالث، و الأستاذ ضياء الدين زاهر بكلية التربية جامعة عين شمس و صاحب واحد من أهم المراجع في مستقبل التعليم ، و من الأجيال الصاعدة محمد شلبي و خالد نصّار و أمل صقر .

الوضوح لمواجهة البيروقراطية

قبل أن نضع الورقة الأساسية التي تتضمّن أهم نقاط نشاط الجمعية، و التي سنتقدّم بها إلى وزارة الشئون الاجتماعية، عقدنا اجتماعات طويلة متكرّرة، و أعددنا عدة أوراق مختلفة لنختار من بينها الجوانب الفعلية الأهـم و الأوضح من نشـاط الجمعية، دون أن نترك فرصة للفهم الخاطئ من جانب الجهاز البيروقراطي المختصّ بوزارة الشئون الاجتماعية .
بعد انقضاء المماحكات ..
مرّ عام بعد عام، و المراسلات لا تتوقّف بين الجمعية و الإدارة المختصّة بوزارة الشئون، و مماحكات النظام الحاكم لا تنتهي . ففي ذلك الوقت لم تكن حكاية المجتمع المدني قد خرجت بعد من نطاق الأفعال الفاضحة ! .. قالت الوزارة أوّل الأمر أنها قد غيّرت اسم الجمعية من " آفاق 21 "، إلى " الأفق القادم " ! .. لماذا ؟ .. لوجود جمعية بالسيدة زينب تحمل نفس الاسم !! .. فوافقنا . طلبوا تشكيل مجلس إدارة الجمعية، و توزيع الوظائف فيه .. ففعلنا، و قد أصرّ أعضاء الجمعية على اختياري رئيسا لمجلس إدارتها، مع رفض كلّ مبررات الاعتذار ..

و مرّ عام جديد

و في 6 يوليو 2003، وصلني بصفتي رئيس مجلس الإدارة، الخطاب العجيب التالي :
محافظة القاهرة
إدارة شرق م. نصر الاجتماعية
إدارة الجمعيات
السيد الأستاذ رئيس مجلس إدارة جمعية " الأفق القادم " .
تحية طيبة و بعد،
نتشرّف بأن نرسل لسيادتكم، طيّ هذا الملف الخاص بإشهار الجمعية، حيث أنه تم الموافقة على قيد شهر الجمعية برقم 5212 بتاريخ 18\6\2003، على أن يتم استبعاد السيد/ راجي عنايت إبراهيم، لاعتراض الأمن عليه برقم 16701 بتاريخ 18\6\2003 . و يتم انتخاب أحد الأعضاء المؤسسين بدلا من السيد/ راجي عنايت إبراهيم، أو يظل المجلس كما هو لحين عقد أوّل جمعية عمـومية، و يتم تشكيل هيئة المكتب من جديد . برجاء التفضل بالإحاطة و اتخاذ اللازم ..(!!!)
احترت في تفسير خطاب أمن الشئون الاجتماعية المضحك هذا .. و تساءلت ..هل يعقل أن يكون ضباط الأمن الذين اتخذوا ذلك القرار قد فهموا مدى خطورة الكلام الجاد عن المستقبل على النظام الحاكم في مصر ؟ ! .

الثلاثاء، يوليو ٢٨، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل

كيف نخرج من الخريطة المفروضة على المخ ؟

الابتـكار هو طوق النجاة


خريطة المسارات التي جرى حفرها في المخ على مدى السـنين، تصبح غير صالحة لمعالجة المعلومات الجديدة، النابعة من الواقع الجديد . فالعقل البشـري لا يمكنه أن يرى إلاّ ما هو مهيّأ لرؤيته، من خلال الأنماط و النماذج القائمة فيه . و هذا هو السرّ في عجز القلّة الذكية، غير الانتهازية، و غير الجامدة، عن التعامل مع حقائق الواقع الجديد .
و لا بأس أن أورد هنا بعض ما قلته في هذا الصدد، في مناقشة ورقة " مصر و القرن الحادي و العشرين "، التي تقدّم بها هيكل، إلى مؤتمر جماعة خرّيجي المعهد القومي للإدارة العليا :
الذي أريد أن أوضّحه للأستاذ هيكل، و لغيره ممن يقتصرون في طرحهم على الواقع الراهن، أنّه حتّى إذا كان المستقبل ليس من بين اهتماماتهم، فإن قيامهم برصد الواقع الراهن يجيء قاصرا، إذا لم يتم من خلال رؤية مستقبلية واضحة، تستوعب النظرة الكلّية لجوهر ما يحدث الآن عندنا و حولنا، و التي تجمع بين الماضي و الحاضر و المستقبل .

مؤامرة الصمت المريبة ..

قلت تعليقا على ورقة الأستاذ هيكل أن القصّة ليست قصّة تفاؤل و تشاؤم، فالمنهج الذي أدعو إلى تأمّله، و الاعتماد عليه، و لو على سبيل التجريب، يقتضي نظرة إلى التاريخ أوسع من التي مارسناها، و ما زلنا نمارسها، دراسة و بحثا .. نظرة إلى التاريخ باعتباره تعاقبا لعصور حضارية كبرى، بدأت على مدى عشرة آلاف سنة بعصر الزراعة، ثم أعقبه عصر الصناعة الذي دام لما يقرب من ثلاثة قرون، ثم العصر الحالي، و الذي أميل ـ مع غيري من المهتمين بالمستقبل ـ إلى تسميته بعصر المعلومات .
فهم آليات التحوّل من عصر حضاري إلى آخر، يتيح لنا أن نتعرّف على جذور التغيرات الحالية، و ليس ظاهرها، و أن نصل إلى رؤية مستقبلية شاملة لها . بعد هذا و ليس قبله، يمكننا تطبيق معرفتنا هذه على الواقع الحالي لمصر، و أن نتعرّف على الأولويات في حركتنا عند التصدّي لحلّ مشاكلنا، و لتضييق فجوة التخلّف بيننا و بين المجتمعات الأكثر تقدّما . بعد هذا، و ليس قبله، يمكننا أن نبحث عن الخصائص التاريخية للشعب المصري، لنرى السياق الذي خرجت منه هذه الخصائص، و مدى المصداقية الحالية لذلك السياق، لكي نركّز على تنمية الخصائص التي تساعدنا انتقالنا إلى مقتضيات العصر الجديد .
قلت للأستاذ هيكل، لا أريد أن أفرض هذا المنهج على أحد .. لكن وسط الضياع و التشاؤم و التخبّط، و الفشل المتكرّر في الوصول إلى سبيل مثمر قابل للتطبيق، ألا يستحقّ الأمر مناقشة هذا المنهج، ثم الأخذ به أو تبرير رفضه؟، ألم يحن الوقت لكي نتواضع قليلا، و نتنازل عن الاستعلاء غير المفيد، و ننهي مؤامرة الصمت المريبة هذه ؟!.

النظر إلى الأشياء بعين جديدة

غياب الرؤية المستقبلية الشاملة، نتيجة للخضوع للمسارات التقليدية المرسومة على المخّ، و التي لا تصلح حاليا للتعامل مع التغيرات الراهنة و الحقائق الجديدة لعصر المعلومات، هو السبب في عجز القلّة الذكية المخلصة ـ و التي يعتبر الأستاذ هيكل بالقطع من بينها ـ عن التعامل مع الواقع الجديد .
نحن جميعا في أشد الحاجة إلى النظر إلى الأمور بعين جديدة، و من منظور مختلف، لكي تنفتـح أمامناالسبل الجديدة التي تقودنا إلى التوافق مع الإنجازات الجديدة لعصر المعلومات، و إلى فهم طبيعة المشاكل الكبرى التي تشغل البشر، و السبيل إلى حلّها .
و السؤال الذي يطرح نفسه هنا : كيف ننظر للأشياء و الأمور بعين جديدة، متحرّرين من قبضة الخريطة التقليدية المحفورة على أمخاخنا ؟ . هنا تظهر الأهمية المتعاظمة لآليّات التفكير الابتكاري . لقد كتبت كثيرا، و تحدّثت في برنامج مستقبليات التلفزيوني على مدى عدد من الحلقات، عن أهمية الابتكار و التفكير الابتكاري في عصر التغيير الشامل الذي نعيشه . ثم جمعت ذلك كلّه في كتاب كامل، صدر عن دار نهضة مصر بعنوان " الابتكار .. و المستقبل " .

الابتكار كممارسة شعبية

في أحوال الاستقرار النسبي، و قيام الحياة على مبادئ و أسس عامة مسـتقرة، يصبح الابتـكار شاغل صفوة نادرة . كان ذلك هو حال البشر طوال عصر الزراعة و الصناعة، السواد الأعظم من الشعب ينشغل بعمل عضلي روتيني بسيط متكرّر، لا يحتاج إلى قدر ـ و لو صغير ـ من الابتكار . بينما تتولّى صفوة أو نخبة صغيرة على رأس المجتمع، مسئوليات اتّخاذ القرار بما يقتضيه هذا من تفكير و ابتكار .
الانقلاب الذي حدث في مجال العمالة، بدخولنا إلى مجتمع المعلومات، نتيجة للاعتماد على الكمبيوتر و الإنسان الآلي في مجالات العمل، بالمصانع و المكاتب، أنهى الحاجة إلى العمالة العضلية اليدوية التي كانت تشكّل السواد الأعظم في مجال العمل الصناعي . و تحوّلت العمالة إلى عمالة عقلية معرفية، تتصدّى للمشاكل، و تبحث عن بدائل الحلول لها، و تطبّق الحلّ الأمثل من بينها، ثم تراقب مدى صلاحيته . و هذه كلّها أعمال تعتمد على التفكير و الابتكار .. و هكذا تحوّل الابتكار إلى ممارسة شعبية ضرورية . و الابتكار الذي نتكلّم عنه هنا، ليس هو ما عرفه البشر طويلا من لحظات ابتكار و إلهام بين الشـعراء و الأدباء و الفنانين . إنّه عملية منظّمة يمكن لأي فرد أن يتدرّب عليها، و يمارسها باستخدام آليات و تقنيات تساعده على الوصول إلى الحلول الابتكارية . هذا هو الذي يجب أن تنتبه إليه القلّة الذكية الواعدة التي تحدّثت عنها . ذلك أن النظر إلى المتغيرات الشاملة الحادثة حاليا، لا يمكن تناولها من نفس المنظور التقليدي القديم، و اعتمادا على خبرات سابقة، بل علينا أن ننظر إليها من منظور جديد، اعتمادا على ما توفّره لنا آليات التفكير الابتكاري . هذا المنظور الجديد، هو الذي يساعدنا على إرساء أسس المنهج المناسب لفهم الأمور غير المسبوقة التي تحدث حولنا، و التعامل معها، و التعرّف على معالم المستقبل التي يحملها إلينا عصر المعلومات .

الثلاثاء، يوليو ٢١، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل

ما الذي ينقصنا ؟ ..
النظام ... هو المنطق الذي يحكم الحياة

قبل أن أتحدّث عن آخر محاولاتنا لتأسيس كيان مستقبلي معترف به، أورد لقاء يوضّح سر إصراري على تأسيس مثل ذلك الكيان، و مدى ارتباط ذلك بمصلحة مصر و شعب مصر . منذ عدّة سنوات، تلقيت دعوة من المرحوم الأستاذ عبد الوهاب مطاوع، رئيس تحير مجلة " الشباب "، لأحضر اللقاء الذي نظّمه بجريدة الأهرام، و الذي سيجمع بين العالم المصري الأمريكي الدكتور أحمد زويل، في أولى زياراته لمصر بعد ترشيحه لجائزة نوبل، و بين مجموعة من شباب مصر الذين يدرسون في كلية العلوم، التي تخرّج فيها د. زويل قبل ذلك بسنوات عديدة .
تتابعت أسئلة الشباب الطموح، يريد أن يستدل على طريق النجاح في تحقيق ذلك الطموح، طامعا في الاستفادة من خبرات الزميل السابق في كلية العلوم ! . و كان السؤال الذي يلحّ على الجميع، هو " لماذا نجح و تفوّق خارج مصر عندما سافر للدراسة في أمريكا ؟" . و كان من أهم ما قاله د. زويل، أنّ السر الأوّل لتفوّقه بالخارج هو وجود " نظام "، يسّر له أن يظهر أبعاد تفوّقه .
و تجرّأ أحد الطلبة و سأل " لماذا، و قد حققّ كل الذي حقّقه علميا في أمريكا، لا يعود إلى مصر و يواصل أبحاثه في جامعاتها، ليستفيد منه هو و أقرانه من طلبة العلوم ؟ " .. فقال بكل شجاعة ما معناه أن غياب " النظام " في مصر، لا يسمح له بتطوير كشوفه العلمية التي توصّل إليها هناك .. و قد أكبرت فيه هذه الشجاعة و الأمانة في القول .

عن أي " نظام " نتكلّم ؟ ..

و من المفيد أن نفهم معنى و أبعاد كلمة " النظام" التي أوردها د. زويل . النظام الذي نتحدّث عنه، لا يقتصر على النظام السياسي، و طبيعة الحكم، و الأسس الإدارية و التنفيذية التي نمضي وفقا لها، لكنّه يتضمّن ذلك كلّه، و يتجاوزه .. النظام " SYSTEM "، يعني المنطق الذي تقوم عليه حياتنا، و الذي نتمسّك به دائما في وجه المصاعب و المغريات، و الذي تنبع منه استراتيجياتنا و أولوياتنا .
مع كلّ ما يقال و يجري عندنا، ما الذي ينقصنا ؟ .. ما الذي يحول في مصر بيننا و بين التوصّل إلى النظام الأوفق المطلوب، الذي ترتقي في ظلّه الحكومات و الأفراد ؟ . و ما هو السرّ في عدم قدرتنا على تبنّي المنطق الأسلم، الذي يخلّصنا من النواقص الحالية، و يتيح لنا أن نحل مشاكلنا المتشابكة، دون أن يترتّب
على ذلك المزيد من المشاكل في المستقبل ؟ .. ذلك المنطق الذي يتيح لقدرات و طاقات شباب مصر العلمية و الفكرية أن تنطلق، بمثل ما انطلقت طاقات د. زويل ؟ .

بين عدم الرغبة، و عدم القدرة

هناك عدّة أسباب جوهرية تمنعنا من تحقيق ذلك الحلم و التوصّل إلى ذلك الفهم، تتراوح بين عدم الرغبة، و عدم القدرة، أهمّها :
أولا : تناقض الفهم المطلوب مع المصالح المستقرّة .
لا شكّ أن النظام الحالي، أو بمعنى أدق اللانظام الحالي، يتيح للبعض منافعا معنوية و اقتصادية، على حساب الآخرين . و أي تغيير في الأوضاع القائمة ، سيترتّب عليه ـ حتما ـ انتقاصا لهذه المصالح، التي لم تكن قائمة على أساس عادل، و من هنا تأتي المقاومة الشرسة لأي جهد يستهدف إرساء أشكال جديدة لمنطق حياة البشر في مصر .
ثانيا : عدم الرغبة في تغيير الثوابت التقليدية .
التغيّرات الكبرى، التي تفرض نفسها على حياة البشر، كالانتقال من الزراعة إلى الصناعة على سبيل المثال، تهزّ بعنف الثوابت التقليدية و التاريخية، و في نفس الوقت ترسي ثوابت جديدة، نابعة من طبيعة المرحلة الجديدة التي تمر بها البشرية .
المشكلة تكمن في أن تلك الثوابت التقليدية، هي التي تتيح للأفراد التعامل مع الحياة، بأقلّ قدر من جهد التفكير و إعمال العقل . هذه الثوابت التاريخية ـ أيّا كانت درجة مصداقيتها ـ هي التي يستند إليها الأفراد في تحديد المواقف إزاء المستجدّات، و يعتمدون عليها في تسهيل عملية الاختيار بين البدائل المطروحة . لهذا، فإن الدعوة إلى إسقاط تلك الثوابت، أو تعديلها، يلقى مقاومة لاشعورية قوية . و في زمن التغيّرات الجذرية المتسارعة، الذي نمرّ به حاليا، يكون رد الفعل الغريزي لمعظمنا، هو التمسّك العصبي بهذه الثوابت، حتّى و لو لم تكن قادرة على الوصول بنا إلى برّ الأمان، وسط أمواج التغيير التي تدهمنا .
ثالثا : عدم القدرة على الفهم .
و هذا السبب يتّصل بقلّة من الأذكياء، غير المستفيدة ماديا أو معنويا من الوضع القائم، تؤمن بعدم جدوى التمسّك بالثوابت التقليدية أو التاريخية، تدرك جسامة التغيّرات الحالية، و ترصدها ة تدرسها، و تستخلص منها أفكارا، لكنّها تفعل ذلك كلّه معتمدة على الخبرات و النظريات و العقائد التي كانت سائدة قبل تدافع هذه التغيّرات . إنّها تستصعب فكرة استنباط منطق جديد، نابع من المتغيّرات، بينما نحن وسط دوّامتها، فتفشل في فهم جوهر المتغيرات، و استنتاج شكل الحياة التي تقود إليه .
هذه القلّة، رغم موقفها هذا، من الممكن أن ينعقد عليها الأمل، في ريادة حركة التغيير التي ترسي نظم حياتنا الجديدة، في مواجهة الانتهازية و الجمود الفكري .

النظام المعلوماتي ذاتي الترتيب

هذه القلّة الذكيّة المتحرّرة، المترفّعة عن المكاسب الانتهازية، يرجع عجزها لسبب لا ذنب لها فيه ! .. قد يبدو غريبا إذا ما قلنا أن ذلك السبب يتّصل بطبيعة عمل المخ البشري، كنظام معلوماتي ذاتي الترتيب . بمعنى أن نظمه تنبع من داخله، و ليس نتيجة لبرمجة من خارجه . الغرابة التي يمكن أن تبدو عليها مثل هذه الأقوال يمكن أن تتبدّد إذا ما تابعنا الطرح التالي .هناك نوعان من النظم المعلوماتية : النظم السـلبية، و النظم الإيجابية النشطة .. في النظم السلبية تكون المعلومات، و السطح الذي يجري
تسجيلها عليه، متّسمان بالسلبية و الركود . في هذه النظم يأتي كلّ النشاط و العمل من مصدر خارجي، يقوم بالربط بين المعلومات و تحريكها . أمّا في النظم الإيجابية النشطة، تكون المعلومات و السطح في حالة نشاط متّصل، و فيه تقوم المعلومات بتنظيم نفسها، دون عون من منظّم خارجي .. و هذا هو ما يشير إليه تعبير " ذاتية الترتيب " . و هذا هو النوع الذي ينتمي إليه المخّ البشري .

خريطة المخّ، و أمطار الجبل

شبكة الأعصاب في المخّ، تسمح للمعلومات الواردة أن تنظّم نفسها في تتابع من الأوضاع المستقرّة وقتيّا، ثم تمضي في أعقاب بعضها وفقا للنظام الخاص بها في المخّ . و خير مثال مادي لذلك، سفح الجبل الذي تسقط عليه الأمطار لأوّل مرّة، فيشقّ الماء مسالك عشوائية له، وفقا لتضاريس الجبل، و يمضي من خلالها إلى الوادي، صانعا النهر . و كلّما هبطت الأمطار بعد ذلك، اتخذت نفس المسارات، و عملت على تعميقها، أي أن الجبل قد أصبح نظاما ذاتي الترتيب، تمضي في الأمطار عبر المسالك المحفورة .
و هذا هو ما يجري في حالة المخّ البشري، المعلومات الواردة تقوم بترتيب نفسها على شكل تتابع من الخطوات . و مع الزمن، يصبح ذلك التتابع نوعا من المسارات و الأنماط المفضّلة للمخّ . هذه الأنماط، بعد تأسّيسها، تصبح مفيدة للغاية، إذ أنها تسمح لنا بالتعرّف على الأشياء . بمجرّد تنشيط النمط، نجد أنفسنا نسبح في اتجاهه، لنرى الأشياء وفقا لخبراتنا السابقة .
لهذا، كلّما نظرنا إلى الحياة حولنا نراها وفقا لأنماط و نماذج جاهزة لدينا . و هذا هو الذي يجعل عملية الإدراك عندنا على درجة عالية من القوّة و الكفاءة .
و لكن ما الذي يحدث إذا ما نشأت تغيّرات جذرية، تقيم حياتنا على أسس جديدة، و تجعل خبراتنا التقليدية غير صالحة للتعامل مع الواقع الجديد ؟ ..

و إلى الرسالة التالية لنتعرّف على طوق النجاة

الخميس، يوليو ١٦، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل العربي

منتدى المستقبل العربي
المستقبل .. يأتي بعد حلّ المشاكل ! ..


و مع هذا كلّه، قبلت آخر الأمر خوض هذه التجربة مع الأمير طلال بن عبد العزيز، بعد ما سمعته من الصديق الراحل أحمد بهاء الدين، عن تفرّده و استنارته . و أيضا، نتيجة لاكتشاف صعوبة إشهار جمعية للمستقبل في وزارة الشئون المصرية، و رغبتي في البحث عن مجال آخر للعمل المستقبلي، قد يتحقّق في الفرع المصري للتنظيم الأم " منتدى المستقبل العربي " .
و بدأت مع الأمير الخطوات الأولي لتأسيس المنتدى .
لم أقف طويلا عند مجموعة الأسماء التي رشّحها الأمير طلال للأعضاء العرب المؤسّسين، رغم إدراكي أنّ أغلبهم مقطوع الصلة بالفكر المستقبلي، و قد تصوّرت ـ في ذلك الوقت ـ أنّ بالإمكان كسب بعضهم إلى المسار المستقبلي، من خلال اللقاءات و الحوارات في إطار عمل المنتدى . و قد اكتفيت بإضافة أسماء بعض المصريين الذين أثق في توجّههم المستقبلي، و الذين يصلحون للعمل الجاد في الفرع أو القسم المصري من المنتدى . فقد كنت أتصوّر أن العمل الفعلي سيبدأ محلّيا، بعد استكمال المراحل الشكلية الأولى لإشهار المنتدى . غير أن تصوّري لم يكن سليما، و أن الأمر أكثر صعوبة ممّا تصوّرت . و دون الدخول في تفاصيل ما جرى بعد ذلك، على مدى ما يقرب من عامين، ثبت لي أن قبول التوجّه المستقبلي من جانب السياسيين، يعتبر من الأمور الشاقة، التي تكاد أن تصل إلى حد الاستحالة ! .
لقد تضمّنت قائمة المؤسّسين رؤساء وزارات، و وزراء، و شخصيات برلمانية عربية . و بعد الاطلاع على الأوراق التي تفيد جدّية التوجّه المستقبلي للمنتدى، رأى معظمهم أن الكلام طيب و عظيم، لكن ينبغي إرجاء الحديث عن المستقبل، إلى حين أن تنتهي الدول العربية من حلّ مشاكلها !! .

هيكل .. و الحب العذري

الوحيد الذي أبدى تحفظات قويّة حول المساهمة في المنتدى منذ البداية، و قبل أن يقرأ الأوراق التي أرسلت إليه، هو الأستاذ محمد حسنين هيكل . و أغلب الظن أن التحفّظات كانت تنصبّ على شخصي،و ليس على ورقة النقاش، أو فكرة المنتدى . و قد ذكرت في حكاياتي هذه، محاولة في بداية سعيي لمناقشة أفكاري أن أتعرّف على رأي هيكل في رؤيتي لدخول مصر إلى عصر المعلومات، و كيف أن الصديق أحمد حمروش عرض أن يقدّم ورقتي إلى الأستاذ هيكل، و فهمت أنه أخذها و لم يعلّق عليها، فيما عدا تضاحكه مع حمروش على خطأ مطبعي في بدايات الورقة ! .
و الحقيقة، أنّني كنت أبني آمالا على اهتمام هيكل بالمستقبل و الفكر المستقبلي، و أعتبر ذلك الاهتمام مكسبا للتوجّه المستقبلي . أمّا مصدر آمالي تلك و محرّكها، فقد كان ما اعتاد هيكل أن يختم به مقالاته، التي تغوص في أسـرار الماضي، قائلا ما معناه " دعونا ننفض أيديـنا من الماضي، و نولّي وجوهنا نحو المستقبل .." .
كنت أصدّقه، و أناقش ما يكتبه من منظور مستقبلي، و أحاول إظهار استحالة استقراء أبعاد الأوضاع الحالية، دون الاعتماد على رؤية مستقبلية متكاملة . لكنّه كان يعود في مقاله التالي، ليغرق في الماضي، طافيا إلى الحاضر بين الحين و الآخر، حريصا في جميع الأحوال على إرضاء ذاته .
و عندما تكرّرت دعوته إلى الآخرين بهجر الماضي و الالتفات إلى المستقبل، دون أن يبدأ بنفسه، كتبت أقول أن العلاقة بين محمد حسنين هيكل و المستقبل، أشبه ما تكون بالحب العذري، يتغزّل فيه عن بعد، دون أن يقوى على ملامسته .

المنهج الأسـلم

و أذكر أنه في تعليقي على كتاب الأستاذ هيكل " مصر، و القرن الواحد و العشرون "، قلت أن الذي أريد أن أوضّحه للأستاذ هيكل و غيره، ممّن يقتصرون في طرحهم على الواقع الراهن، أنّه حتّى إذا كان المستقبل ليس من بين اهتماماتهم، فإن رصدهم للواقع الراهن يجيء قاصرا، إذا لم يتم من خلال رؤية مستقبلية واضحة، تستوعب النظرة الكلية لما حدث و يحدث عندنا و حولنا .
المنهج الأسلم للتناول، يقتضي فهم الأسس الحضارية للتغيّرات الراهنة، و التي تنقلنا من عصر إلى عصر، أعني بذلك من عصر الصناعة الذي دام لما يقرب من ثلاثة قرون، إلى عصر المعلومات الذي بدأ زحفه في الثلث الأخير من القرن العشرين . المفكرون الذين عاشوا التحوّل من عصر الزراعة إلى عصر الصناعة، أصيبوا بحيرة كبرى، وهم يشهدون التغيّرات الكبرى التي تمس كل جوانب الحياة التي تعوّدوا عليها، فلم تكن لديهم سوابق لمثل ذلك التحوّل الحضاري الكبير .
و إذا كانت حيرة هؤلاء المفكّرين مبررة، لعدم وجود السوابق الواضحة، فما هو عذر مفكّري هذه الأيام، الذين يصممون على التخبّط في شباك الحيرة و التخمين، و استدعاء ( الهواجس ) !، كلّما سعوا إلى فهم "حقيقة " ما يحدث، و " مستقبله " .

تضخّم الذات، و العمل الجماعي

أبدى الأمير طلال دهشته لرد فعل صديقه الأستاذ هيكل، و تساءل عن سر تحفّظه بخصوص " منتدى المستقبل العربي "، حتّى قبل أن يطّلع على ورقة المناقشة . قلت للأمير أن اختيار الأستاذ هيكل للمشاركة في المنتدى، لم يكن سليما . فهو يستمد مجده من الكتابة عن الماضي و ليس عن المستقبل، و قد بلغ من الشهرة و السن ما لا يسمح له بأن يتقبّل فكرا جديدا، قد يتناقض مع فهمه للماضي، و يستدعي منه إعادة النظر في أفكاره التقليدية . كما أن إحساسه المتضخّم بالذات، لا يسمح له بالدخول في عمل جماعي، لا تكون له فيه القيادة و الصدارة .
هكذا، أغلق ملف منتدى المستقبل العربي، قبل أن نفتحه ! .
لقد كانت هذه، على رأي ماوتسي تونج، مجرّد المحاولة الفاشلة رقم كذا .. لكنها لم تكن، و لن تكون الأخيرة .. في تقديري حينذاك على الأقل .

و إلى الرسالة التالية لنرى سرّ عدم القدرة و الرغبة في فهم الواقع الجديد