الجمعة، مارس ٠٧، ٢٠٠٨

عن أيّ ديموقراطية نتكلّم ؟

الزلزال الكبير

و ديموقراطية التمثيل النيابي

لقد عمدت الحضارة الصناعية ـ كما رأينا ـ إلى تفتيت المجتمع إلى آلاف الأجزاء المترابطة .. مصانع، دور عبادة، مدارس، اتحادات تجارية، سجون، مستشفيات .. إلى آخر ذلك . و أيضا عمدت إلى تفتيت المعرفة إلى نظم تحتاج إلى إخصائيين أو خبراء ..كما قامت بتفتيت الوظائف إلى شظايا فرعية من العمل، منفصلة عن بعضها.. و فتتت العائلات إلى وحدات أصغر .. لهذا، اقتضى الأمر أن يتولّى أحد ما مهمة تجميع كل ما قام المجتمع الصناعي بتفتيته، في كيان موحّد جديد .
هذه الحاجة، فتحت الباب أمام أنواع جديدة من الإخصائيين أو الخبراء، الذين ينحصر عملهم في الربط بين هذه الجزئيات الجديدة، و تحقيق التكامل بينها . و قد شاع هؤلاء في المجتمع الصناعي : كمنظمين، و إداريين، و منظّمين، و رؤساء، و مديرين .. نراهم في كل عمل خاص أو حكومي، و على مختلف المستويات الاجتماعية .. و استطاعوا أن يقنعوا الجميع بأنّه لا غنى عنهم .
على أساس هذه الحاجة الملحّة للتكامل بين أجزاء المجتمع الصناعي، طلع علينا أكبر كيان تنظيمي معروف، و هو ما عرف باسم : الحكومة الكبرى

الحكومة الكبرى

على نسق هذه الحكومة الكبرى، قامت حكومات أخرى على مختلف مستويات المجتمع، باعتبارها امتداد للحكومة الكبرى . و حتّى في بلاد الاقتصاد الحرّ، ظهرت الحاجة الشديدة للحكومة الكبرى، فهي الأقدر على الإسراع بتطوير السكك الحديدية، و بناء المواني، و شقّ الطرق و القنوات، و تنظيم خدمات البريد و البرق و التليفون و الإذاعة، و وضع قواعد التعامل التجاري، و القيام بالتوحيد القياسي للسوق .. إلى آخر ما تقوم به حكومات المجتمع الصناعي .
و فوق هذه الصفوة من خبراء التكامل و الإخصائيين، ظهرت في المجتمع الصناعي " صفوة عليا "، على مستوى أرفع، هي المسئولة عن تخصيص الاستثمارات . و سواء في الصناعة أو المال، في البنتاجون أو مكاتب التخطيط السوفييتية، تقوم الصفوة العليا بتخصيص الاستثمارات الكبرى، و تضع الحدود التي يعمل في إطارها خبراء التكامل .
و خلال القرن الأخير، في دولة بعد أخرى، هبّ الثوار و المصلحون يحاولون نسف جدار السلطة القائمة، لبناء مجتمع جديد على أساس العدل و المساواة السياسية .. و نجحوا في بعض الأحيان في تسلّم مقاليد السلطة . و مع ذلك كانت النتيجة دائما تجيء واحدة ..ففي كلّ مرّة، و تحت راية الثورة، يتشكّل نظام جديد من الصفوة و الصفوة العليا .. قد تتغيّر بعض الوجوه، لكن البناء الأساسي يعود ليتشكّل من جديد
ذلك لأن المجتمع الصناعي ـ بطبيعته ـ يحتاج إلى ذلك البناء التكاملي .. إلى خبراء السلطة الذين يستقرّون على قمّة ذلك البناء .. و احتياج المجتمع الصناعي إلى ذلك، لا يقل عن احتياجه للمصنع و الوقود و الأسرة النووية .. و كما يقول المفكّر المستقبلي الكبير آلفن توفلر : ..فالتصنيع، و الديموقراطية الكاملة ـ التي يبشّر بها البعض ـ لا يجتمعان معا في واقع الأمر ..
ماكينة الانتخابات
لقد انبهر رجال الأعمال و المثقفون الثوريون ـ في بداية عصر الصناعة ـ انبهارا شديدا بالآلة .. و على هذا الأساس أقاموا العديد من نظم حياتهم على نفس الأسس التي تقوم عليها الآلة، و تعمل وفقها . من أهم هذه الابتكارات التي يتحدّث عنها توفلر، لعبة التمثيل النيابي الشائعة، و التي تنحصر مكوناتها في
الأفراد الذين يتسلّحون بأصواتهم
الأحزاب التي تجمع هذه الأصوات
الأفراد، الذين بمجرّد فوزهم بالأصوات يتحوّلون فورا إلى ممثلين أو ( نوّاب ) لأصحاب الأصوات
الهيئات البرلمانية التي يقوم فيها النوّاب بإنتاج القوانين على أساس التصويت
المنفذّون رؤساء، و رؤساء وزارات، و وزراء، الذين يلقمون آلة صنع القوانين هذه بالمادة الخام، على شكل سياسات، و من ثم يفرضون ما يصدر من قوانين
هذه " الماكينة الديموقراطية " لا يقتصر وجودها على المستوى القومي، بل تجدها فيما هو تحته من المستويات الإقليمية و المحلية، حتّى تصل إلى القرى و أصغر التجمّعات السكانية

وهم المساواة و حكم الأغلبية

الحكومة التي تقوم على التمثيل و الانتخاب، و التي ولدت من الأحلام التحررية لثوار عصر الصناعة و رياداته، كانت تقدما مدهشا بالنسبة لنظم السلطة الأسبق .. كانت نصرا ابتكاريا، أكثر إثارة من الآلة البخارية أو الطائرة . لقد أتاحت هذه الحكومة تتابعا منظّما، يختلف كثيرا عن حكم السلالة الوراثي، و فتحت قنوات الاتصال في المجتمع بين القاعدة و القمّة، و وفّرت طقسا يتيح التعامل مع الخلافات بين الجماعات و الفئات المختلفة على أساس سلمي .
و بحكم تمسّك الحكومة القائمة على التمثيل الانتخابي بمبدأ حكم الأغلبية، و بحقّ كل إنسان في إعطاء صوته، ساعدت بعض الفقراء و الضعفاء في استدرار بعض المنافع من خبراء السلطة الذين يديرون آلة التكامل في المجتمع .. لهذا ظهرت حكومة المجتمع الصناعي بمظهر صاحبة الثورة الإنسانية في التاريخ .
و مع ذلك، و منذ البداية الأولى، عجزت هذه الحكومة دائما عن الوفاء بالتزاماتها . و لم تستطع ـ في أي مكان ـ أن تغيّر البناء التحتي للسلطة في الدول الصناعية ( بناء الصفوة و الصفوة العليا، إلى آخر ذلك) . و هكذا، تحوّلت العملية الانتخابية، بصرف النظر عمّن يكسب فيها، إلى أداة ثقافية قوية في يد الصفوة .
و إلى الرسالة التالية لنعرف
لماذا انقضت صلاحية الديموقراطية النيابية؟

الأربعاء، مارس ٠٥، ٢٠٠٨

عن أيّ ديموقراطية نتكلّم ؟

عن أي ديموقراطية نتكلّم ؟

لن أملّ المطالبة بضرورة ضبط المصطلحات مع مرور الزمن، و تحديد المعاني الجديدة التي تكتسبها، في إطار التغيّرات المجتمعية التي تمر بها البشرية . و من بين المصطلحات التي تشتد الحاجة إلى ضبطها هذه الأيام ، مصطلح "الديموقراطية"، الذي تضاعف الإقبال على استخدامه، و ضعفت الرغبة في تحقيق مضمونه .
كنت أسمع إلى برنامج حديث الساعة الحواري، إذاعة بي بي سي العربية، اشترك فيه عدد ليس قليل من مختلف البلاد العربية . كان التخبط و غياب الرؤية هو السمة الغالبة عند المشاركين، و ربما من يديرونه من جانب الإذاعة . لقد اختلطت ديموقراطية بوش التي جاء يفرضها على العراق و أفغانستان، مع ديموقراطية الولايات المتحدة ذاتها، و غيرها من دول العالم الأول .. مع الممارسات السياسية لمختلف الرؤساء و القادة العرب و المسلمين، مع ديموقراطية الإسلام المستنبطة من القرآن و الحديث و سنن الأقدمين .
و بعد قليل من التفكير، انتبهت أن هذا الخلط الفكري يمارسه جميع المساهمين في الأحزاب والنشاط الحزبي، قيادة و قاعدة، بما في ذلك الكيان الملفّق الذي اصطلحوا على تسميته بالحزب الوطني ..
هذا الخلط الناتج عن غياب الرؤية الواضحة لطبيعة تطوّر المجتمعات البشرية، هو الذي يرمينا في أحضان المفاهيم الخاطئة لطبيعة و مستقبل حياتنا الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية، و يقود النظام الحاكم إلى الفشل في كل ما يتصدّى له، على مدى العديد م السنين ..
و كان من الضروري أن أبدأ بسؤال هام للغاية :
عن أي ديموقراطية نتكلّم ؟
في بداية عصر الزراعة، الذي ساد حياة البشر لحوالي عشرة آلاف سنة، كان من الممكن تقسيم سكان العالم إلى قسمين : بدائيون، و متحضّرون .
البدائيون : هم لم تصلهم الثورة الزراعية، كانوا يعيشون في قبائل و تجمّعات صغيرة، و يعتمدون في حياتهم على صيد الحيوانات و الأسماك .
أمّا المتحضّرون : فقد استقرّوا حيث انشغل الإنسان بزراعة الأرض . و حينما ازدهرت الزراعة، استقرّ البشر فوق قطعة من الأرض، فقامت الحضارات الزراعية و اضمحلّت، و تحاربت و اندمجت، من الصين و الهند، إلى مصر، إلى المكسيك، إلى اليونان و روما .
وراء الاختلافات الشديدة التي تظهر بين هذه الحضارات، توجد دائما أوجه شبه أساسية :
• في كلّ منها كانت الأرض هي أساس الاقتصاد، و الحياة، و الثقافة، و نمط الأسرة، و طبيعة النشاط السياسي .
• في كلّ منها كانت الحياة تنظم حول القرية . و لم تكن الحدود واضحة تماما بين المقاطعات و الإمارات .
• ساد كلّ منها تنظيم بسيط للعمل، و تبلورت فئات و طبقات محدودة : النبلاء، و رجال الدين، و المقاتلون، و أقنان الأرض أو العبيد .
• في كل منها كانت السلطة شاملة، يخضع فيها الفرد خضوعا كاملا لمصلحة الجماعة . و في كل منها كان مولد الإنسان يحدد وضعه في الحياة .
• كان الاقتصاد غير مركزي، بمعنى أن كل مجتمع كان ينتج معظم احتياجاته .
و بالطبع كانت هناك بعض الاستثناء، فالحياة لا تحتمل مثل هذا التبسيط .. لقد نشأت وسط هذا حضارات تجارية،خاض بحارتها أنحاء البحار، كما نشأت ممالك مركزية للغاية حول نظم الري العملاقة .
على مدى ذلك الزمن الطويل، لم تكن إدارة المجتمع تقتضي الكثير من القرارات العلوية . ففي ظل التقسيم البسيط للعمل، الذي ساد المجتمعات الزراعية، لم يكن مطلوبا البحث عن أشكال ديموقراطية للحكم . لم يكن يشارك في القرارات السياسية و الاقتصادية سوى قلّة محدودة من الأشخاص . و حتّى في أثينا القديمة التي ابتدعت لفظ الديموقراطية، كانت ديموقراطيتهم تقوم لحساب القلّة من السادة، على حساب عبودية الأغلبية . خلال تلك اآلاف من السنين، كان المزارع يعرف بوضوح من الذي بيده مقاليد الأمور في مجتمعه المحدود، الملك أو الإقطاعي أو رجل الدين .. لهذا كانت السلطة شاملة، يخضع فيها الفرد خضوعا كاملا لمصلحة الجماعة، كما يراها الحاكم .

الشورى

لهذا .. كانت " الشورى "، هي الحد الأقصى لمشاركة الآخرين في القرار .. فالحياة مستقرّة، التغيرات محدودة و بطيئة للغاية، و خبرات الأسلاف كافية لأن يتخذ الحاكم ـ بمفرده ـ القرار السليم، في الوقت المناسب . على مدى عصر الزراعة، كان الفرد يولد في أسرة، و ضمن جماعة عرقية، و يعيش حياته كلّها في القرية التي ولد فيها، و كان ما يلتزم به من دين أو عقيدة يفرض عليه من والديه، و مجتمعه المحلي . و كانت معظم الانتمـاءات و الولاءات الأسـاسية تتحـدد عند الميلاد . كما أن هوية الجماعة كانت تظل عادة ثابتة خلال عمر الفرد كلّه ..
من هنا، يمكننا القول بأن " الشورى " كانت الشكل الأمثل للممارسة الديموقراطية، على مدى عصر الزراعة .

عصر الصناعة

ثم كان الزلزال الكبير الذي غيّر كل شيء في حياة البشر، مع بدايات عصر الصناعة، و أرسى أسسا جديدة للحياة الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية.. و عندما اندفعت الثورة الصناعية عبر الأرض، تغيرت طبيعة انتساب الفرد إلى الجماعة بشكل كبير .
و بدلا من انتماء الفرد لقبيلته، أو قريته، أصبح مطلوبا منه أن ينتمي إلى دولته . كما أن تقسيم العمل الجديد، الذي أخذ به عصر الصناعة، جعل الوعي الطبقي يضيف شكلا جديدا من أشكال الانتماء .
و عندما مزّقت الثورة الصناعية وظيفة الأسرة،و أوكلت الكثير من مسئولياتها التقليدية إلى مؤسسات جديدة متخصصة، كالمدارس و المستشفيات و الملاجئ، قويت الروابط القومية، بينما ضعفت الروابط المحلية .
كانت الصناعة أكثر من مجرّد مداخن و خطوط تجميع .. كانت نظاما اجتماعيا خصبا له أكثر من وجه، أحدث تأثيرا واضحا على كلّ جوانب الحياة البشرية، التي استقرّت طويلا على امتداد عصر الزراعة .
و برغم ما بين المجتمعات الصناعية من خلافات في اللغة و الثقافة و التاريخ و البنية السياسية .. تلك الخلافات التي بلغ من عمقها أن نشبت بسببها الحروب .. رغم هذا فقد اشتركت جميعها في سمات أساسية عامة واحدة . و قبل أن نتحدّث عن ديموقراطية عصر الصناعة، و التي عرفت باسم " ديموقراطية التمثيل النيابي "، دعونا نستعرض معا ـ بشكل مختصر ـ التغيرات التي أحدثتها الثورة الصناعية في أوجه حياة عصر الزراعة، لكي نرى بوضوح مصادر الحياة السياسية لمجتمع الصناعة .
التحولات التي أحدثها الزلزال الكبير :
في الطاقة : اعتمد المجتمع الزراعي على ما يطلق عليه الكاتب المستقبلي الكبير آلفن توفلر تعبير " البطاريات الحيّة "، يعني بذلك القوّة العضلية للإنسان و الحيوان، بالإضافة إلى طاقة الشمس و الرياح و الأنهار . بينما استمدّت مجتمعات عصر الصناعة طاقتها من الفحم و الغاز و زيت البترول، و هي نتاج حفريات لا تتجدّد، و واصلت تقدّمها و توسّعها على افتراض أن وقودها الرخيص سيظلّ متوفرا إلى الأبد .
في الإنتاج : في المجتمع الزراعي، كانت البضائع تنتج عادة بأساليب يدوية، قطعة بعد قطعة، و بنفس الطريقة كان يتم توزيعها . لكن عصر الصناعة أحدث انقلابا جذريا في مسألة الإنتاج و التوزيع و التسويق . بحكم التكنولوجيات المستحدثة، مثل الآلة البخارية، و ما وفّرته من طاقة ميكانيكية، و بعد تطورها إلى طاقة كهروميكانيكية، ظهر الإنتاج شديد التدفٌق، على نطاق واسع للغاية، اقتضى أوضاعا جديدة في التسويق و التوزيع .. فشقّت الطرق، و مدّت خطوط السكك الحديدية، و حفرت القنوات .. و ظهرت محلاّت و مراكز البيع الكبرى لأوّل مرّة، و ترتّب على ذلك ظهور وظائف جديدة لشبكات عمال البيع، و بائعي الجملة، و الوكالات و السماسرة، و مندوبي الصناعات .
في التنظيمات الاجتماعية : قبل الثورة الصناعية، كان شكل الأسرة يختلف من مكان لآخر . لكن ما من مكان وصلت إليه الزراعة، إلاّ و مال الناس فيه إلى العيش في بيت كبير، يضم عدة أجيال من الأسرة .. و كان الكلّ يعمل كوحدة إنتاجية اقتصادية واحدة . و مع تحوّل العمل من الحقل إلى المصنع، تغيّر الوضع . و لكي يتفرّغ العامل للعمل في المصنع، حلّت محل الوظائف الأساسية في الأسرة مؤسسات متخصّصة جديدة .. المدارس لتعليم الأطفال، و الملاجئ لرعاية كبار السنّ، و المستشفيات للمرضى، إلى آخر ذلك . و قد تطلّب العمل الجديد قدرة العامل على الانتقال إلى حيث تنشأ الحاجة إليه . و مع الهجرة إلى المدن ـ حيث المصانع و العمل ـ وصلنا إلى ما يطلق عليه " الأسرة النووية "، التي تتكوّن من الأب و الأم و عدد قليل من الأبناء .
في التعليم : كان من الضروري إعداد الأبناء للعمل في المصنع، فتمخّض هذا عن هيكل مركزي آخر في المجتمع الصناعي، هو التعليم الجماعي، فنشأت ( المدرسة ـ المصنع ) . كان التعليم الجماعي العام يلقّن التلاميذ أساسيات القراءة و الكتابة و الحساب، و شيئا من التاريخ و الموضوعات الأخرى . لكن، وراء هذا كان يكمن منهج خفي يتضمّن ثلاثة دروس هامة : التدرّب على الالتزام بالمواعيد، و طاعة الرئيس، و التعوّد على العمل المتكرّر . و مرجع ذلك إلى أن العمل في المصنع يتطلّب عمالا يصلون إلى خطوط التجميع في مصانعهم في موقت محدّد، و يخضعون لأوامر التسلسل الوظيفي دون استفسار، و يتحملون العمل المتكرر الروتيني المملّ دون احتجاج .

المبادئ الستّة للمجتمع الصناعي

لكل نظام حياة بشرية قوانينه أو شفرته الخفية، التي تخضع لها جميع النشاطات خضوعا مطلقا . و مع سيادة عصر الصناعة أصبح من الممكن اكتشاف ستّة مبادئ أساسية، حكمت حياة الملايين، و جاءت نتيجة للفصل بين الإنتاج و الاستهلاك . دعونا نستعرضها بشكل سريع، لنرى علاقتها بنظام الحكم، وبديموقراطية التمثيل النيابي الناتجة عنها :
المبدأ الأوّل : التوحيد القياسي، أو النمطية . المجتمعات الصناعية التي أفرزت ملايين المنتجات النمطية المتطابقة، تجاوزت النمطية عندها مجال التصنيع، لتنسحب على كل شيء في الحضارة، من نظم العمل، إلى المنشآت العامة، إلى حياة الإنسان . و قد لعبت وسائل الإعلام الجماهيري دورا هاما في تكريس صورة التوحيد القياسي .
المبدأ الثاني : التخصص الشديد . مع تزايد تقسيم مراحل العمل، استبدلت الثورة الصناعية العامل الزراعي الذي
كان يقوم بعدة أعمال متنوّعة، بالعامل صاحب الاختصاص الضيّق الذي يقوم بعملية محدودة واحدة، يظل يكررها يوما بعد يوم .. و هكذا قام الصرح الصناعي على التخصص الضيّق . و قد واكب نظام التخصص هذا، في الشرق و الغرب، موجة صاعدة من الإخصائيين، الذين يتحكّمون في عمليات النشاط المجتمعي .
المبدأ الثالث : التزامن، و ضبط التوقيت . الانفصال بين الإنتاج و الاستهلاك، قاد إلى قيام السوق، المخططة أم الحرّة .. و أصبح الزمن معادلا للمال، و تعلّم أبناء المجتمع الصناعي استخدام الساعة، و التحديد المنضبط للوقت، فكان جرس المدرسة هو المرادف لصفارة المصنع .
المبدأ الرابع : التركيز . ظهور السوق كوسيط بين المنتج و المستهلك، قاد إلى مبدأ التركيز .. تركيز السكن في المدن الكبيرة حول مراكز النشاطين الصناعي و التجاري،و تركيز المجرمين في السجون، و العجزة في الملاجئ، و التلاميذ في المدارس .. و كما جرى تركيز و تجميع العمال في المصانع، تمّ أيضا تركيز رؤوس الأموال في شركات كبرى، و احتكارات عظيمة . و ساد عصر الصناعة حالة من عشق كل ما هو هائل و كبير .. و ساد زعم يقول أن " الحجم الكبير" مرادف "للكفاءة" .
المبدأ الخامس : عشق الضخامة . بهذا المنطق ارتفعت ناطحات السحاب، و أقيمت أضخم السدود، و شيّدت أوسع الملاعب . رأينا ذلك الولايات المتحدة و ألمانيا و بريطانيا . و لم يكن عشق الضخامة بدافع من الحصول على الحدود القصوى للأرباح، فقد ربط ماركس ين " زيادة حجم المنشآت الصناعية "، و بين " زيادة نمو القوى المادية لهذه المنشآت"، و كان أول ما فعله لينين بعد قيام الثورة السوفييتية، هو دمج الحياة الاقتصادية الروسية في أقل عدد ممكن، من أكبر الوحدات الممكنة .
المبدأ السادس :المركزية الممعنة . سعت جميع الدول الصناعية إلى تطوير المركزية، فأصبحت من الفنون الرفيعة ! . و استجابة للمبادئ الخمسة السابقة، كان على المجتمع الصناعي أن ينجز ذلك من خلال أشكال جديدة من التنظيم منية على مركزية المعلومات و القرارات . و كان أثر هذا واضحا في الحياة السياسية، و بشكل أوضح في البلاد الصناعية الماركسية . و انسحب ذاك على المال و الاقتصاد، و كان البنك المركزي رمزا لمركزية المجتمع الصناعي .

* * *

و لكي نفهم طبيعة الممارسة السياسية التي سادت عصر الصناعة، و التي جرت تحت لافتة " ديموقراطية التمثيل النيابي "، و لكي نعرف كيف نشأت، و لماذا لم تعد صالحة للتعامل مع واقع مجتمع المعلومات .. علينا أن نعرف من هم الذين يسيرون أمور البشر، في ظل المجتمع الصناعي .

الخميس، فبراير ٢٨، ٢٠٠٨

تنظيمات جديدة لمجتمع المعلومات

أين نحن من حلم الوحدة العربيــة ؟

كلّنا حلمنا يوماً بوحدة عربيّة، أو إسلاميّة، تضم شتات شعوبنا المستضعفة، و تنهي حالة الفرقة التي خلقتها تقسيمات الدول الإستعماريّة المختلفة، على مدى القرون الثلاثة الأخيرة، التي شكّلت عمر عصر الصناعة . و ما زال الحلم يتراءى لنا بين يوم و لآخر، كلما لمسنا ضعفنا في مواجهة الدول الكبرى القويّة، أو خزينا إزاء الإستفزازات التي تقوم بها إسرائيل، و عجزنا عن مواجهتها بما تستحقّه نتيجة لخضوع أمريكا لها .
و في كتاباتنا و مؤتمراتنا نكيل اللوم لقيادات الدول العربية و الإسلاميّة المتناحرة، و التي تعوق قيام أيّ وحدة من أيّ نوع . بعضنا يتصوّر أنّنا كنّا على وشك تحقيق الحلم في حياة جمال عبد الناصر، و أنّه بالإمكان معاودة المحاولة لو ظهر بيننا ذلك الزعيم القوي القادر على تحقيق الوحدة .
و بين الحين و الآخر، كلّما سمعنا أو قرأنا عن خطوات تحقيق الوحدة الأوربّيّة، ثرنا على أوضاعنا، وتساءلنا : كيف تنجح هذه الدول متنافرة الأعراق و العقائد مختلفة اللغات، فيما نفشل فيه رغم وحدة التاريخ و العقيدة و اللغة عندنا ؟! . من المسئول عن هذا الوضع ؟

الزمن هو المسئول

حتّى نفيق من هذه الأحلام، و نسقط المشاعر السلبيّة التي تعوق الفهم السليم للواقع البشري المعاصر، تمهيداً للتحرّك في السبيل الأقوم، أستسمح القارئ في أن أضع أمامه بعض الحقائق، التي قد تبدو للوهلة الأولى إستفزازيّة، ثم أحاول تفسيرها بعد ذلك .
أولاً : منذ منتصف القرن الماضي، لم يعد ممكناً لأحد، لا عبد الناصر و لاغيره، أن ينجح في إقامة شكل من أشكال الوحدة الإندماجيّة، على نسق ما قام به بسمارك في ألمانيا، و غاريبالدي في إيطاليا .
ثانياً : في إطار التغيّرات الكبرى التي يشهدها الجنس البشري، يتغيّر معنى كلّ شيئ في حياتنا، و من بين هذا معنى الوحدة . إندماج الدول يتناقض مع الواقع الحالي و القادم، و الأرجح أنّنا نمضي إلى تفكيك و شرذمة و تجزئة الوحدات الكبرى التي تشكّلت في بدايات عصر الصناعة . أو نحن نمضي-على الأقل- إلى إعادة بناء تلك الوحدات على أساس جديد تماماً
ثالثا : أن محاولات الوحدة الأوربية الحالية، لو بقيت خاضعة لعقليّات الزعماء السياسيين الذين مازالوا يعيشون الواقع التاريخي لعصر الصناعة، من أمثال هلموت كول، فإن مصيرها الفشل، و المشاكل الأخطر.
توضيح هذه الحقائق سيقنعنا أن المسئول عن عدم قيام الوحدة العربيّة هو الزمن و العصر

الوحدة الإندماجيّة، لماذا قامت ؟

الوحدة الإندماجية و الإستعمار، هما إبنان شرعيّان للإقتصاد الصناعي . وحفيدان للإنتاج الجماهيري على نطاق واسع، الذي أتاحته الآلة البخارية .
ما أن ظهرت المصانع الكبيرة، و بدأت إنتاج تدفّق من السلع النمطية، بالآلاف و الملايين، حتّى ظهرت الحاجة إلى التوزيع و التسويق الجماهيري على نطاق واسع . و من هنا، إستعرت المنافسة الإقتصاديّة، التي إقتضت التجمّع في وحدات إقتصاديّة كبيرة تصمد في وجه هذه المنافسة .
و قد إقتضي الكيان الإقتصادي الكبير، كيانا سياسيّاً و إداريّاً كبيرا يحميه . و هكذا، بدأت في أنحاء العالم الصناعي عمليّات الإندماج، و ظهرت "الدولة-القومية" الكبرى، و التي مازالت تسود حياتنا السياسيّة حتّى الآن .
لم تتمّ عمليات الوحدة الإندماجيّة، لمجرّد تحقيق حلم الوحدة القومية، بل على العكس هو الصحيح . قامت الدولة القوميّة لتلبية حاجات الإقتصاد الصناعي . و سخّرت من أجل ذلك جميع الأحلام القوميّة، وأيقظت أبطال التاريخ القومي من قبورهم، بل و أعادت صياغة التاريخ نفسه، لخدمة هذه الدولة الجديدة

إنسحاب أسس المجتمع الصناعي

و منذ منتصف القرن الماضي، ظهرت تكنولوجيّات جديدة، ترسي أسساً إقتصاديّة جديدة، و تستلزم أشكالا جديدة للدولة، بل و تطرح منطقاً جديدا لحياة البشر يختلف تماماً عن المنطق الصناعي .
و هنا أيضاً، بدأت القصًة بتحوّل في طبيعة الإنتاج الأساسي . قضت التكنولوجيّات المعلوماتيّة المتطوّرة، و بالتحديد الكمبيوتر و الروبوت، على أهمّ ركن في الإنتاج الصناعي، الإنتاج الجماهيري على نطاق واسع . أصبح من الممكن إنتاج تنوّع من السلعة الواحدة، بمجرد ضغط زر أو تغيير سطور في برنامج الكمبيوتر، تلبية لتنوّع رغبات الجماهير، و بنفس تكلفة إنتاج السلع النمطية المتطابقة بالملايين .
قاد هذا التغيير الهام، إلى تغيير أهمّ، هو إنقضاء أسطورة الحجم الكبير، و إنتهاء إعتباره السبيل إلى المزيد من الربح و القدرة التنافسيّة . إنقضت هذه الأسطورة بالنسبة للشركة و المؤسّسة، و الحكومة أيضاً

الصغير أقدر و أكفأ

نتيجة التغيّر المتسارع، أصبحت الوحدة الصغيرة أقدر على تلمّس التغيير و التكيّف معه و الإستفادة منه، و خلّفت وراءها المؤسّسات الضخمة المترهّلة تتعثّر في بيروقراطيّاتها، عاجزة عن فهم التغيير و مواكبته بالسرعة المطلوبة . و اضطّرت الكيانات الإقتصاديّة الضخمة إلى أن تعيد بناء نفسها، على هيئة وحدات صغيرة شبه كاملة الإستقلال، أقرب ما تكون للشركات الصغيرة التي تنافسها .
الذي يهمّنا في هذا، و نحن نتكلّم عن الوحدة الإندماجيّة، هو أن مبرّر وجودها التاريخي قد إنقضى . وأصبحنا نمضي إلى إنقسام الكيانات السياسيّة الكبري، و إلى إنسلاخ الأجزاء عن الكلّ، فيما عدا الحالات التي تعمد فيها هذه الكيانات الكبيرة إلى إعادة بناء ذاتها على أسس جديدة، تنسجم مع التغيّرات الجذريّة التي تفرضها مرحلة التحوّل الحاليّة من الصناعة إلى المعلومات.. إعادة البناء إقتصاديّاً و إجتماعيّا و إداريّاًوسياسيّاً و ثقافيّاً .
و هذا هو السرّ في قولي، أن حلم الوحدة العربيّة الذي آمن به عبد الناصر، كان مستحيلا في وقت ظهوره . و ربّما لوكان قد ظهر قبل ذلك بنصف قرن، لوجد حلمه ممكناً .
الذين مازالوا يحلمون حتّى الآن بالوحدة الإندماجيّة، مستندين إلى ما يجري اليوم تحت شعار الوحدة الأوروبيّة، يحسن بهم أن يتبيّنوا حقيقة ما يجري،
و إحتمالاته المستقبلية

ماستريخت و الجهود اليائسة

نشرت صحيفة "الأوروبّي" اللندنيّة مقالا بعنوان " مسيرة إرغامية إلى لا مكان "، يتحدّث عن مستقبل الوحدة الأوروبيّة و توحيد النقد . المقال يتضمّن حواراً مع الكاتب المستقبلي الموهوب آلفين توفلر حول هذا الموضوع .
يقول المحرّر في بداية مقاله،" بينما تعمد الدول الأوروبيّة إلى تضييق الأحزمة، في جهد يائس لتلبية أهداف ماستريخت فيما يتّصل بالوحدة النقديّة، يحذّر المتشكّكون من أن كلّ هذه التضحيات قد تكون بلا فائدة، لأن محاولة بناء سوق واحدة، تقوم على نماذج إقتصادية فقدت معناها " . و يقول أن توفلر من بين هؤلاء المتشكّكين في هذه المسيرة الإرغاميّة إلى لا مكان، و يورد أفكاره في هذ الصدد .
يقول توفلر،"يحاول القادة الأوروبيين تقليد نجاح إقتصاد الموجة الثانية(يقصد عصر الصناعة) في الولايات المتّحدة، في الوقت الذي قد بدأت فيه أمريكا، و غيرها من الدول الديناميكية، الإندفاع إلى الموجة الثالثة(يقصد عصر المعلومات)"، إلى أن يحذّر قادة أوروبا قائلاً : إذا كنتم تسعون إلى إعادة خلق أمريكا الأمس، فامضوا في سبيلكم ..

ماليزيا تسبق أوروبا

يقول توفلر، أن إقتصاد الموجة الثالثة البازغ لا يقوم على الإفتراض الساذج ، الذي يفيد أن المشروعات الإقتصاديّة الكبيرة تثبت بالضرورة أنّها رابحة . التصرّف الذكي حاليّا، هو تصغير الحجم، والتنويع، و إقامة الهياكل غير البيروقراطيّة . إلى أن يقول،"أعتقد أن ماستريخت تخلق شيئا أكثر مركـزيّة و جموداً من الولايات المتّحدة الأوروبيّة . و إنطباعي أن هذا يعكس رغبة التحكّم في ميزانيّة كلّ دولة" .
و في ذلك الوقت، قال توفلر أن أوروبا تتخلّف عن الولايات المتّحدة الأمريكية و دول آسيا، نتيجة تخصيصها موارداً ضخمة للزراعة و صناعات المداخن، على حساب صناعات عصر المعلومات، و هو يتساءل،" لماذا تستورد أوروبا أجهزة الكمبيوتر بشكل أساسي ؟، و لماذا تخطط ماليزيا لإقامة مشروع فائق لإنتاج الوسائط المعلوماتيّة المتعدّدة، خارج كوالا لمبور، يضع مراكز التكنولوجيا المعلوماتيّة الأوروبيّة في وضع مخجـل ؟ . في الوقت الذي يواصل فيه الأوروبيون التمسّك ببناء المصانع ذات المداخن، يتمسّك الآسيويون بالتكنولوجيّات ذات التوجّه المعلوماتي، و بالإندفاع في سبيلها "
* * *
لكن هذه ليست دعوة إلى اليأس . و إذا كنّا نسعى لأن نستفيد من تراكم القدرات العربيّة، فلا بد أن نبحث عن الأشكال المستجدّة في تجميع الطاقات العربيّة، و التي لا تكون من بينها الوحدة الإندماجيّة . وفهم هذه الأشكال الجديدة يتطلّب ، ما أنادي به دائماً، الفهم الأعمق لطبيعة عصر المعلومات الذي نمضي إليه، تلك الطبيعة التي تختلف عن معظم ما زلنا نأخذ به

الأربعاء، فبراير ٢٠، ٢٠٠٨

زراعة وصناعة عصر المعلومات



بالمعلومات وحدها

هل يمكن أن يحيا الإنسان ؟

قال بنبرة مهذّبة، يخفّف بها إستنكاره البادي " أتابع باهتمام ما تكتبه عن المستقبل في مجلة المصوّر و جريدة عالم اليوم، و هو كلام جميل .. و لكن لم أستطع أبداً أن أهضم مسألة التحوّل من مجتمع الصناعة إلى مجتمع المعلومات، التي تشير إليها دائما في كتاباتك "، ثم إستطرد بلهجة أكثر حدّة قائلاً : كيف تريدني أن أتصوّر مجتمعا بلا صناعة و مصنوعات ؟! .. هل سـنأكل و نرتـدي و نسـتخدم في إتّصالنا و إنتقالنا (المعلومات) ؟
قلت له أنّه محقّ في تساؤله هذا . و أن اللوم فيه يقع على شخصي، نتيجة لكثرة ما كتبت عن المستقبل طوال ما يزيد عن 30 سنة . أكتب أحياناً، متصوّرا أن يكون القارئ قد إطّلع على ماكنت قد كتبته، من شهور أو سنين ! . و قد يخفّف من لومي، أنّني اكتب احيانا متصوّرا القارئ و قد سبق له أن قرأ بعض كتبي عن المستقبل، مثل" أفيقوا يرحمكم الله "، الذي يتضمّن الأسس التي أبني عليها أفكاري فيما أكتبه حالياً . و على أيّ حال، فهذا لا يعفيني من مسئولية الحرص على أن أكون أكثر وضوحاً و تفصيلاً .
بعد هذه المقدّمة الإعتذارية، دعونا ندخل إلى لبّ الإجابة عن سؤال القارئ الصديق
صناعة و معلومات لمجتمع الزراعة

عندما نتكلّم عن مجتمع الزراعة أو الصناعة أو المعلومات، فنحن نعني المجتمع الذي تحتلّ فيه الزراعة أو الصناعة أو المعلومات مركز الثقل، في الإنتاج و الإقتصاد و العمل.
في المجتمع الزراعي، كانت الزراعة هي محور الإنتاج و الإقتصاد . و كانت التكنولوجيّات الزراعية المتواضعة ملبّية لإحتياجات ذلك المجتمع . و كانت أسواق المقايضة البسيطة كافية لنشاطه الإقتصادي . وهذا لا يعني أنّ المجتمع الزراعي كان خالياً من الصناعات و المعلومات .
كانت الصناعات في عصر الزراعة، تفوم على النشاط الحرفي، و في أغلب الأحيان كانت تتمّ وفقا للطلب المحدّد للمستهلك . الحدّاد يصنع سلاح المحراث للفلاّح الذي يطلبه . و في أحوال قليلة كان الحرفي ينتج عدداً محدودا من السلع التي يصنعها، فيمضي بها إلى سوق القرية ليقايض عليها بما يحتاجه من مأكل أو ملبس . كانت هذه بالتقريب صورة صناعة المجتمع الزراعي .
و نتيجة لأن الحياة كانت بسيطة، و كذلك الإنتاج، فإن أبناء المجتمع الزراعي لم يكونوا محتاجين إلاّ لقدر محدود للغاية من المعلومات . خاصة و أن أنماط الحياة كانت مستقرّة و ثابتة، لأجيال و أجيال، وكان تطوير الحياة و العمل غاية في البطء، و التدرّج طويل المدى
ثورة الآلة البخاريّة

و فجأة، و بعد عشرة آلاف سنة من الإستقرار النسبي، ظهرت الآلة البخارية، أساس الإنتاج الميكانيكي، و ما تلاه من إنتاج كهروميكانيكي . و على أساس هذه الخطوة التكنولوجية، تغيّر كل شيئ في حياة البشر .
و دون الدخول في التفاصيل الدقيقة، حدثت التغيّرات التالية في حياة الإنسان . أصبح النشاط الصناعي محتلاّ لمركز الثقل في إنتاج و إقتصاد البشر . و تحوّلوا من الإنتاج الحرفي، قطعة بقطعة، وفقاً للطلب، إلى إنتاج السلع المتطابقة على أوسع نطاق، الأمر الذي وفّرته آلات المصانع . و تحول ملايين البشر من الإنتاج الزراعي إلى الإنتاج الصناعي . و قد ترتّب على هذا التوزيع و الإستهلاك على نطاق واسع، وأصبح العامل غير مدرك للمستهلك الذي يستفيد من إنتاجه، و في أي بلد أو قارة يقيم
و قد قاد هذا إلى عدّة أشياء جوهرية، لا مجال هنا لتفصيلها، و نحن نجيب على سؤال القارئ الصديق : نشأت الأسواق، بمعناها الجديد الذي نعرفه، أسواق السلع و المال و العمالة و الإستثمار . و تغيّر شكل الدولة، و تغيّرت ممارساتها، و طرقها في إتّخاذ القرار . تغيّر التعليم و الأسرة و الإدارة و القيم
هل كانت هناك زراعة في المجتمع الصناعي ؟، نعم، لكنّها كانت مميكنة، و تدار أمورها وفقاً لنظم التعامل مع الإنتاج الصناعي . شكل جديد للإنتاج الزراعي، لا يحتلّ مركز الثقل في الحياة الإقتصادية، ويدار وفقا لتنظيمات المجتمع الصناعي، لكنّها ـ في جميع الأحوال ـ كانت زراعة أكثر تطوّراً من السابق
و هل كانت هناك معلومات في المجتمع الصناعي ؟ طبعاً و بشدّة، فقد كان تطوير أوضاع الصناعة، وباقي إحتياجات المجتمع الصناعي، بما في ذلك الحروب الإستعمارية بين الدول الصاعية، تقتضي السعي الدائب لتوليد المعلومات و المعارف . إلاّ أن المعلومات و المعارف و مؤسّساتها في عصر الصناعة، كانت تخضع لنفس تنظيمات إنتاج السلع الصناعية، و تخدم أهداف المجتمع الصناعي

و ماذا عن مجتمع المعلومات ؟

نصل أخيراً إلى مجتمع المعلومات
نفس الذي حدث في بداية عصر الصناعة، حدث في بداية عصر المعلومات . تكنولوجيا إبتكارية جديدة، هي الكمبيوتر (في مقابل الآلة البخارية)، تغيّر كلّ شيئ في حياة البشر، و تقود إلى ثورة المعلومات، التي جعلتها تحتلّ مركز الثقل في الحياة .
و هنا أيضاً، قاد هذا إلى تغيّرات عديدة جوهرية في حياة البشر، لا داعي لتفصيلها هنا، من بينها : التحوّل من الإنتاج للسلع النمطية على نطاق واسع، إلى الإنتاج وفقا للطلب، بفضل الكمبيوتر الذي يسمح بتنوّع الإنتاج في حدود نفس التكلفة، لتغطية التنوع الهائل في الإحتياجات الحالية للمستهلكين . و التغيّـر في الأساس الإقتصادي و الإداري . و كذلك التغير في معنى العمالة، و تحوّلها من العمالة العضلية إلى العمالة العقـليّة . ومنطق العملية التعليمية، و شكل الأسرة، و معنى الحكومة و طبيعة عملية إتّخاذ القرار، و في معنى السيادة و العلاقات الدوليّة، و في القيم السائدة بشكل عام

الصناعة في عصر المعلومات

و نصل الآن إلى لبّ السؤال المطروح : هل هناك زراعة و صناعة في مجتمع المعلومات ؟
و الإجابة أيضاً : نعم . رغم أن المعلومات يكون لها الثقل الإقتصادي الأكبر في مجتمع المعلومات، بحيث تحتلّ الصناعة و الزراعة مركزاً إقتصاديّاً أقل ثقلاً، إلاّ أن هذا لا يمنع من وجود صناعة و زراعة في عصر المعلومات، تماما كما كانت هناك زراعة، في عصر الصناعة .
إلاّ أن صناعة عصر المعلومات تتميّز بالخصائص التالية :
أولا : صناعة قائمة على التكنولوجيات الإلكترونية، و الإدارة الرقمية إعتماداً على الكمبيوتر، و الروبوت أو الإنسان الآلي، الذي يتكفّل بمعظم الأعمال التي كان يقوم بها عامل عصر الصناعة
ثانيا : تستخدم الأقل من المواد الخام و الطاقة، و تعتمد على مصادر الطاقة الجديدة و المتجدّدة كالطاقة الشمسية . و من ثمّ، فهي غير ملوّثة للبيئة
ثالثا : تستطيع أن تنتج تنوّعا من السلعة الواحدة، دون زيادة في التكلفة، تلبية للتنوّع المتزايد في البشر .
رابعا : صناعات المعلومات لا يعتمد رواجها الإقتصادي على الضخامة، بل تستفيد أكثر بالحجم الصغير .
خامسا : لا تأخـذ بالإدارة البيروقراطية الهرمية، التي سيطرت على كلّ شيئ في عصر الصناعة، و تعتمد على تنوّع من النظم الإدارية، مثل التنظيم الشبكي الذي ينسجم مع طبيعة العمل في مجتمع المعلومات .
سادسا : عمالة صناعة المعلومات عمالة عقليّة، تتعامل مع الكمبيوتر و الأجهزة الإلكترونية، و تكون قادرة على التفكير الإبتكارى، و على حلّ المشاكل الطارئة .
سابعا : تعترف بتنامي قطاع الإنتاج من أجل الإستهلاك الشخصي،(إصنعها بنفسك)، و تطوّر كل ما يحتاجه هذا الإنتاج من أجهزة و أدوات

زراعة عصر المعلومات

و كما كانت للزراعة أسس جديدة و منطق جديد في عصر الصناعة، فإن زراعة عصر المعلومات تجئ مختلفة عن هذا و ذاك
زراعة عصر المعلومات لا تقف عن حدّ الميكنة، بل تعتمد في تنمية الثروة الزراعية و الحيوانية على تكنولوجيات جديدة، و علوم جديدة، مثل العلم البازغ "الهندسة الوراثية" . و لهذا، تكون قادرة على تلبيــة الإحتياجات المتزايدة من الطعام، للتكاثر المطّرد في تعداد البشر .
و زراعة المعلومات، تعتمد على تكنولوجيات المعلومات المتطوّرة، في الوصول إلى أفضل النتائج بمتابعة أحوال الطقس مسبقاً، و في تعظيم الإنتاج، و في التسويق، و في إدارة المزرعة ككلّ .
و هذا يعني أن مجتمع المعلومات به زراعة، لكنّها زراعة أكثر تطوّراً و عائداً من أشكال الإنتاج الزراعي التي عرفها عصر الزراعة أو عصر الصناعة

* * *

أرجو أن يكون ما قلته هنا، كافيا لإقناع القارئ الصديق، أنّه لن يكون مضطّراً لأكل و شرب المعلومات، أو إرتداء و ركوب المعارف

الخميس، فبراير ١٤، ٢٠٠٨

خصائص مجتمع المعلومات


ماسودا يتحدّث عن
مجتمع المعلومات
من التكنولوجيا إلى السوق إلى الإنسان

الكثير من الغموض و التخبّط الذي نلمسه في كتابات من يتصدّون للحديث عن المستقبل، و عن عصر المعلومات، يرجع إلى عدم وضوح طبيعة الذي يتحدّثون عنه . رغم حديثهم عن التغيير، و عن أثر ذلك التغيير على حياتنا، و عن ضرورة اللحاق بركب التطوّر، إلاّ أنهم ما أن ينتقلوا من التعميم إلى التخصيص، حتّي يقعوا في خظأ تصوّر أن مجتمع المعلومات هو مجرّد تحديث أو تطوير للمجتمع الصناعي الذي عرفوه . إلى هؤلاء أنقل المقارنة الشاملة التي أجراها المفكّر الياباني يونيجي ماسودا بين مجتمعي الصناعة و المعلومات .

أولا : جوهر التكنولوجيا الإبتكارية
كانت الآلة البخارية، هي الإبتكار التكنولوجي الأساسي، و جوهر المجتمع الصناعي . و كانت وظيفتها أن تحلّ محل القوّة الجسدية للإنسان، و أن تضخّمها .
و تكنولوجيا الكمبيوتر، هي التكنولوجيا الإبتكارية لمجتمع المعلومات، و جوهره . وظيفتها أن تحل محلّ العمل العقلي للإنسان، و تعمل على تضخيمه .
و هذا يعني إنتقالنا من العمل الجسدي، إلى العمل العقلي
ثانيا : القوّة الإنتاجية المحرّكة
في المجتمع الصناعي، كانت ثورة القوة النابعة من الآلة البخارية، هي السبيل إلى التنمية السريعة لقوى الإنتاج المادي، و قد مكّنت الإنسان من إنتاج البضائع و الخدمات على نطاق واسع .
أمّا في مجتمع المعلومات، فإن "الثورة المعلوماتية" التي نتجت عن تطوير الكمبيوتر، هي التي تقود إلى التعجيل بانتشار قوّة الإنتاج المعلوماتية، بحيث يمكن إنتاج المعلومات المعرفية المنظّمة و المعارف على أوسع نطاق
أي : الإنتقال من إنتاج البضائع، إلى إنتاج المعلومات
ثالثا : مركز الإنتاج
كان المصنع الحديث، بآلاته و تجهيزاته، هو الرمز الحقيقي لمجتمع الصناعة، و مركز إنتاج بضائعه .
و في مجتمع المعلومات، تحل محل المصنع المرافق المعلوماتية(أي الينية التحتية المعتمدة على الكمبيوتر)، و التي تتضمّن شبكات المعلومات، و بنوك البيانات . و تصبح هذه المرافق المعلوماتية مركز الإنتاج و التوزيع للبضائع المعلوماتية
أي: الإنتقال من المصنع، إلى المرافق المعلوماتية
رابعا : السوق كبنية"إجتماعية-إقتصادية"
إتّسعت الأسواق في المجتمع الصناعي، نتيجة لإكتشاف قارات جديدة، و الإستيلاء على المستعمرات . و كانت زيادة القدرة الشرائية عند المستهلكين، هي العامل الرئيسي في توسّع السوق .
أمّا في مجتمع المعلومات، فالجبهة المعرفية تصبح هي السوق المحتملة . و يكون العامل الأساسي وراء إتّساع سوق المعلومات، هو زيادة فرص حل المشاكل بالنسبة لمجتمع ينمو بشكل دائم و ديناميكي
أي : إنّنا ننتقل من سوق الإستهلاك، إلى سوق المعرفة
خامسا : الصناعات القائدة
الصناعات القائدة في التنمية الإقتصادية بالنسبة للمجتمع الصناعي، هي صناعات الآلات و المواد الكيماوية . و البناء الكلّي لهذه الصناعات، يتضمّن صناعات أولى و ثانية و ثالثة .
و في مجتمع المعلومات، ستكون الصناعات القائدة هي الصناعات العقلية، و التي يكون جوهرها الصناعات المعرفية . و ستضاف الصناعات المتّصلة بالمعلومات، كعنصر جديد في البناء الكلّي للصناعات، بإعتبارها المجموعة الرابعة المضافة على صناعات عصر الصناعة . و بهذا يتضمّن البناء الصناعي، صناعات متّصلة بالمعلومات على المحور الرأسي، و صناعات متّصلة بالصحّة و الإسكان و ما أشبه على المحور الأفقي

أي : الإنتقال من الآلات و الكيماويّات، إلى المعلومات و المعرفة

سادسا : البنيـة الإقتصادية
يتميّز الهيكل الإقتصادي الصناعي بالتالي : (أ) إقتصاد السلع المعتمد على المبيعات، (ب) التخصّص في أقسام العمل لحساب الإنتاج، (ج) الإنفصال الكامل للإنتاج عن الإستهلاك، و للمؤسّسة عن البيت، بالإضافة إلى الإنقسامات الأخرى في مجال المال و العمل .
أمّا في مجتمع المعلومات، فنجد التالي : (أ) المعلومات - التي هي محور التنمية الإجتماعية الإقتصادية- سيتم إنتاجها إعتمادا على المرافق المعلوماتية، (ب) تزايد الإنتاج الشخصي للمعلومات، كنتيجة لإستخدامها، ممّا يقود إلى تراكم المعلومات، (ج) سيشيع هذا التراكم المعلوماتي، من خلال الإنتاج التعاوني، و المشاركة في المرافق المعلوماتية، (د) سيتغيّر الإقتصاد - بنيويّاً - من إقتصاد تبادل أو مقايضة، إلى إقتصاد تعاوني
أي : الإنتقال من إقتصاد فصل الإنتاج عن الإستهلاك، إلى إقتصاد تعاوني
سابعا : المبدأ الإجتماعي - الإقتصادي
في المجتمع الصناعي،يكون قانون السعر، و هو المبدأ الإجتماعي الإقتصادي العام، اليد الخفيّة التي تحقّق التوازن بين العرض و الطلب . و يكون النموّ في الإقتصاد و في المجتمع ككلّ خاضعا لذلك النظام الإقتصادي .
أمّا في مجتمع المعلومات، فيكون مبدأ الهدف ( و هو في حقيقته مبدأ الهدف و الوسيلة معاً)، هو المبدأ الرئيسي في المجتمع . و في هذا المجال تعمل التغذية الأمامية التعاونية، و التي تعيد توزيع الواجبات من أجل تحقيق الهدف العام، هي المسئولة عن توفير النظام في المجتمع

أي : الإنتقال من قانون السعر، إلى مبدأ التعاون
ثامنا : الأداة الإجتماعية - الإقتصادية
في المجتمع الصناعي، يعتبر المشروع الإقتصادي، أو المجموعة الإقتصادية، أكثر الأدوات أهمّية للنشاط الإجتماعي . و المشروع الإقتصادي يعمل في ثلاثة مجالات : المشروع الخاص، و المشروع العام، يالإضافة إلى المجال الثالث الذي يتضمّن ملكية الحكومة من خلال إدارة خاصّة .
أمّا في مجتمع المعلومات، فيكون "المجتمع التطوّعي" أهمّ أدوات النشاط الإجتماعي . و تعبير "المجتمع التطوّعي"، يعني مجموعة إقتصادية، يمكن تقسيمها بشكل واسع إلى مجتمعات محلّية، و إلى مجتمعات معلوماتية

أي : الإنتقال من المؤسّسة الإقتصادية، إلى المجتمع التطوّعي

تاسعا : النظام الإجتماعي - الإقتصادي
النظام الإجتماعي الإقتصادي لمجتمع الصناعة، هو نظام المشروع الخاص، الذي يتميّز بالملكية الخاصّة لرأس المال، و التنافس الحرّ، و تعظيم الإرباح و السعي إلى أقصى ربح .
أمّا في مجتمع المعلومات، فيقوم النظام الإجتماعي الإقتصادي على المجتمع المدني التطوّعي، الذي يتميّز بتفوّق بنيته التحتيّة، باعتبارها جامعة بين رأس المال العام، و رأس المال البشري ذي التوجّه المعرفي . و في إطار أساسي يجمع بين مبدأي التعاون، و المنفعة الإجتماعية
أي : الإنتقال من تعظيم الربح، إلى التعاون و المنفعة الإجتماعية

عاشرا : شــكل المجتمـع
المجتمع الصناعي، هو مجتمع السلطة المركزية، و تسلسل الطبقات .
أمّا مجتمع المعلومات، فيكون مجتمع تعدّد المراكز و التكامل التطوّعي . و هو مجتمع يعمل أفقيـــاً،
و ليس بشكل رأسي كما في حالة المجتمع المركزي . و هو يحقّق نظامه الإجتماعي، من خلال عمليات الإستقلال الذاتي و التكامل، ممّا يتميّز به المجتمع التطوّعي
أي : الإنتقال من المركزيّة، إلى المراكز المتعدّدة، و من الطبقات إلى التكامل التطوّعي
حادي عشر : الهـدف القومــي
هدف المجتمع الصناعي، هو إقامة مجتمع الرفاهية القومي، ساعيا إلى تحقيق المجتمع عالي الرفاهية، من المهد إلى اللحد .
أمّا مجتمع المعلومات، فيستهدف تحقيق مبدأ "قيمة الزمن" لكل إنسان . و قيمة الزمن، تعني القيمة التي ترسم و تعمل على تحقيق الزمن المستقبلي أو الآتي . هدف مجتمع المعلومات، هو أن يستمتع الإنسان بحياة ذات قيمة، من خلال سعيه إلى إمكانات مستقبلية أعظم

أي : الإنتقال من الرفاهية، إلى قيمة الزمن
ثاني عشر : شـكل الحكـومة
النظام السياسي للمجتمع الصناعي، هو نظام التمثيل النيابي، و حكم الأغلبية .
أمّا في مجتمع المعلومات، فيصبح النظام السياسي هو ديموقراطيّة المشاركة، أو السياسة القائمة على مشاركة الجماهيربنفسها . و سياسة الإدارة الذاتيّة للمواطنين، التي تقوم على الإتّفاق و المشاركة والتعاون. و هي سياسة تدخل في إعتبارها آراء الأقلّيات
أي : الإنتقال من التمثيل النيابي، إلى المشاركة
ثالث عشر : قـوّة التغيير الإجتماعي
تقوم إتّحادات و نقابات العمّال في المجتمع الصناعي، بإعتبارها قوّة التغيير الإجتماعي . و تكتسب الحركات النقابية المزيد من نفوذها، بالإعتماد على النزاعات بين العمّال و أصحاب العمل، كسلاح في يدها.
أمّا في مجتمع المعلومات، فتكون حركات المواطنين هي أداة قوّة التغيير الإجتماعي، أسلحتها هي التقاضي أو الإلتجاء إلى القانون، و تنامي المشاركة
أي : الإنتقال من النقابة العمّالية، إلى قوّة حركة المواطنين

رابع عشر : المشـاكل الإجتماعية
في المجتمع الصناعي، توجد ثلاثة أنواع من المشاكل الإجتماعية، البطالة الناشئة عن الكساد، والحروب الناتجة عن الصراع الدولي و عن الأطماع التوسّعية من أجل دعم الموقف التنافسي الإقتصادي، ثم دكتاتورية النظم الفاشية .
أمّا مشاكل مجتمع المعلومات، فستكون صدمات المستقبل، و عدم قدرة الأفراد على مواكبة التحوّلات الإجتماعية السريعة، و أعمال الإرهاب الفردية و الجماعية، و أزمات سيطرة قلّة على المعلومات
أي : الإنتقال من اليطالة و الحرب و الدكتاتورية، إلىصدمات المستقبل والإرهاب والمجتمع المحكوم

خامس عشر : أعلى تطوّر للبنية الإجتماعية الإقتصادية
أعلى مراحل تطوّر المجتمع الصناعي، هي مرحلة الإستهلاك الجماهيري المرتفع على أوسع نطاق، والتي تنصبّ على السلع المعمّرة (كالسيارات) .
أمّا أعلى مراحل المجتمع المعلوماتي تطوّراً، فهو تأسيس مجتمع خلق المعرفة الجماهيرية، إعتمادا على الإستخدام المتنوّع للكمبيوتر، من أجل إشباع الذات
أي : الإنتقال من مجتمع الإستهلاك، إلى مجتمع خلق المعارف و إشباع الذات
سادس عشر : المعايير القيميّــة
القيم الماديّة لإشباع الحاجات البدنية و النفسية، هي المعايير العامّة في المجتمع الصناعي .
و في مجتمع المعلومات، تنبع المعايير العامة للقيم الإجتماعية من السعي إلى الإشباع، الناتج عن تحقيق الأهداف
أي : الإنتقال من إشباع الحاجات المادّية، إلى تحقيق الأهداف
* * *

حرصنا على هذا الطرح المركّز للمقارنة التي عقدها المفكّر الياباني يونيجي ماسودا، بين المجتمع الصناعي و مجتمع المعلومات، حتّى تتّضح الصورة في شمولها

الأحد، فبراير ٠٣، ٢٠٠٨

اقتصاد عالمي جديد لكوكب الأرض


لقاء المفكّر المستقبلي الياباني ماسودا في سالزبورج

الدول النامية

و كيف تعبر إلى مجتمع المعلومات
قبل أن تستكمل نموّها الصناعي ؟

في مدينة سالزبورج الجميلة بالنمسا، حضرت منذ ما يزيد عن عشر سنوات أحد مؤتمرات "جمعية مستقبل العالم"، كعضو محترف . و بعد أن ألقيت كلمتي، حول تصوّري لإمكان عبور دول العالم الثالث إلى مجتمع المعلومات، بالرغم من عدم إستكمالها لنموّها الصناعي، قال لي أحد المسئولين عن الجمعية أن يونيجي يريد أن يتحدّث معي حول هذا الموضوع . كانت هي المرّة الأولى التي ألتقي فيها بالمفكّر الياباني يونيجي ماسودا، وكانت الأخيرة إذ أنّه رحل عن عالمنا بعد ذلك اللقاء بثلاثة أعوام .
كان ماسودا في ذلك الوقت يقترب من التسعين، بطيئ الحركة، خافت الحديث . قال أنّه مهتمّ بموضوع دخول الدول النامية إلى مجتمع المعلومات، و أنّه قد أفرد لذلك فصلاً كاملاً في كتابه عن "مجتمع المعلومات" . و عندما سألته عن إمكان الحصول على ترجمة إنجليزية لذلك الفصل، إبتسم قائلا أن الترجمة الإنجليزية للكتاب قد ظهرت في الأسواق حديثاً
حرصت على أن أحصل على نسخة من الكتاب، و سعدت بقراءته .. و عرفت من هو ماسودا الذي كنت أتحدّث معه . إكتشفت أن ماسودا كان ضمن المجموعة الرائدة التي بادرت بوضع بيان، حول خطّة تطوير اليابان معلوماتيا، تمهيداً لدخولها إلى مجتمع المعلومات . و عرفت أنّه لم يقتصر على التفكير والتخطيط، بل عمل كمدير تنفيذي للهيئة التي أشرفت على إنجاز مهمّة تحويل اليابان، من عام1972 وحتّى عام 1985. تلك المهمّة التي رصدت لها الحكومة اليابانية استثمارات بلغت 65 بليون دولارا .

فجوة التخلّف المزدوجة

يقول ماسودا أن فجوة التخلّف في تكنولوجيا المعلومات بين الدول النامية و الدول الصناعية، تعتبر أكثر خطورة من فجوة التخلّف الصناعي التي تفصل بينهما . فالفجوة الصناعية تكون وليدة قصور في تكنولوجيات الإنتاج، و العقبة الأساسية في سبيل تجاوزها، تكمن في عجز الموارد المالية بالدول النامية. لكن الفجوة المعلوماتية، تعني الغياب النسبي لتكنولوجيا معالجة و نقل المعلومات، ممّا يدخل فيه العامل البشري، و مدى التطوّر الفكري، و قدر تطوّر الأنماط السلوكية، في هذه الدول
هذه العقبة، الخاصّة بالتحوّل التكنولوجي، و إستعداد البشر للتعامل مع هذا التحوّل، تعتبر أكثر صعوبة في تخطَيها، إذا قيست بعقبة نقص الموارد المالية، التي يمكن تخطيها بضربة حظ مالية، مثل إكتشاف البترول أو الغاز أو الخامات الأولية الثمينة .
مخاطر إستمرارهذه الفجوة " المعلوماتية -الصناعية " المزدوجة، بالنسبة للدول النامية، يقود -في تقدير ماسودا- إلى خصومات فوضوية حادّة، تشيع كالوباء بين الجنس البشري بأكمله . و هو يرجع ذلك إلى ثلاثة أسباب

أولا : تزايد الإنقطاع الحضاري
الملاحظ أن شعوب الدول النامية، يتوفّرلدي بعضها الفضول الإيجابي والإهتمام بإنتاج الدول المتطوّرة، و هذا يتيح لها تنفيذ خطّة الدخول إلى الصناعة . إلاّ أن الفجوة المجتمعية بين شعوب الدول الصناعية المتطوّرة و شعوب هذه الدول النامية، تحدث إنفصاماً حضاريا و ثقافيا كاملا . هذه الفجوة الحضارية، تقف حائلا امام الإتّصال العقلي، الضروري لقيام التفاهم المتبادل
ثانيا : الموارد و البيئة و الإنفجار السكّاني
الكثير من الدول النامية، سعت إلى تحقيق أهدافها القومية في التصنيع و التحديث، و تطوير مستويات الحياة . لكن إذا واصلت هذه الدول النامية إندفاعها في إتّجاه التصنيع، بإتباع نفس المسار الذي إتّبعته الدول المصنّعة سابقا، فستصبح مهمّتها في حلّ مشاكلها الجارية أكثر صعوبة . و نعني بذلك المشاكل التي من قبيل إستنزاف الموارد الطبيعية، و تخريب المحيط الطبيعي، و الإنفجار السكّاني . و هذا، يقود الدول النامية إلى مواجهة العديد من الأزمات و الكوارث

ثالثا : التنمية المشوّهة، في إتّجاه العسكرية و الشمولية
دخول الدول الصناعية إلى مجتمع المعلومات، قد يتم بطريقة مشوّهة للغاية، تقود إلى قيام نظم عسكرية، ذات طبيعة ديكتاتورية شمولية . و قد يتمخّض هذا عن مزيد من التناقضات بين الدول المتطوّرة و الدول النامية، و عن خصومات حادّة و صراعات أمنية . و سيجعل هذا الدول الصناعية المتطوّرة أكثر ميلاً إلى إستخدام التكنولوجيات المعلوماتية في الأغراض العسكرية . كما أن تخلّف الدول النامية عن الدخول إلى مجتمع المعلومات، يغري الدول المتقدّمة باستخدام هذه التكنولوجيات سلمياً، للتحكّم في حياة أفراد الدول النامية، و نشاطاتهم الإجتماعية
التصنيع و المعلوماتية معاً

يرى يونيجي ماسودا أن التصدّي لهذه الإحتمالات المخيفة، لا يكون إلاّ بتقريب جانبي الفجوة "الصناعية-المعلوماتية" المزدوجة، بهدف تجاوزها نهائياً . و السبيل إلى ذلك، هو التطوير المتزامن لتكنولوجيا التصنيع و تكنولوجيا المعلومات، في الدول النامية . إذا تم هذا بالوسائل و المناهج المناسبة، يمكن أن يساهم في خلق نظام عالمي شامل جديد .
و ما يعنيه ماسودا بالوسائل و المناهج المناسبة، هو
أولا : ضرورة إقامة نظم للمساعدات التقنيّة الدولية، بقيادة حكومية .
ثانبا : إدخال التكنولوجيا الصناعية، يكون بالتأكيد على الصناعات الخالية من مسبّبات التلوّث، و غير المستنفذة للموارد، و المعتمدة على العمالة العقلية .
ثالثا : إدخال التكنولوجيا المعلوماتية، يكون بالتأكيد على إنشاء بنية تحتية معلوماتية، و التركيز على الأنظمة المعلوماتية الإجتماعية، بما في ذلك النظم الصحّية و التعليمية
تصنيف الدول النامية

بالنسبة للبند الأوّل، الخاص بنظم المساعدات التقنية، يؤكّد ماسودا على أهمّية الإنتباه إلى عدم القيام بزرع نظم نمطيّة موحّدة، بالنسبة لجميع الدول النامية . و يطالب بتنوّع في أنماط المساعدة التقنية، وفقاً للتباين الشديد و التمايز الواسع بين الدول النامية حاليّاً .
و مع ذلك، فهو يحاول تصنيف الدول النامية في مجموعتين أساسيّتين :
الأولى هي الدول التي أنجزت -فعلاً- المرحلة الأولى الأساسية في التصنيع، ممّا يجوز معه وصفها بالدول نصف المتطوّرة .
أمّا الثانية فهي الدول التي لم تبدأ بعد التصنيع، و هذه تنقسم إلى:(ا) دول غنيّة بمواردها الطبيعية، (ب) دول فقيرة، تعتمد في الأغلب على الزراعة و الثروة الحيوانية .
الدول نصف المتطوّرة، بإمكانها أن تتبع سياسة التعاون بين رأس المال القومي و رأس المال الأجنبي أمّا الدول النامية الغنيّة بمواردها، فيكون عليها أن تعتمد على رأس مال الدولة، في إدخال التكنولوجيات المتقدّمة . و لا يكون أمام الدول الفقيرة سوى أن تتلقّى المساعدات التكنولوجية من الدول المتطوّرة
نظام جديد لتقسيم العمل دولياً

بالنسبة للبند الثاني، بند إدخال التكنولوجيات الصناعية في الدول النامية، يقول ماسودا أن الدول الغنيّة بمواردها الطبيعية، يكون من الضروري لها أن تعتمد على الصناعات التي تتضمّن توفيرا في العمالة الفنّية( المديرون و المهندسون)، و ذلك ضمن خطوات النظام الدولي الجديد لتقسيم العمل، و من أجل التطوّر الإقتصادي لهذه الدول .
و يرى ماسودا أنّه من المتوقّع، في ظل النظام الدولي الجديد لتقسيم العمل، أن يوكل أمر صناعات الحديد و الصلب، و تكرير البترول، بشكل أساسي، إلى الدول التي تتوفّر فيها المواد الخام . و من هنا، وجب الإهتمام بتقديم المساعدات إلى هذه الدول، فيما يتّصل بالتكنولوجيات المانعة لتلوّث البيئة .
و هو يرى ضرورة إعتبار الحفاظ على الموارد الطبيعية مسئولية دولية، تتقاسمها الدول الصناعية المتطوّرة و الدول النامية معاً .
و إدخال التكنولوجيات الصناعية الموفّرة للعمالة العقلية -في رأيه- يكون له أثره المزدوج : ففيه حلّ لمشكلة النقص في المديرين و المهندسين، بالإضافة إلى أن هذه التكنولوجيات الصناعية، لا يمكن فصلها عن التكنولوجيات المعلوماتية المتقدّمة، و من ثمّ فإن الأخذ بها يمكن أن ينظر إليه بإعتباره أحد أشكال إدخال التكنولوجيا المعلوماتية
البنية التحتيّة المعلوماتية

و أخيرا، نصل إلى البند الثالث، الذي يتّصل بإدخال التكنولوجيا المعلوماتية . لقد أثبتت التجربة العملية، أنّه بالنسبة للدول الفقيرة المحرومة من الموارد الطبيعية، و التي تتصدّى لإقامة البنية التحتية الأولى للمعلومات، من الضروري قيامها بإنشاء شبكة إتّصالات، على إتّساع الدولة . و يجب أن تتجاوز هذه الشبكة خطوط الإتّصال للبرق و التليفون، إلى إقامة شبكة إتّصال رقمية(إلكترونية)، تسمح باستخدام الكمبيوتر في نقل و تبادل المعلومات، و تكون ضمن شبكة المعلومات العالمية التي تعتمد على الأقمار الإصطناعية للإتّصالات
و بالنسبة للدول النامية التي تتصدّي لإدخال النظم المعلوماتية، يؤكّد ماسودا على أهمّية التركيز على النظم المعلوماتية الإجتماعية، التي تتيح تطبيق تكنولوجيا المعلومات في المجالات الإجتماعية، مثل التنمية الإقليمية و الرعاية الصحّية و التعليم .
ثم يقول ماسودا: إن المشاكل التي كانت تعتبر مستحيلة الحل في الماضي، مثل محو الأمّية و إستئصال الأمراض المتوطّنة، أصبح من الممكن - للمرّة الأولى - حلّها إعتماداً على التكنولوجيا
نتائج التنمية المتزامنة

إذا ما تم هذا، على الأسس المذكورة، يصبح من الممكن أن تتحقّق النتائج المتكاملة التالية :
أولا ؛ تضييق الفجوة الصناعية المعلوماتية
إذا مانجحت الدول النامية في إدخال تكنولوجيا الصناعات الصائنة للموارد، و المحافظة على البيئة، والتي تقلّل الإحتياج إلى العمالة العقلية، و نجحت أيضاً في إدخال تكنولوجيا المعلومات التي تركّز على نظم التعليم بالنسبة للمناطق النائية .. إذا ما حدث هذا، فإنّه يقود إلى رفع مستوى التعليم، و إلى إمكان تدريب عمـّال الصناعة الحديثة و مهندسي المعلومات، و إرساء أسس التنمية المستقبلية، بالنسبة للصناعات ذات الإعتماد المكثّف على المعارف .
ثانيا : الإعداد لنظام بيئي عالمي
و حيث أنّ هذه الدول ستتّجه إلى تنمية التكنولوجيا الصناعية التي لا تقود إلى تلويث البيئة، أو إلى إستهلاك المواد الخام، فإن مثل هذه التنمية تساهم في تأسيس النظام البيئي العالمي الجديد .
ثالثا : كبح الإنفجار السكّاني
إدخال نظم الرعاية الصحّية في جميع أنحاء الدولة، ستكون له نتائجه السلبية المؤقّتة على المسألة السكّانية، إذ أنّه سيقود إلى تحسّن المستوى الصحّي، ممّا يطيل متوسّط المدى العمري . لكن هذا، مع إرتفاع مستوى التعليم، سيؤدّي إلى إرتفاع مستوى الفهم و الوعي بالحاجة إلى تنظيم النسل، ممّا يقود آخر الأمر إلى كبح الإنفجار السكّاني

* * *

هذا هو بعض ما طرحه الكاتب المستقبلي الياباني يونيجي ماسودا، فيما يتّصل بمواجهة الفجوة المزدوجة، التي أصبحت تفصل ما بين الدول المتطوّرة و الدول النامية . و هذا هو جانب من حلمه العملي، الذي يدور حول إنشاء نظام إقتصادي عالمي للكوكب الأرضي .. يبقى أن نتأمّل هذا، و نفكّر في سبل تجاوز التخلّف و اللحاق بركب التقدّم، فهذه قضيّتنا قبل أن تكون قضيّة أي شخص آخر، أو جهة أخرى .

الجمعة، يناير ٢٥، ٢٠٠٨

اقتصاد جديد ... لمجتمع المعلومات


آلفن توفلر يشرح إنتقالنا

من إقتصـاد العمالقـة

إلى إقتصــاد الفسـيفسـاء

على مدى سنوات عصر الصناعة، كانت ضخامة المؤسّسة تعني المزيد من القدرة التنافسية، و تقود إلى المزيد من النجاح و الرواج . و قد بقي هذا الإعتقاد سائدا، حتّى بعد أن بدأ عصر الصناعة إنسحابه، مفسحا السبيل لعصر المعلومات، بإقتصاده القائم على أسس جديدة، قد تتناقض مع ما ساد عصر الصناعة
ومــع ذلك، ففي خلال السنوات العشــر الماضية، شـهدت الدول الصناعية الكبرى تضاعفا في عمليات الإندماج بين المؤسّسات الإقتصادية الكبرى، بهدف الوصول إلى المزيد من الربح
في الولايات المتحدة الأمريكية، تصاعدت في عمليات الإندماج بين الشركات الكبرى . ففي عام 1985، إشترت شركة جنرال موتورز، أكبر صانعة سيارات في الولايات المتّحدة الأمريكية، حقّ التحكّم في شركة هيوجز لصناعة الطائرات، و دفعت مقابل ذلك ما يصل إلى 4,7بليون دولارا . و في ذلك الوقت، كان هذا هو أكبر قدر من المال يدفع في شراء مؤسّسة ما . و في عام 1988، بلغ عدد حالات الإندماج و الإستيلاء 487حالة، جرى فيها دفع ما يصل إلى 227 بليون دولاراً .

الربح و المراوغات الجمركية

في البداية، كان الأمر قاصرا على الولايات المتّحدة، ثم بدأنا نسمع عن إندماجات بين شركات أمريكية وأوربية و يابانية . و الأمثلة على ذلك كثيرة، من بينها إستيلاء شركة بريدجستون الأمريكية على شركة إطارات فاير ستون . و ابتلاع شركة سارالي لشركة اكزو الهولندية، واستيلاء شركة كادبوري شويبس الإنجليزية على شركة بولان الفرنسية للشيكولاته . و شراء شركة هاشيت الفرنسية لشركة جروليار الأمريكية..و أيضاً، شراء شركة سوني اليابانية لشركة كولومبيا للصناعات السينمائية .
قام العديد من هذه الإندماجات أساسا لتحقيق الربح السريع، أو لإستغلالها في المراوغات المالية والجمركية، و إن قام بعضها على أسس إستراتيجية
و عند إندفاع أوروبا إلى تكامل السوق الأوربية، إندمجت العديد من الشركات الكبرى، على أمل إستثمار السوق الأوربية المشتركة في حماية نفسها من محاولات الشركات الأمريكية و اليابانية العملاقة .

وهم العمالقة

ما الذي يقود إليه هذا ؟ . إذا إقتصرت نظرتنا على حجم التمويل، فإن حركة الإندماجات المتنامية هذه قد تقودنا إلى تصوّر قوّة إقتصاد الغد محكومة بعدد من عمالقة الإقتصاد . إلاّ أن هذا يعتبر تبسيطا مخلاً، بعيدا عمّا يجري فعلاً . و يطرح آلفن توفلر ثلاثة أسباب لذلك
أولاً : نحن نرتكب خطأ إذا افترضنا أن هذه المؤسّسات العملاقة ستبقى على حالها، دون أن تنفرط . لقد ثبت من واقع عمليات الإندماج السابقة، أن ذلك الإندماج تعقبه، بسنوات قليلة، موجات من التفتّت والتشرذم. في بعض الأحيان، يرجع ذلك إلى أن الأسواق المتوقّعة تكون قد تبخّرت، أو إلى أنه قد تمّ الإعتماد على إستراتيجيات خاطئة . و من ناحية أخرى، تتم بعض الإندماجات في كيانات كبرى، و في نيّة أصحابها، منذ البداية، أن يعقب هذا الإندماج، إعادة توزيع الكيان الكبير الجديد على كيانات صغيرة
ثانيا : إنّنا نشهد اليوم إنفصالاً متناميا بين عالم المال، و عالم الإقتصاد (الحقيقي)، الذي تتم فيه عمليات إنتاج و توزيع المنتجات و الخدمات . في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وبعد أن إصطدم سوقان من أسواق المال، ثبت أنه في الإمكان - في بعض الأحيان - أن تنهار أسواق المال مؤقّتاً، دون أن يؤثّر ذلك بشكل فعّال على العمليات الإقتصادية الفعلية . و لعل مرجع ذلك إلى أن رأس المال نفسه يصبح، بشكل متزايد، أقل أهمية وليس أكثر، من إقتصاد إنتاج الثروة
ثالثا : لم يعد الحجم الكبير يقود، بالضرورة، إلى تعاظم القوّة . فالعديد من الشركات العملاقة، تتحكّم في موارد قوّة هائلة، لكنّها لا تستطيع تحريكها بشكل فعّال . و هذا، هو الدرس الذي تعلّمته الولايات المتّحدة الأمريكية في فييتنام، ثم تعلّمته ثانية في الصومال ( كتب توفلر هذا قبل أن تتأكّد رؤيته في أفغانستان و العراق ) .. و هو نفس الدرس الذي تعلّمه الإتّحاد السوفييتي في أفغانستان . و الخلاصة، أن ضخامة الكيان لم تعد ضمانا للنصر
فسيفساء القوّة

لكي نعرف كيف سيتم توزيع القوّة في أي صناعة أو نشاط إقتصادي مستقبلاً، يلزمنا أن نتأمّل العلاقات، و ليس مجرّد البنى (جمع بنية ) التي تقوم بالنشاط .
عندما نفعل ذلك، سنكتشف تناقضاً مدهشاً . ففي نفس الوقت الذي تتورّم فيه بعض المشروعات والشركات من حيث الحجم، نشهد حركة مضادّة قويّة، تستهدف تفتيت المشروعات الكبرى إلى وحدات أصغر فأصغر . يحدث هذا، مع تصاعد تشجيع المشروعات الصغيرة . و هذا يعني أن تركيز القوّة، لا يشكّل سوى نصف القصّة فقط . إنّنا لانمضي إلى ظاهرة وحيدة، بل إلى توجّهين متعارضين بشكل دراماتيكي، يضمّهما تركيب واحد
يقود الدور الجديد للمعرفة في المجالات الإقتصادية، إلى شكل جديد من أشكال القوة، هو فسيفساء القوّة .. إنّنا نمضي من الكيان الضخم، إلى الكيان المركّب من كيانات صغيرة مختلفة و متنوّعة، على شكل الفسيفساء، أو الموزاييك . و لعل ما قاد،عمليّاً، إلى تأكيد ذلك، ما حدث في الثمانينيّات، بينما وصلت موجة الإندماجات إلى أوجها، عندما إكتشف رجال الأعمال ما أطلقوا عليه : مركز الربح

مراكز الربح و الكمبيوتر

لقد إندفعت الشركات - بكل حماس - إلى تقسيم أنفسها إلى عدد كبير من الوحدات . و طلبت الشركة من كلّ وحدة أن تعمل كما لو كانت مشروعا إقتصادياً صغيراً مستقلاّ . و هكذا، بدأ التحوّل في الشركات والمؤسّسات العملاقة، من البناء الداخلي الضخم المركّب، إلى نوع من الفسيفساء التنظيمي الذي يضم عشرات - وأحيانا مئات - الوحدات المستقلة الصغيرة . لكن الثابت، هو أن قلّة صغيرة من المديرين هي التي أدركت أن هذا التنظيم الجديد، يستمدّ صلاحيته و قوّته من التغيّرات التى طرأت على نظام المعرفة
و من الصعب القول بأن فكرة إنشاء مراكز ربح صغيرة داخل المؤسّسة الكبيرة، كانت جديدة . إلاّ أن هذه الفكرة كانت تواجه مقاومة كبيرة، في عصر ما قبل شبكات الكمبيوتر، لأنّها كانت تعني، من وجهة نظر الإدارة العليا، إنتقاصا لقدرتها على التحكّم في الأمور . و حتّى بعد ظهور أجهزة الكمبيوتر الضخمة (المينفريم) على الساحة، كان من الصعب على إدارة الشركات أن ترصد العمليات التي تقوم بها الأعداد الكبيرة من "المراكز" ذات المسئوليّة الخاصّة .

الكمبيوتر الشخصي، هو البطل

لم يبدأ إنتشار فكرة مراكز الربح بشكل سريع و واسع، إلاّ بعد ظهور الكمبيوتر الشخصي .
لكن الأمـر كان متوقّفاً على شرط آخر، و هو أن تدخل أجهزة الكمبيوتر الصغيرة العديدة هذه في شبكة واحدة، تربط بينها، و تربط ـ في نفس الوقت ـ بينها و بين الجهاز الرئيسي الكبير، عند قمّة المؤسّسة . بمجرد أن حدث ذلك، في الثمانينيّات، إكتسب مضمون مراكز الربح دفعاً هائلاً .
عندما شاعت أجهزة الكمبيوتر الشخصية فوق مكاتب العاملين داخل الشركة، لم يكن أي جهاز منها يتصل بأي جهاز آخر . و قاد ذلك إلى تحوّل القوّة في المؤسّسة إلى أسفل . صغار المديرين و الموظّفين، و قد تسلّحوا بهذا الجهاز العجيب، ذاقوا طعماً جديداً للقوّة لم يعرفوه من قبل، و مارسوا نوعا من الإستقلال كان جديدا عليهم .
لكن، بمجرد أن إرتبطت الأجهزة الصغيرة، بجهاز الكمبيوتر المركزي للمؤسّسة(المينفريم)، حتّى أتاح ذلك للقيادة، عند القمّة، متابعة ما يجري في الوحدات الصغيرة القاعدية، خطوة بخطوة . لقد أصبح بإمكان مراكز الربح الصغيرة أن تعمل بحرّية، كما أتيح للقيادة أن تتابع ما يجري، و تتحكّم فيه
تعميق الفجوة بين المال و العمل

و هكذا، قادت ثورة المعلومات إلى تعميق الفجوة بين المال و العمل . و جعلت من الممكن المضي في التركيز المالي، مع خضوع قوّة العمل لعملية توزيع، و هبوط في التركيز
إلاّ أن مراكز الربح حاليا، مازال العديد منها، مجرّد صورة محاكية للمؤسّسة الأم . ونتيجة لهذا، تم تخريج جيل جديد من البيروقراطيّين الصغار، من بطن البيروقراطية الأم . و لا يمكن لهذا أن يستمرّ، في إطار المؤسّسة المرنة، التي يستوجبها النظام الإقتصادي الجديد . فالجانب التنظيمي لأي مؤسّسة كبرى، يقود إلى الإعتراف بالتباين و الإختلاف، و بأهمّية أن تشكّل الوحدات الصغيرة داخل المؤسّسة، نوعا من الفسيفساء متباين الشكل و القوة .
و خلاصة القول، أنّنا نتحرّك من نظام تسلسل رئاسات، يعتمد على تركيز السلطة و القوّة عند القمّة، وتحكمه تنظيمات مركزية قليلة التنوّع، إلى فسيفساء متنوع الأشكال و الألوان من القوّة و التنظيم

تسطيح الهرم البيروقراطي

غير انه من المهم الإنتباه إلى أن نظام تسلسل الرئاسات التقليدي داخل المؤسّسة، يتغيّر هو الآخر . فبالإضافة إلى مراكز الربح، شهدت ثمانينيّات القرن الماضي ما يصح أن نطلق عليه " تسطيح الهرم البيروقراطي "، أي إقتراب قمّته من قاعدته . و قاد هذا إلى ما يعرف بإسم" مذبحة الإدارة الوسيطة " . و كما في حالة التحوّل إلى مراكز الربح، جاء هذا التغيير أيضاً نتيجة للحاجة إلى ضمان التحكّم في نظام المعرفة في المؤسّسة .
بمجرّد أن بدأت الشركات في التخلّص من إداراتها الوسيطة، بدأ المديرون و الأكاديميون و رجال الإقتصاد، الذين تغنّوا من قبل بروعة الضخامة، بدأوا بتغزّلون في جمال الصغير، و يتحدّثون عن خلل إقتصاديات الضخامة
الذي بدا واضحاً، هو أن الإدارة ـ على مستوى القيادة ـ لم يعد بإمكانها أن تنتظر عملية تحليل المعلومات و المعارف، التي تتم خطوة بخطوة في المستويات الأدنى، و التحرّك البطيئ للرسائل عبر سلسلة الرئاسات . لقد اخذت المعرف تنتقل بشكل فوري من كمبيوتر لآخر، فتزايد الإحساس بأن كتلة الإدارة الوسيطة قد أصبحت عائقاً و عنق زجاجة، أكثر منها أداة ضرورية لإتّخاذ القرارات السريعة

خفض النفقات..من أين ؟

في وجه ضغوط المنافسة، و التهديد باستيلاء الشركات المنافسة على الشركة، بدأ المديــر، الذي كان قانعا بالبنية الأساســية العتيقة، في البحث المستميت عن وسائل جديــــدة لخفض النفقات و التكاليف .
أول ردود الفعل ـ المتكرّرة ـ في مجال خفض النفقات، كان تقليص المشروع، وإلقاء العاملين في الشارع، دون الإنتباه ـ في أغلب الأحيان ـ إلى أن هذا يعتبر عبثاً في النظام المعرفي، الخاص بهذا المشروع . في هذا، يقول بروفيسور هارولد أوكلاند، من جامعة بيس، و أحد خبراء تخفيض القوى العاملة، أن العديد من عمليات خفض النفقات بتوفير البشر، تقود إلى خفض الإنتاجية، للسبب المذكور .
غير أن التخلّص من الإدارة الوسيطة، كان في معظم الأحيان هو السبيل إلى إعادة إقامة البنية الأساسية للمعلومات في الشركة .
لقد ظهر أن العديد من واجبات الإدارة الوسيطة غير الإبتكارية، يمكن أن تتم بشكل أفضل و أسرع عن طريق شبكات أجهزة الكمبيوتر، و أجهزة الإتّصال الأخرى . و تقدّر شركة(آي.بي.إم) لإنتاج أجهزة الكمبيوتر، أن مجرّد جانب من شبكتهاالإلكترونية الداخلية، التي بإسم ( برفس)، يقوم بعمل كان يتطلّب جهد 40 ألف من العاملين على مستوى الإدارة الوسيطة
* * *

عندما ننشئ مراكز الربح، و نسعى إلى تسطيح هرم الإدارة البيروقراطي، و نتحوّل من الكمبيوتر المركزي الضخم إلى شبكة اجهزة الكمبيوتر الصغيرة، التي تتّصل ببعضها البعض، و تتّصل - في نفس الوقت - بالكمبيوتر المركزي .. عندما نفعل ذلك، نحوّل قوّة المؤسّسة من كيان عملاق وحيد، إلى فسيفساء من القوى و الأشكال التنظيمية
و مرّة أخرى، نرى كيف تفيد الرؤية الشاملة، غير الجزئية، و غير الأحادّية، في فهم العلاقات الوثيقة بين ثورة المعلومات، و إنجازاتها التكنولوجية، و طبيعة العمل و الإنتاج في مؤسّسات مجتمع المعلومات. وكيف نحتاج بشدّة إلى النظر للأمور برؤية مستقبلية شاملة