الخميس، فبراير ١٤، ٢٠٠٨

خصائص مجتمع المعلومات


ماسودا يتحدّث عن
مجتمع المعلومات
من التكنولوجيا إلى السوق إلى الإنسان

الكثير من الغموض و التخبّط الذي نلمسه في كتابات من يتصدّون للحديث عن المستقبل، و عن عصر المعلومات، يرجع إلى عدم وضوح طبيعة الذي يتحدّثون عنه . رغم حديثهم عن التغيير، و عن أثر ذلك التغيير على حياتنا، و عن ضرورة اللحاق بركب التطوّر، إلاّ أنهم ما أن ينتقلوا من التعميم إلى التخصيص، حتّي يقعوا في خظأ تصوّر أن مجتمع المعلومات هو مجرّد تحديث أو تطوير للمجتمع الصناعي الذي عرفوه . إلى هؤلاء أنقل المقارنة الشاملة التي أجراها المفكّر الياباني يونيجي ماسودا بين مجتمعي الصناعة و المعلومات .

أولا : جوهر التكنولوجيا الإبتكارية
كانت الآلة البخارية، هي الإبتكار التكنولوجي الأساسي، و جوهر المجتمع الصناعي . و كانت وظيفتها أن تحلّ محل القوّة الجسدية للإنسان، و أن تضخّمها .
و تكنولوجيا الكمبيوتر، هي التكنولوجيا الإبتكارية لمجتمع المعلومات، و جوهره . وظيفتها أن تحل محلّ العمل العقلي للإنسان، و تعمل على تضخيمه .
و هذا يعني إنتقالنا من العمل الجسدي، إلى العمل العقلي
ثانيا : القوّة الإنتاجية المحرّكة
في المجتمع الصناعي، كانت ثورة القوة النابعة من الآلة البخارية، هي السبيل إلى التنمية السريعة لقوى الإنتاج المادي، و قد مكّنت الإنسان من إنتاج البضائع و الخدمات على نطاق واسع .
أمّا في مجتمع المعلومات، فإن "الثورة المعلوماتية" التي نتجت عن تطوير الكمبيوتر، هي التي تقود إلى التعجيل بانتشار قوّة الإنتاج المعلوماتية، بحيث يمكن إنتاج المعلومات المعرفية المنظّمة و المعارف على أوسع نطاق
أي : الإنتقال من إنتاج البضائع، إلى إنتاج المعلومات
ثالثا : مركز الإنتاج
كان المصنع الحديث، بآلاته و تجهيزاته، هو الرمز الحقيقي لمجتمع الصناعة، و مركز إنتاج بضائعه .
و في مجتمع المعلومات، تحل محل المصنع المرافق المعلوماتية(أي الينية التحتية المعتمدة على الكمبيوتر)، و التي تتضمّن شبكات المعلومات، و بنوك البيانات . و تصبح هذه المرافق المعلوماتية مركز الإنتاج و التوزيع للبضائع المعلوماتية
أي: الإنتقال من المصنع، إلى المرافق المعلوماتية
رابعا : السوق كبنية"إجتماعية-إقتصادية"
إتّسعت الأسواق في المجتمع الصناعي، نتيجة لإكتشاف قارات جديدة، و الإستيلاء على المستعمرات . و كانت زيادة القدرة الشرائية عند المستهلكين، هي العامل الرئيسي في توسّع السوق .
أمّا في مجتمع المعلومات، فالجبهة المعرفية تصبح هي السوق المحتملة . و يكون العامل الأساسي وراء إتّساع سوق المعلومات، هو زيادة فرص حل المشاكل بالنسبة لمجتمع ينمو بشكل دائم و ديناميكي
أي : إنّنا ننتقل من سوق الإستهلاك، إلى سوق المعرفة
خامسا : الصناعات القائدة
الصناعات القائدة في التنمية الإقتصادية بالنسبة للمجتمع الصناعي، هي صناعات الآلات و المواد الكيماوية . و البناء الكلّي لهذه الصناعات، يتضمّن صناعات أولى و ثانية و ثالثة .
و في مجتمع المعلومات، ستكون الصناعات القائدة هي الصناعات العقلية، و التي يكون جوهرها الصناعات المعرفية . و ستضاف الصناعات المتّصلة بالمعلومات، كعنصر جديد في البناء الكلّي للصناعات، بإعتبارها المجموعة الرابعة المضافة على صناعات عصر الصناعة . و بهذا يتضمّن البناء الصناعي، صناعات متّصلة بالمعلومات على المحور الرأسي، و صناعات متّصلة بالصحّة و الإسكان و ما أشبه على المحور الأفقي

أي : الإنتقال من الآلات و الكيماويّات، إلى المعلومات و المعرفة

سادسا : البنيـة الإقتصادية
يتميّز الهيكل الإقتصادي الصناعي بالتالي : (أ) إقتصاد السلع المعتمد على المبيعات، (ب) التخصّص في أقسام العمل لحساب الإنتاج، (ج) الإنفصال الكامل للإنتاج عن الإستهلاك، و للمؤسّسة عن البيت، بالإضافة إلى الإنقسامات الأخرى في مجال المال و العمل .
أمّا في مجتمع المعلومات، فنجد التالي : (أ) المعلومات - التي هي محور التنمية الإجتماعية الإقتصادية- سيتم إنتاجها إعتمادا على المرافق المعلوماتية، (ب) تزايد الإنتاج الشخصي للمعلومات، كنتيجة لإستخدامها، ممّا يقود إلى تراكم المعلومات، (ج) سيشيع هذا التراكم المعلوماتي، من خلال الإنتاج التعاوني، و المشاركة في المرافق المعلوماتية، (د) سيتغيّر الإقتصاد - بنيويّاً - من إقتصاد تبادل أو مقايضة، إلى إقتصاد تعاوني
أي : الإنتقال من إقتصاد فصل الإنتاج عن الإستهلاك، إلى إقتصاد تعاوني
سابعا : المبدأ الإجتماعي - الإقتصادي
في المجتمع الصناعي،يكون قانون السعر، و هو المبدأ الإجتماعي الإقتصادي العام، اليد الخفيّة التي تحقّق التوازن بين العرض و الطلب . و يكون النموّ في الإقتصاد و في المجتمع ككلّ خاضعا لذلك النظام الإقتصادي .
أمّا في مجتمع المعلومات، فيكون مبدأ الهدف ( و هو في حقيقته مبدأ الهدف و الوسيلة معاً)، هو المبدأ الرئيسي في المجتمع . و في هذا المجال تعمل التغذية الأمامية التعاونية، و التي تعيد توزيع الواجبات من أجل تحقيق الهدف العام، هي المسئولة عن توفير النظام في المجتمع

أي : الإنتقال من قانون السعر، إلى مبدأ التعاون
ثامنا : الأداة الإجتماعية - الإقتصادية
في المجتمع الصناعي، يعتبر المشروع الإقتصادي، أو المجموعة الإقتصادية، أكثر الأدوات أهمّية للنشاط الإجتماعي . و المشروع الإقتصادي يعمل في ثلاثة مجالات : المشروع الخاص، و المشروع العام، يالإضافة إلى المجال الثالث الذي يتضمّن ملكية الحكومة من خلال إدارة خاصّة .
أمّا في مجتمع المعلومات، فيكون "المجتمع التطوّعي" أهمّ أدوات النشاط الإجتماعي . و تعبير "المجتمع التطوّعي"، يعني مجموعة إقتصادية، يمكن تقسيمها بشكل واسع إلى مجتمعات محلّية، و إلى مجتمعات معلوماتية

أي : الإنتقال من المؤسّسة الإقتصادية، إلى المجتمع التطوّعي

تاسعا : النظام الإجتماعي - الإقتصادي
النظام الإجتماعي الإقتصادي لمجتمع الصناعة، هو نظام المشروع الخاص، الذي يتميّز بالملكية الخاصّة لرأس المال، و التنافس الحرّ، و تعظيم الإرباح و السعي إلى أقصى ربح .
أمّا في مجتمع المعلومات، فيقوم النظام الإجتماعي الإقتصادي على المجتمع المدني التطوّعي، الذي يتميّز بتفوّق بنيته التحتيّة، باعتبارها جامعة بين رأس المال العام، و رأس المال البشري ذي التوجّه المعرفي . و في إطار أساسي يجمع بين مبدأي التعاون، و المنفعة الإجتماعية
أي : الإنتقال من تعظيم الربح، إلى التعاون و المنفعة الإجتماعية

عاشرا : شــكل المجتمـع
المجتمع الصناعي، هو مجتمع السلطة المركزية، و تسلسل الطبقات .
أمّا مجتمع المعلومات، فيكون مجتمع تعدّد المراكز و التكامل التطوّعي . و هو مجتمع يعمل أفقيـــاً،
و ليس بشكل رأسي كما في حالة المجتمع المركزي . و هو يحقّق نظامه الإجتماعي، من خلال عمليات الإستقلال الذاتي و التكامل، ممّا يتميّز به المجتمع التطوّعي
أي : الإنتقال من المركزيّة، إلى المراكز المتعدّدة، و من الطبقات إلى التكامل التطوّعي
حادي عشر : الهـدف القومــي
هدف المجتمع الصناعي، هو إقامة مجتمع الرفاهية القومي، ساعيا إلى تحقيق المجتمع عالي الرفاهية، من المهد إلى اللحد .
أمّا مجتمع المعلومات، فيستهدف تحقيق مبدأ "قيمة الزمن" لكل إنسان . و قيمة الزمن، تعني القيمة التي ترسم و تعمل على تحقيق الزمن المستقبلي أو الآتي . هدف مجتمع المعلومات، هو أن يستمتع الإنسان بحياة ذات قيمة، من خلال سعيه إلى إمكانات مستقبلية أعظم

أي : الإنتقال من الرفاهية، إلى قيمة الزمن
ثاني عشر : شـكل الحكـومة
النظام السياسي للمجتمع الصناعي، هو نظام التمثيل النيابي، و حكم الأغلبية .
أمّا في مجتمع المعلومات، فيصبح النظام السياسي هو ديموقراطيّة المشاركة، أو السياسة القائمة على مشاركة الجماهيربنفسها . و سياسة الإدارة الذاتيّة للمواطنين، التي تقوم على الإتّفاق و المشاركة والتعاون. و هي سياسة تدخل في إعتبارها آراء الأقلّيات
أي : الإنتقال من التمثيل النيابي، إلى المشاركة
ثالث عشر : قـوّة التغيير الإجتماعي
تقوم إتّحادات و نقابات العمّال في المجتمع الصناعي، بإعتبارها قوّة التغيير الإجتماعي . و تكتسب الحركات النقابية المزيد من نفوذها، بالإعتماد على النزاعات بين العمّال و أصحاب العمل، كسلاح في يدها.
أمّا في مجتمع المعلومات، فتكون حركات المواطنين هي أداة قوّة التغيير الإجتماعي، أسلحتها هي التقاضي أو الإلتجاء إلى القانون، و تنامي المشاركة
أي : الإنتقال من النقابة العمّالية، إلى قوّة حركة المواطنين

رابع عشر : المشـاكل الإجتماعية
في المجتمع الصناعي، توجد ثلاثة أنواع من المشاكل الإجتماعية، البطالة الناشئة عن الكساد، والحروب الناتجة عن الصراع الدولي و عن الأطماع التوسّعية من أجل دعم الموقف التنافسي الإقتصادي، ثم دكتاتورية النظم الفاشية .
أمّا مشاكل مجتمع المعلومات، فستكون صدمات المستقبل، و عدم قدرة الأفراد على مواكبة التحوّلات الإجتماعية السريعة، و أعمال الإرهاب الفردية و الجماعية، و أزمات سيطرة قلّة على المعلومات
أي : الإنتقال من اليطالة و الحرب و الدكتاتورية، إلىصدمات المستقبل والإرهاب والمجتمع المحكوم

خامس عشر : أعلى تطوّر للبنية الإجتماعية الإقتصادية
أعلى مراحل تطوّر المجتمع الصناعي، هي مرحلة الإستهلاك الجماهيري المرتفع على أوسع نطاق، والتي تنصبّ على السلع المعمّرة (كالسيارات) .
أمّا أعلى مراحل المجتمع المعلوماتي تطوّراً، فهو تأسيس مجتمع خلق المعرفة الجماهيرية، إعتمادا على الإستخدام المتنوّع للكمبيوتر، من أجل إشباع الذات
أي : الإنتقال من مجتمع الإستهلاك، إلى مجتمع خلق المعارف و إشباع الذات
سادس عشر : المعايير القيميّــة
القيم الماديّة لإشباع الحاجات البدنية و النفسية، هي المعايير العامّة في المجتمع الصناعي .
و في مجتمع المعلومات، تنبع المعايير العامة للقيم الإجتماعية من السعي إلى الإشباع، الناتج عن تحقيق الأهداف
أي : الإنتقال من إشباع الحاجات المادّية، إلى تحقيق الأهداف
* * *

حرصنا على هذا الطرح المركّز للمقارنة التي عقدها المفكّر الياباني يونيجي ماسودا، بين المجتمع الصناعي و مجتمع المعلومات، حتّى تتّضح الصورة في شمولها

الأحد، فبراير ٠٣، ٢٠٠٨

اقتصاد عالمي جديد لكوكب الأرض


لقاء المفكّر المستقبلي الياباني ماسودا في سالزبورج

الدول النامية

و كيف تعبر إلى مجتمع المعلومات
قبل أن تستكمل نموّها الصناعي ؟

في مدينة سالزبورج الجميلة بالنمسا، حضرت منذ ما يزيد عن عشر سنوات أحد مؤتمرات "جمعية مستقبل العالم"، كعضو محترف . و بعد أن ألقيت كلمتي، حول تصوّري لإمكان عبور دول العالم الثالث إلى مجتمع المعلومات، بالرغم من عدم إستكمالها لنموّها الصناعي، قال لي أحد المسئولين عن الجمعية أن يونيجي يريد أن يتحدّث معي حول هذا الموضوع . كانت هي المرّة الأولى التي ألتقي فيها بالمفكّر الياباني يونيجي ماسودا، وكانت الأخيرة إذ أنّه رحل عن عالمنا بعد ذلك اللقاء بثلاثة أعوام .
كان ماسودا في ذلك الوقت يقترب من التسعين، بطيئ الحركة، خافت الحديث . قال أنّه مهتمّ بموضوع دخول الدول النامية إلى مجتمع المعلومات، و أنّه قد أفرد لذلك فصلاً كاملاً في كتابه عن "مجتمع المعلومات" . و عندما سألته عن إمكان الحصول على ترجمة إنجليزية لذلك الفصل، إبتسم قائلا أن الترجمة الإنجليزية للكتاب قد ظهرت في الأسواق حديثاً
حرصت على أن أحصل على نسخة من الكتاب، و سعدت بقراءته .. و عرفت من هو ماسودا الذي كنت أتحدّث معه . إكتشفت أن ماسودا كان ضمن المجموعة الرائدة التي بادرت بوضع بيان، حول خطّة تطوير اليابان معلوماتيا، تمهيداً لدخولها إلى مجتمع المعلومات . و عرفت أنّه لم يقتصر على التفكير والتخطيط، بل عمل كمدير تنفيذي للهيئة التي أشرفت على إنجاز مهمّة تحويل اليابان، من عام1972 وحتّى عام 1985. تلك المهمّة التي رصدت لها الحكومة اليابانية استثمارات بلغت 65 بليون دولارا .

فجوة التخلّف المزدوجة

يقول ماسودا أن فجوة التخلّف في تكنولوجيا المعلومات بين الدول النامية و الدول الصناعية، تعتبر أكثر خطورة من فجوة التخلّف الصناعي التي تفصل بينهما . فالفجوة الصناعية تكون وليدة قصور في تكنولوجيات الإنتاج، و العقبة الأساسية في سبيل تجاوزها، تكمن في عجز الموارد المالية بالدول النامية. لكن الفجوة المعلوماتية، تعني الغياب النسبي لتكنولوجيا معالجة و نقل المعلومات، ممّا يدخل فيه العامل البشري، و مدى التطوّر الفكري، و قدر تطوّر الأنماط السلوكية، في هذه الدول
هذه العقبة، الخاصّة بالتحوّل التكنولوجي، و إستعداد البشر للتعامل مع هذا التحوّل، تعتبر أكثر صعوبة في تخطَيها، إذا قيست بعقبة نقص الموارد المالية، التي يمكن تخطيها بضربة حظ مالية، مثل إكتشاف البترول أو الغاز أو الخامات الأولية الثمينة .
مخاطر إستمرارهذه الفجوة " المعلوماتية -الصناعية " المزدوجة، بالنسبة للدول النامية، يقود -في تقدير ماسودا- إلى خصومات فوضوية حادّة، تشيع كالوباء بين الجنس البشري بأكمله . و هو يرجع ذلك إلى ثلاثة أسباب

أولا : تزايد الإنقطاع الحضاري
الملاحظ أن شعوب الدول النامية، يتوفّرلدي بعضها الفضول الإيجابي والإهتمام بإنتاج الدول المتطوّرة، و هذا يتيح لها تنفيذ خطّة الدخول إلى الصناعة . إلاّ أن الفجوة المجتمعية بين شعوب الدول الصناعية المتطوّرة و شعوب هذه الدول النامية، تحدث إنفصاماً حضاريا و ثقافيا كاملا . هذه الفجوة الحضارية، تقف حائلا امام الإتّصال العقلي، الضروري لقيام التفاهم المتبادل
ثانيا : الموارد و البيئة و الإنفجار السكّاني
الكثير من الدول النامية، سعت إلى تحقيق أهدافها القومية في التصنيع و التحديث، و تطوير مستويات الحياة . لكن إذا واصلت هذه الدول النامية إندفاعها في إتّجاه التصنيع، بإتباع نفس المسار الذي إتّبعته الدول المصنّعة سابقا، فستصبح مهمّتها في حلّ مشاكلها الجارية أكثر صعوبة . و نعني بذلك المشاكل التي من قبيل إستنزاف الموارد الطبيعية، و تخريب المحيط الطبيعي، و الإنفجار السكّاني . و هذا، يقود الدول النامية إلى مواجهة العديد من الأزمات و الكوارث

ثالثا : التنمية المشوّهة، في إتّجاه العسكرية و الشمولية
دخول الدول الصناعية إلى مجتمع المعلومات، قد يتم بطريقة مشوّهة للغاية، تقود إلى قيام نظم عسكرية، ذات طبيعة ديكتاتورية شمولية . و قد يتمخّض هذا عن مزيد من التناقضات بين الدول المتطوّرة و الدول النامية، و عن خصومات حادّة و صراعات أمنية . و سيجعل هذا الدول الصناعية المتطوّرة أكثر ميلاً إلى إستخدام التكنولوجيات المعلوماتية في الأغراض العسكرية . كما أن تخلّف الدول النامية عن الدخول إلى مجتمع المعلومات، يغري الدول المتقدّمة باستخدام هذه التكنولوجيات سلمياً، للتحكّم في حياة أفراد الدول النامية، و نشاطاتهم الإجتماعية
التصنيع و المعلوماتية معاً

يرى يونيجي ماسودا أن التصدّي لهذه الإحتمالات المخيفة، لا يكون إلاّ بتقريب جانبي الفجوة "الصناعية-المعلوماتية" المزدوجة، بهدف تجاوزها نهائياً . و السبيل إلى ذلك، هو التطوير المتزامن لتكنولوجيا التصنيع و تكنولوجيا المعلومات، في الدول النامية . إذا تم هذا بالوسائل و المناهج المناسبة، يمكن أن يساهم في خلق نظام عالمي شامل جديد .
و ما يعنيه ماسودا بالوسائل و المناهج المناسبة، هو
أولا : ضرورة إقامة نظم للمساعدات التقنيّة الدولية، بقيادة حكومية .
ثانبا : إدخال التكنولوجيا الصناعية، يكون بالتأكيد على الصناعات الخالية من مسبّبات التلوّث، و غير المستنفذة للموارد، و المعتمدة على العمالة العقلية .
ثالثا : إدخال التكنولوجيا المعلوماتية، يكون بالتأكيد على إنشاء بنية تحتية معلوماتية، و التركيز على الأنظمة المعلوماتية الإجتماعية، بما في ذلك النظم الصحّية و التعليمية
تصنيف الدول النامية

بالنسبة للبند الأوّل، الخاص بنظم المساعدات التقنية، يؤكّد ماسودا على أهمّية الإنتباه إلى عدم القيام بزرع نظم نمطيّة موحّدة، بالنسبة لجميع الدول النامية . و يطالب بتنوّع في أنماط المساعدة التقنية، وفقاً للتباين الشديد و التمايز الواسع بين الدول النامية حاليّاً .
و مع ذلك، فهو يحاول تصنيف الدول النامية في مجموعتين أساسيّتين :
الأولى هي الدول التي أنجزت -فعلاً- المرحلة الأولى الأساسية في التصنيع، ممّا يجوز معه وصفها بالدول نصف المتطوّرة .
أمّا الثانية فهي الدول التي لم تبدأ بعد التصنيع، و هذه تنقسم إلى:(ا) دول غنيّة بمواردها الطبيعية، (ب) دول فقيرة، تعتمد في الأغلب على الزراعة و الثروة الحيوانية .
الدول نصف المتطوّرة، بإمكانها أن تتبع سياسة التعاون بين رأس المال القومي و رأس المال الأجنبي أمّا الدول النامية الغنيّة بمواردها، فيكون عليها أن تعتمد على رأس مال الدولة، في إدخال التكنولوجيات المتقدّمة . و لا يكون أمام الدول الفقيرة سوى أن تتلقّى المساعدات التكنولوجية من الدول المتطوّرة
نظام جديد لتقسيم العمل دولياً

بالنسبة للبند الثاني، بند إدخال التكنولوجيات الصناعية في الدول النامية، يقول ماسودا أن الدول الغنيّة بمواردها الطبيعية، يكون من الضروري لها أن تعتمد على الصناعات التي تتضمّن توفيرا في العمالة الفنّية( المديرون و المهندسون)، و ذلك ضمن خطوات النظام الدولي الجديد لتقسيم العمل، و من أجل التطوّر الإقتصادي لهذه الدول .
و يرى ماسودا أنّه من المتوقّع، في ظل النظام الدولي الجديد لتقسيم العمل، أن يوكل أمر صناعات الحديد و الصلب، و تكرير البترول، بشكل أساسي، إلى الدول التي تتوفّر فيها المواد الخام . و من هنا، وجب الإهتمام بتقديم المساعدات إلى هذه الدول، فيما يتّصل بالتكنولوجيات المانعة لتلوّث البيئة .
و هو يرى ضرورة إعتبار الحفاظ على الموارد الطبيعية مسئولية دولية، تتقاسمها الدول الصناعية المتطوّرة و الدول النامية معاً .
و إدخال التكنولوجيات الصناعية الموفّرة للعمالة العقلية -في رأيه- يكون له أثره المزدوج : ففيه حلّ لمشكلة النقص في المديرين و المهندسين، بالإضافة إلى أن هذه التكنولوجيات الصناعية، لا يمكن فصلها عن التكنولوجيات المعلوماتية المتقدّمة، و من ثمّ فإن الأخذ بها يمكن أن ينظر إليه بإعتباره أحد أشكال إدخال التكنولوجيا المعلوماتية
البنية التحتيّة المعلوماتية

و أخيرا، نصل إلى البند الثالث، الذي يتّصل بإدخال التكنولوجيا المعلوماتية . لقد أثبتت التجربة العملية، أنّه بالنسبة للدول الفقيرة المحرومة من الموارد الطبيعية، و التي تتصدّى لإقامة البنية التحتية الأولى للمعلومات، من الضروري قيامها بإنشاء شبكة إتّصالات، على إتّساع الدولة . و يجب أن تتجاوز هذه الشبكة خطوط الإتّصال للبرق و التليفون، إلى إقامة شبكة إتّصال رقمية(إلكترونية)، تسمح باستخدام الكمبيوتر في نقل و تبادل المعلومات، و تكون ضمن شبكة المعلومات العالمية التي تعتمد على الأقمار الإصطناعية للإتّصالات
و بالنسبة للدول النامية التي تتصدّي لإدخال النظم المعلوماتية، يؤكّد ماسودا على أهمّية التركيز على النظم المعلوماتية الإجتماعية، التي تتيح تطبيق تكنولوجيا المعلومات في المجالات الإجتماعية، مثل التنمية الإقليمية و الرعاية الصحّية و التعليم .
ثم يقول ماسودا: إن المشاكل التي كانت تعتبر مستحيلة الحل في الماضي، مثل محو الأمّية و إستئصال الأمراض المتوطّنة، أصبح من الممكن - للمرّة الأولى - حلّها إعتماداً على التكنولوجيا
نتائج التنمية المتزامنة

إذا ما تم هذا، على الأسس المذكورة، يصبح من الممكن أن تتحقّق النتائج المتكاملة التالية :
أولا ؛ تضييق الفجوة الصناعية المعلوماتية
إذا مانجحت الدول النامية في إدخال تكنولوجيا الصناعات الصائنة للموارد، و المحافظة على البيئة، والتي تقلّل الإحتياج إلى العمالة العقلية، و نجحت أيضاً في إدخال تكنولوجيا المعلومات التي تركّز على نظم التعليم بالنسبة للمناطق النائية .. إذا ما حدث هذا، فإنّه يقود إلى رفع مستوى التعليم، و إلى إمكان تدريب عمـّال الصناعة الحديثة و مهندسي المعلومات، و إرساء أسس التنمية المستقبلية، بالنسبة للصناعات ذات الإعتماد المكثّف على المعارف .
ثانيا : الإعداد لنظام بيئي عالمي
و حيث أنّ هذه الدول ستتّجه إلى تنمية التكنولوجيا الصناعية التي لا تقود إلى تلويث البيئة، أو إلى إستهلاك المواد الخام، فإن مثل هذه التنمية تساهم في تأسيس النظام البيئي العالمي الجديد .
ثالثا : كبح الإنفجار السكّاني
إدخال نظم الرعاية الصحّية في جميع أنحاء الدولة، ستكون له نتائجه السلبية المؤقّتة على المسألة السكّانية، إذ أنّه سيقود إلى تحسّن المستوى الصحّي، ممّا يطيل متوسّط المدى العمري . لكن هذا، مع إرتفاع مستوى التعليم، سيؤدّي إلى إرتفاع مستوى الفهم و الوعي بالحاجة إلى تنظيم النسل، ممّا يقود آخر الأمر إلى كبح الإنفجار السكّاني

* * *

هذا هو بعض ما طرحه الكاتب المستقبلي الياباني يونيجي ماسودا، فيما يتّصل بمواجهة الفجوة المزدوجة، التي أصبحت تفصل ما بين الدول المتطوّرة و الدول النامية . و هذا هو جانب من حلمه العملي، الذي يدور حول إنشاء نظام إقتصادي عالمي للكوكب الأرضي .. يبقى أن نتأمّل هذا، و نفكّر في سبل تجاوز التخلّف و اللحاق بركب التقدّم، فهذه قضيّتنا قبل أن تكون قضيّة أي شخص آخر، أو جهة أخرى .

الجمعة، يناير ٢٥، ٢٠٠٨

اقتصاد جديد ... لمجتمع المعلومات


آلفن توفلر يشرح إنتقالنا

من إقتصـاد العمالقـة

إلى إقتصــاد الفسـيفسـاء

على مدى سنوات عصر الصناعة، كانت ضخامة المؤسّسة تعني المزيد من القدرة التنافسية، و تقود إلى المزيد من النجاح و الرواج . و قد بقي هذا الإعتقاد سائدا، حتّى بعد أن بدأ عصر الصناعة إنسحابه، مفسحا السبيل لعصر المعلومات، بإقتصاده القائم على أسس جديدة، قد تتناقض مع ما ساد عصر الصناعة
ومــع ذلك، ففي خلال السنوات العشــر الماضية، شـهدت الدول الصناعية الكبرى تضاعفا في عمليات الإندماج بين المؤسّسات الإقتصادية الكبرى، بهدف الوصول إلى المزيد من الربح
في الولايات المتحدة الأمريكية، تصاعدت في عمليات الإندماج بين الشركات الكبرى . ففي عام 1985، إشترت شركة جنرال موتورز، أكبر صانعة سيارات في الولايات المتّحدة الأمريكية، حقّ التحكّم في شركة هيوجز لصناعة الطائرات، و دفعت مقابل ذلك ما يصل إلى 4,7بليون دولارا . و في ذلك الوقت، كان هذا هو أكبر قدر من المال يدفع في شراء مؤسّسة ما . و في عام 1988، بلغ عدد حالات الإندماج و الإستيلاء 487حالة، جرى فيها دفع ما يصل إلى 227 بليون دولاراً .

الربح و المراوغات الجمركية

في البداية، كان الأمر قاصرا على الولايات المتّحدة، ثم بدأنا نسمع عن إندماجات بين شركات أمريكية وأوربية و يابانية . و الأمثلة على ذلك كثيرة، من بينها إستيلاء شركة بريدجستون الأمريكية على شركة إطارات فاير ستون . و ابتلاع شركة سارالي لشركة اكزو الهولندية، واستيلاء شركة كادبوري شويبس الإنجليزية على شركة بولان الفرنسية للشيكولاته . و شراء شركة هاشيت الفرنسية لشركة جروليار الأمريكية..و أيضاً، شراء شركة سوني اليابانية لشركة كولومبيا للصناعات السينمائية .
قام العديد من هذه الإندماجات أساسا لتحقيق الربح السريع، أو لإستغلالها في المراوغات المالية والجمركية، و إن قام بعضها على أسس إستراتيجية
و عند إندفاع أوروبا إلى تكامل السوق الأوربية، إندمجت العديد من الشركات الكبرى، على أمل إستثمار السوق الأوربية المشتركة في حماية نفسها من محاولات الشركات الأمريكية و اليابانية العملاقة .

وهم العمالقة

ما الذي يقود إليه هذا ؟ . إذا إقتصرت نظرتنا على حجم التمويل، فإن حركة الإندماجات المتنامية هذه قد تقودنا إلى تصوّر قوّة إقتصاد الغد محكومة بعدد من عمالقة الإقتصاد . إلاّ أن هذا يعتبر تبسيطا مخلاً، بعيدا عمّا يجري فعلاً . و يطرح آلفن توفلر ثلاثة أسباب لذلك
أولاً : نحن نرتكب خطأ إذا افترضنا أن هذه المؤسّسات العملاقة ستبقى على حالها، دون أن تنفرط . لقد ثبت من واقع عمليات الإندماج السابقة، أن ذلك الإندماج تعقبه، بسنوات قليلة، موجات من التفتّت والتشرذم. في بعض الأحيان، يرجع ذلك إلى أن الأسواق المتوقّعة تكون قد تبخّرت، أو إلى أنه قد تمّ الإعتماد على إستراتيجيات خاطئة . و من ناحية أخرى، تتم بعض الإندماجات في كيانات كبرى، و في نيّة أصحابها، منذ البداية، أن يعقب هذا الإندماج، إعادة توزيع الكيان الكبير الجديد على كيانات صغيرة
ثانيا : إنّنا نشهد اليوم إنفصالاً متناميا بين عالم المال، و عالم الإقتصاد (الحقيقي)، الذي تتم فيه عمليات إنتاج و توزيع المنتجات و الخدمات . في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وبعد أن إصطدم سوقان من أسواق المال، ثبت أنه في الإمكان - في بعض الأحيان - أن تنهار أسواق المال مؤقّتاً، دون أن يؤثّر ذلك بشكل فعّال على العمليات الإقتصادية الفعلية . و لعل مرجع ذلك إلى أن رأس المال نفسه يصبح، بشكل متزايد، أقل أهمية وليس أكثر، من إقتصاد إنتاج الثروة
ثالثا : لم يعد الحجم الكبير يقود، بالضرورة، إلى تعاظم القوّة . فالعديد من الشركات العملاقة، تتحكّم في موارد قوّة هائلة، لكنّها لا تستطيع تحريكها بشكل فعّال . و هذا، هو الدرس الذي تعلّمته الولايات المتّحدة الأمريكية في فييتنام، ثم تعلّمته ثانية في الصومال ( كتب توفلر هذا قبل أن تتأكّد رؤيته في أفغانستان و العراق ) .. و هو نفس الدرس الذي تعلّمه الإتّحاد السوفييتي في أفغانستان . و الخلاصة، أن ضخامة الكيان لم تعد ضمانا للنصر
فسيفساء القوّة

لكي نعرف كيف سيتم توزيع القوّة في أي صناعة أو نشاط إقتصادي مستقبلاً، يلزمنا أن نتأمّل العلاقات، و ليس مجرّد البنى (جمع بنية ) التي تقوم بالنشاط .
عندما نفعل ذلك، سنكتشف تناقضاً مدهشاً . ففي نفس الوقت الذي تتورّم فيه بعض المشروعات والشركات من حيث الحجم، نشهد حركة مضادّة قويّة، تستهدف تفتيت المشروعات الكبرى إلى وحدات أصغر فأصغر . يحدث هذا، مع تصاعد تشجيع المشروعات الصغيرة . و هذا يعني أن تركيز القوّة، لا يشكّل سوى نصف القصّة فقط . إنّنا لانمضي إلى ظاهرة وحيدة، بل إلى توجّهين متعارضين بشكل دراماتيكي، يضمّهما تركيب واحد
يقود الدور الجديد للمعرفة في المجالات الإقتصادية، إلى شكل جديد من أشكال القوة، هو فسيفساء القوّة .. إنّنا نمضي من الكيان الضخم، إلى الكيان المركّب من كيانات صغيرة مختلفة و متنوّعة، على شكل الفسيفساء، أو الموزاييك . و لعل ما قاد،عمليّاً، إلى تأكيد ذلك، ما حدث في الثمانينيّات، بينما وصلت موجة الإندماجات إلى أوجها، عندما إكتشف رجال الأعمال ما أطلقوا عليه : مركز الربح

مراكز الربح و الكمبيوتر

لقد إندفعت الشركات - بكل حماس - إلى تقسيم أنفسها إلى عدد كبير من الوحدات . و طلبت الشركة من كلّ وحدة أن تعمل كما لو كانت مشروعا إقتصادياً صغيراً مستقلاّ . و هكذا، بدأ التحوّل في الشركات والمؤسّسات العملاقة، من البناء الداخلي الضخم المركّب، إلى نوع من الفسيفساء التنظيمي الذي يضم عشرات - وأحيانا مئات - الوحدات المستقلة الصغيرة . لكن الثابت، هو أن قلّة صغيرة من المديرين هي التي أدركت أن هذا التنظيم الجديد، يستمدّ صلاحيته و قوّته من التغيّرات التى طرأت على نظام المعرفة
و من الصعب القول بأن فكرة إنشاء مراكز ربح صغيرة داخل المؤسّسة الكبيرة، كانت جديدة . إلاّ أن هذه الفكرة كانت تواجه مقاومة كبيرة، في عصر ما قبل شبكات الكمبيوتر، لأنّها كانت تعني، من وجهة نظر الإدارة العليا، إنتقاصا لقدرتها على التحكّم في الأمور . و حتّى بعد ظهور أجهزة الكمبيوتر الضخمة (المينفريم) على الساحة، كان من الصعب على إدارة الشركات أن ترصد العمليات التي تقوم بها الأعداد الكبيرة من "المراكز" ذات المسئوليّة الخاصّة .

الكمبيوتر الشخصي، هو البطل

لم يبدأ إنتشار فكرة مراكز الربح بشكل سريع و واسع، إلاّ بعد ظهور الكمبيوتر الشخصي .
لكن الأمـر كان متوقّفاً على شرط آخر، و هو أن تدخل أجهزة الكمبيوتر الصغيرة العديدة هذه في شبكة واحدة، تربط بينها، و تربط ـ في نفس الوقت ـ بينها و بين الجهاز الرئيسي الكبير، عند قمّة المؤسّسة . بمجرد أن حدث ذلك، في الثمانينيّات، إكتسب مضمون مراكز الربح دفعاً هائلاً .
عندما شاعت أجهزة الكمبيوتر الشخصية فوق مكاتب العاملين داخل الشركة، لم يكن أي جهاز منها يتصل بأي جهاز آخر . و قاد ذلك إلى تحوّل القوّة في المؤسّسة إلى أسفل . صغار المديرين و الموظّفين، و قد تسلّحوا بهذا الجهاز العجيب، ذاقوا طعماً جديداً للقوّة لم يعرفوه من قبل، و مارسوا نوعا من الإستقلال كان جديدا عليهم .
لكن، بمجرد أن إرتبطت الأجهزة الصغيرة، بجهاز الكمبيوتر المركزي للمؤسّسة(المينفريم)، حتّى أتاح ذلك للقيادة، عند القمّة، متابعة ما يجري في الوحدات الصغيرة القاعدية، خطوة بخطوة . لقد أصبح بإمكان مراكز الربح الصغيرة أن تعمل بحرّية، كما أتيح للقيادة أن تتابع ما يجري، و تتحكّم فيه
تعميق الفجوة بين المال و العمل

و هكذا، قادت ثورة المعلومات إلى تعميق الفجوة بين المال و العمل . و جعلت من الممكن المضي في التركيز المالي، مع خضوع قوّة العمل لعملية توزيع، و هبوط في التركيز
إلاّ أن مراكز الربح حاليا، مازال العديد منها، مجرّد صورة محاكية للمؤسّسة الأم . ونتيجة لهذا، تم تخريج جيل جديد من البيروقراطيّين الصغار، من بطن البيروقراطية الأم . و لا يمكن لهذا أن يستمرّ، في إطار المؤسّسة المرنة، التي يستوجبها النظام الإقتصادي الجديد . فالجانب التنظيمي لأي مؤسّسة كبرى، يقود إلى الإعتراف بالتباين و الإختلاف، و بأهمّية أن تشكّل الوحدات الصغيرة داخل المؤسّسة، نوعا من الفسيفساء متباين الشكل و القوة .
و خلاصة القول، أنّنا نتحرّك من نظام تسلسل رئاسات، يعتمد على تركيز السلطة و القوّة عند القمّة، وتحكمه تنظيمات مركزية قليلة التنوّع، إلى فسيفساء متنوع الأشكال و الألوان من القوّة و التنظيم

تسطيح الهرم البيروقراطي

غير انه من المهم الإنتباه إلى أن نظام تسلسل الرئاسات التقليدي داخل المؤسّسة، يتغيّر هو الآخر . فبالإضافة إلى مراكز الربح، شهدت ثمانينيّات القرن الماضي ما يصح أن نطلق عليه " تسطيح الهرم البيروقراطي "، أي إقتراب قمّته من قاعدته . و قاد هذا إلى ما يعرف بإسم" مذبحة الإدارة الوسيطة " . و كما في حالة التحوّل إلى مراكز الربح، جاء هذا التغيير أيضاً نتيجة للحاجة إلى ضمان التحكّم في نظام المعرفة في المؤسّسة .
بمجرّد أن بدأت الشركات في التخلّص من إداراتها الوسيطة، بدأ المديرون و الأكاديميون و رجال الإقتصاد، الذين تغنّوا من قبل بروعة الضخامة، بدأوا بتغزّلون في جمال الصغير، و يتحدّثون عن خلل إقتصاديات الضخامة
الذي بدا واضحاً، هو أن الإدارة ـ على مستوى القيادة ـ لم يعد بإمكانها أن تنتظر عملية تحليل المعلومات و المعارف، التي تتم خطوة بخطوة في المستويات الأدنى، و التحرّك البطيئ للرسائل عبر سلسلة الرئاسات . لقد اخذت المعرف تنتقل بشكل فوري من كمبيوتر لآخر، فتزايد الإحساس بأن كتلة الإدارة الوسيطة قد أصبحت عائقاً و عنق زجاجة، أكثر منها أداة ضرورية لإتّخاذ القرارات السريعة

خفض النفقات..من أين ؟

في وجه ضغوط المنافسة، و التهديد باستيلاء الشركات المنافسة على الشركة، بدأ المديــر، الذي كان قانعا بالبنية الأساســية العتيقة، في البحث المستميت عن وسائل جديــــدة لخفض النفقات و التكاليف .
أول ردود الفعل ـ المتكرّرة ـ في مجال خفض النفقات، كان تقليص المشروع، وإلقاء العاملين في الشارع، دون الإنتباه ـ في أغلب الأحيان ـ إلى أن هذا يعتبر عبثاً في النظام المعرفي، الخاص بهذا المشروع . في هذا، يقول بروفيسور هارولد أوكلاند، من جامعة بيس، و أحد خبراء تخفيض القوى العاملة، أن العديد من عمليات خفض النفقات بتوفير البشر، تقود إلى خفض الإنتاجية، للسبب المذكور .
غير أن التخلّص من الإدارة الوسيطة، كان في معظم الأحيان هو السبيل إلى إعادة إقامة البنية الأساسية للمعلومات في الشركة .
لقد ظهر أن العديد من واجبات الإدارة الوسيطة غير الإبتكارية، يمكن أن تتم بشكل أفضل و أسرع عن طريق شبكات أجهزة الكمبيوتر، و أجهزة الإتّصال الأخرى . و تقدّر شركة(آي.بي.إم) لإنتاج أجهزة الكمبيوتر، أن مجرّد جانب من شبكتهاالإلكترونية الداخلية، التي بإسم ( برفس)، يقوم بعمل كان يتطلّب جهد 40 ألف من العاملين على مستوى الإدارة الوسيطة
* * *

عندما ننشئ مراكز الربح، و نسعى إلى تسطيح هرم الإدارة البيروقراطي، و نتحوّل من الكمبيوتر المركزي الضخم إلى شبكة اجهزة الكمبيوتر الصغيرة، التي تتّصل ببعضها البعض، و تتّصل - في نفس الوقت - بالكمبيوتر المركزي .. عندما نفعل ذلك، نحوّل قوّة المؤسّسة من كيان عملاق وحيد، إلى فسيفساء من القوى و الأشكال التنظيمية
و مرّة أخرى، نرى كيف تفيد الرؤية الشاملة، غير الجزئية، و غير الأحادّية، في فهم العلاقات الوثيقة بين ثورة المعلومات، و إنجازاتها التكنولوجية، و طبيعة العمل و الإنتاج في مؤسّسات مجتمع المعلومات. وكيف نحتاج بشدّة إلى النظر للأمور برؤية مستقبلية شاملة

الاثنين، يناير ٢١، ٢٠٠٨

اقتصاد جديد ... لمجتمع المعلومات

الإقتصاد الجديــــد
ماذا في صالحنا منه ؟

الإقتصاد الجديد، الذي بدأ يسود العالم بأكمله، يختلف في أسسه عن الإقتصاد الذي ساد العالم على مدى القرنين الماضيين، بل و يتناقض معه في كثير من الجوانب . و عندما نتساءل: ما الذي في صالحنا منه ؟، فنحن نتساءل بالتحديد عن جوانبه التي تشكل، بالنسبة لظروفنا الإقتصادية الحالية، ميزة نسبية تساعدنا على اقتحامه . و ليس هنك شكّ في أن تحولنا إلى الأسس الإقتصادية الجديدة ضرورة ملحّة، و مهمّة عاجلة، و هو في صالحنا بجميع المقاييس .
و دخولنا الى الإقتصاد العالمي الجديد لن يكون سهلاً . فهو يتطلّب عمليات إعادة بناء أساسية، ويتضمّن الأخذ بأفكار و ممارسات جديدة علينا . الإقتصاد الجديد يتناقض في معظمه مع ما ارتضيناه من أوضاع في حياتنا الإقتصادية و الإجتماعية و السياسية .. يتناقض مع نوع الإدارة الذي نعتمد عليه، و مع التعليم الذي نأخذ به، و مع رؤيتنا للإعلام و الممارسة السياسية . و هذه من الأمور التي سنتعرّض لها بالتفصيل فيما يلي من الحديث . لكننا سنركز الآن على ما لا يتناقض معنا، و ما يمكن أن يشكّل ميزة نسبية في واقعنا الراهن .

رأس المال الأقلّ

في إقتصاد الصناعة، كان من الممكن أن يتوفّر الفهم و العزم، و تبقى مشكلة رأس المال الكبير الذي يتيح للمشروع أن يصمد للمنافسة . و في الإقتصاد الجديد، نحتاج إلى رأس مال أقلّ، للقيام بنفس الأشياء التي كانت تحتاج إلى رأس مال أكبر في الماضي .
و السبب في هذا أن تنامي التوجّه المعرفي في مجتمع المعلومات، جعل بلإمكان الإعتماد على المعرفة كبديل للمصادر التقليدية الأخرى، مثل التكنولوجيا و استهلاك المواد الخام و الطاقة .
في المصانع التقليدية، كان تغيير المنتج يتطلّب تكلفة عالية للغاية، سواء لتغيير نظام عمل الآلات أو لتدريب العمال أو لإجراء استشارات الإخصائيين . لهذا كان السبيل الأقوم، هو إنتاج سيل السلع النمطية المتطابقة . أما المصانع الجديدة، المستفيدة من تكنولوجيات الكمبيوتر، فبإمكانها أن تنتج تنوعاً هائلاً من المنتج الواحد..ملبية بذلك إحتياجات التنوع المتزايدة في السوق .
و هذا يعني أن " المعرفة " تحلّ محلّ التكلفة المرتفعة لتغيير الإنتاج .
و يحدث نفس الشيئ في مجال استهلاك المواد الخام . المخرطة التي تعمل وفق برنامج ذكي للكمبيوتر، يمكن أن تتيح لنا قطعا أكثر من كتلة الصلب، بأفضل مما يفعل أيّ خرّاط من البشر . هذا بالإضافة إلى أن المعارف الجديدة تتيح تصغير حجم المنتج، و توفّر لنا منتجات أصغر و أخفّ وزنا، مما يخفض تكلفة النقل و التخزين . هذا، بالإضافة الى ما توفّره المعارف من خامات" مخلّقة "، تتيح الإستخدام الإقتصادي .
و أيضا، ينسحب هذا على الطاقة، فالإبتكارات المعرفية الجديدة في مجال الموصّلات الفائقة، تخفّض استهلاك الطاقة بشكل ملموس . كما أن المعرفة توفّر الوقت، الذي يعتبر من أكثر الموارد أهمّية في الإقتصاد الجديد، حيث تعتبر القدرة على توفير الوقت الفيصل بين المكسب و الخسارة .
و هذا كلّه يعني أن بإمكاننا اليوم أن نحسّن أوضاعنا، بما يتوفّر لدينا من رأس المال، أكثر ممّا كان محتملا منذ عشرة أو عشرين سنة مضت .

عصر الإقتصاد الأصغر

بحكم حالة نموّنا الإقتصادي الراهنة، و عدم وصولنا إلى مرحلة الإحتكارات الكبرى، نعتمد في شقّ كبير من اقتصادنا على المشروعات الصغيرة أو المتوسّطة . و هذه نقطة في صالحنا الآن، باعتبار أن الإقتصاد الجديد يتيح فرص النجاح للإقتصاديات الصغيرة . و هذا هو السرّ في أن المؤسسات الضخمة تحاول اليوم أن تعيد بناء ذاتها، على أساس إعتمادها على وحدات إنتاج صغيرة، أشبه ما تكون بالشركات الصغيرة . الأمثلة على هذا عديدة، من بينها ما أورده آلفين توفلر في كتابه(تحوّل القوّة) .
في " فال فيبّراتّا " بشرق إيطاليا، يدير رجل الأعمال الإيطالي سيرجيو روسّي عمله، من بيته، معتمدا على ثلاثة مستخدمين، يعملون على أجهزة ذات تكنولوجيا عالية، لإنتاج محافظ و حقائب جلدية صغيرة، تباع في أرقى متاجر نيويورك .
و غير بعيد منه، يقيم ماريو بوستاشينو مؤسسته (يوروفليكس)، التي لا يتجاوز العاملين فيها 200عاملا، و تتخصّص في صناعة الأثاث، و تورده لمحلات(ميسيز) الشهيرة . و هذه الشركة تعتبر نموذجاً للشركات العائلية التي تروج في الإقتصاد الجديد . زوجته تتولّى المبيعات، و إبنه يقوم بالعمليات المالية، و تقوم إبنته بتصميم الأثاث، كما يتولّى إبن عمّها جانب الإنتاج في العمل .
مشروعان صغيران، ضمن 1650مشروعا صغيرا في ذلك الوادي، متوسّط عدد العاملين في المشروع لا يتجاوز 15عاملاً، لكنها في مجموعها تدخل إلى إيطاليا ما يزيد عن بليون دولار سنوياً .

مراكز الربح

عدم وصولنا إلى مستوى الإحتكارات الإقتصادية الكبرى، يمكن أن يحسب ميزة لنا اليوم .
فالملاحظ اليوم، أن العشرات، إن لم يكن المئات، من الشركات الكبرى، قامت بتفكيك نفسها إلى " مراكز ربح " متعدّدة، على أمل أن يقوم كل "مركز ربح " بعمله، باعتباره مشروعا اقتصادياصغيرا، يستجيب لأحوال السوق المتغيّرة بالسرعة المناسبة . بل ان بعض الشركات الكبرى فرضت على كلّ مركز ربح صغير أن يسعى إلى تمويل نفسه، من حصيلة بيع خدماته، حتّى يبرر بذلك وجوده . و هذا يعني أن الشركات العملاقة تسعى إلى أن تتحوّل إلى شركات صغيرة، حتى تستطيع أن تواجه الإقتصاد الجديد، شديد التغيّر و التنوع، سريع الإيقاع .
و من هنا تجئ الميزة النسبية لإقتصادياتنا الصغيرة في اقتصاد المعلومات الجديد .
ومن ناحية أخرى، تسعى الكيانات الإقتصادية الكبرى، في الدول الصناعية المتطوّرة، إلى إعادة بناء ذاتها في وجه مقاومة شديدة لكل ما استقرّ على مدى سنوات عصر الصناعة . في وجه القيم التي استقرّت على مدى عشرات السنين، و تتناقض اليوم مع قيم الإقتصاد الجديد . أمّا عندنا، فالتغيير سيكون أسهل، باعتبارنا في بدايات التحوّل الصناعي، قياسا على الدول الكبرى، و بالنظر إلى مساحة النشاط الإقتصادي الصغير لدينا .

* * *

هذا هو ما في صالحنا من الإقتصاد الجديد . و حتّى في هذه الحدود فإن الحاجة شديدة إلى تنمية المعارف، و التعامل مع التكنولوجيات المتطوّرة، و إلى الرسالة التالية لنرى كيف ننتقل من اقتصاد العمالقة، إلى اقتصاد االفسيفساء

الثلاثاء، يناير ٠٨، ٢٠٠٨

انتبهوا : اقتصاد جديد .. لمجتمع جديد

في اقتصاد مجتمع المعلومات

" الحيازة " مكان الملكيّة الخاصّة


في ظل الإدارة الذاتية و المشاركة ، الضروريتان في اقتصاد مجتمع المعلومات، ما هي المؤسّسات أو المنشآت المناسبة قانونا لهاتين الخاصّتين، في مكان مؤسّسات الملكيّة الخاصّة التي سادت المجتمع الصناعي ؟ . يقول المفكّر الياباني كاورو ياماجوشي " كما قامت الحياة الصناعية على مضمون الملكية الخاصّة، في مقابل الملكية الجماعية، سيقوم مجتمع المعلومات على مضمون ( الحيازة )، في مقابل عدم الحيازة . لكن، بماذا تختلف الملكيّة الخاصّة عن الحيازة ؟ " .
الملكية الخاصّة، تشير إلى الحقّ المطلق لوضع اليد على أملاك، عبر الزمان و المكان . مثال ذلك، أنّه بإمكاننا أن نمتلك شركة في دولة أجنبية، حيث لا نعيش، و أن نتحكّم فيها حتّى بعد وفاتنا، من خلال ما نوصي به . و قد أتاحت الملكية الخاصّة ـ بهذه الطريقة ـ رسم حدود زائفة بين الملكية الفردية و ملكية الدولة .
و في الجانب الآخر، تشير " الحيازة " إلى الحقّ الخاص بالتصـرّف في الممتلكات، للذين هم في حالة إدارة حقيقية لها، و من ثمّ الذين يشاركون فيها . و بكلمات أخرى، الحيازة هي ملكية خاصّة محكومة بزمن و مكان معيّنين . على سبيل المثال، لا يمكن لحملة الأسهم أو أصحاب رأس المال أن يطالبوا بأرباح من الشركة التي يملكونها قانونيا، إلاّ إذا كانوا داخلين فعلا، و بأنفسهم، في أنشـطة الإدارة و الإنتاج بالشركة .


المبادئ الثلاثة للحيازة


المقتضيات المؤسّسية للحيازة، في حالة الوحدات الإنتاجية، يمكن إن تعتمد على المبادئ التالية :
المبدأ الأوّل : الحيازة الأتوماتيكية لوحدة الإنتاج في زمن المشاركة . و هذا يعني، أنّه عندما ينضمّ العاملون المشاركون إلى المؤسّسة الإنتاجية، يصبحون بشكل آليّ حائزين لهذه الوحدة الإنتاجية، و يشاركون في الإدارة الذاتية بشكل ديموقراطي . و من ثمّ، لا يمكن فصل أيّ عامل مشارك رغم إرادته .
المبدأ الثاني : انتهاء الحيازة أتوماتيكيا بمجرّد ترك العمل . فعندما يترك العامل المشارك وحدته الإنتاجية، يفقد حيازته فيها، كما يفقد صلاحية التحكّم في عملية الإدارة الذاتية من الخارج . و من البديهيّ، يتم فقد الحيازة في حالة الوفاة، أيّ لا يحق أن يورّث حيازته للآخرين، إلاّ إذا كانوا بذاتهم ملتحقين بالمؤسّسة .
المبدأ الثالث : حيازة الوحدات الإنتاجية، كبيئة و ملاذ و موطن . فكلّ فرد في الاقتصاد الجديد يحقّ له أن يخلق، أو يبحث بحرّية، عن أنسب ملاذ أو بيئة طبيعية، في إطار الحيازة . لكنّه من غير المسموح لأيّ فرد أن يكتسب منافع اقتصادية لمجرّد الحيازة في حد ذاتها . و بمعنى آخر، بيع الوحدات الإنتاجية في ظلّ هذا المبدأ، ليس أكثر من تغيّر في شكل الحيازة، دون دفع أيّ مال، و من ثمّ تصبح الوحدات الإنتاجية ـ كسلع مادّية ـ بصفة دائمة ذاتية الإدارة، تتراكم و تنمو أو تنهار و تتبدّد، على أيدي الحائزين الجدد . و على هذا، فليس من الممكن للعامل المشارك أن يحصل على منافع اقتصادية إلاّ من خلال الإنتاج، و صافي التدفّقات ( أي بالاستهلاك و استثمار البضائع )، و لكن ليس عن طريق تبادل ملكية الأسهم، أو تبادل ملكية وحدات الإنتاج .


إعادة توحيد ما انفصل


التكنولوجيا الميكاترونية ( الميكانيكية ـ الإلكترونية )، و المنشآت القائمة على الحيازة، في الاقتصاد الجديد، ستجتثّ أساس عمليات الانفصال الأربع التي أقامها عصر الصناعة، و لنر كيف سيتم التوحّد :
أولا : المؤسّسات الرأسمالية المخطّطة، ستتلقّى ضربة من وحدات الإنتاج القائمة على الإدارة الذاتية، من خلال المنافسة في السوق . و هذا يعني بالتبعية إعادة توحيد العمّال و الإداريين و أصحاب رأس المال، في ظلّ الإدارة الذاتية .
ثانيا : وفقا لهذا التنظيم، سيصبح التمويل الذاتي وسيلة سائدة لرفع الموارد المالية، و من ثمّ فإنّ الذين يتّخذون قرارات الاستثمار، سيكونون هم الذين يتّخذون قرارات الادّخار، و هكذا يعاد توحيد المستثمرين و المدّخرين .
ثالثا : مع بدء مشاركة المستهلكين في عملية إنتاج البضائع/ و التي يتمّ إنتاجها حسب الطلب، ستتحقّق عملية إعادة التوحيد بين المستهلكين و المنتجين . و قد يتأخّر هذا الجانب من التوحيد بشكل نسبي، كما قد يظلّ جزئيا، إلى حين أن يتحقّق الاكتفاء الذاتي للمجتمعات .
رابعا : من خلال عمليات التوحيد الثلاث السابقة، و في إطار منشأة الحيازة، سيبدأ الناس في اعتبار أنفسهم جزءا لا يتجزّأ من الطبيعة . و سيسعون إلى العيش في وفاق معها . ممّا يساعد على تحقيق التوحّد بين الإنسان و الطبيعة .


اقتصاد جديد لمجتمع المعلومات


في ختام تحليله هذا، يدعونا ياماجوشي إلى تصوّر اقتصاد تنتهي فيه عمليات الانفصال الأربع، وتختفي فيه الطبقات العاملة و الرأسمالية، و يبدأ فيه كلّ أفراد المجتمع، بل و أبناء العالم، في "حيازة" ممتلكاتهم و وحداتهم الإنتاجية، و هم يتشاركون في هذا كلّه مع الآخرين . و نتيجة لهذا، من المتوقّـع أن يختفي سوق العمالة، باعتباره سوقا للاستغلال . كذلك سيختفي معه مضمون الأجور و الإنتاج .
سيبدأ ـ بعد ذلك ـ كلّ أعضاء المجتمع، و العالم، في تطبيق الإدارة الذاتية داخل الوحدات الإنتاجية، و في اتّخاذ قراراتهم بالنسبة للادّخار و الاستثمار و الاستهلاك، بطريقة تعاونية ديموقراطية . و سيشيع انتشار من يطلق عليهم ياماجوشي تعبير " العمّال المستهلكون و التعاونيون في عملهم " . سيمارس هؤلاء الإدارة الذاتية لأموالهم، أيّ يدّخروا ليستثمروا، ممّا ينهي ما عرفناه من أسواق رأس المال النقدي، التي شاعت في الاقتصاد الرأسمالي . و لا يبقى لنا سوى الأسواق المالية للمقرضين والمقترضين، التي تعمل على المال الداخلي . و إن كان من المتوقّع أن تبقى الأسواق السلعية، و لكن بشكل جزئي .


لماذا هو أفضل ؟


هذا النوع من الاقتصاد، يمكن أن يعمل بشكل أفضل من الاقتصاد الرأسمالي لسببين :
· أوّلا، لأنّه يتمتّع بتوازن طويل المدى، الأمر الذي تفتقده الاقتصاد الرأسمالي، إلى حدّ بعيد .
· ثانيا، لأنّ هذا الاقتصاد المتوازن على المدى البعيد، يحقّق العدالة الاجتماعية التي تحدّث عنها ماركس، بمعنى انعدام استغلال العمّال المشاركين، من خلال الأسواق النقدية . و ينهي في الوقت نفسه استغلال أصحاب رأس المال للعمّال في ظلّ النظام الرأسمالي، وفقا لمنطق قيمة العمل و من هذا المنطلق تتحقّق العدالة في توزيع الدخل .
لقد عرف عصر الصناعة العديد من المشاكل الجادّة، اقتصاديا و اجتماعيا و بيئيا و عالميا، مثل البطالة و الاستغلال، و عدم عدالة توزيع الدخول، و الكساد و التضخّم، و تركيز رؤوس الأموال، والعنف و الجريمة ، و التفرقة بين البشر على أسس وراثية كالعرق و اللون و الجنس و العمر، و على أسس سلفية كالدين و العقيدة و الثقافة و اللغة، و مثل البيروقراطية و تخريب البيئة، و الفقر في الدول النامية، و الصراعات العالمية القائمة على المصالح الدولية و التناقضات الأيديولوجية، و مثل التهديد النووي و سباق التسلّح . عرف عصر الصناعة كلّ هذه المشاكل، و فشل في حلّها كلّ من اقتصاد السوق، و الاقتصاد الاشتراكي المخطّط .. فهل نجد بين من يعتبرون أنفسهم قيادات اقتصادية عندنا من يسعى إلى فهم هذا، و الاستفادة منه ؟ .

الثلاثاء، يناير ٠١، ٢٠٠٨


المشاركة و الإدارة الذاتية
في اقتصاد عصر المعلومات

نواصل فيما يلي طرح الرؤية المستقبلية لاقتصاد عصر المعلومات، التي يقدّمها المفكّر الياباني كاورو ياماجوشي . و هو يبدأ هنا بالإجابة على التساؤل الذي طرحه، في نهاية الرسالة السابقة : ما الذي يترتب على تحوّلنا من الصناعات الميكانيكية التي عرفها عصر الصناعة، إلى الصناعات الميكاترونية ( أي الميكانيكية ـ الإلكترونية )، التي تتزايد شيوعا في عصر المعلومات ؟ .
يقول ياماجوشي بوجود ثلاث نتائج أساسية :
أوّلا : أن يصبح الإنتاج حسب الطلب و وفقا له، اعتمادا على المشاريع الإنتاجية الأصغر حجما، المهيّأة لسرعة الإحلال و الإبدال، نتيجة للتغيّرات السريعة في الأسس التكنولوجية . من هذا المنطلق،
يمكن أن نعامل أدوات الإنتاج كجانب من المواد الخام المتغيّرة .
ثانيا : لأنّ الإنسان الآليّ المبرمج إلكترونيا ( الروبوت )، المتعدّد الوظائف، سيصبح أهمّ أدوات الإنتاج، فإنّ إعادة برمجة عمله ـ أيّ تغيير معلوماته ـ تصبح من المدخلات الرئيسية . ومن هذا المنطلق،
يمكن أن تعامل أدوات الإنتاج كجانب من المعلومات .
ثالثا : في ظلّ النظام الاقتصادي الجديد، الذي يعتمد على الإدارة الذاتية و المشاركة، تصبح ملكيّة أدوات الإنتاج، و التحكّم فيها خلال العملية الإنتاجية، غير ضرورية بالمرّة . لأنّ الإنسان المنتج سيصبح سيد هذه الأدوات . و من ثمّ، لا يصبح مفروضا على أيّ عامل أن يتكيّف مع هذه الأدوات، كما كان ـ و لا يزال ـ حادثا في عصر الصناعة .

العمّال .. كمدخلات معلوماتية

لهذه الأسباب التكنولوجية و المجتمعية مجتمعة، لن يعود لأدوات الإنتاج دورها القديم كعنصر أساسي من عناصر الإنتاج . و من المحتمل أن يتحوّل صراع القوّة الحالي مع مالكي أدوات الإنتاج، إلى صراع مع مالكي المعلومات، و الذين يتحكّمون فيها . كما يحتمل ظهور طبقة جديدة من مالكي المعلومات كطبقة جديدة مسيطرة . أيّ أنّ ملكية المعلومات و المعرفة، ستصبح مصدرا جديدا للقوّة و الثروة .
و أخيرا، ستصبح العمالة أحد العناصر المفتقدة في مدخلات الإنتاج، فلن يعود العمل البشري هو الذي يصدّر الخدمات العضلية المضنية . فمثل هذا العمل سيوكل للإنسان الآلي، الذي يستطيع أن يقوم بها، بشكل أدقّ، و أكثر اقتصادا، من الإنسان . و يصبح العمل أحد المدخلات المعلوماتية .
لن يصبح العمّال، في ظلّ النظام الاقتصادي الجديد، ملحقا لأدوات الإنتاج، بل يصبحون مالكين لوحدات الإنتاج، و أسياد أنفسهم، لأوّل مرّة في التاريخ .

من الذي يتحكّـم ؟

في ظلّ التكنولوجيا الميكاترونية، تصبح كفّة إنتاج الخدمات و المعلومات أكثر رجوحا من كفّة إنتاج السلع . الخدمات و المعلومات تشترك في شيء واحد . فالخدمات ليست سوى النتاج المباشر للعمل الخدمي البشري، بينما المعلومات هي النتاج المباشر للعمل العقلي البشري . و معنى ذلك، أنّهما معا من نتاج الطاقة البشرية المباشرة، و من ثمّ لا يتحكّم أحد في العملية الإنتاجية، إلاّ أصحاب هذه الطاقة .
و إذا كانت الخدمات و المعلومات هما الإنتاج السائد في مجتمع الغد، فاستخلاص أعلى كفاءة إنتاجية منهما، يكون بترك المنتجين يديرون بأنفسهم عمليات الإنتاج، و من ثمّ تصبح الإدارة الذاتية أكثر التنظيمات كفاءة للوحدات الإنتاجية . و الحادث حاليا، أنّ مؤسّسات الإدارة الذاتية تكتسح، في جميع أنحاء العالم، على شكل تعاونيات عمّالية، و جمعيات تعاونية، و أعمال صغيرة، من خلال القطاع الثالث، غير الخاص و غير العام .

خصائص المعلومات

عملية إنتاج السلع، يمكن أن تنفصل عن عملية استهلاكها و استثمارها . و عليه، فالسلع يمكن أن تخضع للمبادلة، و الانفراد بحيازتها، كما تخضع للاستهلاك و التراكم . و تراكم البضائع يصبح، بالتبعية، مصدرا أساسيا للثروة بالنسبة لمالكي البضائع . هذه القابلية للتراكم، مع الملكية الخاصّة، أرستا قواعد الاقتصاد الرأسمالي .
و من ناحية أخرى، نجد أن عملية إنتاج الخدمات ـ في ذاتها ـ لا تنفصل عن عملية استهلاكها، فإنتاج الخدمات يتمّ في نفس وقت استهلاكها . و لهذا، فالخدمات يمكن الانفراد بها، لكنّها لا تتراكم . معنى هذا، أنّ الثروة تكمن فقط في أيدي منتجي الخدمات و مستهلكيها .
و إذا انتقلنا إلى المعلومات، نرى أنّه يمكن أن ينفصل إنتاجها عن استهلاكها . و من ثمّ، يمكن أن تخضع للملكية الخاصّة . كما أنّه من الممكن أن تتراكم، فالمعلومات المتراكمة هي المعارف . و من هنا يمكن أن تصبح المعرفة مصدرا جديدا للثروة . و مع ذلك فالمعلومات و المعارف لا يمكن الانفراد باستخدامها عن طريق من يستهلكها أو يشتريها . عليه، فإنّ ما يميّز المعلومات عن السلع و الخدمات :
أولا : بائع المعلومات يمكن أن يواصل استخدامها بعد بيعها . و هذا يعني أنّ المعلومات يستحيل انتقالها نهائيا من منتجها إلى شاريها، لأنّها تبقى بعد بيعها في يد منتجها .
ثانيا : من الممكن استنساخ المعلومات بشكل حرّ، و بذلك يمكن أن يصبح شاريها هو مستهلكها و منتج نسخها في نفس الوقت . و تكلفة النسخ هامشية يمكن إهمالها .
ثالثا : و من ثمّ، ما أن يتم إنتاج المعلومات، حتّى يصبح من الممكن تقاسمها دون تكلفة إضافية . كما أنّ تكلفة الوصول إلى المعلومات تتناقص باستمرار، مع تزايد عدد الأفراد الذين يتشاركون فيها .
رابعا : الخاصّية الرئيسية من خصائص المعلومات، و التي تميّزها عن السلع و الخدمات، هي : المشاركة مع تناقص متوسّط التكلفة .

بضائع و خدمات معلوماتية

خاصّية المشاركة، ستجعل من الصعب تناول المعلومات كسلعة، مثل البضائع و الخدمات، في اقتصاد السوق الرأسمالية، لأنّها تفتقد الخاصّية أساسية للسلعة، و هي قابلية الانفراد بالاستخدام . بهذه الطريقة، يمكن أن تقود المشاركة إلى هدم أساس نظام الاقتصاد الرأسمالي، الذي يقوم على الملكية الخاصّة، و الانفراد باستخدام السلعة . هذا بالإضافة إلى أن البضائع و الخدمات التي كانت الإنتاج السائد للتكنولوجيا الميكانيكية، ستصبح أيضا وثيقة الصلة بالمعلومات، في عملية إنتاجها و استهلاكها، في ظلّ التكنولوجيا الميكاترونية، و هكذا تتحوّل البضائع و الخدمات، إلى بضائع و خدمات معلوماتية .
يقود هذا إلى أن تبدأ البضائع و الخدمات مساهمتها في الخاصّية الرئيسية للمعلومات، ألا و هي المشاركة . و سيقود هذا إلى أن تصبح خاصّية المشاركة شائعة في الاقتصاد بأكمله .

* * *

بعد هذا التوضيح لخصائص السلع و الخدمات و المعلومات، و بالتحديد للخصائص الجديدة للسلع و الخدمات، في ظلّ التكنولوجيا الميكاترونية ( ميكانيكية ـ إلكترونية ) . و بعد التأكيد على المشاركة و الإدارة الذاتية، باعتبارهما من خواصّ مجتمع المعلومات، يبقى أن نتعرّف على صورة المؤسّسات الاقتصادية التي تتشكّل مع تحوّلنا المتسارع، في جميع أنحاء العالم، إلى مجتمع المعلومات .
و في الرسالة التالية، يتحدّث المفكّر الياباني المستقبلي كاورو ياماجوشي عن الحيازة كبديل للملكيّة الخاصّة التي عرفها عصر الصناعة .

الاثنين، ديسمبر ٢٤، ٢٠٠٧

رؤية يابانية لاقتصاد مجتمع المعلومات


المشاركة و الإدارة الذاتية، في عصر المعلومات

نواصل فيما يلي طرح الرؤية المستقبلية لاقتصاد عصر المعلومات، التي يقدّمها المفكّر الياباني كاورو ياماجوشي . و هو يبدأ هنا بالإجابة على التساؤل الذي طرحه، في نهاية الرسالة السابقة : ما الذي يترتب على تحوّلنا من الصناعات الميكانيكية التي عرفها عصر الصناعة، إلى الصناعات الميكاترونية ( أي الميكانيكية ـ الإلكترونية )، التي تتزايد شيوعا في عصر المعلومات ؟ .
يقول ياماجوشي بوجود ثلاث نتائج أساسية :
أوّلا : أن يصبح الإنتاج حسب الطلب و وفقا له، اعتمادا على المشاريع الإنتاجية الأصغر حجما، المهيّأة لسرعة الإحلال و الإبدال، نتيجة للتغيّرات السريعة في الأسس التكنولوجية . من هذا المنطلق،
يمكن أن نعامل أدوات الإنتاج كجانب من المواد الخام المتغيّرة .
ثانيا : لأنّ الإنسان الآليّ المبرمج إلكترونيا ( الروبوت )، المتعدّد الوظائف، سيصبح أهمّ أدوات الإنتاج، فإنّ إعادة برمجة عمله ـ أيّ تغيير معلوماته ـ تصبح من المدخلات الرئيسية . ومن هذا المنطلق،
يمكن أن تعامل أدوات الإنتاج كجانب من المعلومات .
ثالثا : في ظلّ النظام الاقتصادي الجديد، الذي يعتمد على الإدارة الذاتية و المشاركة، تصبح ملكيّة أدوات الإنتاج، و التحكّم فيها خلال العملية الإنتاجية، غير ضرورية بالمرّة . لأنّ الإنسان المنتج سيصبح سيد هذه الأدوات . و من ثمّ، لا يصبح مفروضا على أيّ عامل أن يتكيّف مع هذه الأدوات، كما كان ـ و لا يزال ـ حادثا في عصر الصناعة .


العمّال .. كمدخلات معلوماتية

لهذه الأسباب التكنولوجية و المجتمعية مجتمعة، لن يعود لأدوات الإنتاج دورها القديم كعنصر أساسي من عناصر الإنتاج . و من المحتمل أن يتحوّل صراع القوّة الحالي مع مالكي أدوات الإنتاج، إلى صراع مع مالكي المعلومات، و الذين يتحكّمون فيها . كما يحتمل ظهور طبقة جديدة من مالكي المعلومات كطبقة جديدة مسيطرة . أيّ أنّ ملكية المعلومات و المعرفة، ستصبح مصدرا جديدا للقوّة و الثروة .
و أخيرا، ستصبح العمالة أحد العناصر المفتقدة في مدخلات الإنتاج، فلن يعود العمل البشري هو الذي يصدّر الخدمات العضلية المضنية . فمثل هذا العمل سيوكل للإنسان الآلي، الذي يستطيع أن يقوم بها، بشكل أدقّ، و أكثر اقتصادا، من الإنسان . و يصبح العمل أحد المدخلات المعلوماتية .
لن يصبح العمّال، في ظلّ النظام الاقتصادي الجديد، ملحقا لأدوات الإنتاج، بل يصبحون مالكين لوحدات الإنتاج، و أسياد أنفسهم، لأوّل مرّة في التاريخ .


من الذي يتحكّـم ؟

في ظلّ التكنولوجيا الميكاترونية، تصبح كفّة إنتاج الخدمات و المعلومات أكثر رجوحا من كفّة إنتاج السلع . الخدمات و المعلومات تشترك في شيء واحد . فالخدمات ليست سوى النتاج المباشر للعمل الخدمي البشري، بينما المعلومات هي النتاج المباشر للعمل العقلي البشري . و معنى ذلك، أنّهما معا من نتاج الطاقة البشرية المباشرة، و من ثمّ لا يتحكّم أحد في العملية الإنتاجية، إلاّ أصحاب هذه الطاقة .
و إذا كانت الخدمات و المعلومات هما الإنتاج السائد في مجتمع الغد، فاستخلاص أعلى كفاءة إنتاجية منهما، يكون بترك المنتجين يديرون بأنفسهم عمليات الإنتاج، و من ثمّ تصبح الإدارة الذاتية أكثر التنظيمات كفاءة للوحدات الإنتاجية . و الحادث حاليا، أنّ مؤسّسات الإدارة الذاتية تكتسح، في جميع أنحاء العالم، على شكل تعاونيات عمّالية، و جمعيات تعاونية، و أعمال صغيرة، من خلال القطاع الثالث، غير الخاص و غير العام .

خصائص المعلومات

عملية إنتاج السلع، يمكن أن تنفصل عن عملية استهلاكها و استثمارها . و عليه، فالسلع يمكن أن تخضع للمبادلة، و الانفراد بحيازتها، كما تخضع للاستهلاك و التراكم . و تراكم البضائع يصبح، بالتبعية، مصدرا أساسيا للثروة بالنسبة لمالكي البضائع . هذه القابلية للتراكم، مع الملكية الخاصّة، أرستا قواعد الاقتصاد الرأسمالي .
و من ناحية أخرى، نجد أن عملية إنتاج الخدمات ـ في ذاتها ـ لا تنفصل عن عملية استهلاكها، فإنتاج الخدمات يتمّ في نفس وقت استهلاكها . و لهذا، فالخدمات يمكن الانفراد بها، لكنّها لا تتراكم . معنى هذا، أنّ
الثروة تكمن فقط في أيدي منتجي الخدمات و مستهلكيها .
و إذا انتقلنا إلى المعلومات، نرى أنّه يمكن أن ينفصل إنتاجها عن استهلاكها . و من ثمّ، يمكن أن تخضع للملكية الخاصّة . كما أنّه من الممكن أن تتراكم، فالمعلومات المتراكمة هي المعارف . و من هنا يمكن أن تصبح المعرفة مصدرا جديدا للثروة . و مع ذلك فالمعلومات و المعارف لا يمكن الانفراد باستخدامها عن طريق من يستهلكها أو يشتريها . عليه، فإنّ ما يميّز المعلومات عن السلع و الخدمات :
أولا : بائع المعلومات يمكن أن يواصل استخدامها بعد بيعها . و هذا يعني أنّ المعلومات يستحيل انتقالها نهائيا من منتجها إلى شاريها، لأنّها تبقى بعد بيعها في يد منتجها .
ثانيا : من الممكن استنساخ المعلومات بشكل حرّ، و بذلك يمكن أن يصبح شاريها هو مستهلكها و منتج نسخها في نفس الوقت . و تكلفة النسخ هامشية يمكن إهمالها .
ثالثا : و من ثمّ، ما أن يتم إنتاج المعلومات، حتّى يصبح من الممكن تقاسمها دون تكلفة إضافية . كما أنّ تكلفة الوصول إلى المعلومات تتناقص باستمرار، مع تزايد عدد الأفراد الذين يتشاركون فيها .
رابعا : الخاصّية الرئيسية من خصائص المعلومات، و التي تميّزها عن السلع و الخدمات، هي : المشاركة مع تناقص متوسّط التكلفة .


بضائع و خدمات معلوماتية

خاصّية المشاركة، ستجعل من الصعب تناول المعلومات كسلعة، مثل البضائع و الخدمات، في اقتصاد السوق الرأسمالية، لأنّها تفتقد الخاصّية أساسية للسلعة، و هي قابلية الانفراد بالاستخدام . بهذه الطريقة، يمكن أن تقود المشاركة إلى هدم أساس نظام الاقتصاد الرأسمالي، الذي يقوم على الملكية الخاصّة، و الانفراد باستخدام السلعة . هذا بالإضافة إلى أن البضائع و الخدمات التي كانت الإنتاج السائد للتكنولوجيا الميكانيكية، ستصبح أيضا وثيقة الصلة بالمعلومات، في عملية إنتاجها و استهلاكها، في ظلّ التكنولوجيا الميكاترونية، و هكذا تتحوّل البضائع و الخدمات، إلى بضائع و خدمات معلوماتية .
يقود هذا إلى أن تبدأ البضائع و الخدمات مساهمتها في الخاصّية الرئيسية للمعلومات، ألا و هي المشاركة . و سيقود هذا إلى أن تصبح خاصّية المشاركة شائعة في الاقتصاد بأكمله .


* * *

بعد هذا التوضيح لخصائص السلع و الخدمات و المعلومات، و بالتحديد للخصائص الجديدة للسلع و الخدمات، في ظلّ التكنولوجيا الميكاترونية ( ميكانيكية ـ إلكترونية ) . و بعد التأكيد على المشاركة و الإدارة الذاتية، باعتبارهما من خواصّ مجتمع المعلومات، يبقى أن نتعرّف على صورة المؤسّسات الاقتصادية التي تتشكّل مع تحوّلنا المتسارع، في جميع أنحاء العالم، إلى مجتمع المعلومات .
و في الرسالة التالية، يتحدّث المفكّر الياباني المستقبلي كاورو ياماجوشي عن الحيازة كبديل للملكيّة الخاصّة التي عرفها عصر الصناعة .