الثلاثاء، أبريل ٠٨، ٢٠٠٨

ديموقراطية مجتمع لمعلومات

من كتاب لي تحت الطبع يحمل عنوان :
سقوط صندوق الانتخابات عن عرشه
ــ
أفكار ديموقراطية
للقرن الحادي و العشرين


بناء نظام حضاري جديد، ينبع من حقائق عصر المعلومات، على أنقاض النظام القديم النابع من حقائق عصر الصناعة، يتطلّب وضع هياكل سياسية جديدة أكثر انسجاما مع الواقع الجديد، في العديد من الدول، و في نفس الوقت . عن هذا يقول آلفن توفلر " هذا مشروع مؤلم، يثير الدوار من فرط ضخامته، و يستغرق ـ بلا ريب ـ عدة عقود لإنجازه .. و لكنّه ضروري .." .
هذه العملية الهائلة لإعادة البناء، التي ستمس آلاف الملايين من البشر، هل يمكن أن تتم بسلام ؟ .. يرى توفلر أن هذا رهن بعدة عوامل : مدى المرونة التي يمكن أن تظهرها النخبة العنيدة المتصلّبة التي بيدها الأمور .. و عمّا إذا كان التغيير يتسارع نتيجة انهيار اقتصادي، و عمّا إذا كانت هناك تهديدات و تدخّلات عسكرية خارجية .
علينا أن نعير التفكير في حياتنا السياسية، من خلال ثلاثة مفاتيح أساسية :

أولا : أفول الأغلبية .
ثانيا : الديموقراطية شبه المباشرة .
ثالثا : إعادة توزيع سلطة اتخاذ القرار .

ولنبدأ في هذه الرسالة طرح النقطة الأولي :

أوّلا : أفول الأغلبيــة

أهم عنصر جديد في حكومة عصر المعلومات، يتّصل بقوّة الأقليات . و هذا يعني أن حكم الأغلبية، الذي هو المبدأ الرئيسي للشرعية في عصر الصناعة، يفقد قيمته بشكل مطّرد . لقد أصبحت الأقليات أكثر أهمّية من الأغلبية .. و نظامنا السياسي الجديد يجب أن يعكس هذه الحقيقة .
في هذا يقول توفلر " .. و اليوم، و نحن نمضي بعيدا عن التصنيع، و نتحوّل بشكل سريع إلى مجتمع غير جماهيري أو نمطي .. يصبح من الصعب جدا ـ و من المستحيل غالبا ـ أن نتوصّل إلى أغلبية، أو حتّى تحالف حاكم .." .
و عن نفس الموضوع، يقول المفكّر الأمريكي والتر دين بيرنام " أنا لا لأري أساسا لأي أغلبية إيجابية، في أي شيء حاليا .." . و لأن النخبة تقوم شرعيتها على الأغلبية، تعمد دائما إلى الحديث باسم الأغلبية .. كان الحزب الشيوعي يتكلّم نيابة عن ( الطبقة العاملة )، و كان نيكسون يزعم أنّه يمثّل في أمريكا ( الأغلبية الصامتة ) . و اليوم، في الولايات المتحدة، تهاجم قيادات حركة المحافظين الجدد المطالب المتصاعدة للأقليات الجديدة، مثل السود، و أنصار المرأة، بزعم أنهم يتكلّمون باسم مصالح الأغلبية، القوية، المعتدلة .

مجتمع النجوم الكوكبية

كلّما ابتعدنا عن سيادة عصر الصناعة، فقدت الجماهير و الطبقات الكثير من دلالاتها، نتيجة لدخولنا بشكل أوسع إلى عصر المعلومات . و يقول توفلر : في مكان المجتمع الطبقي، الذي تتوحّد فيه قلّة من الكتل الرئيسية ذاتها، لكي تشكّل
أغلبية، لدينا الآن مجتمع جديد يتشكّل من مجموعات النجوم الكوكبية، و هو الذي تعمد فيع آلاف الأقليات، التي تكون في معظمها مؤقّتة، إلى الدوران حول نفسها، صانعة أشكالا جديدة للغاية، ذات تكوينات وقتية، نادرا ما تشكّل تراضيا بنسبة 51 في المائة، حول المواضيع الرئيسية .. ثمّ يعقّب قائلا " تقدّم حضارة عصر المعلومات، يضعف شرعية العديد من الحكومات الحالية .. و يتحدّى جميع افتراضاتنا التقليدية حول العلاقة بين الحاكم و الأغلبية، و العدالة الاجتماعية " .
المنظّرون للمجتمع الصناعي، غالبا ما يتباكون على ما يحدث من انقسامات في المجتمع الجماهيري، الذي كان عماد عصر الصناعة . و بدلا من اعتبار ذلك توجّها إلى المزيد من التنوّع الثري، و فرصة جديدة للتنمية البشرية، نراهم يهاجمون الظاهرة، باعتبارها مشجّعة للتفتت و البلقنة ( نسبة إلى البلقان )، و نتيجة من نتائج "أنانية " الأقليات .

الركود الاقتصادي و الثقافي

و في هذا يقول توفلر أن هذه الحقيقة لها آثارها الهائلة، مثال ذلك أنه عندما حاول الروس أن يضعوا حدّا لهذا التنوّع الجديد، أو كبح التعددية السياسية المصاحبة له، قاموا في حقيقة الأمر، بما يطلقون عليه بلغتهم : تكبيل وسائل الإنتاج، ممّا قاد إلى إبطاء التحوّلات الاقتصادية و التكنولوجية في المجتمع .. و نحن في العالم غير الشيوعي ( واضح أن هذا القول كان قبل انهيار النظام الشيوعي )، نواجه نفس الخيار : إمّا أن نقاوم الاندفاع تحو التنوّع، في محاولة أخيرة يائسة لإنقاذ المؤسسات السياسية لمجتمع الصناعة، أو أن تعترف بالتنوّع و نسعى بالتبعية إلى تغيير تلك المؤسسات .
و من الواضح أن الاستراتيجية الأولى، و التي لا يمكن فرضها سوى بالوسائل الشمولية، تقود إلى نوع من الركود الاقتصادي و الثقافي .. أمّا الاسـتراتيجية الثانية، فتقود إلى التطـور الاجتماعي، و إلى ديموقراطـية القرن الحادي و العشرين، التي تقوم على الاعتراف بالأقليات .

الافتراض الخاطئ

إذا كنّا نسعى إلى بناء كيان ديموقراطي، نابع من منطق عصر المعلومات، علينا أن نسقط من حسابنا الافتراض الخاطئ المخيف، الذي يفيد أن تزايد التنوّع و التعدد و التباين في المجتمع يقود آليا إلى التوتّر المتزايد و الصراعات . و يطرح توفلر هذا بمثال طريف و غريب فيقول " إذا ما سعى مائة رجل باستماتة للحصول على نفس الخاتم النحاسي، قد يصل بهم الأمر إلى حدّ أن يحارب بعضهم بعضا من أجل الحصول عليه . و من ناحية أخرى، إذا كان لكلّ واحد من المائة هدفه الخاص المختلف، يصبح الأكثر فائدة لهم أن يتعاونوا و يتاجروا، و يقيموا بينهم علاقات عضوية .. فإذا توفّرت لهم الترتيبات الاجتماعية المناسبة، يمكن أن يقود التنوّع و التعدّد إلى حضارة آمنة مستقرّة .." .
و هو يستخلص من هذا، أن نقص المؤسسات السياسية المناسبة، يقود إلى زيادة حدّة الصراعات غير الضرورية بين الأقليات، ممّا يصل بها إلى حافّة العنف، و يجعل من الصعب ـ أكثر فأكثر ـ العثور على الأغلبية .
نحن في حاجة إلى ترتيبات جديدة مبتكرة، تستوعب التنوّع و تجعله شرعيا .

مصير صندوق الانتخابات

في هذا يقول توفلر " باختصار.. نحن نريد تحديث مجمـل النظام، لكي ندعم دور الأقليات المختلفة، و بحيث تصنع ـ في نفس الوقت أغلبيات ..لكي يتم هذا، يقتض ي الأمر تغييرات جذرية في العديد من هياكلنا السياسية، على أن نبدأ
بأكبر رموز الديموقراطية .. صندوق الانتخابات .." ,
كان من الممكن احتمال النواقص المعروفة لنظام حكم الأغلبيـة، قبل دخولنا إلى عصر المعلومات . و السرّ هو أنّه ـ من بين أشياء أخرى ـ كانت معظم الأقليات تفتقر إلى القوّة الاستراتيجية التي تستطيع بها أن تمزّق النظام . و في عالم اليوم، حيث المجتمع دقيق التشابك بين عناصره، و حيث أصبحنا جميعا أعضاء في مجموعات الأقليات، لم تعد الأحوال السابقة تحكم مجتمعنا .
في هذا يقول توفلر " نظم التغذية المرتدّة التي تنتسب إلى الماضي الصناعي، تبدو بالنسبة لمجتمع المعلومات اللاجماهيري شديد الغلاظة . لهذا يجب علينا أن نستخدم التصويت، و قياسات الرأي، و الاستفتاءات, بطريقة جديدة تماما .." .
في العالم الذي نمضي إليه، حيث تكنولوجيات الاتصال الغنية، يصبح لدى الناس وسائل عديدة لتسجيل آراؤهم و وجهات نظرهم في كل شيء، دون أن يمدّوا أيديهم إلى صندوق الانتخابات .. كذلك توجد طرق مستجدّة ـ سنعرض لها فيما يلي ـ تسمح بتغذية تلك الآراء في صلب عملية اتخاذ القرار السياسي .
و بالتأكيد، سيكون علينا أن نسقط الهياكل الحزبية الحالية التي انقضى زمنها، و التي كانت مصممة لعالم بطيء التغيّر، يعتمد على الحركات الجماهيرية، و التجارة الجماهيرية .. و أن نبتكر هياكل حزبية مؤقّتة، يتاح لها أن ترصد التغيرات التي تطرأ على الأقلّيات .
يقول توفلر " نحن في حاجة إلى تعيين ( دبلوماسيون )، أو ( سفراء )، لا تكون وظيفتهم التوفيق بين الدول، بل بين الأقليات داخل كلّ دولة . قد نلجأ إلى إنشاء مؤسسات شبه سياسية، لمساعدة الأقليات ـ سواء كانت مهنية أم عرقية أم جنسية أم إقليمية أم دينية ـ لكي تقوم بتأسيس و تفكيك تحالفاتها بشكل أسرع و أسهل .." .

أفكار جريئة .. و عاقلة

من بين ما هو مطروح، أن يجري اختيار أعضاء المجالس التشريعية و النيابية ـ في المستقبل ـ بنفس الطريقة التي يتم بها اختيار المحلفين في القضايا، ببعض الدول التي تأخذ بذلك النظام .
يتساءل دكتور تيودور بيكر، أستاذ القانون و العلوم السياسية في جامعة هاواي " لماذا يكون اتخاذ القرارات الهامّة، في الحياة أو الموت، في يد الأشخاص الذين نختارهم كمحلّفين .. بينما نترك القرارات حول ما يجب أن ننفقه من مال على مراكز رعاية الطفل، أو الدفاع، لتكون من نصيب من ( يمثّلون ) هؤلاء المحلفين ؟! " .
و هو يرى أن التنظيمات السياسية تظلم الأقلّيات بشكل منظّم . فيذكّرنا بأن غير البيض يشكّلون 20% تقريبا من الشعب الأمريكي، بينما ينالون 4% من مقاعد مجلس النواب، و 1% من مقاعد مجلس الشيوخ . و بالنسبة للنساء اللاتي يشكّلن أكثر من 50% من التعداد الأمريكي، يكون من نصيبهن 4% فقط من مقاعد النواب، و لا شيء بالنسبة لمجلس الشيوخ ( هذه الأرقام ترجع إلى عام 1976 عندما كتب هذا ) .
ثم يواصل بيكر طرح أفكاره الجريئة فيقول " يجب أن يتم اختيار ما بين 50 و 60 % من المجلس النيابي الأمريكي بالقرعة من بين أفراد الشعب الأمريكي، تقريبا بنفس الطريقة التي يتم بها اختيار الأفراد للخدمة العسكرية من الاحتياط،عندما تنشأ الضرورة .." .

بدائل تثير الدهشة

يعلّق توفلر على ما يطرحه بيكر فيقول " إذا ما أتحنا لأنفسنا أن نفكّر بحرّية للحظات، أمكننا أن نصل إلى الكثير من البدائل التي تثير الدهشة .." . ثم يقول، لدينا الآن التقنيات الضرورية التي تتيح لنا اختيار نماذج من النواب، بشكل أكثر صدقا من نظام المحلّفين أو طلب احتياطي الجيش . يمكننا أن نقيم مجلس نيابي للمسـتقبل أكثر ابتكارية، بحيث يتم ذلك ـ للغرابة ـ مع أقلّ إزعاج للتقاليد الانتخابية الحالية .
ثم يقول، لو شئنا أن نبقي على نوابنا المنتخبين، يمكننا أن نتيح لهم 50% فقط من الأصوات، بالنسبة لأيّ موضوع، بينما تذهب 50% الباقية من الأصوات إلى عيّنات عشوائية من الجمهور ! . و يضيف " باستخدام الكمبيوتر، و وسائل الاتصال المتطوّرة، و الأساليب الانتخابية، أصبح من السهل، ليس فقط اختيار عيّنة عشوائية من الجمهور، بل أن نواصل تحديث هذه العيّنة من يوم لآخر، لتزويدها بأدقّ المعلومات، و أحدثها، بالنسبة للموضوع المطروح .." .
و يمضي توفلر في تصوّره، فيقول أنّه عندما تنشأ الحاجة إلى اتخاذ قرار ما، يجتمع النوّاب المنتخبون للتصويت، في حدود 50% المخصصة لهم، و في نفس الوقت تقوم العيّنة العشوائية، التي لا تعيش بالضرورة في العاصمة، و تتوزّع بين العديد من المنازل و المكاتب، بإعطاء نسبة 50% الباقية من الأصوات إلكترونيا .
و يواصل قائلا " مثل هذا النظام، لن يوفّر فقط عملية تمثيل أقوى ممّا وفّرته أي حكومة قائمة على التمثيل النيابي في يوم من الأيام .. بالإضافة إلى أنه سيوجّه لطمة قوية لجماعات أصحاب المصالح الخاصّة، الذين ينتشرون في ردهات و ممرات معظم البرلمانات .. سيكون على هذه الجماعات أن تعمل على الشعب كلّه، و ليس على القلّة المنتخبة .." .

و إلى الرسالة القادمة، لنستكمل طرح المفكر المستقبلي آلفن توفلر حول ديموقراطية القرن 21

الأحد، مارس ٣٠، ٢٠٠٨

الحكومة .. و مجتمع التعددية

مجرّد اعتماد المؤسّسة على التكنولوجيا المعلوماتية المتطوّرة، لا يعني إنها أصبحت قادرة على مواجهة التغيّرات التي طرأت على مجال العمل . مع التغيرات الشاملة التي سادت حياة البشر، على مدى العقود الأخيرة، لم يعد بإمكان المؤسّسة، و خاصة الكبيرة في مجال الأعمال و التنظيمات الحكومية، أن تواصل نشاطها بشكل ناجح دون أن تعيد بناء ذاتها بشكل كامل على أسس معلوماتية .
و في هذا يقول الكاتب المستقبلي و خبير الإدارة المتطوّرة بيتر دراكر " يتحرّك مركز الثقل في العمالة بشكل سريع، من العمالة اليدويّة و المكتبية، إلى عمالة معرفيّة تقاوم نموذج العمل بالتحكّم و الانضباط والأوامر من أعلى، الذي استمدّه النشاط الاقتصادي من النموذج العسـكري، منذ سنوات عديدة " .
و هو يوضّح هذا بقوله أن رجال الأعمال - في بداية ازدهار المجتمع الصناعي - لم يجدوا حولهم في مجال التنظيم و الإدارة سوى التنظيم الكبير الدائم للجيش . لذلك لم يكن مستغرباً أن يصبح نظام التحكّم و الأوامر النموذج الأمثل للقيادات التي تكفّلت بإنشاء شبكات السكك الحديدية، و مصانع الصلب، و البنوك الحديثة، و المتاجر الكبرى . و نموذج التحكّم بالأوامر هذا، الذي يقوم على قلّة صغيرة للغاية في القمّة تصدر الأوامر لأعداد ضخمة للغاية عند القاعدة تطيع هذه الأوامر، بقي مأخوذا به على مدى ما يزيد عن مائة سنة

وظيفة اجتماعيّة جديدة

و فيما بعد الحرب العالمية الثانية، بدأنا ندرك أن الإدارة ليست مجرّد إدارة النشاط الاقتصادي، وأنّها تتجاوز هذا إلى كلّ مجهود بشري يضم مجموعة متباينة المعارف والمهارات في مؤسّسة واحدة . فكان أن اتّسع نطاق الإدارة ليتجاوز المؤسّسات الحكومية و الاقتصادية، لكي يتضمّن المستشفيات و الجامعات وغير ذلك من المنظّمات الثقافية و الفنّية و الدينية و الاجتماعية، التي تجاوزت في نموّها و انتشارها المؤسّسات الاقتصادية و الحكومية بعد الحرب العالمية الثانية . حتّى بالنسبة لجماعات النشاط التطوّعي، أصبح نشاطها يخضع لمنطق الإدارة، و الذي يتضمّن تحديد الإستراتيجية و الأهداف السليمة، وتطوير أداء البشر من العاملين، و قياس مستويات الأداء، و تسويق خدمات المؤسّسة .
على مستوى العالم، أصبحت الإدارة وظيفة اجتماعية جديدة

أهميّة التحليل والتشخيص

و مع تعاظم سيادة التكنولوجيّات المتطوّرة، أصبح على المؤسّسات أن تهتم بعمليات التحليل والتشخيص، أي بالوصول إلى المعلومات، فبغير هذا تغرق هذه المؤسّسات في طوفان البيانات التي تتدفّق من داخل تلك التكنولوجيّات . و الغريب، أن معظم مستخدمي الكمبيوتر ما زالوا يستخدمون هذه التكنولوجيا الجديدة لمجرّد تسريع نفس العمليات التي كانوا يقومون بها من قبل .
الواضح هو أن مجرّد اتّخاذ المؤسّسة أولى خطواتها، يتجاوز استهداف البيانات إلى البحث منها عن المعلومات، تطرأ تغيرات على عمليات اتّخاذ القرار فيها، و على بنيتها الإدارية، و على الطريقة التي يتم بها إنجاز العمل داخلها . هذه التحوّلات قد بدأت اندفاعها السريع على امتداد العالم، و بصفة خاصة بالنسبة للشركات الضخمة ذات النشاط الدولي .
في المؤسّسة القائمة على المعلومات، تشيع المعرفة أساساً عند القاعدة، داخل عقول المختصّين الذين يقومون بمختلف الأعمال، و الذين يقودون أنفسهم . و نحن نمضي في اتّجاه إنجاز العمل، بشكل واسع، بواسطة الجماعات أو الفرق ذات المهام المحدّدة . و فريق المهمّة المحدّدة - بطبيعته - ينهي التتابع التقليدي للعمل في المؤسّسة : البحث و التطوير و الإنتاج ثم التسويق . فالعمل يصبح متزامنا، عندما يعمل الإخصائيّون في مختلف التخصّصات مع بعضهم البعض، داخل الفريق أو المجموعة

قائد واحد للأوركسترا الكبير

يساعدنا على فهم آليّات العمل في المؤسّسة المعرفية الجديدة، تأمّل الأوركسترا السيمفوني الكبير .
في الفرق السيمفونية الكبيرة الحديثة، يشترك في العزف مئات العازفين فوق المسرح . و وفقا للنظريات التقليدية في الإدارة، كان المفترض أن يكون على رأس كل مجموعة من الآلات نائب قائد مختصّ بعمل هذه المجموعة . إلاّ أن الواقع العملي يفيد وجود قائد واحد، يعزف له كل واحد من الموسيقيّين، الذين يكون كلّ واحد منهم قمّة في تخصّصه، دون وسيط بين العازف و القائد .
على أساس هذا يمكن أن نفهم متطلّبات المؤسّسة القائمة على المعرفة . لقد أمكن أن يعمل مئات العازفين مع قائدهم، لأن كل منهم يكون على مستوى مرتفع من المعرفة في تخصّصه . هذا المستوى من المعرفة هو الذي يحدّد لعازف الفلوت أو الكمان أو الإيقاع أو قائد الأوركسترا مهمّته، و ما يجب عليه أن يفعله خلال تقديم العرض .
و في المستشفي، يشترك جميع الإخصائيّين في مهمّة واحدة، رعاية وعلاج المريض . و"النوته" التي يعملون وفقها هي "تشخيص" حالة المريض، ممّا يملي إجراءات معـيّنة على العاملين في معمـل الأشعة السينية، و على المختصيّن في التغذية، أو العلاج الطبيعي، و كل أفراد فريق العمل في المستشفى

هدف بسيط واضح عام

و من هذا نرى أن المؤسّسة القائمة على أسس معرفية, تحتاج إلى وجود أهداف واضحة و بسيطة و عامّة، يمكن ترجمتها إلى تحرك أو فعل محدّد . و لأن "العازفين" في المؤسّسة المعلوماتية يكونون من الإخصائيّين، فإنّه يكون من غير المجدي أن يخبرهم أحد كيف يقومون بعملهم .
لهذا، يجب أن يتركّز بناء المؤسّسة القائمة على المعرفة حول أهداف، تحدّد بوضوح توقّعات إدارتها فيما يتصّل بأداء العاملين فيها . و يجب أن يعتمد نظامها على التغذية المرتدّة(فيد باك)، التي تساعد على المقارنة بين النتائج و التوقّعات، حتّى يمكن لكل فرد أن يمارس التحكّم الذاتي .
و من بين مقتضيات المؤسّسة المعرفية، أن تكون لكل عامل بها مسئوليته المعلوماتية . و مفتاح الوصول إلى مثل هذا النظام، هو أن يسأل كل واحد نفسه:
من في هذه المؤسّسة يعتمد على ما لدي من المعلومات ؟، و بالنسبة لأيّ معلومات ؟،
و أيضا، من الذي أعتمد على معلوماته من العاملين فيها ؟ .
و يشير بيتر دراكر إلى نقطة معيّنة تقتضي الالتفات، فيقول أن مسئولية الفرد المعلوماتية تجاه الآخرين في مؤسّسته يجري تفهّمها بشكل متزايد، و بصفة خاصة في الشركات متوسّطة الحجم . لكن مسئولية الفرد المعلوماتية تجاه نفسه مازالت تلقى تجاهلاً إلى حدّ بعيد . ما زال الكثيرون يعتقدون أنه بحصولهم على المزيد من البيانات، يمكنهم الوصول إلى المزيد من المعلومات . و يرى دراكر أن هذا كان افتراضاً وارداً فيما مضى، عندما كانت البيانات قليلة أو محدودة . و اليوم، مع تدفّق البيانات، يصل بنا هذا إلى تضاعف حمولة البيانات بأكثر ممّا نحتمل، ممّا يقود إلى افتقاد المعلومات المطلوبة

الأسئلة المطلوبة

على المديرين التنفيذيّين و الإخصائيّين المحترفين أن يفكّروا من خلال تساؤلات مطلوبة حول ما تعنيه المعلومات بالنسبة لكلّ منهم، و البيانات اللازمة لذلك . عليهم أن يعرفوا ما الذي يفعلونه في المؤسّسة، ثم عليهم أن يكونوا قادرين على اتّخاذ قرار بشأن الذي يجب عليهم أن يفعلوه، و أخيراً أن يتمكّنوا من تقييم ما يفعلونه و يحدّدون مدى جودته .
على ضوء هذا كلّه ، يكون على الهيئات الحكومية، و المؤسّسات الاقتصادية، و اتّحادات العمّال، وعلى الهيئة العسكرية، بل و على المدارس و الجمعيات غير الحكومية، عليها جميعا أن تغيّر من عاداتها القديمة، و أن تصل إلى العادات الجديدة التي تتّفق مع ما أوردناه .
و لكن، لا بد من الإشارة هنا إلى حقيقة هامة، هي أنّه بقدر نجاح المؤسّسة في ظل الظروف السابقة تكون مصاعب وآلام عملية التحوّل هذه . فإن مثل هذه الإجراءات تهدّد وظيفة و وضع و فرص العديد من العاملين في المؤسّسة . و بصفة خاصة أصحاب مدد الخدمة الطويلة، من متوسطي العمر الذين في مواقع الإدارة الوسيطة، و الذين يميلون أن يكونوا الأقل قدرة على الحركة، و الأكثر إحساساً باستقرارهم في أعمالهم، و في مراكزهم الوظيفية، و في علاقاتهم و سلوكهم

السبت، مارس ٢٢، ٢٠٠٨

ما هذا الجمود و انعدام الخيال؟


الأجيال التي تصنع الحضارة

و الأجيـال التي تعيشها ..

بعض الأجيال تولد و قد كتبت عليها مسئولية تأسيس حضارة، و البعض الآخر لكي يحافظ عليها و يصونها .. و اليوم، في كل مجال من الحياة الاجتماعية، في عائلاتنا، و مدارسنا، و أعمالنا.. في نظم الطاقة التي نعتمد عليها، و نظم اتصالاتنا، تواجهنا الحاجة إلى خلق أشكال جديدة تناسب مجتمع المعلومات .. و ملايين الناس في العديد من الدول قد شرعوا ـ بالفعل ـ في القيام بهذه المهمة . و لن نجد في أي مجال مثل هذا القدر من التخلّف و انعدام المصداقية، و الخطورة أيضا، مثل هذا الذي يتم في حياتنا السياسية !.. كما أننا لا نرى في أي مجال من مجالات حياتنا هذا القدر من انعدام الخيال، و العجز عن التجريب، و الإهمال، و عدم تفهّم طبيعة التغيرات الأساسية، كما هو الحال في مجال الحياة السياسية .
حتّى أولئك الذين يظهرون ابتكارا عاليا في حياتهم العملية الخاصة، في مكاتبهم أم معاملهم، في مطابخهم أم مدارسهم، في بيوتهم أم شركاتهم .. حتّى هؤلاء يبدوا أنهم قد تجمّدوا في مكانهم، إزاء أيّ اقتراح يفيد أن دستورنا أو هياكلنا السياسـية قد أصبحت غير مجديـة، و تحتاج إلى إعادة نظر شاملة . في هذا يقول المفكّر المستقبلي الكبير آلفن توفلر قائلا : عملية التغيير السياسي العميق، تبدو مخيفة للغاية، مع مخاطرها القريبة .. إلى الحد أننا أصبحنا ـ فجأة ـ نقبل الواقع المفروض، مهما كان سرياليا و ظالما و جائرا، باعتباره أفضل ما يمكن أن يحدث
ليس انقلابا مباغتا

ما ينتظرنا ـ مع اشتداد الصراع الأعظم ـ ليس تكرار لأي دراما ثورية سابقة .. ليس إطاحة بالنخبة الحاكمة عن طريق " حزب طليعي " ـ بقيادة مركزية ـ تسانده الجماهير . . و ليس عن طريق انقلاب دموي إرهابي . فإقامة بناء سياسي جديد، يلائم مجتمع المعلومات، لن يأتي عن طريق انقلاب هائل وحيد، و لكن نتيجة لتتابع آلاف الابتكارات و الصدامات، على مستويات مختلفة، في أماكن مختلفة، على مدى عقود
و هذا لا يستبعد احتمال العنف، غير أن ذلك يعتمد على مدى مرونة و ذكاء النخب الحاكمة، و ما فوقها و ما تحتها من نخب حالية . إذا ما أظهرت هذه المجموعات قصر في النظر، و فشل في التخيل، و تخوّفا، كما كان الأمر دائما مع الجماعات الحاكمة سابقا، فإنّها ستقاوم المجتمع القادم بعناد، و من ثمّ تصعّد مخاطر العنف و التخريب .
و لا شك أن الظروف تختلف من دولة لأخرى، لكن لم يحدث على مدى التاريخ أن كان هناك هذا العدد الهائل من البشر المتعلمين العقلاء، الذين يتسلّحون ـ جماعيا ـ بنطاق لا يصدّق من المعرفة . لم يحدث أن كان هناك العديد جدا من البشر المتمتعون بمستويات عالية من الرفاهة، و إن لم تكن مستقرة، و مع ذلك تسمح لهم بالوقت و الجهد للاهتمام و النشاط المدني . لم يحدث أن كان مثل هذا العدد قادرا على السفر و الاتصال و التعلّم من الثقافات الأخرى
مؤسسات سياسية بديلة

يقول توفلر " كلّما أسرعنا في تصميم المؤسسات السياسية البديلة، وفقا للمبادئ الثلاثة الزاحفة ـ قوّة الأقلية، و الديموقراطية شبه المباشرة، و توزيع مسئولية اتخاذ القرار ـ كانت فرص نجاحنا أكبر في أن يتم التحوّل سلميا .. " .
و هذا يعني أنه لكي نتجنّب الانقلابات العنيفة، يجب أن نبدأ من الآن التركيز على مشكلة انقضاء جدوى التنظيمات السياسية الحالية، في جميع أنحاء العالم . هكذا يستطرد توفلر مطالبا بعدم الاقتصار على طرح الموضوع على الخبراء، و رجال القانون، و المحامين، و السياسيين، و لكن بطرحه على الجمهور فعليا، على المنظمات المدنية، و اتحادات العمال، و رجال الدين، و جماعات حقوق المرأة، و الأقليات العرقية و الجنسية .. على العلماء و ربات البيوت و رجال الأعمال .
ثم يشير توفلر إلى نقطة غاية في الأهمية، فيقول أن أحد منا لا يعلم تفاصيل ما سيحدث في المستقبل، و ما هو الذي سيكون أصلح من غيره بالنسبة لمجتمع المعلومات .. لهذا، لا يجب أن ينصب تفكيرنا على عملية إعادة بناء هائلة وحيدة، أو في تغيير ثوري جامح وحيد، مفروض من أعلى .. و لكن يجب أن نفكّر في آلاف التجارب الواعية اللامركزية، التي تسمح لنا باختبار النماذج الجديدة لعملية اتخاذ القرار السياسي، على المستويات المحلية و الإقليمية، قبل تطبيقها على المستويات القومية و عبر القومية
لكن، قبل أن ندخل في تفاصيل ما يطرحه توفلر، حول مستقبل الممارسة السياسية في مجتمع المعلومات، يجب علينا أن نتأمّل أوّلا ـ مع التدقيق ـ الأسباب التي تؤكّد أن ديموقراطية التمثيل النيابي قد استنفذت أغراضها

الانتماء إلى الحياة الجديدة

يقول الكاتب المستقبلي روبيرت ثيوبالد و صاحب الأفكار الجيدة في تصّور ديموقراطية مجتمع المعلومات " تصبح مشاركة المواطنين في صناعة القرار ممكنة و مطلوبة، إذا كان بإمكاننا أن نحلّ قيم و رؤى عصر المعلومات محل قيم و رؤى عصر الصناعة. و هو نفس ما حدث عند انتقالنا من عصر الزراعة إلى عصر الصناعة .
التحوّل السابق تم عبر أجيال، مع اختلاف رؤية كلّ جيل عن الذي سبقه، و ممّا خلق نوعا من التوتّر بين الأجيال . المشكلة حاليا، هو أنه ليس لدينا الوقت الكافي لانتظار حدوث التغيير عبر أجيال، و أن كلّ واحد منا مطالب بأن يعيد اختبار أفكاره عن الحياة و النجاح، على ضوء التغيرات العريضة التي تتعرّض لها حضارتنا . و يقول ثيوبالد " معظمنا يجد هذا الواجب شاقا بشكل غير عادي، لغياب النماذج التي نهتدي بها . لكننا سنكتشف بعد قليل بأن القيم المطلوب منّا تبنيها أكثر إنسانية، و أكثر قبولا من التي يطلب منّا التخلّي عنها ..و مع ذلك لن يكون التغيير سهلا .."

السلطة الحكيمة

ما نحتاجه، هو الفهم السليم للسلوك البشري . فلا صحة للقول الذي يتردد كثيرا حول أن الناس يتصرفون بما يتّفق مع مصالحهم، في لحظة إقدامهم على التصرّف . فلم يثبت من التجارب العملية أن الناس عرفوا أين تقع مصلحتهم، أو
عرفوا التصرف الأسلم لبلوغ الهدف، أو التزموا بهذا في تصرفهم، انهم قد يسعون إلى هدف في وقت ما، ثم إلى هدف
آخر في الوقت التالي . و يقول ثيوبالد " الحقيقة ببساطة هي أن الناس يختلف تعريفهم للنجاح، و أن تعريف الفرد يتأسس وفقا لمداركه، و لماضيه، و لخبرته الشخصية، و احتمالاته الوراثية .."
و هو يقول أن السعي لتغيير سلوك البشر يتضمّن التالي :
أولا : مساعدتهم على إعادة تقييم معنى خبراتهم السابقة .
ثانيا : تمكينهم من اكتشاف رؤى المستقبل، التي ستغيّر أهدافهم، إلى اتجاهات يرغبون فيها أكثر .
ثلثا : تعليمهم المهارات التي تساعد على جعل أقوالهم و تصرفاتهم تيسّر وصولهم إلى الأهداف المنشودة .
كأفراد، عليهم تعلّم ممارسة إعادة تقييم ماضيهم، و تصوّر مستقبلهم الجديد، و لا مناص من أن البدء في تعلّم محاولة التأثير على المجتمع الذي يعيشون فيه .. وهذا هو الذي سيقود إلى تحقيق ديموقراطية توقّعية فعّالة .. و مع كلّ هذا، فطبيعة الأمور تقول أن هذا سيقتضي بعض الوقت لظهور التغيير المنشود، بحكم القصور الذاتي الهائل للمجتمع، و مقاومة البنية البيروقراطية لأي تغيير

طرق التحكّم في الذات

المشاركة الصادقة من جانب المواطنين، تحتاج إلى تحوّلات عميقة في الطرق التي نحكم بها أنفسنا :
أوّلا : نحن نحتاج معرفة أن هناك عدد قليل من الصراعات التي يكون فيها أحد الطرفين محقّا بالكامل، و الطرف الآخر مخطئا بالكامل . العيب في نظامنا القانوني القائم هو سعيه لتخريب و إخفاء الظلال الرمادية، و اختزال الأمر إلى أسود و أبيض .
ثانيا : نحن في حاجة إلى تطوير هياكل جديدة تسمح للناس بتطوير أفكارهم و التعبير عنها، بأكبر قدر من الوضوح . في المستقبل، سنحتاج إلى البحث عن المدهش و غير المتوقّع . و القدرة على تقبّل ما هو مستجد، قبل أن يكتمل نضجه، يعتبر من أندر المهارات و أكثر ما نحتاجه منها، في حياتنا الجديدة .
نحن في حاجة إلى خلق آلية جديدة، تساعدنا في توضيح الخلافات و الفرص . و هذه العملية في شكلها الأمثل تتكوّن من أربعة جوانب :
عناصر الاتفاق : جانب ينصب على توصيف عناصر الاتفاق القائم حول موضوع معيّن، و بخاصة العوامل التي تقود الناس إلى الإيمان بأن هذا الموضوع يستحق الاهتمام .
أسباب عدم الاتفاق : و جانب يصف عناصر عدم الاتفاق القائمة حول الموضوع، و أسباب عدم الاتفاق، و نوع المعارف المطلوبة للمساعدة على الوصول إلى اتفاق .
نطاق السيناريوهات : و جانب يستكشف نطاق السيناريوهات التي تفرضها التصورات المختلفة للموضوع الذي نتناوله، و اقتراح المعايير المختلفة للسياسات التي نحتاجها لنستوعب وجهات النظر المختلفة .
الموارد التاحة : و جانب يقرر الموارد المتاحة للمزيد من الدراسة ( مطبوعات، أوديو، فيديو، كمبيوتر .. إلى آخره ).

و الهدف من هذا المنهج ـ كما يقول الكاتب روبرت ثيوبالد ـ هو زيادة مساحة ما هو متّفق عليه، و الحدّ ممّا هو موضع خلاف، بالنسبة لموضوع ما، حتّى يكون لدى أولئك الذين يضعون السياسات أفضل المؤشرات، لفهم العالم الذي يعملون في حدوده .

الأربعاء، مارس ١٢، ٢٠٠٨

عن أي ديموقراطية نتكلّم ؟

الزلزال الأكبر

و ثورة المعلومات

أيا كانت مزايا و نواقص عصر الصناعة، فمن المهم أن نفهم أن لعبة الصناعة قد انتهت، و أن طاقاتها قد تبدّدت، و أن قواها تتلاشى في كل مكان .. في الوقت الذي بدأت ثورة المعلومات اندفاعها، فارضة أسسا جديدة لمجتمع المعلومات، تختلف عن أسس مجتمع الصناعة، بل و تتناقض معه، في معظم الجوانب .
و هناك تغيران أساسيان يجعلان الاستمرار العادي لحياة مجتمع الصناعة غير ممكن بعد الآن :
أوّلهما ـ أننا وصلنا إلى نقطة تحوّل في " حربنا مع الطبيعة " . و الغلاف الجوّي للكرة الأرضية لن يتحمّل المزيد من الإفساد الذي تجلبه الصناعة .
و ثانيهما ـ أننا لن نستطيع بعد الآن الاعتماد على مصادر الطاقة غير المتجددة، و التي ما زالت العماد الأساسي للتطوّر الصناعي .
و هذا لا يعني نهاية المجتمع التكنولوجي، أو نهاية الطاقة، لكنّه يعني أن جميع التطورات التكنولوجية المستقبلة، ستتشكّل وفقا لمدى حفاظها على البيئة . و يعني أيضا أنّه لكي تصل الدول الصناعية إلى مصادر بديلة، ستعاني من أعراض الانكماش المتتابعة .
و في نفس الوقت سيعاني المجتمع الصناعي من نقص المواد الخام الرخيصة . و مع انحسار نفوذ الاستعمار و الإمبريالية الجديدة، سيكون على الدول المتطوّرة تكنولوجيا : إمّا أن تتجه إلى داخلها بحثا عن بدائل و موارد جديدة، لكي تشتري من بعضها البعض، مقللة بهذا روابطها الاقتصادية مع الدول غير الصناعية .. أو أن تستمر في الشراء من الدول غير الصناعية، و لكن وفق شروط تجارية جديدة تماما . و في كلتا الحالتين سترتفع التكلفة بشكل ملموس .
لقد أدرك الجميع أن الأمور لا يمكن أن تمضي بنفس الطريقة التي جرت عليها من قبل، و بدأ البحث عن أشكال جديدة و متجددة من الطاقة، و البحث ـ من خلال التكنولوجيات المتطوّرة ـ عن بدائل لاستنزاف المعادن و الخامات التي تستخرج من بطن الأرض .. و في نفس الوقت، بدأ التحوّل عن الصناعات التقليدية، و التي كانت تعتبر محور النشاط الصناعي، إلى صناعات جديدة، تستهلك قدرا أقل من الطاقة و الخامات، و لا يكون لها نفس التأثير الضار على البيئة . ما يجب أن نلتفت إليه، هو أن هذه المخاطر لم تكن خافية على رجال الصناعة منذ البداية، إلاّ أن السعي إلى المزيد من الأرباح، و التوسّع الاقتصادي، كان يجعلهم يشيحون بوجوههم عن هذه المخاطر

فما الذي تغيّر الآن ؟ ..

ثورة المعلومات، و دائرتها النشطة

منذ منتصف القرن العشرين تقريبا، بدأ زحف ما يمكن أن نطلق عليه " ثورة المعلومات " .
حدث نفس ما حدث في بداية عصر التصنيع، و لكن بطريقة مختلفة تماما ..
و كما تسللت الآلة البخارية إلى حياة البشر، كرأس حربة للتحوّل من مجتمع الزراعة إلى مجتمع الصناعة، تسللت تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات إلى حياتنا، لتحدث ثورة المعلومات، التي تقودنا إلى " مجتمع المعلومات " .
لقد تواصلت " ثورة المعلومات " من خلال ما يمكن أن نطلق عليه " الدائرة النشطة "
على محيط تلك الدائرة، بدأ الأمر :
( 1 ) بتطوّر كبير في تكنولوجيات الكمبيوتر و الاتصالات .
( 2 ) قاد إلى تدفّق غير مسبوق في المعلومات .
( 3 ) عند تفاعل البشر مع هذا الفيض المنهمر من المعلومات، تباينوا و اختلفوا عن بعضهم البعض، بتباين و اختلاف انعكاس المعلومات المستجدة عليهم، فزاد التباين و التنوّع في البشر، في مكان النمطية و القولبة التي كانت تفرضها مبادئ مجتمع الصناعة .
( 4 ) تنوّع البشر، قاد إلى المزيد من توالد و تدفّق المعلومات .
( 5 ) و تلقفت تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات هذا التدفّق المستجد في المعلومات، فضاعفته، و نشرته .
هذا هو ما نعنيه بثورة المعلومات و دائرتها النشطة

الآثار المجتمعية
للتكنولوجيات الابتكارية الكبرى

المفكّر المستقبلي الياباني الراحل يونيجي ماسودا، الذي ساهم في تسهيل دخول اليابان الصحّي إلى مجتمع المعلومات، يتحدّث عن ثلاث مراحل تقود فيها التكنولوجيا الابتكارية الكبرى إلى إحداث تغيّرات أساسية في النظم الاجتماعية و الاقتصادية للمجتمع . و في كتابه عن مجتمع المعلومات، يقدّم تطبيقا على هذا، في انتقال البشرية إلى المجتمع الزراعي، ثم في انتقالها إلى المجتمع الصناعي، و أخيرا ـ و الذي يهمنا هنا أكثر من غيره ـ في انتقالها إلى مجتمع المعلومات . و هو يقول أن هذا يحدث على ثلاث مراحل كالتالي :
المرحلة الأولى : و فيها تقوم التكنولوجيا المعنية بنفس العمل الذي كان الإنسان يقوم به سابقا .
المرحلة الثانية : و فيها توفّر هذه التكنولوجيا إمكانات في العمل لم يكن بإمكان الإنسان أن يقوم بها في أي وقت .
المرحلة الثالثة : بناء على ما سبق، تتحوّل البني الاجتماعية و الاقتصادية القائمة، إلى نظم اجتماعية و اقتصادية جديدة .
كيف إذا يمضي الأمر في تحول البشر حاليا من مجتمع الصناعة إلى مجتمع المعلومات ؟ .. يشرح ماسودا قائلا :
1 ـ الوصول إلى التسيير الذاتي ( الأوتوماتية )، كآخر تتطور للمجتمع الصناعي .. حيث تقوم تكنولوجيا المعلومات، و نعني بذلك تكنولوجيا الكمبيوتر و الاتصالات، بالعمل نيابة عن الإنسان .
2 ـ الوصول إلى خلق المعارف، اعتمادا على التكنولوجيا المتطوّرة، أي تطوير عمل الكمبيوتر بحيث يتجاوز دوره كحاسب إلكتروني، و بحيث يصبح بإمكانه أن يتيح للمعلومات و المعارف الداخلة إليه أن تتفاعل، و تلد معارف جديدة، لم يكن الإنسان الذي يعمل على الكمبيوتر يعرفها . و بمعنى أوسع أن يصبح بإمكان هذه التكنولوجيا الجديدة أن تضخّم العمل العقلي، بطريقة لم يكن ـ و لن يكون ـ بإمكان العقل البشري أن يصل إليها .
3 ـ نتيجة للمرحلتين السابقتين، تتيح التكنولوجيا المتطورة ابتكار النظم الجديدة، و ليس فقط المعارف الجديدة . و هذا يفرض مجموعة من التحوّلات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية .
و خلال نصف القرن المنصرم، انهمك علماء المستقبل في تصوّر هذه التغيرات التي ستطرأ على النظم التي سادت عصر الصناعة، و استطاعوا أن يرصدوا أهم التغيرات الجارية التي تنقلنا من ثورة المعلومات إلى مجتمع المعلومات .
كما استطاعوا أن يتوصّلوا إلى معالم الحياة الجديدة، بل و يتصوّروا أحيانا الكثير من التغيرات، التي لم تكن قد حدثن بعد، نتيجة لفهم القوانين الأساسية لهذه التغيرات
معالم مجتمع المعلومات

و من الممكن أن نورد هنا كعناوين جانبا من أهم التحوّلات التي يجيء بها مجتمع المعلومات، مثال ذلك :
ـ من العمل الجسدي العضلي إلى العمل العقلي .
ـ من المصنع، إلى مرافق المعلومات .
ـ من التعليم النمطي التلقيني، إلى التعليم الابتكاري الذاتي المستمر .
ـ من تعظيم الأرباح إلى المنفعة الاجتماعية .
ـ من الدولية إلى العالمية، أو الكوكبية .
ـ من التخطيط قصير المدى، إلى الرؤية المستقبلية .
ـ من المركزية إلى اللامركزية .
ـ من التزامن المحكم، إلى الزمن المتكيّف .
ـ من التنظيم الهرمي البيروقراطي، إلى التنظيمات الشبكية .

و أخيرا، و هو موضوعنا هنا :
من ديموقراطية التمثيل النيابي إلى أشكال جديدة .. كديموقراطية المشاركة و الديموقراطية التوقّعية

الجمعة، مارس ٠٧، ٢٠٠٨

عن أيّ ديموقراطية نتكلّم ؟

الزلزال الكبير

و ديموقراطية التمثيل النيابي

لقد عمدت الحضارة الصناعية ـ كما رأينا ـ إلى تفتيت المجتمع إلى آلاف الأجزاء المترابطة .. مصانع، دور عبادة، مدارس، اتحادات تجارية، سجون، مستشفيات .. إلى آخر ذلك . و أيضا عمدت إلى تفتيت المعرفة إلى نظم تحتاج إلى إخصائيين أو خبراء ..كما قامت بتفتيت الوظائف إلى شظايا فرعية من العمل، منفصلة عن بعضها.. و فتتت العائلات إلى وحدات أصغر .. لهذا، اقتضى الأمر أن يتولّى أحد ما مهمة تجميع كل ما قام المجتمع الصناعي بتفتيته، في كيان موحّد جديد .
هذه الحاجة، فتحت الباب أمام أنواع جديدة من الإخصائيين أو الخبراء، الذين ينحصر عملهم في الربط بين هذه الجزئيات الجديدة، و تحقيق التكامل بينها . و قد شاع هؤلاء في المجتمع الصناعي : كمنظمين، و إداريين، و منظّمين، و رؤساء، و مديرين .. نراهم في كل عمل خاص أو حكومي، و على مختلف المستويات الاجتماعية .. و استطاعوا أن يقنعوا الجميع بأنّه لا غنى عنهم .
على أساس هذه الحاجة الملحّة للتكامل بين أجزاء المجتمع الصناعي، طلع علينا أكبر كيان تنظيمي معروف، و هو ما عرف باسم : الحكومة الكبرى

الحكومة الكبرى

على نسق هذه الحكومة الكبرى، قامت حكومات أخرى على مختلف مستويات المجتمع، باعتبارها امتداد للحكومة الكبرى . و حتّى في بلاد الاقتصاد الحرّ، ظهرت الحاجة الشديدة للحكومة الكبرى، فهي الأقدر على الإسراع بتطوير السكك الحديدية، و بناء المواني، و شقّ الطرق و القنوات، و تنظيم خدمات البريد و البرق و التليفون و الإذاعة، و وضع قواعد التعامل التجاري، و القيام بالتوحيد القياسي للسوق .. إلى آخر ما تقوم به حكومات المجتمع الصناعي .
و فوق هذه الصفوة من خبراء التكامل و الإخصائيين، ظهرت في المجتمع الصناعي " صفوة عليا "، على مستوى أرفع، هي المسئولة عن تخصيص الاستثمارات . و سواء في الصناعة أو المال، في البنتاجون أو مكاتب التخطيط السوفييتية، تقوم الصفوة العليا بتخصيص الاستثمارات الكبرى، و تضع الحدود التي يعمل في إطارها خبراء التكامل .
و خلال القرن الأخير، في دولة بعد أخرى، هبّ الثوار و المصلحون يحاولون نسف جدار السلطة القائمة، لبناء مجتمع جديد على أساس العدل و المساواة السياسية .. و نجحوا في بعض الأحيان في تسلّم مقاليد السلطة . و مع ذلك كانت النتيجة دائما تجيء واحدة ..ففي كلّ مرّة، و تحت راية الثورة، يتشكّل نظام جديد من الصفوة و الصفوة العليا .. قد تتغيّر بعض الوجوه، لكن البناء الأساسي يعود ليتشكّل من جديد
ذلك لأن المجتمع الصناعي ـ بطبيعته ـ يحتاج إلى ذلك البناء التكاملي .. إلى خبراء السلطة الذين يستقرّون على قمّة ذلك البناء .. و احتياج المجتمع الصناعي إلى ذلك، لا يقل عن احتياجه للمصنع و الوقود و الأسرة النووية .. و كما يقول المفكّر المستقبلي الكبير آلفن توفلر : ..فالتصنيع، و الديموقراطية الكاملة ـ التي يبشّر بها البعض ـ لا يجتمعان معا في واقع الأمر ..
ماكينة الانتخابات
لقد انبهر رجال الأعمال و المثقفون الثوريون ـ في بداية عصر الصناعة ـ انبهارا شديدا بالآلة .. و على هذا الأساس أقاموا العديد من نظم حياتهم على نفس الأسس التي تقوم عليها الآلة، و تعمل وفقها . من أهم هذه الابتكارات التي يتحدّث عنها توفلر، لعبة التمثيل النيابي الشائعة، و التي تنحصر مكوناتها في
الأفراد الذين يتسلّحون بأصواتهم
الأحزاب التي تجمع هذه الأصوات
الأفراد، الذين بمجرّد فوزهم بالأصوات يتحوّلون فورا إلى ممثلين أو ( نوّاب ) لأصحاب الأصوات
الهيئات البرلمانية التي يقوم فيها النوّاب بإنتاج القوانين على أساس التصويت
المنفذّون رؤساء، و رؤساء وزارات، و وزراء، الذين يلقمون آلة صنع القوانين هذه بالمادة الخام، على شكل سياسات، و من ثم يفرضون ما يصدر من قوانين
هذه " الماكينة الديموقراطية " لا يقتصر وجودها على المستوى القومي، بل تجدها فيما هو تحته من المستويات الإقليمية و المحلية، حتّى تصل إلى القرى و أصغر التجمّعات السكانية

وهم المساواة و حكم الأغلبية

الحكومة التي تقوم على التمثيل و الانتخاب، و التي ولدت من الأحلام التحررية لثوار عصر الصناعة و رياداته، كانت تقدما مدهشا بالنسبة لنظم السلطة الأسبق .. كانت نصرا ابتكاريا، أكثر إثارة من الآلة البخارية أو الطائرة . لقد أتاحت هذه الحكومة تتابعا منظّما، يختلف كثيرا عن حكم السلالة الوراثي، و فتحت قنوات الاتصال في المجتمع بين القاعدة و القمّة، و وفّرت طقسا يتيح التعامل مع الخلافات بين الجماعات و الفئات المختلفة على أساس سلمي .
و بحكم تمسّك الحكومة القائمة على التمثيل الانتخابي بمبدأ حكم الأغلبية، و بحقّ كل إنسان في إعطاء صوته، ساعدت بعض الفقراء و الضعفاء في استدرار بعض المنافع من خبراء السلطة الذين يديرون آلة التكامل في المجتمع .. لهذا ظهرت حكومة المجتمع الصناعي بمظهر صاحبة الثورة الإنسانية في التاريخ .
و مع ذلك، و منذ البداية الأولى، عجزت هذه الحكومة دائما عن الوفاء بالتزاماتها . و لم تستطع ـ في أي مكان ـ أن تغيّر البناء التحتي للسلطة في الدول الصناعية ( بناء الصفوة و الصفوة العليا، إلى آخر ذلك) . و هكذا، تحوّلت العملية الانتخابية، بصرف النظر عمّن يكسب فيها، إلى أداة ثقافية قوية في يد الصفوة .
و إلى الرسالة التالية لنعرف
لماذا انقضت صلاحية الديموقراطية النيابية؟

الأربعاء، مارس ٠٥، ٢٠٠٨

عن أيّ ديموقراطية نتكلّم ؟

عن أي ديموقراطية نتكلّم ؟

لن أملّ المطالبة بضرورة ضبط المصطلحات مع مرور الزمن، و تحديد المعاني الجديدة التي تكتسبها، في إطار التغيّرات المجتمعية التي تمر بها البشرية . و من بين المصطلحات التي تشتد الحاجة إلى ضبطها هذه الأيام ، مصطلح "الديموقراطية"، الذي تضاعف الإقبال على استخدامه، و ضعفت الرغبة في تحقيق مضمونه .
كنت أسمع إلى برنامج حديث الساعة الحواري، إذاعة بي بي سي العربية، اشترك فيه عدد ليس قليل من مختلف البلاد العربية . كان التخبط و غياب الرؤية هو السمة الغالبة عند المشاركين، و ربما من يديرونه من جانب الإذاعة . لقد اختلطت ديموقراطية بوش التي جاء يفرضها على العراق و أفغانستان، مع ديموقراطية الولايات المتحدة ذاتها، و غيرها من دول العالم الأول .. مع الممارسات السياسية لمختلف الرؤساء و القادة العرب و المسلمين، مع ديموقراطية الإسلام المستنبطة من القرآن و الحديث و سنن الأقدمين .
و بعد قليل من التفكير، انتبهت أن هذا الخلط الفكري يمارسه جميع المساهمين في الأحزاب والنشاط الحزبي، قيادة و قاعدة، بما في ذلك الكيان الملفّق الذي اصطلحوا على تسميته بالحزب الوطني ..
هذا الخلط الناتج عن غياب الرؤية الواضحة لطبيعة تطوّر المجتمعات البشرية، هو الذي يرمينا في أحضان المفاهيم الخاطئة لطبيعة و مستقبل حياتنا الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية، و يقود النظام الحاكم إلى الفشل في كل ما يتصدّى له، على مدى العديد م السنين ..
و كان من الضروري أن أبدأ بسؤال هام للغاية :
عن أي ديموقراطية نتكلّم ؟
في بداية عصر الزراعة، الذي ساد حياة البشر لحوالي عشرة آلاف سنة، كان من الممكن تقسيم سكان العالم إلى قسمين : بدائيون، و متحضّرون .
البدائيون : هم لم تصلهم الثورة الزراعية، كانوا يعيشون في قبائل و تجمّعات صغيرة، و يعتمدون في حياتهم على صيد الحيوانات و الأسماك .
أمّا المتحضّرون : فقد استقرّوا حيث انشغل الإنسان بزراعة الأرض . و حينما ازدهرت الزراعة، استقرّ البشر فوق قطعة من الأرض، فقامت الحضارات الزراعية و اضمحلّت، و تحاربت و اندمجت، من الصين و الهند، إلى مصر، إلى المكسيك، إلى اليونان و روما .
وراء الاختلافات الشديدة التي تظهر بين هذه الحضارات، توجد دائما أوجه شبه أساسية :
• في كلّ منها كانت الأرض هي أساس الاقتصاد، و الحياة، و الثقافة، و نمط الأسرة، و طبيعة النشاط السياسي .
• في كلّ منها كانت الحياة تنظم حول القرية . و لم تكن الحدود واضحة تماما بين المقاطعات و الإمارات .
• ساد كلّ منها تنظيم بسيط للعمل، و تبلورت فئات و طبقات محدودة : النبلاء، و رجال الدين، و المقاتلون، و أقنان الأرض أو العبيد .
• في كل منها كانت السلطة شاملة، يخضع فيها الفرد خضوعا كاملا لمصلحة الجماعة . و في كل منها كان مولد الإنسان يحدد وضعه في الحياة .
• كان الاقتصاد غير مركزي، بمعنى أن كل مجتمع كان ينتج معظم احتياجاته .
و بالطبع كانت هناك بعض الاستثناء، فالحياة لا تحتمل مثل هذا التبسيط .. لقد نشأت وسط هذا حضارات تجارية،خاض بحارتها أنحاء البحار، كما نشأت ممالك مركزية للغاية حول نظم الري العملاقة .
على مدى ذلك الزمن الطويل، لم تكن إدارة المجتمع تقتضي الكثير من القرارات العلوية . ففي ظل التقسيم البسيط للعمل، الذي ساد المجتمعات الزراعية، لم يكن مطلوبا البحث عن أشكال ديموقراطية للحكم . لم يكن يشارك في القرارات السياسية و الاقتصادية سوى قلّة محدودة من الأشخاص . و حتّى في أثينا القديمة التي ابتدعت لفظ الديموقراطية، كانت ديموقراطيتهم تقوم لحساب القلّة من السادة، على حساب عبودية الأغلبية . خلال تلك اآلاف من السنين، كان المزارع يعرف بوضوح من الذي بيده مقاليد الأمور في مجتمعه المحدود، الملك أو الإقطاعي أو رجل الدين .. لهذا كانت السلطة شاملة، يخضع فيها الفرد خضوعا كاملا لمصلحة الجماعة، كما يراها الحاكم .

الشورى

لهذا .. كانت " الشورى "، هي الحد الأقصى لمشاركة الآخرين في القرار .. فالحياة مستقرّة، التغيرات محدودة و بطيئة للغاية، و خبرات الأسلاف كافية لأن يتخذ الحاكم ـ بمفرده ـ القرار السليم، في الوقت المناسب . على مدى عصر الزراعة، كان الفرد يولد في أسرة، و ضمن جماعة عرقية، و يعيش حياته كلّها في القرية التي ولد فيها، و كان ما يلتزم به من دين أو عقيدة يفرض عليه من والديه، و مجتمعه المحلي . و كانت معظم الانتمـاءات و الولاءات الأسـاسية تتحـدد عند الميلاد . كما أن هوية الجماعة كانت تظل عادة ثابتة خلال عمر الفرد كلّه ..
من هنا، يمكننا القول بأن " الشورى " كانت الشكل الأمثل للممارسة الديموقراطية، على مدى عصر الزراعة .

عصر الصناعة

ثم كان الزلزال الكبير الذي غيّر كل شيء في حياة البشر، مع بدايات عصر الصناعة، و أرسى أسسا جديدة للحياة الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية.. و عندما اندفعت الثورة الصناعية عبر الأرض، تغيرت طبيعة انتساب الفرد إلى الجماعة بشكل كبير .
و بدلا من انتماء الفرد لقبيلته، أو قريته، أصبح مطلوبا منه أن ينتمي إلى دولته . كما أن تقسيم العمل الجديد، الذي أخذ به عصر الصناعة، جعل الوعي الطبقي يضيف شكلا جديدا من أشكال الانتماء .
و عندما مزّقت الثورة الصناعية وظيفة الأسرة،و أوكلت الكثير من مسئولياتها التقليدية إلى مؤسسات جديدة متخصصة، كالمدارس و المستشفيات و الملاجئ، قويت الروابط القومية، بينما ضعفت الروابط المحلية .
كانت الصناعة أكثر من مجرّد مداخن و خطوط تجميع .. كانت نظاما اجتماعيا خصبا له أكثر من وجه، أحدث تأثيرا واضحا على كلّ جوانب الحياة البشرية، التي استقرّت طويلا على امتداد عصر الزراعة .
و برغم ما بين المجتمعات الصناعية من خلافات في اللغة و الثقافة و التاريخ و البنية السياسية .. تلك الخلافات التي بلغ من عمقها أن نشبت بسببها الحروب .. رغم هذا فقد اشتركت جميعها في سمات أساسية عامة واحدة . و قبل أن نتحدّث عن ديموقراطية عصر الصناعة، و التي عرفت باسم " ديموقراطية التمثيل النيابي "، دعونا نستعرض معا ـ بشكل مختصر ـ التغيرات التي أحدثتها الثورة الصناعية في أوجه حياة عصر الزراعة، لكي نرى بوضوح مصادر الحياة السياسية لمجتمع الصناعة .
التحولات التي أحدثها الزلزال الكبير :
في الطاقة : اعتمد المجتمع الزراعي على ما يطلق عليه الكاتب المستقبلي الكبير آلفن توفلر تعبير " البطاريات الحيّة "، يعني بذلك القوّة العضلية للإنسان و الحيوان، بالإضافة إلى طاقة الشمس و الرياح و الأنهار . بينما استمدّت مجتمعات عصر الصناعة طاقتها من الفحم و الغاز و زيت البترول، و هي نتاج حفريات لا تتجدّد، و واصلت تقدّمها و توسّعها على افتراض أن وقودها الرخيص سيظلّ متوفرا إلى الأبد .
في الإنتاج : في المجتمع الزراعي، كانت البضائع تنتج عادة بأساليب يدوية، قطعة بعد قطعة، و بنفس الطريقة كان يتم توزيعها . لكن عصر الصناعة أحدث انقلابا جذريا في مسألة الإنتاج و التوزيع و التسويق . بحكم التكنولوجيات المستحدثة، مثل الآلة البخارية، و ما وفّرته من طاقة ميكانيكية، و بعد تطورها إلى طاقة كهروميكانيكية، ظهر الإنتاج شديد التدفٌق، على نطاق واسع للغاية، اقتضى أوضاعا جديدة في التسويق و التوزيع .. فشقّت الطرق، و مدّت خطوط السكك الحديدية، و حفرت القنوات .. و ظهرت محلاّت و مراكز البيع الكبرى لأوّل مرّة، و ترتّب على ذلك ظهور وظائف جديدة لشبكات عمال البيع، و بائعي الجملة، و الوكالات و السماسرة، و مندوبي الصناعات .
في التنظيمات الاجتماعية : قبل الثورة الصناعية، كان شكل الأسرة يختلف من مكان لآخر . لكن ما من مكان وصلت إليه الزراعة، إلاّ و مال الناس فيه إلى العيش في بيت كبير، يضم عدة أجيال من الأسرة .. و كان الكلّ يعمل كوحدة إنتاجية اقتصادية واحدة . و مع تحوّل العمل من الحقل إلى المصنع، تغيّر الوضع . و لكي يتفرّغ العامل للعمل في المصنع، حلّت محل الوظائف الأساسية في الأسرة مؤسسات متخصّصة جديدة .. المدارس لتعليم الأطفال، و الملاجئ لرعاية كبار السنّ، و المستشفيات للمرضى، إلى آخر ذلك . و قد تطلّب العمل الجديد قدرة العامل على الانتقال إلى حيث تنشأ الحاجة إليه . و مع الهجرة إلى المدن ـ حيث المصانع و العمل ـ وصلنا إلى ما يطلق عليه " الأسرة النووية "، التي تتكوّن من الأب و الأم و عدد قليل من الأبناء .
في التعليم : كان من الضروري إعداد الأبناء للعمل في المصنع، فتمخّض هذا عن هيكل مركزي آخر في المجتمع الصناعي، هو التعليم الجماعي، فنشأت ( المدرسة ـ المصنع ) . كان التعليم الجماعي العام يلقّن التلاميذ أساسيات القراءة و الكتابة و الحساب، و شيئا من التاريخ و الموضوعات الأخرى . لكن، وراء هذا كان يكمن منهج خفي يتضمّن ثلاثة دروس هامة : التدرّب على الالتزام بالمواعيد، و طاعة الرئيس، و التعوّد على العمل المتكرّر . و مرجع ذلك إلى أن العمل في المصنع يتطلّب عمالا يصلون إلى خطوط التجميع في مصانعهم في موقت محدّد، و يخضعون لأوامر التسلسل الوظيفي دون استفسار، و يتحملون العمل المتكرر الروتيني المملّ دون احتجاج .

المبادئ الستّة للمجتمع الصناعي

لكل نظام حياة بشرية قوانينه أو شفرته الخفية، التي تخضع لها جميع النشاطات خضوعا مطلقا . و مع سيادة عصر الصناعة أصبح من الممكن اكتشاف ستّة مبادئ أساسية، حكمت حياة الملايين، و جاءت نتيجة للفصل بين الإنتاج و الاستهلاك . دعونا نستعرضها بشكل سريع، لنرى علاقتها بنظام الحكم، وبديموقراطية التمثيل النيابي الناتجة عنها :
المبدأ الأوّل : التوحيد القياسي، أو النمطية . المجتمعات الصناعية التي أفرزت ملايين المنتجات النمطية المتطابقة، تجاوزت النمطية عندها مجال التصنيع، لتنسحب على كل شيء في الحضارة، من نظم العمل، إلى المنشآت العامة، إلى حياة الإنسان . و قد لعبت وسائل الإعلام الجماهيري دورا هاما في تكريس صورة التوحيد القياسي .
المبدأ الثاني : التخصص الشديد . مع تزايد تقسيم مراحل العمل، استبدلت الثورة الصناعية العامل الزراعي الذي
كان يقوم بعدة أعمال متنوّعة، بالعامل صاحب الاختصاص الضيّق الذي يقوم بعملية محدودة واحدة، يظل يكررها يوما بعد يوم .. و هكذا قام الصرح الصناعي على التخصص الضيّق . و قد واكب نظام التخصص هذا، في الشرق و الغرب، موجة صاعدة من الإخصائيين، الذين يتحكّمون في عمليات النشاط المجتمعي .
المبدأ الثالث : التزامن، و ضبط التوقيت . الانفصال بين الإنتاج و الاستهلاك، قاد إلى قيام السوق، المخططة أم الحرّة .. و أصبح الزمن معادلا للمال، و تعلّم أبناء المجتمع الصناعي استخدام الساعة، و التحديد المنضبط للوقت، فكان جرس المدرسة هو المرادف لصفارة المصنع .
المبدأ الرابع : التركيز . ظهور السوق كوسيط بين المنتج و المستهلك، قاد إلى مبدأ التركيز .. تركيز السكن في المدن الكبيرة حول مراكز النشاطين الصناعي و التجاري،و تركيز المجرمين في السجون، و العجزة في الملاجئ، و التلاميذ في المدارس .. و كما جرى تركيز و تجميع العمال في المصانع، تمّ أيضا تركيز رؤوس الأموال في شركات كبرى، و احتكارات عظيمة . و ساد عصر الصناعة حالة من عشق كل ما هو هائل و كبير .. و ساد زعم يقول أن " الحجم الكبير" مرادف "للكفاءة" .
المبدأ الخامس : عشق الضخامة . بهذا المنطق ارتفعت ناطحات السحاب، و أقيمت أضخم السدود، و شيّدت أوسع الملاعب . رأينا ذلك الولايات المتحدة و ألمانيا و بريطانيا . و لم يكن عشق الضخامة بدافع من الحصول على الحدود القصوى للأرباح، فقد ربط ماركس ين " زيادة حجم المنشآت الصناعية "، و بين " زيادة نمو القوى المادية لهذه المنشآت"، و كان أول ما فعله لينين بعد قيام الثورة السوفييتية، هو دمج الحياة الاقتصادية الروسية في أقل عدد ممكن، من أكبر الوحدات الممكنة .
المبدأ السادس :المركزية الممعنة . سعت جميع الدول الصناعية إلى تطوير المركزية، فأصبحت من الفنون الرفيعة ! . و استجابة للمبادئ الخمسة السابقة، كان على المجتمع الصناعي أن ينجز ذلك من خلال أشكال جديدة من التنظيم منية على مركزية المعلومات و القرارات . و كان أثر هذا واضحا في الحياة السياسية، و بشكل أوضح في البلاد الصناعية الماركسية . و انسحب ذاك على المال و الاقتصاد، و كان البنك المركزي رمزا لمركزية المجتمع الصناعي .

* * *

و لكي نفهم طبيعة الممارسة السياسية التي سادت عصر الصناعة، و التي جرت تحت لافتة " ديموقراطية التمثيل النيابي "، و لكي نعرف كيف نشأت، و لماذا لم تعد صالحة للتعامل مع واقع مجتمع المعلومات .. علينا أن نعرف من هم الذين يسيرون أمور البشر، في ظل المجتمع الصناعي .

الخميس، فبراير ٢٨، ٢٠٠٨

تنظيمات جديدة لمجتمع المعلومات

أين نحن من حلم الوحدة العربيــة ؟

كلّنا حلمنا يوماً بوحدة عربيّة، أو إسلاميّة، تضم شتات شعوبنا المستضعفة، و تنهي حالة الفرقة التي خلقتها تقسيمات الدول الإستعماريّة المختلفة، على مدى القرون الثلاثة الأخيرة، التي شكّلت عمر عصر الصناعة . و ما زال الحلم يتراءى لنا بين يوم و لآخر، كلما لمسنا ضعفنا في مواجهة الدول الكبرى القويّة، أو خزينا إزاء الإستفزازات التي تقوم بها إسرائيل، و عجزنا عن مواجهتها بما تستحقّه نتيجة لخضوع أمريكا لها .
و في كتاباتنا و مؤتمراتنا نكيل اللوم لقيادات الدول العربية و الإسلاميّة المتناحرة، و التي تعوق قيام أيّ وحدة من أيّ نوع . بعضنا يتصوّر أنّنا كنّا على وشك تحقيق الحلم في حياة جمال عبد الناصر، و أنّه بالإمكان معاودة المحاولة لو ظهر بيننا ذلك الزعيم القوي القادر على تحقيق الوحدة .
و بين الحين و الآخر، كلّما سمعنا أو قرأنا عن خطوات تحقيق الوحدة الأوربّيّة، ثرنا على أوضاعنا، وتساءلنا : كيف تنجح هذه الدول متنافرة الأعراق و العقائد مختلفة اللغات، فيما نفشل فيه رغم وحدة التاريخ و العقيدة و اللغة عندنا ؟! . من المسئول عن هذا الوضع ؟

الزمن هو المسئول

حتّى نفيق من هذه الأحلام، و نسقط المشاعر السلبيّة التي تعوق الفهم السليم للواقع البشري المعاصر، تمهيداً للتحرّك في السبيل الأقوم، أستسمح القارئ في أن أضع أمامه بعض الحقائق، التي قد تبدو للوهلة الأولى إستفزازيّة، ثم أحاول تفسيرها بعد ذلك .
أولاً : منذ منتصف القرن الماضي، لم يعد ممكناً لأحد، لا عبد الناصر و لاغيره، أن ينجح في إقامة شكل من أشكال الوحدة الإندماجيّة، على نسق ما قام به بسمارك في ألمانيا، و غاريبالدي في إيطاليا .
ثانياً : في إطار التغيّرات الكبرى التي يشهدها الجنس البشري، يتغيّر معنى كلّ شيئ في حياتنا، و من بين هذا معنى الوحدة . إندماج الدول يتناقض مع الواقع الحالي و القادم، و الأرجح أنّنا نمضي إلى تفكيك و شرذمة و تجزئة الوحدات الكبرى التي تشكّلت في بدايات عصر الصناعة . أو نحن نمضي-على الأقل- إلى إعادة بناء تلك الوحدات على أساس جديد تماماً
ثالثا : أن محاولات الوحدة الأوربية الحالية، لو بقيت خاضعة لعقليّات الزعماء السياسيين الذين مازالوا يعيشون الواقع التاريخي لعصر الصناعة، من أمثال هلموت كول، فإن مصيرها الفشل، و المشاكل الأخطر.
توضيح هذه الحقائق سيقنعنا أن المسئول عن عدم قيام الوحدة العربيّة هو الزمن و العصر

الوحدة الإندماجيّة، لماذا قامت ؟

الوحدة الإندماجية و الإستعمار، هما إبنان شرعيّان للإقتصاد الصناعي . وحفيدان للإنتاج الجماهيري على نطاق واسع، الذي أتاحته الآلة البخارية .
ما أن ظهرت المصانع الكبيرة، و بدأت إنتاج تدفّق من السلع النمطية، بالآلاف و الملايين، حتّى ظهرت الحاجة إلى التوزيع و التسويق الجماهيري على نطاق واسع . و من هنا، إستعرت المنافسة الإقتصاديّة، التي إقتضت التجمّع في وحدات إقتصاديّة كبيرة تصمد في وجه هذه المنافسة .
و قد إقتضي الكيان الإقتصادي الكبير، كيانا سياسيّاً و إداريّاً كبيرا يحميه . و هكذا، بدأت في أنحاء العالم الصناعي عمليّات الإندماج، و ظهرت "الدولة-القومية" الكبرى، و التي مازالت تسود حياتنا السياسيّة حتّى الآن .
لم تتمّ عمليات الوحدة الإندماجيّة، لمجرّد تحقيق حلم الوحدة القومية، بل على العكس هو الصحيح . قامت الدولة القوميّة لتلبية حاجات الإقتصاد الصناعي . و سخّرت من أجل ذلك جميع الأحلام القوميّة، وأيقظت أبطال التاريخ القومي من قبورهم، بل و أعادت صياغة التاريخ نفسه، لخدمة هذه الدولة الجديدة

إنسحاب أسس المجتمع الصناعي

و منذ منتصف القرن الماضي، ظهرت تكنولوجيّات جديدة، ترسي أسساً إقتصاديّة جديدة، و تستلزم أشكالا جديدة للدولة، بل و تطرح منطقاً جديدا لحياة البشر يختلف تماماً عن المنطق الصناعي .
و هنا أيضاً، بدأت القصًة بتحوّل في طبيعة الإنتاج الأساسي . قضت التكنولوجيّات المعلوماتيّة المتطوّرة، و بالتحديد الكمبيوتر و الروبوت، على أهمّ ركن في الإنتاج الصناعي، الإنتاج الجماهيري على نطاق واسع . أصبح من الممكن إنتاج تنوّع من السلعة الواحدة، بمجرد ضغط زر أو تغيير سطور في برنامج الكمبيوتر، تلبية لتنوّع رغبات الجماهير، و بنفس تكلفة إنتاج السلع النمطية المتطابقة بالملايين .
قاد هذا التغيير الهام، إلى تغيير أهمّ، هو إنقضاء أسطورة الحجم الكبير، و إنتهاء إعتباره السبيل إلى المزيد من الربح و القدرة التنافسيّة . إنقضت هذه الأسطورة بالنسبة للشركة و المؤسّسة، و الحكومة أيضاً

الصغير أقدر و أكفأ

نتيجة التغيّر المتسارع، أصبحت الوحدة الصغيرة أقدر على تلمّس التغيير و التكيّف معه و الإستفادة منه، و خلّفت وراءها المؤسّسات الضخمة المترهّلة تتعثّر في بيروقراطيّاتها، عاجزة عن فهم التغيير و مواكبته بالسرعة المطلوبة . و اضطّرت الكيانات الإقتصاديّة الضخمة إلى أن تعيد بناء نفسها، على هيئة وحدات صغيرة شبه كاملة الإستقلال، أقرب ما تكون للشركات الصغيرة التي تنافسها .
الذي يهمّنا في هذا، و نحن نتكلّم عن الوحدة الإندماجيّة، هو أن مبرّر وجودها التاريخي قد إنقضى . وأصبحنا نمضي إلى إنقسام الكيانات السياسيّة الكبري، و إلى إنسلاخ الأجزاء عن الكلّ، فيما عدا الحالات التي تعمد فيها هذه الكيانات الكبيرة إلى إعادة بناء ذاتها على أسس جديدة، تنسجم مع التغيّرات الجذريّة التي تفرضها مرحلة التحوّل الحاليّة من الصناعة إلى المعلومات.. إعادة البناء إقتصاديّاً و إجتماعيّا و إداريّاًوسياسيّاً و ثقافيّاً .
و هذا هو السرّ في قولي، أن حلم الوحدة العربيّة الذي آمن به عبد الناصر، كان مستحيلا في وقت ظهوره . و ربّما لوكان قد ظهر قبل ذلك بنصف قرن، لوجد حلمه ممكناً .
الذين مازالوا يحلمون حتّى الآن بالوحدة الإندماجيّة، مستندين إلى ما يجري اليوم تحت شعار الوحدة الأوروبيّة، يحسن بهم أن يتبيّنوا حقيقة ما يجري،
و إحتمالاته المستقبلية

ماستريخت و الجهود اليائسة

نشرت صحيفة "الأوروبّي" اللندنيّة مقالا بعنوان " مسيرة إرغامية إلى لا مكان "، يتحدّث عن مستقبل الوحدة الأوروبيّة و توحيد النقد . المقال يتضمّن حواراً مع الكاتب المستقبلي الموهوب آلفين توفلر حول هذا الموضوع .
يقول المحرّر في بداية مقاله،" بينما تعمد الدول الأوروبيّة إلى تضييق الأحزمة، في جهد يائس لتلبية أهداف ماستريخت فيما يتّصل بالوحدة النقديّة، يحذّر المتشكّكون من أن كلّ هذه التضحيات قد تكون بلا فائدة، لأن محاولة بناء سوق واحدة، تقوم على نماذج إقتصادية فقدت معناها " . و يقول أن توفلر من بين هؤلاء المتشكّكين في هذه المسيرة الإرغاميّة إلى لا مكان، و يورد أفكاره في هذ الصدد .
يقول توفلر،"يحاول القادة الأوروبيين تقليد نجاح إقتصاد الموجة الثانية(يقصد عصر الصناعة) في الولايات المتّحدة، في الوقت الذي قد بدأت فيه أمريكا، و غيرها من الدول الديناميكية، الإندفاع إلى الموجة الثالثة(يقصد عصر المعلومات)"، إلى أن يحذّر قادة أوروبا قائلاً : إذا كنتم تسعون إلى إعادة خلق أمريكا الأمس، فامضوا في سبيلكم ..

ماليزيا تسبق أوروبا

يقول توفلر، أن إقتصاد الموجة الثالثة البازغ لا يقوم على الإفتراض الساذج ، الذي يفيد أن المشروعات الإقتصاديّة الكبيرة تثبت بالضرورة أنّها رابحة . التصرّف الذكي حاليّا، هو تصغير الحجم، والتنويع، و إقامة الهياكل غير البيروقراطيّة . إلى أن يقول،"أعتقد أن ماستريخت تخلق شيئا أكثر مركـزيّة و جموداً من الولايات المتّحدة الأوروبيّة . و إنطباعي أن هذا يعكس رغبة التحكّم في ميزانيّة كلّ دولة" .
و في ذلك الوقت، قال توفلر أن أوروبا تتخلّف عن الولايات المتّحدة الأمريكية و دول آسيا، نتيجة تخصيصها موارداً ضخمة للزراعة و صناعات المداخن، على حساب صناعات عصر المعلومات، و هو يتساءل،" لماذا تستورد أوروبا أجهزة الكمبيوتر بشكل أساسي ؟، و لماذا تخطط ماليزيا لإقامة مشروع فائق لإنتاج الوسائط المعلوماتيّة المتعدّدة، خارج كوالا لمبور، يضع مراكز التكنولوجيا المعلوماتيّة الأوروبيّة في وضع مخجـل ؟ . في الوقت الذي يواصل فيه الأوروبيون التمسّك ببناء المصانع ذات المداخن، يتمسّك الآسيويون بالتكنولوجيّات ذات التوجّه المعلوماتي، و بالإندفاع في سبيلها "
* * *
لكن هذه ليست دعوة إلى اليأس . و إذا كنّا نسعى لأن نستفيد من تراكم القدرات العربيّة، فلا بد أن نبحث عن الأشكال المستجدّة في تجميع الطاقات العربيّة، و التي لا تكون من بينها الوحدة الإندماجيّة . وفهم هذه الأشكال الجديدة يتطلّب ، ما أنادي به دائماً، الفهم الأعمق لطبيعة عصر المعلومات الذي نمضي إليه، تلك الطبيعة التي تختلف عن معظم ما زلنا نأخذ به