الأحد، مايو ٠٤، ٢٠٠٨

ديموقراطية عصر المعلومات

من كتاب لي تحت الطبع يحمل عنوان :
سقوط صندوق الانتخابات عن عرشه
ــ

تسويق الديموقراطية ! ..

لماذا تفشل أمريكا في تصدير أكثر منتجاتها أهمية ؟


تحت هذا العنوان كتب المفكّر المستقبلي الكبير آلفن توفلر أخيرا، متحدّثا عن وهم تسويق الديموقراطية الذي يسود أوساط الإدارة الأمريكية حاليا .. فماذا يقول توفلر ؟ :
قليلة هي الكلمات التي تستخدم في لغة الخطاب اليومي، و التي توقع الولايات المتحدة في المزيد من المتاعب، في أنحاء العالم، أكثر من كلمة " ديموقراطية " ـ إلاّ إذا كانت الكلمة هي " بوش " . خطابات البيت الأبيض تفترض أن الديموقراطية فضيلة يشتد الطلب عليها عالميا في باقي دول العالم، و أن غيابها في أي دولة، في أي وقت، لا يكون إلاّ بسبب القهر .
و لا شك أن الكلمة قد اكتسبت قوّة، و أصبحت شائعة، إلى حدّ أننا نجد اليوم أن العديد من الدول الأكثر فسـادا، و فردية، و عنصرية، و بؤسا، و الأقل ديموقراطية على الأرض، تحمل كلمة الديموقراطية ضمن اسمها ! .

مجموعة مغالطات

أولا : هنا نجد المغالطة رقم واحد بالنسبة للديموقراطية : فكرة إمكان زرعها حرفيا من الخارج، في أي مكان، أو أي وقت، داخل أي ثقافة أو دولة .
ثانيا : و المغالطة الثانية، هي أن الدول التي تنظم عمليات انتخاب، تكون بالضرورة "ديموقراطية" أو " حرّة" .
ثالثا : و أخيرا، المغالطة الأكبر من غيرها : أن تعريف الديموقراطية ـ و ما تتضمنه ـ يبقى على حاله من عصر لآخر .
و دعونا نبدأ بالمغالطة الأولي:
إمكان زرعها من الخارج
أصر البيت الأبيض دائما في عهد بوش، أن الولايات المتحدة، ستجلب الديموقراطية للعراق . و لكي تثبت أنها فعلت ذلك، تشير إلى الانتخابات التي تمت بعد 32 شهر من إسقاط نظام صدّام .
و في مواجهة الذين أبدوا اعتراضاتهم، قائلين بأن الديموقراطية لا يمكن فرضها على دولة من الخارج، أشار البيت الأبيض إلى ألمانيا و اليابان . فقبل هزيمتهما في الحـرب العالمية الثانية، كانتا تقادان بنظام شرير معاد للديموقراطية، النازية، و نظام أشبه بالفاشية، و قد تحولتا إلى نظامين ديموقراطيين ناجحين، بعد هزيمتهما في الحرب .
لكن المقارنة مع العراق تكون هنا خارجة عن القياس . فبداية، كانت ألمانيا المنهزمة منقسمة إلى قسمين، قسم واحد منهما ـ الغربية ـ كان وصفه بالديموقراطية أمر نقاشي . فهذه الديموقراطية الوليدة، تواصل تمويلها بكثافة لعدة سنوات من جانب الولايات المتحدة، وفق مشروع مارشـال . و كانت في نفس الوقت مرعوبة من أن تهزم على يد السوفييت، الذين كانوا يتحكمون في ألمانيا الشرقية . أضف إلى ذلك، أنه قبل أن تستولي النازية الهتلرية عليها عام 1933، كانت لدى ألمانيا خبرات سابقة بالحكم الديموقراطي .. و لا ينطبق على العراق أي من هذه العوامل .
أمّا بالنسبة لليابان، فقد كانت هي الأخرى خائفة من استيلاء الروس عليها، و الذين كانت قد دخلت في حرب معهم
فيما بين 1904 و 1905 . من ناحية، كان استخدام الأمريكان للأسلحة النووية في هوريشيما و ناجازاكي قد جعل اليابان خاضعة للغاية . و من ناحية أخرى، اتفاقية السلام الأمريكية قد أتاحت للإمبراطور هيرهيتو أن يحتفظ بعرش اليابان .. و هو لم يلاحق و يقبض عليه في حفرة تحت الأرض، ثم يشنق .
و الأكثر أهمية من هذا و ذاك، أنه لا اليابان و لا ألمانيا قد جرى تخريبهما و تدميرهما داخليا، مثل مع حدث في أفغانستان بسبب الصراعات الدينية الدموية، و التصادمات القبلية المحلية.. أو ما حدث في العراق نتيجة لكبت الخلافات العقائدية و العرقية . و من هذا تكون :
القاعدة 1 : الديموقراطية لا يمكن تصديرها و إقامتها في أي دولة، في أي مكان، و أي وقت، كما يزعم المتحمسون للديموقراطية .
التسمية الخاطئة للديموقراطية
و هذا ينقلنا إلى المغالطة الثانية : و هي أن جميع الدول التي نطلق عليها وصف ديموقراطية، هي في حقيقتها غير ديموقراطية فعلا . تعريف الديموقراطية، غالبا ما يبدأ بالإشارة إلى الانتخابات و الأغلبيات .. و من بين الدول التي يجري تصنيفها باعتبارها ديموقراطية، من تحظر حرية الحديث، و تسجن الخصوم السياسيين، و تغض الطرف عن الفساد الشامل الشائع . و من هذا تكون :
القاعدة 2 : تنظيم الانتخابات، و تجميع الأعداد الضخمة من الأصوات، لا يجعل الدولة ديمقراطية، إذا كانت تسيء معاملة المرأة، و الأقليات العرقية، و أتباع دين معين، و غيرهم من الذين لا يدخلون في تلك الأغلبية .
تغيّر معنى الديموقراطية
على مدى التاريخ، خضع تعريف الديموقراطية لمراجعات هائلة . كان يشار إلى أثينا القديمة، باعتبارها مهد الديموقراطية، و مع ذلك ففي أوج عظمتها، لم تكن تسمح للنساء أو العبيد أو المهاجرين بالتصويت . و في القرن الثامن عشر، كان الثوار المؤسسين للولايات المتحدة يؤمنون بأن العبودية أمر شرعي، كما أبقوا المرأة محرومة من التصويت حتّى عام 1920 .
و مع تسارع التغيرات في أنحاء العالم، قد نرى مراجعات لها دلالتها في صميم تعريف الديموقراطية . إننا نعيش اليوم، ليس في الولايات المتحدة وحدها، بل في العديد من الدول، لنشهد صغار تتراوح أعمارهم بين 10 و 12 سنة فما فوق، أكثر استيعابا للعديد من التكنولوجيات المتقدّمة، بما يتجاوز معارف الوالدين .
و مع تسارع التكنولوجيات بما هو أبعد، قد نتوقّع مواجهة مطالب بخفض سن التصويت، على سبيل المثال من 18 إلى 12 . أو أن نعطي لهذه المجموعة العمرية جزءا من الصوت، كأن يكون نصف صوت . كذلك قد نسحب نصف الصوت من أولئك المصابين بمرض الزهايمر . أو أن نسمح للصغار، و حتى الأجانب، بأن يحصلوا على أصواتهم بأن يقدّموا خدمات تطوعية، من نوع أو آخر .
و باختصار، بصرف النظر عمّا إذا كانت التغيرات ستمضي وفق هذه التصورات أم لا، فإن تعاريف الديموقراطية، و الشروط المسبقة للحرّية، ستطرأ عليها العديد من التحولات في العقود القادمة .. هل نحن مسـتعدون ؟ هل أي واحد منّا
مستعد لذلك ؟! . و من هذا تكون :
القاعدة 3 : الرهان الوحيد الأكيد، هو أن تعريف الديموقراطية ذاته، كما نفهمه اليوم، سيجري تحدّيه و تغييره، في السنوات القادمة التي ستثير دهشتنا .

خرافة تصدير الديموقراطية

ثم ننتقل بالحديث عن الديموقراطية، و فهم معانيها العميقة، إلى الأستاذ بنجامين باربر، الذي جمع بين البحث العلمي الأكاديمي في النظريات السياسية، و بين المساهمة العملية في الممارسات السياسية المدنية و الفنون . و الذي ساهم بجهده في العديد من الجامعات الكبرى الأمريكية و الإنجليزية و الفرنسية . و من أهم كتبه " الديموقراطية القويّة " الذي جرت ترجمته إلى ست لغات . فماذا يقول بنجامين باربر ؟ .
يبدأ الأستاذ باربر بطرح أربعة أسئلة كالتالي :
أولا : هل الديموقراطية قابلة للتصدير ؟.
ثانيا : هل الديموقراطية هي مجرّد وظيفة مؤسسة سياسية و دستور مدوّن ؟ .
ثالثا : هل الديموقراطية مرادف للأسواق ؟ .
رابعا : هل تعتمد الديموقراطية على قيادة قويّة ؟ .
يجيب الأستاذ بنجامين باربر على السؤال الأوّل قائلا " نحن الأمريكان الذين نحتاج أكثر من أبناء أوروبا و روسيا و أفريقيا و آسيا، أن نتذكّر أن الديموقراطية لا يمكن أن تكون هدية من شعب لآخر، لكنّها الثمرة صعبة المنال لصراع محلي باهظ الثمن .. إنّها شيء يؤخذ، و ليست شيء يمنح .." .
و عن اختلاف التطبيقات الديموقراطية، يقول باربر أن أشكال الديموقراطيات تختلف، وفقا لاختلاف أنواع النضال الذي يتم لكسبها . و هو يقارن بين الديموقراطية السويدية التي تركّز على الحقوق المجتمعية، أكثر من الحقوق الفردية .. و بريطانيا التي لا تأخذ بالفصل بين السلطات، بينما يعتقد الأمريكان أنّه أمر لا غنى عنه .. و الدستور الإثيوبي الجديد يحاول التوجّه إلى القبائل .. كما أن أيرلندا لا تأخذ بالفصل بين الكنيسة و الدولة .. ألمانيا فدرالية، بينما فرنسا مركزية . هذا الاختلاف بين الديموقراطـيات، يوحي بضرورة قبول الأشكال الجديدة من الديموقراطيات التي تتشكّل في أنحاء العالم .
الدساتير لا تخلق ديموقراطيات
ثم يجيب الأستاذ باربر عن السؤال الثاني، داحضا الفكرة الشائعة، التي تقول أن الديموقراطية لا تزيد عن بعض المؤسسات السياسية الشـكلية، التي يمكن لأي دولة أن تسـلّمها لدولة أخرى . و يقول أن الديموقراطية ليست رسما تخطيطيا ذاتي التحقّق . فلا يمكن فرضها من أعلى إلى أسفل، لكنّها تنمو من القاعدة إلى ما فوق . و الدساتير لا تصنع الديموقراطية، و لكن الديموقراطية هي التي تخلق الدساتير .
بدون مواطنين لا يمكن أن توجد الحرّية... و بدون ثقافة مدنية و تعليم، لن يكون هناك مواطنـون، هذا هو ما يقوله باربر و يحتاج منّا إلى تأمّل طويل . و هو يستدلّ برأي للفيلسوف الأمريكي جون ديوي، يقول فيه أن الديموقراطية، ليست شكلا للحـكومة، لكنّها طريقة حـياة، ومجموعة من المواقف و التوجّهات المتأصّلة، إنّها ثقـافة التفكير المستقل و التعاون في نفس الوقت، و الصراع و التراضي في آن واحد .
و يلفت باربر نظرنا إلى عنصر الوقت، عند التصدّي لبناء الديموقراطية . فيقول أن الفضيلة العظمى للديموقراطية هي الصـبر، و الذي يكون رصيده عادة عرضة للنفـاذ .. إنّنا نتوقّع من الذين يخوضون تجربة الديموقراطية، ضمن التحوّلات التي يمر بها مجتمعهم، نتوقّع منهم أن ينجزوا في ستة شهور أو ستة سنوات، ما قمنا به في ستين سنة أو ستّة قرون . و يقول أن هذه المهمّة ليست سهلة، فالذين يتصدّون لها يواجهون خصوما من الديموقراطيات الحديثة و القديمة .
الديموقراطية و السوق الحرّة
و هذا يصل بنا إلى أكثر الأوهام خطورة و أهمية .. و هو وهم عدم وجود ديموقراطـية لا تعتبر مرادفا للسوق الحرّة . في هذا يقول باربر " حرّية شراء كوكاكولا، أو شريط فيديو لفيلم "الأسد الملك"، ليست هي بعد حرية تحديد كيف سنعيش معا، و في ظلّ أي نظام . و يجب ألاّ ننسى أن كوكاكولا و ماكدونالد و إم تي في، يمكن أن نجدها أيضا في سنغافورة و الصين و الشرق الأوسط، و في أماكن أخرى لا توجد فيها ديموقراطيات .. تاريخيا، لم تكن الرأسمالية هي التي أنتجت الديموقراطية . الديموقراطية هي التي تخلق الرأسمالية . قد تحتاج الرأسمالية إلى الديموقراطية، لكنها لا تعرف ـ بالضرورة ـ كيف تخلق الديموقراطية و تدعمها .." .
و يضيف " من ثمّ، أعتقد أن أسطورة السوق هي أكثر أساطيرنا خبثا، لأن الكثيرين يؤمنون بها " . كما أن الأسواق ليست مصمّمة لكي تقوم بالأشياء التي تتكفّل بها السياسات الديموقراطية ( مثل التعليم و الثقافة و الضمان الاجتماعي و الحفاظ على البيئة ) .. المستهلك في السوق يتكلّم لغة ( أنا )، بينما تكون اللغة المشتركة للمواطنين هي ( نحن ) .." .
و يختم بنجامين باربر إجابته عن هذا السؤال بقوله " و هذا هو التناقض الذي تتّصف به السوق . إنّها لا تستطيع أن تعيش في العالم الذي تخلقه، دون أن تكون محاطة و منظمة عن طريق القوى المدنية و الديموقراطية، التي تسعى في نفس الوقت لتحجيمها .." .

قوّة المواطنة لا قوّة القيادة

و في الرد على السـؤال الرابع، حول مدى حاجة الديموقراطية إلى قيـادة قـوية، يقول الأستاذ باربر أن نوع الديموقراطية لا يعتمد على قوّة القيادة، بل على نوعية المواطنة . الدول الفاشية كانت لها قيادات قوية، لكنّها لم تحصل على ما هو أكثر من تلك القيادات . الديموقراطية تحتاج مواطنين ذوي فعّالية، نساء و رجال عاديين، يقومون بأشياء متميّزة غير عادية، بشكل منتظم و متواصل . و هو يتذكّر موقفا في إحدى المسرحيات، يقول فيه الممثل لزميله " إنّي أشفق على الدولة التي ليس بها أبطال "، فيجيب الآخر " لا .. الإشـفاق يجب أن يكون على الدولة التي تحتاج إلى الأبطال !.." .
الديموقراطية، هي شكل للدولة التي لا تحتاج أبطالا . و يشير باربر إلى واقعة جرت مع إيوجين ديبس القائد الشعبي
الأمريكي، عندما قال له أحد أتباعه " عليك أن تخرجنا من هذه الظلمة .."، فأجابه " لن أفعل، و لا أستطيع، و حتّى إذا استطعت فلا أعتقد أنني سأفعل .. لأنّه إذا كان بإمكاني أن أقودكم خارج هذه الظلمة، فهذا يعني أنني أستطيع أن أعيدكم إليها .." . و يعلّق باربر قائلا " نحن في حاجة إلى مجتمعات لديها حصانة في مواجهة هذا النوع من البطولة .." .
و يختم الأستاذ بنجامين باربر الحديث بقوله " بدون مجتمع مدني قوي و عفي، لن يكون هناك مواطنون، سنجد فقط مستهلكين للسلع و ضحايا لقهر الدولة .. و بدون مواطنين لا توجد ديموقراطية .." .
عمليات إعادة البناء الشاملة .. المرعبة !
الذي يجب أن ندخله في حسابنا، و نحن نفكّر في أشكال جديدة للممارسة الديموقراطية، هو أن التغيير الشامل الكاسح، الذي يفرضه دخولنا إلى مجتمع المعلومات سيتجاوز هذه المهمة بكثير .. و أننا بصدد عمليات إعادة بناء شاملة، مرعبة في ضخامة الجهد الذي تتطلّبه . لقد اجتهد المفكّرون في بدايات عصر الصناعة، ليطرحوا تصورهم لشكل الأشياء، الذي سارت معظم الشعوب على هداه .. و كان ذلك عملا عظيما، يتيح قيادة التحوّل : من نظام راسخ تواصل لما يزيد عن عشرة آلاف سنة، إلى نظام جديد مبتكر يصلح لمنطق عصر الصناعة .. رغم كل ما شابه ذلك النظام من قصور .

* * *

لقد تحدثنا عن "ديموقراطية المشاركة " باعتبارها البديل المتوافق مع أسس مجتمع المعلومات في مكان ما اعتمدته الحياة الصناعية من ديموقراطية التمثيل النيابي .. و لكن، ما الذي يعنيه الاصطلاح المستجد .. الديموقراطية التوقّعية ؟
و إلى الرسالة لتالية

الجمعة، أبريل ٢٥، ٢٠٠٨

ديموقراطية مجتمع المعلومات

من كتاب لي تحت الطبع يحمل عنوان :
سقوط صندوق الانتخابات عن عرشه
ــ

و ماذا عن ديموقراطية مصر ؟!


مستقبل ديموقراطية مصر، شأنه شأن مستقبل أي شيء في مصر.. كالتعليم أو الاقتصاد أو الإدارة أو الإعلام أو العمل و العمالة أو منظومة القيم السائدة .. رهن بتوصّل أبناء مصر المخلصين الحكماء إلى رؤية مستقبلية لمصر، تقوم كما أقول دائما على أمرين أساسيين :
· رؤية مستقبلية متكاملة لدخول البشر إلى مجتمع المعلومات ( اجتماعيا و اقتصاديا و سياسيا ) .
· تقدير سليم أمين للخريطة الحضارية الحالية للعقل المصري: إلى أي مدى هو منتسب لعصر الزراعة، و إلى أي مدى قد تشبّع بواقع عصر الصناعة، و ما مدى اقترابه من تخوم عصر المعلومات .
و لكن دعونا نرجئ الحديث عن مستقبل ديموقراطيتنا، إلى فصل قادم، و نحاول التعرّف على واقع الخريطة الديموقراطية الراهنة لمصر . و هذه أسهل مهمة أمام الدارس و المفكّر .. فالنظـرة الأولى تقول أن ما لدينا لا يمت لأنماط الممارسة الديموقراطية بصلة، لا التاريخية أيام كنا نطلق عليها الشـورى، و لا النابعة من احتياجات عصر الصناعة التي عرفناها باسم ديموقراطية التمثيل النيابي، و لا المستقبلية النابعة من احتياجات مجتمع المعلومات، التي لم تكتسب لقبا ثابتا، و ما زالت تتراوح بين ديموقراطية المشاركة، و الديموقراطية التوقّعية، إلى آخر ذلك .
المحصلّة الديموقراطية في مصر، هي نتاج محاورات القط و الفأر، التي تدور بين أمريكا و القيادة المصرية :
· أمريكا لها مصالحها و خططها في المنطقة، و هي تعمد إلى تغطية هذه المصالح غير المشروعة، بشعارات برّاقة مثل الحرية و الديموقراطية .
· و القيادة المصرية، تطيع في معظم الأحيان، و ترفع شعارات الحرية، و تقيم المهرجانات الديموقراطية، لكن عندما تتناقض مصالح أمريكا مع مصالحها الخاصة، تحاول أن تتحايل، بالمدى المسموح به في لعبة القط و الفأر.
خير مثال للعبة القط و الفأر هذه، ما حدث في الانتخابات النيابية عام 2005، و التي أتاحت فيها مناورات القط و الفأر للإخوان المسلمين فرصة تسريب أعداد غير مسبوقة إلى مجلس الشعب . القصّة ذات دلالة، و لا بأس من طرحها هنا على سبيل العظة، رغم ما تسببه لبعضنا من آلام ! .

سؤال بريء من الصديق الذكي

سألني الصديق الذكي : هل تعرف سرّ التحوّل الذي طرأ على موقف النظام الحاكم في الانتخابات البرلمانية؟ .. أجبت : لقد شعر النظام أنه سيفقد السيطرة على المجلس بالهجمة الإخوانية فلحس كل وعوده و تصريحاته، و أعطى الأمر بالضرب في المليان .. سأل : و متى حدث ذلك ؟ .. أجبت : بدأ في إعادة المرحلة الثانية، و تجلّى في المرحلة الثالثة بأكملها، سأل : و لماذا لم يبدأ في المرحلة الثانية، بعد أن وضحت الرؤية في المرحلة الأولي .. أجبت : لا أدري .
الذي عرفته بعد ذلك، يعطي إجابة أكثر دقّة لسرّ توقّف النظام عن ادّعاء الشفافية و الأمانة الانتخابية، و إعطائه الأوامر بالضرب في المليان، لكي تبدأ المذبحة التي شهد العالم بأكمله تفاصيلها .
التفسير الذي اقتنعت به، له صلة وثيقة بالعلاقة بين الولايات المتحدة و نظام الرئيس حسني مبارك . منذ اغتيال السادات، التزم نظام الرئيس حسني مبارك بتنفيذ المهام و المشـاوير التي يطلبها النظام الأمريكي .. و في المرات التي تعكّرت فيها العلاقات مع أمريكا تحت ضغط عربي أو داخلي، سرعان ما كان النظام المصري يعود إلى قواعده معتذرا .
و الرئيس مبارك يعلم كيف تنظر أمريكا إلى نظام حكمه . ففي عام 2004 صدر عن "راند"، إحدى مؤسسات البنتاجون الأمريكي، كتاب يضم مجموعة دراسات باسم " مستقبل أمن الشرق الأوسط " ، عن الصراعات الدائرة و الاستقرار، و احتمالات التغيير و الإصلاح السياسي ، و فيما يلي أهم ما ورد فيه من نقاط ذات صلة بموضوعنا :
أولا : عملية الإصلاح السياسي المصرية، عملية شكلية .. فالحكومة تتدخّل في العملية الانتخابية بالتزوير و الغش على أوسع نطاق .
ثانيا : في مصر 14 حزبا رسميا، القليل منها له دلالة سياسية، و كلها مجتمعة لا تستطيع أن تتحدّى الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم .
ثالثا : العديد من الحريّات تتاح من الناحية النظرية، لكنها تكون محظورة عند التطبيق .
رابعا : الإصلاح السياسي في مصر يبدو أنه يمضي إلى الخلف و ليس إلى الأمام، و يتم من أعلى إلى أسفل، فيسمح النظام بما يخدم مصالحه الخاصّة فقط، و يرفض ما يقلل من قبضته على السلطة .
خامسا : أقام الإخوان المسلمون قاعدة دعم سياسي لها دلالة، بالتنظيم و بتقديم خدمات لا تقدمها الدولة . في ظل انتخابات حرّة، سيحظون بأصوات تفوق كلّ الأحزاب، بما في ذلك الحزب الوطني .
سادسا : مع استمرار الظروف الراهنة، لا يحتمل أن تستمر حكومة مصر في عملية الإصلاح السياسي .
تكرر توبيخ أمريكا للنظام، من خلال لعبة القط و الفأر، فالتزم النظام جانب الحذر في مرحلة الانتخابات الأولى . و كانت النتيجة اكتساح من الإخوان . بدأ الهرج و المرج، و تبادل الاتهامات و الردح الأصلي في أوساط الحزب الوطني، بين قواعده القديمة و قياداته الجديدة في أمانة السياسات .. غير أن التصريحات الأمريكية المتوالية أشعرت النظام أن عينها عليه، فأتيح لليوم الأول من انتخابات المرحلة الثانية، أن يمر بدون التدخّل المعتاد من كهنة الحزب، فجاءت النتيجة غير مطمئنة، توحي بأن الإخوان سيواصلون اكتساحهم ..
لكن حدث ما قلب موازين الأمور، فيما قبل انتخابات الإعادة للمرحلة الثانية ! ..

الزيارة المباركة لكونداليزا

رغم كرامات الإخوان المفروضة، فالثابت أن كرامات كوندا ليزا رايس كانت أقوى .
عندما همّت كونداليزا رايس بزيارة أوروبا، دار لغط شديد حول نشاط يتم في سرية و تكتم لطائرات المخابرات المركزية الأمريكية في المطارات الأوربية، و حول عمليات نقل معتقلين من السجون الأمريكية إلى سجون سرية خاصّة في أوروبا، حيث يتم استجوابهم و تعذيبهم دون التقيّد بالقوانين الأساسية لحقوق البشر، أو و فق اتفاقيات جنيف . شعرت رايس أن هذه المسألة ستفسد عليها زيارتها، فأنكرت أول الأمر حدوث أي شيء من ذلك .. ثم تحت ضغط التكذيبات الأوربية و الوقائع الثابتة، عادت فاعتذرت عن وقائع التعذيب في السجون الخاصة ( و التي اصطلح على تسميتها ـ على سبيل التأدّب المتبادل ـ المواقع السوداء ) .
قبل أن تعتذر رايس، و قبل أن تعلن الولايات المتحدة توقّفها عن سياسة التحقيقات المريبة، مدينة أي موظّف أمريكي يعرّض المعتقلين للمعاملات القاسية .. قامت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بتفريغ السجون الأوربية ( في بولندا و رومانيا و أماكن أخرى ) من المعتقلين، و نقلهم إلى سجون دول أخرى في شمال أفريقيا تكون مستعدة للقيام بتعذيبهم نيابة عن الإدارة الأمريكية، و وقع الاختيار على مصر، من بين دول أخرى .. خاصّة و أن النظام الحاكم المصري له سمعة عريضة في تلبية طلبات الإدارة الأمريكية . كان وصول الشـحنة البشرية إلى سجوننا، دليل الرضـا الأمريكي المتجدد على النظام.. و على الفور جرت ترجمة ذلك على شكل عودة إلى تراث النظام الحاكم التقليدي في التزوير و التدمير و تسليط عملاء الأمن على الجميع المرشحين و الناخبين و القضاة ! .. و رغم تصريحات أمريكا ـ الشكلية هذه المرّة ـ برفض التجاوزات التي قام بها الأمن، فقد استعبط النظام، و أصمّ أذنيه، و واصل أعماله غير القانونية أو الأخلاقية، حتّى نهاية الإعادة للمرحلة الثالثة، مستندا إلى الخدمات الطازجة التي يقدمها للنظام الأمريكي .. و انتصر الحزب الوطني !! .

بالمستندات .. ع المكشوف !

و حتّى لا يتصور أحد أنني أختلق شيئا سأورد جانبا قليلا جدا مما هو أمامي من حقائق، نشرت كلّها في وسائل الإعلام العالمية، صحف و إذاعات و تلفزيونات، و على الإنترنيت . و سأقتصر هنا على ما يخصنا في مصر من وقائع عمليات التعذيب :
*سيدني مورننج هيرالد – 8/12 : الشرطة و السلطات القضائية في ثماني دول أوروبية، من بينها السويد و ألمانيا و أسبانيا، بدأت تحقيقاتها، فيما لو كانت المخابرات المركزية الأمريكية قد استخدمت مجالها الجوّي و مطاراتها في رحلات سرّية، لنقل إرهابيون مشتبه فيهم . طلب الاتحاد الأوروبي تفسيرا من الولايات المتحدة. و لم تنتظر الدانمرك إجابة، و ابتداء من سبتمبر الماضي منعت طائرات المخابرات الأمريكية من استخدام مجالها الجوّي . و في إيطاليا بدأ الجهات المختصّة التحقيق فيما زعم من قيام 13 عميل مخابرات أمريكي باختطاف الداعية الأصولي الإسلامي أبو عمر، في فبراير 2003 . و كان عمر قد نقل جوّا إلى مصر، حيث اختفى ! .
*الجارديان البريطانية – 6/12 : ممدوح حبيب، المواطن الأسترالي من أصل مصري، يقول محاموه انّه جرى شحنه من الحدود الباكستانية الأفغانية إلى مصر، في طائرة نفّاثة صغيرة بصحبة رجال يتكلّمون الإنجليزية بلكنة أمريكية . و قد بقي في السجن المصري لمدة ستة أشهر، حيث كان يعلّق بخطاطيف، و يضرب، و يعرّض لصدمات كهربائية بمنخس الماشية المكهرب .. و يروي حبيب أنه قد أدخل إلى ثلاث غرف للتعذيب، واحدة مملوءة بالماء حتّى ذقنه، بحيث يكون عليه أن يقف لساعات على أطراف أصابع قدمه حتّى يستطيع أن يتنفّس . و أخرى بسقف منخفض مع ماء يرتفع بمقدار قدمين، مما يضطره إلى الانحناء في وضع مؤلم . و غرفة ثالثة في أرضها القليل من الماء، و على مرأى منه مولّد كهربائي، قال له معذّبوه أنه سيستخدم لكهربته . ممّا دفعه إلى الاعتراف ـ كذبا ـ بأنّه ساعد في تدريب من قاموا بهجمات 11 سبتمبر . تم نقل حبيب إلى جوانتنامو .. وفي يناير من العام التالي تم الإفراج عنه لعدم ثبوت أي تهمة، و أعيد إلى زوجته و أطفاله الثلاثة في سيدني .
*الإندبيندانت البريطانية – 5/12 : كتب رايموند ويتكار أنّه من بين الوقائع العديدة و المتزايدة عن عمليات التعذيب التي تقوم بها الولايات المتحدة، توجد قائمـة بسلسلة من " تقنيات الاستجواب المتطوّرة "، التي يستخدمها عملاء المخابرات المركزية الأمريكية في السجون السرّية، من بينها الاقتراب من حد الغرق أو التجمّد، أو الحرمان من النوم، أو اللطم و الضرب، قد ثبت أن واحدا من المعتقلين قد مات متأثرا بهذه الممارسات . و يضيف الكولونيل الأمريكي نقلا عن عميل مخابرات أمريكية سابق " إذا كنت تريد استجوابا جيدا، ارسلهم إلى الأردن، أمّا إذا كنت تريدهم أمواتا، فارسلهم إلى مصر أو سوريا " (!!!) .

* * *

و إلى الرسالة التالية، لنعرف لماذا فشلت أمريكا في تسويق يموقراطيتها ؟

الجمعة، أبريل ١٨، ٢٠٠٨

ديموقراطية جديدة لمجتمع المعلومات

من كتاب لي تحت الطبع يحمل عنوان :
سقوط صندوق الانتخابات عن عرشه
ــ
من ديموقراطية التمثيل النيابي

إلى ديموقراطية شبه مباشـر
ة

إذا كان الركن الأوّل لديموقراطية القرن الحادي و العشرين هو " أفول الأغلبية، و تنامي قوّة الأقليات "، فالركن الثاني لها هو " الديموقراطية شبه المباشرة " . أو التحوّل من الاعتماد على من يمثّلوننا في المجالس النيابية، إلى تمثيلنا لأنفسنا .. المزيج بين تمثيل الآخرون لنا، و تمثيلنا لأنفسنا، يصنع ما نطلق عليه الديموقراطية شبه المباشرة .
انهيار " التراضي "، يهدم جوهر مضمون التمثيل . يقول توفلر " ممثلونا المنتخبون أصبحوا يعرفون أقل فأقل، حول التنوّع الواسع للمعايير التي يجب أن يعتمدوا عليها في اتخاذهم لقراراتهم .. لم يعد النائب يمثّل حتّى ذاته ! " .
لسان حال الناخبين يقول " إذا كان نوابنا الذين انتخبناهم لا يستطيعون عقد صفقات باسمنا، يكون علينا أن نقوم بالعمل بأنفسنا .. و إذا كانت القوانين التي يضعونها تصبح بشكل متزايد بعيدة عن مطالبنا و غير مستجيبة لها، فعلينا أن نسعى لفرض قوانيننا بأنفسنا . و هذا يقتضي الاعتماد على مؤسسات جديدة، و تكنولوجيات جديدة أيضا .." .

ديموقراطية " اصنعها بنفسك "

منظّرو و قادة المجتمع الصناعي الأول، الذين اخترعوا آليات التمثيل في مؤسسات اليوم الديموقراطية، كانوا مدركين
جيدا لاحتمالات الديموقراطية المباشرة، في مواجهة ديموقراطية التمثيل النيابي . و في الدستور الثوري الفرنسي لعام 1793، كانت هناك ملامح لديموقراطية " اصنعها بنفسك " المباشرة . غير أن نواقص الديموقراطية المباشرة و حدودها كانت معروفة جيدا، و مقنعة أكثر في ذلك الزمان.. ثار اعتراضان لدي من كانوا ينظّرون للفيدرالية في وجه مثل هذا الابتداع . أوّلهما : أن الديموقراطية المباشرة لا تتيح فسحة من الوقت لمراجعة و تأمّل ردود فعل الجمهور العاطفية و المؤقّتة . و ثانيهما : أن وسائل الاتصال في ذلك الحين لم يكن بإمكانها أن تستوعب مثل هذه الآليات .." .
غير أن ما نشهده اليوم من إنجازات هائلة في مجال الاتصال، يتيح للمواطن المتعلّم الاعتماد على التكنولوجيات المتقدّمة في الكمبيوتر و أقمار الاتصال و التليفونات و آليات التصويت و قياس الرأي العام، أن يقوم بالمشاركة في إبداء رأيه في القرارات السياسية المطروحة، بشكل عملي .
إعادة توزيع مسئولية اتخاذ القرار

من القمّــة إلى القاعــدة

بعد الحديث عن مبدأي أفول الأغلبية، و الديموقراطية شبه المباشرة، ننتقل إلى الدعامة الثالثة لديموقراطية القرن الحادي و العشرين، و التي تقوم على مبدأ إعادة توزيع مسئولية اتخاذ القرار، و هبوطها المتدرّج من القمّة إلى القاعدة . و هذا يعني بشكل آخر : تفكيك الاختناقات الحادثة في عملية اتخاذ القرار، و وضع مسئولية القرارات عند المستوى الذي يجب أن تكون عنده .
و هذا يعني أن بعض المشاكل لا يمكن حلّها عند المستوى المحلّي.. و البعض الآخر لا نستطيع حلّه عند المستوى القومي .. و البعض الثالث يحتاج العمل عند عدّة مستويات، في نفس الوقت . أضف إلى هذا جميعه، أن المستوى المناسب لإصدار قرار ما، لا يبقى على حاله، و أن الأوضاع تتغيّر بمرور الزمن .
المستويات تحت القومية
و اليوم، تتناقض التنظيمات السياسية بشكل كبير مع هذا الفهم . لقد حدث تحوّل في طبيعة المشاكل، لكن لم يتم تحوّل مناظر على مستوى عملية اتخاذ القرار . لهذا، بقيت نسبة هائلة من عملية اتخاذ القرار عند المركز، و الحرص دائما على دعم و تقوية المؤسسات الخاصّة باتخاذ القرار عند ذلك المستوى . و على العكس من ذلك، لم يعد هناك الكثير من القرارات التي تتخذ عند المستويات الأقل، مع بقاء الهياكل المطلوبة لذلك متخلّفة بشكل كامل .

التعامل مع الرشوة و الفساد

العديد من المشاكل التي تتمسّك الحكومات القومية بتولّي معالجتها، تكون خارج تحكّمها .. أو هي أكبر بكثير من أن
تتصدّى لها حكومة بمفردها . لذلك نحتاج بشدّة إلى ابتكار مؤسسات جديدة على المستوى الدولي، نستطيع أن ننقل إليها الكثير من القرارات التي تكون ضمن مسئولية الدولة حاليا . فالدولة القومية لا تستطيع بمفردها أن تتعامل مع القوى البعيدة عن تحكّمها، كالتي تتمتّع بها الشركات متعدية الجنسيات، و التي هي ـ بطبيعتها ـ منافس قوي للدولة القومية، إذا ما كان اعتماد الدولة على تشريعاتها القومية فقط .
يتناول توفلر هذه النقطة، من زاوية خاصة .. فالمؤسسات الأمريكية التي تبيع منتجاتها خارج البلاد، تضار بشدّة من جرّاء القوانين الأمريكية، التي تمنع الرشوة .. فالحكومات الأخرى تتيح ـ بل و تشجّع ـ شركاتها على تقديم رشاوى للزبائن الأجانب . كذلك تواجه الشركات متعددة الجنسيات، التي تمضي في عملها وفق مسئولية حماية البيئة، منافسة غير عادلة من الشركات التي ليس لديها مثل هذا الالتزام .. و لن يختفي هذا إلا بعد أن نتوصّل إلى بنية تحتية مناسبة، على مستوى العلاقة بين الدول .

وكالات عالمية جديدة

يقول توفلر : نحن نحتاج إلى وكالات عالمية جديدة، توفّر لنا إنذارا مبكّرا في حالة إصابة محصول زراعي، و تقوم بتحقيق التعادل بين و الاستقرار لأرجحة أسعار الموارد الأساسية .. و تستطيع أن تضع حدّا لانتشار لهيب تجارة السلاح المتضخّمة .. نحن في حاجة إلى جماعات أو اتحادات أو فرق من التنظيمات غير الحكومية، التي تكون قادرة على مهاجمة مختلف المشاكل العالمية .
و يستطرد توفلر قائلا، أننا سنحتاج إلى اختراع وكالات جديدة لتقنين و تنظيم أوضاع العملات، و الحدّ من تقلباتها .. كما سنحتاج إلى بدائل ـ أو تحوّلات كاملة ـ للعديد من المنظمات العالمية : مثل صندوق النقد الدولي، و البنك الدولي، و حلف شمال الأطلنطي ( و هذه مسألة غاية في الأهمية، لأن احتكارات السلاح و البترول و المقاولات في الولايات المتحدة الأمريكية، قد أفسدت هذه المنظمات العالمية، و عكست مسارها بحيث أصبحت تشكل خطرا كبيرا على البشرية جمعاء ) . ثم يقول توفلر أننا نحتاج أيضا إلى اختراع وكالات تعمل على نشر مزايا التكنولوجيا، و حدودها و آثارها الجانبية . ثم يقول : و علينا أن نسرع في بناء وكالات قوية عابرة للدول، للتحكّم في الفضاء الخارجي .. كما يجب ان نعيد بناء الأمم المتحدة من القمّة إلى الأساس ( و هذه مسألة غاية في الأهمية، و تعتبر من الضروريات الأساسية . لكن السؤال الذي يطرح نفسه، و يكون على توفلر أن يجيب عليه : كيف سنلزم بناة الإمبراطورية الأمريكية بهذه الإجراءات التي لا يمكن تناسيها ؟ ) .

أهمية الهبوط بمستوى القرار

بالنسبة للعلاقات بين الدول، نحن عند مستوى السذاجة و التخلّف السياسي، الذي كنّا عنده قوميا، عندما بدأت الثورة الصناعية منذ 300 سنة . و عندما ننقل بعض من مسئوليات اتخاذ القرار من المستوى القومي إلى المستوى الأعلى، العالمي أو العام، فإن ذلك يرفع جانبا من المعاناة التي تشكو منها القيادات المركزية عند قمّة الدولة القومية .. لكن هذا يشكّل نصف المهمة المطلوبة، نتيجة لضرورة الهبوط بقدر كبير من القرارات المركزية في اتجاه مستويات القواعد .
يقول توفلر في هذا " اللامركزية السياسية ليست ضمانا للديموقراطية، فالاحتمال الأكبر أن نواجه مظالم أنصار
المحلية . و السياسات المحلّية غالبا ما تكون أكثر فسادا من السياسات القومية .. بل إن ما يجري تحت لافتة اللامركزية ـ مثل ما حدث في حكومة نيكسون تحت مسمّى إعادة التنظيم ـ يكون في أغلب الأحيان شبه لامركزية، لحساب السلطة المركزية .." .
خلاصة القول، و رغم كلّ ما يثار من اعتراضات، لن تستطيع الحكومة ـ أي حكومة ـ أن تمارس عملها بالكفاءة المطلوبة منها، دون توزيع أساسي ملموس للسلطة المركزية التقليدية، التي عرفناها على امتداد عصر الصناعة .. فقد أصبح معروفا، أن أي بنية سياسية ـ حتّى لو سخّرت لخدمتها أقوى أجهزة الكمبيوتر ـ لن تتجاوز قدراتها حدّ التعامل مع قدر معيّن من المعلومات، و لا يمكنها أن تتخذ سوى كمّ معيّن و نوعية معيّة من القرارات .
أضف إلى هذا، أن الهياكل الحكومية مطلوب منها أن ترتبط ببنية الاقتصاد، و بالنظم المعلوماتية الجديدة . و في هذا المجال، نشهد اليوم تحوّلا لامركزيا في الإنتاج و النشاط الاقتصادي . و الواقع يقول أن السياسات الاقتصادية الموحّدة التي تحمل ختم العاصمة، تكون لها انعكاسات متباينة جدا على كلّ من الاقتصاديات الفرعية .. نفس السياسة التي تنعش اقتصاد منطقة ما، قد تخرّب اقتصاد منطقة أخرى .. و من هنا تجيء أهمية خضوع قدر كبير من السياسة الاقتصادية لعمليات اللامركزية .

الثلاثاء، أبريل ٠٨، ٢٠٠٨

ديموقراطية مجتمع لمعلومات

من كتاب لي تحت الطبع يحمل عنوان :
سقوط صندوق الانتخابات عن عرشه
ــ
أفكار ديموقراطية
للقرن الحادي و العشرين


بناء نظام حضاري جديد، ينبع من حقائق عصر المعلومات، على أنقاض النظام القديم النابع من حقائق عصر الصناعة، يتطلّب وضع هياكل سياسية جديدة أكثر انسجاما مع الواقع الجديد، في العديد من الدول، و في نفس الوقت . عن هذا يقول آلفن توفلر " هذا مشروع مؤلم، يثير الدوار من فرط ضخامته، و يستغرق ـ بلا ريب ـ عدة عقود لإنجازه .. و لكنّه ضروري .." .
هذه العملية الهائلة لإعادة البناء، التي ستمس آلاف الملايين من البشر، هل يمكن أن تتم بسلام ؟ .. يرى توفلر أن هذا رهن بعدة عوامل : مدى المرونة التي يمكن أن تظهرها النخبة العنيدة المتصلّبة التي بيدها الأمور .. و عمّا إذا كان التغيير يتسارع نتيجة انهيار اقتصادي، و عمّا إذا كانت هناك تهديدات و تدخّلات عسكرية خارجية .
علينا أن نعير التفكير في حياتنا السياسية، من خلال ثلاثة مفاتيح أساسية :

أولا : أفول الأغلبية .
ثانيا : الديموقراطية شبه المباشرة .
ثالثا : إعادة توزيع سلطة اتخاذ القرار .

ولنبدأ في هذه الرسالة طرح النقطة الأولي :

أوّلا : أفول الأغلبيــة

أهم عنصر جديد في حكومة عصر المعلومات، يتّصل بقوّة الأقليات . و هذا يعني أن حكم الأغلبية، الذي هو المبدأ الرئيسي للشرعية في عصر الصناعة، يفقد قيمته بشكل مطّرد . لقد أصبحت الأقليات أكثر أهمّية من الأغلبية .. و نظامنا السياسي الجديد يجب أن يعكس هذه الحقيقة .
في هذا يقول توفلر " .. و اليوم، و نحن نمضي بعيدا عن التصنيع، و نتحوّل بشكل سريع إلى مجتمع غير جماهيري أو نمطي .. يصبح من الصعب جدا ـ و من المستحيل غالبا ـ أن نتوصّل إلى أغلبية، أو حتّى تحالف حاكم .." .
و عن نفس الموضوع، يقول المفكّر الأمريكي والتر دين بيرنام " أنا لا لأري أساسا لأي أغلبية إيجابية، في أي شيء حاليا .." . و لأن النخبة تقوم شرعيتها على الأغلبية، تعمد دائما إلى الحديث باسم الأغلبية .. كان الحزب الشيوعي يتكلّم نيابة عن ( الطبقة العاملة )، و كان نيكسون يزعم أنّه يمثّل في أمريكا ( الأغلبية الصامتة ) . و اليوم، في الولايات المتحدة، تهاجم قيادات حركة المحافظين الجدد المطالب المتصاعدة للأقليات الجديدة، مثل السود، و أنصار المرأة، بزعم أنهم يتكلّمون باسم مصالح الأغلبية، القوية، المعتدلة .

مجتمع النجوم الكوكبية

كلّما ابتعدنا عن سيادة عصر الصناعة، فقدت الجماهير و الطبقات الكثير من دلالاتها، نتيجة لدخولنا بشكل أوسع إلى عصر المعلومات . و يقول توفلر : في مكان المجتمع الطبقي، الذي تتوحّد فيه قلّة من الكتل الرئيسية ذاتها، لكي تشكّل
أغلبية، لدينا الآن مجتمع جديد يتشكّل من مجموعات النجوم الكوكبية، و هو الذي تعمد فيع آلاف الأقليات، التي تكون في معظمها مؤقّتة، إلى الدوران حول نفسها، صانعة أشكالا جديدة للغاية، ذات تكوينات وقتية، نادرا ما تشكّل تراضيا بنسبة 51 في المائة، حول المواضيع الرئيسية .. ثمّ يعقّب قائلا " تقدّم حضارة عصر المعلومات، يضعف شرعية العديد من الحكومات الحالية .. و يتحدّى جميع افتراضاتنا التقليدية حول العلاقة بين الحاكم و الأغلبية، و العدالة الاجتماعية " .
المنظّرون للمجتمع الصناعي، غالبا ما يتباكون على ما يحدث من انقسامات في المجتمع الجماهيري، الذي كان عماد عصر الصناعة . و بدلا من اعتبار ذلك توجّها إلى المزيد من التنوّع الثري، و فرصة جديدة للتنمية البشرية، نراهم يهاجمون الظاهرة، باعتبارها مشجّعة للتفتت و البلقنة ( نسبة إلى البلقان )، و نتيجة من نتائج "أنانية " الأقليات .

الركود الاقتصادي و الثقافي

و في هذا يقول توفلر أن هذه الحقيقة لها آثارها الهائلة، مثال ذلك أنه عندما حاول الروس أن يضعوا حدّا لهذا التنوّع الجديد، أو كبح التعددية السياسية المصاحبة له، قاموا في حقيقة الأمر، بما يطلقون عليه بلغتهم : تكبيل وسائل الإنتاج، ممّا قاد إلى إبطاء التحوّلات الاقتصادية و التكنولوجية في المجتمع .. و نحن في العالم غير الشيوعي ( واضح أن هذا القول كان قبل انهيار النظام الشيوعي )، نواجه نفس الخيار : إمّا أن نقاوم الاندفاع تحو التنوّع، في محاولة أخيرة يائسة لإنقاذ المؤسسات السياسية لمجتمع الصناعة، أو أن تعترف بالتنوّع و نسعى بالتبعية إلى تغيير تلك المؤسسات .
و من الواضح أن الاستراتيجية الأولى، و التي لا يمكن فرضها سوى بالوسائل الشمولية، تقود إلى نوع من الركود الاقتصادي و الثقافي .. أمّا الاسـتراتيجية الثانية، فتقود إلى التطـور الاجتماعي، و إلى ديموقراطـية القرن الحادي و العشرين، التي تقوم على الاعتراف بالأقليات .

الافتراض الخاطئ

إذا كنّا نسعى إلى بناء كيان ديموقراطي، نابع من منطق عصر المعلومات، علينا أن نسقط من حسابنا الافتراض الخاطئ المخيف، الذي يفيد أن تزايد التنوّع و التعدد و التباين في المجتمع يقود آليا إلى التوتّر المتزايد و الصراعات . و يطرح توفلر هذا بمثال طريف و غريب فيقول " إذا ما سعى مائة رجل باستماتة للحصول على نفس الخاتم النحاسي، قد يصل بهم الأمر إلى حدّ أن يحارب بعضهم بعضا من أجل الحصول عليه . و من ناحية أخرى، إذا كان لكلّ واحد من المائة هدفه الخاص المختلف، يصبح الأكثر فائدة لهم أن يتعاونوا و يتاجروا، و يقيموا بينهم علاقات عضوية .. فإذا توفّرت لهم الترتيبات الاجتماعية المناسبة، يمكن أن يقود التنوّع و التعدّد إلى حضارة آمنة مستقرّة .." .
و هو يستخلص من هذا، أن نقص المؤسسات السياسية المناسبة، يقود إلى زيادة حدّة الصراعات غير الضرورية بين الأقليات، ممّا يصل بها إلى حافّة العنف، و يجعل من الصعب ـ أكثر فأكثر ـ العثور على الأغلبية .
نحن في حاجة إلى ترتيبات جديدة مبتكرة، تستوعب التنوّع و تجعله شرعيا .

مصير صندوق الانتخابات

في هذا يقول توفلر " باختصار.. نحن نريد تحديث مجمـل النظام، لكي ندعم دور الأقليات المختلفة، و بحيث تصنع ـ في نفس الوقت أغلبيات ..لكي يتم هذا، يقتض ي الأمر تغييرات جذرية في العديد من هياكلنا السياسية، على أن نبدأ
بأكبر رموز الديموقراطية .. صندوق الانتخابات .." ,
كان من الممكن احتمال النواقص المعروفة لنظام حكم الأغلبيـة، قبل دخولنا إلى عصر المعلومات . و السرّ هو أنّه ـ من بين أشياء أخرى ـ كانت معظم الأقليات تفتقر إلى القوّة الاستراتيجية التي تستطيع بها أن تمزّق النظام . و في عالم اليوم، حيث المجتمع دقيق التشابك بين عناصره، و حيث أصبحنا جميعا أعضاء في مجموعات الأقليات، لم تعد الأحوال السابقة تحكم مجتمعنا .
في هذا يقول توفلر " نظم التغذية المرتدّة التي تنتسب إلى الماضي الصناعي، تبدو بالنسبة لمجتمع المعلومات اللاجماهيري شديد الغلاظة . لهذا يجب علينا أن نستخدم التصويت، و قياسات الرأي، و الاستفتاءات, بطريقة جديدة تماما .." .
في العالم الذي نمضي إليه، حيث تكنولوجيات الاتصال الغنية، يصبح لدى الناس وسائل عديدة لتسجيل آراؤهم و وجهات نظرهم في كل شيء، دون أن يمدّوا أيديهم إلى صندوق الانتخابات .. كذلك توجد طرق مستجدّة ـ سنعرض لها فيما يلي ـ تسمح بتغذية تلك الآراء في صلب عملية اتخاذ القرار السياسي .
و بالتأكيد، سيكون علينا أن نسقط الهياكل الحزبية الحالية التي انقضى زمنها، و التي كانت مصممة لعالم بطيء التغيّر، يعتمد على الحركات الجماهيرية، و التجارة الجماهيرية .. و أن نبتكر هياكل حزبية مؤقّتة، يتاح لها أن ترصد التغيرات التي تطرأ على الأقلّيات .
يقول توفلر " نحن في حاجة إلى تعيين ( دبلوماسيون )، أو ( سفراء )، لا تكون وظيفتهم التوفيق بين الدول، بل بين الأقليات داخل كلّ دولة . قد نلجأ إلى إنشاء مؤسسات شبه سياسية، لمساعدة الأقليات ـ سواء كانت مهنية أم عرقية أم جنسية أم إقليمية أم دينية ـ لكي تقوم بتأسيس و تفكيك تحالفاتها بشكل أسرع و أسهل .." .

أفكار جريئة .. و عاقلة

من بين ما هو مطروح، أن يجري اختيار أعضاء المجالس التشريعية و النيابية ـ في المستقبل ـ بنفس الطريقة التي يتم بها اختيار المحلفين في القضايا، ببعض الدول التي تأخذ بذلك النظام .
يتساءل دكتور تيودور بيكر، أستاذ القانون و العلوم السياسية في جامعة هاواي " لماذا يكون اتخاذ القرارات الهامّة، في الحياة أو الموت، في يد الأشخاص الذين نختارهم كمحلّفين .. بينما نترك القرارات حول ما يجب أن ننفقه من مال على مراكز رعاية الطفل، أو الدفاع، لتكون من نصيب من ( يمثّلون ) هؤلاء المحلفين ؟! " .
و هو يرى أن التنظيمات السياسية تظلم الأقلّيات بشكل منظّم . فيذكّرنا بأن غير البيض يشكّلون 20% تقريبا من الشعب الأمريكي، بينما ينالون 4% من مقاعد مجلس النواب، و 1% من مقاعد مجلس الشيوخ . و بالنسبة للنساء اللاتي يشكّلن أكثر من 50% من التعداد الأمريكي، يكون من نصيبهن 4% فقط من مقاعد النواب، و لا شيء بالنسبة لمجلس الشيوخ ( هذه الأرقام ترجع إلى عام 1976 عندما كتب هذا ) .
ثم يواصل بيكر طرح أفكاره الجريئة فيقول " يجب أن يتم اختيار ما بين 50 و 60 % من المجلس النيابي الأمريكي بالقرعة من بين أفراد الشعب الأمريكي، تقريبا بنفس الطريقة التي يتم بها اختيار الأفراد للخدمة العسكرية من الاحتياط،عندما تنشأ الضرورة .." .

بدائل تثير الدهشة

يعلّق توفلر على ما يطرحه بيكر فيقول " إذا ما أتحنا لأنفسنا أن نفكّر بحرّية للحظات، أمكننا أن نصل إلى الكثير من البدائل التي تثير الدهشة .." . ثم يقول، لدينا الآن التقنيات الضرورية التي تتيح لنا اختيار نماذج من النواب، بشكل أكثر صدقا من نظام المحلّفين أو طلب احتياطي الجيش . يمكننا أن نقيم مجلس نيابي للمسـتقبل أكثر ابتكارية، بحيث يتم ذلك ـ للغرابة ـ مع أقلّ إزعاج للتقاليد الانتخابية الحالية .
ثم يقول، لو شئنا أن نبقي على نوابنا المنتخبين، يمكننا أن نتيح لهم 50% فقط من الأصوات، بالنسبة لأيّ موضوع، بينما تذهب 50% الباقية من الأصوات إلى عيّنات عشوائية من الجمهور ! . و يضيف " باستخدام الكمبيوتر، و وسائل الاتصال المتطوّرة، و الأساليب الانتخابية، أصبح من السهل، ليس فقط اختيار عيّنة عشوائية من الجمهور، بل أن نواصل تحديث هذه العيّنة من يوم لآخر، لتزويدها بأدقّ المعلومات، و أحدثها، بالنسبة للموضوع المطروح .." .
و يمضي توفلر في تصوّره، فيقول أنّه عندما تنشأ الحاجة إلى اتخاذ قرار ما، يجتمع النوّاب المنتخبون للتصويت، في حدود 50% المخصصة لهم، و في نفس الوقت تقوم العيّنة العشوائية، التي لا تعيش بالضرورة في العاصمة، و تتوزّع بين العديد من المنازل و المكاتب، بإعطاء نسبة 50% الباقية من الأصوات إلكترونيا .
و يواصل قائلا " مثل هذا النظام، لن يوفّر فقط عملية تمثيل أقوى ممّا وفّرته أي حكومة قائمة على التمثيل النيابي في يوم من الأيام .. بالإضافة إلى أنه سيوجّه لطمة قوية لجماعات أصحاب المصالح الخاصّة، الذين ينتشرون في ردهات و ممرات معظم البرلمانات .. سيكون على هذه الجماعات أن تعمل على الشعب كلّه، و ليس على القلّة المنتخبة .." .

و إلى الرسالة القادمة، لنستكمل طرح المفكر المستقبلي آلفن توفلر حول ديموقراطية القرن 21

الأحد، مارس ٣٠، ٢٠٠٨

الحكومة .. و مجتمع التعددية

مجرّد اعتماد المؤسّسة على التكنولوجيا المعلوماتية المتطوّرة، لا يعني إنها أصبحت قادرة على مواجهة التغيّرات التي طرأت على مجال العمل . مع التغيرات الشاملة التي سادت حياة البشر، على مدى العقود الأخيرة، لم يعد بإمكان المؤسّسة، و خاصة الكبيرة في مجال الأعمال و التنظيمات الحكومية، أن تواصل نشاطها بشكل ناجح دون أن تعيد بناء ذاتها بشكل كامل على أسس معلوماتية .
و في هذا يقول الكاتب المستقبلي و خبير الإدارة المتطوّرة بيتر دراكر " يتحرّك مركز الثقل في العمالة بشكل سريع، من العمالة اليدويّة و المكتبية، إلى عمالة معرفيّة تقاوم نموذج العمل بالتحكّم و الانضباط والأوامر من أعلى، الذي استمدّه النشاط الاقتصادي من النموذج العسـكري، منذ سنوات عديدة " .
و هو يوضّح هذا بقوله أن رجال الأعمال - في بداية ازدهار المجتمع الصناعي - لم يجدوا حولهم في مجال التنظيم و الإدارة سوى التنظيم الكبير الدائم للجيش . لذلك لم يكن مستغرباً أن يصبح نظام التحكّم و الأوامر النموذج الأمثل للقيادات التي تكفّلت بإنشاء شبكات السكك الحديدية، و مصانع الصلب، و البنوك الحديثة، و المتاجر الكبرى . و نموذج التحكّم بالأوامر هذا، الذي يقوم على قلّة صغيرة للغاية في القمّة تصدر الأوامر لأعداد ضخمة للغاية عند القاعدة تطيع هذه الأوامر، بقي مأخوذا به على مدى ما يزيد عن مائة سنة

وظيفة اجتماعيّة جديدة

و فيما بعد الحرب العالمية الثانية، بدأنا ندرك أن الإدارة ليست مجرّد إدارة النشاط الاقتصادي، وأنّها تتجاوز هذا إلى كلّ مجهود بشري يضم مجموعة متباينة المعارف والمهارات في مؤسّسة واحدة . فكان أن اتّسع نطاق الإدارة ليتجاوز المؤسّسات الحكومية و الاقتصادية، لكي يتضمّن المستشفيات و الجامعات وغير ذلك من المنظّمات الثقافية و الفنّية و الدينية و الاجتماعية، التي تجاوزت في نموّها و انتشارها المؤسّسات الاقتصادية و الحكومية بعد الحرب العالمية الثانية . حتّى بالنسبة لجماعات النشاط التطوّعي، أصبح نشاطها يخضع لمنطق الإدارة، و الذي يتضمّن تحديد الإستراتيجية و الأهداف السليمة، وتطوير أداء البشر من العاملين، و قياس مستويات الأداء، و تسويق خدمات المؤسّسة .
على مستوى العالم، أصبحت الإدارة وظيفة اجتماعية جديدة

أهميّة التحليل والتشخيص

و مع تعاظم سيادة التكنولوجيّات المتطوّرة، أصبح على المؤسّسات أن تهتم بعمليات التحليل والتشخيص، أي بالوصول إلى المعلومات، فبغير هذا تغرق هذه المؤسّسات في طوفان البيانات التي تتدفّق من داخل تلك التكنولوجيّات . و الغريب، أن معظم مستخدمي الكمبيوتر ما زالوا يستخدمون هذه التكنولوجيا الجديدة لمجرّد تسريع نفس العمليات التي كانوا يقومون بها من قبل .
الواضح هو أن مجرّد اتّخاذ المؤسّسة أولى خطواتها، يتجاوز استهداف البيانات إلى البحث منها عن المعلومات، تطرأ تغيرات على عمليات اتّخاذ القرار فيها، و على بنيتها الإدارية، و على الطريقة التي يتم بها إنجاز العمل داخلها . هذه التحوّلات قد بدأت اندفاعها السريع على امتداد العالم، و بصفة خاصة بالنسبة للشركات الضخمة ذات النشاط الدولي .
في المؤسّسة القائمة على المعلومات، تشيع المعرفة أساساً عند القاعدة، داخل عقول المختصّين الذين يقومون بمختلف الأعمال، و الذين يقودون أنفسهم . و نحن نمضي في اتّجاه إنجاز العمل، بشكل واسع، بواسطة الجماعات أو الفرق ذات المهام المحدّدة . و فريق المهمّة المحدّدة - بطبيعته - ينهي التتابع التقليدي للعمل في المؤسّسة : البحث و التطوير و الإنتاج ثم التسويق . فالعمل يصبح متزامنا، عندما يعمل الإخصائيّون في مختلف التخصّصات مع بعضهم البعض، داخل الفريق أو المجموعة

قائد واحد للأوركسترا الكبير

يساعدنا على فهم آليّات العمل في المؤسّسة المعرفية الجديدة، تأمّل الأوركسترا السيمفوني الكبير .
في الفرق السيمفونية الكبيرة الحديثة، يشترك في العزف مئات العازفين فوق المسرح . و وفقا للنظريات التقليدية في الإدارة، كان المفترض أن يكون على رأس كل مجموعة من الآلات نائب قائد مختصّ بعمل هذه المجموعة . إلاّ أن الواقع العملي يفيد وجود قائد واحد، يعزف له كل واحد من الموسيقيّين، الذين يكون كلّ واحد منهم قمّة في تخصّصه، دون وسيط بين العازف و القائد .
على أساس هذا يمكن أن نفهم متطلّبات المؤسّسة القائمة على المعرفة . لقد أمكن أن يعمل مئات العازفين مع قائدهم، لأن كل منهم يكون على مستوى مرتفع من المعرفة في تخصّصه . هذا المستوى من المعرفة هو الذي يحدّد لعازف الفلوت أو الكمان أو الإيقاع أو قائد الأوركسترا مهمّته، و ما يجب عليه أن يفعله خلال تقديم العرض .
و في المستشفي، يشترك جميع الإخصائيّين في مهمّة واحدة، رعاية وعلاج المريض . و"النوته" التي يعملون وفقها هي "تشخيص" حالة المريض، ممّا يملي إجراءات معـيّنة على العاملين في معمـل الأشعة السينية، و على المختصيّن في التغذية، أو العلاج الطبيعي، و كل أفراد فريق العمل في المستشفى

هدف بسيط واضح عام

و من هذا نرى أن المؤسّسة القائمة على أسس معرفية, تحتاج إلى وجود أهداف واضحة و بسيطة و عامّة، يمكن ترجمتها إلى تحرك أو فعل محدّد . و لأن "العازفين" في المؤسّسة المعلوماتية يكونون من الإخصائيّين، فإنّه يكون من غير المجدي أن يخبرهم أحد كيف يقومون بعملهم .
لهذا، يجب أن يتركّز بناء المؤسّسة القائمة على المعرفة حول أهداف، تحدّد بوضوح توقّعات إدارتها فيما يتصّل بأداء العاملين فيها . و يجب أن يعتمد نظامها على التغذية المرتدّة(فيد باك)، التي تساعد على المقارنة بين النتائج و التوقّعات، حتّى يمكن لكل فرد أن يمارس التحكّم الذاتي .
و من بين مقتضيات المؤسّسة المعرفية، أن تكون لكل عامل بها مسئوليته المعلوماتية . و مفتاح الوصول إلى مثل هذا النظام، هو أن يسأل كل واحد نفسه:
من في هذه المؤسّسة يعتمد على ما لدي من المعلومات ؟، و بالنسبة لأيّ معلومات ؟،
و أيضا، من الذي أعتمد على معلوماته من العاملين فيها ؟ .
و يشير بيتر دراكر إلى نقطة معيّنة تقتضي الالتفات، فيقول أن مسئولية الفرد المعلوماتية تجاه الآخرين في مؤسّسته يجري تفهّمها بشكل متزايد، و بصفة خاصة في الشركات متوسّطة الحجم . لكن مسئولية الفرد المعلوماتية تجاه نفسه مازالت تلقى تجاهلاً إلى حدّ بعيد . ما زال الكثيرون يعتقدون أنه بحصولهم على المزيد من البيانات، يمكنهم الوصول إلى المزيد من المعلومات . و يرى دراكر أن هذا كان افتراضاً وارداً فيما مضى، عندما كانت البيانات قليلة أو محدودة . و اليوم، مع تدفّق البيانات، يصل بنا هذا إلى تضاعف حمولة البيانات بأكثر ممّا نحتمل، ممّا يقود إلى افتقاد المعلومات المطلوبة

الأسئلة المطلوبة

على المديرين التنفيذيّين و الإخصائيّين المحترفين أن يفكّروا من خلال تساؤلات مطلوبة حول ما تعنيه المعلومات بالنسبة لكلّ منهم، و البيانات اللازمة لذلك . عليهم أن يعرفوا ما الذي يفعلونه في المؤسّسة، ثم عليهم أن يكونوا قادرين على اتّخاذ قرار بشأن الذي يجب عليهم أن يفعلوه، و أخيراً أن يتمكّنوا من تقييم ما يفعلونه و يحدّدون مدى جودته .
على ضوء هذا كلّه ، يكون على الهيئات الحكومية، و المؤسّسات الاقتصادية، و اتّحادات العمّال، وعلى الهيئة العسكرية، بل و على المدارس و الجمعيات غير الحكومية، عليها جميعا أن تغيّر من عاداتها القديمة، و أن تصل إلى العادات الجديدة التي تتّفق مع ما أوردناه .
و لكن، لا بد من الإشارة هنا إلى حقيقة هامة، هي أنّه بقدر نجاح المؤسّسة في ظل الظروف السابقة تكون مصاعب وآلام عملية التحوّل هذه . فإن مثل هذه الإجراءات تهدّد وظيفة و وضع و فرص العديد من العاملين في المؤسّسة . و بصفة خاصة أصحاب مدد الخدمة الطويلة، من متوسطي العمر الذين في مواقع الإدارة الوسيطة، و الذين يميلون أن يكونوا الأقل قدرة على الحركة، و الأكثر إحساساً باستقرارهم في أعمالهم، و في مراكزهم الوظيفية، و في علاقاتهم و سلوكهم

السبت، مارس ٢٢، ٢٠٠٨

ما هذا الجمود و انعدام الخيال؟


الأجيال التي تصنع الحضارة

و الأجيـال التي تعيشها ..

بعض الأجيال تولد و قد كتبت عليها مسئولية تأسيس حضارة، و البعض الآخر لكي يحافظ عليها و يصونها .. و اليوم، في كل مجال من الحياة الاجتماعية، في عائلاتنا، و مدارسنا، و أعمالنا.. في نظم الطاقة التي نعتمد عليها، و نظم اتصالاتنا، تواجهنا الحاجة إلى خلق أشكال جديدة تناسب مجتمع المعلومات .. و ملايين الناس في العديد من الدول قد شرعوا ـ بالفعل ـ في القيام بهذه المهمة . و لن نجد في أي مجال مثل هذا القدر من التخلّف و انعدام المصداقية، و الخطورة أيضا، مثل هذا الذي يتم في حياتنا السياسية !.. كما أننا لا نرى في أي مجال من مجالات حياتنا هذا القدر من انعدام الخيال، و العجز عن التجريب، و الإهمال، و عدم تفهّم طبيعة التغيرات الأساسية، كما هو الحال في مجال الحياة السياسية .
حتّى أولئك الذين يظهرون ابتكارا عاليا في حياتهم العملية الخاصة، في مكاتبهم أم معاملهم، في مطابخهم أم مدارسهم، في بيوتهم أم شركاتهم .. حتّى هؤلاء يبدوا أنهم قد تجمّدوا في مكانهم، إزاء أيّ اقتراح يفيد أن دستورنا أو هياكلنا السياسـية قد أصبحت غير مجديـة، و تحتاج إلى إعادة نظر شاملة . في هذا يقول المفكّر المستقبلي الكبير آلفن توفلر قائلا : عملية التغيير السياسي العميق، تبدو مخيفة للغاية، مع مخاطرها القريبة .. إلى الحد أننا أصبحنا ـ فجأة ـ نقبل الواقع المفروض، مهما كان سرياليا و ظالما و جائرا، باعتباره أفضل ما يمكن أن يحدث
ليس انقلابا مباغتا

ما ينتظرنا ـ مع اشتداد الصراع الأعظم ـ ليس تكرار لأي دراما ثورية سابقة .. ليس إطاحة بالنخبة الحاكمة عن طريق " حزب طليعي " ـ بقيادة مركزية ـ تسانده الجماهير . . و ليس عن طريق انقلاب دموي إرهابي . فإقامة بناء سياسي جديد، يلائم مجتمع المعلومات، لن يأتي عن طريق انقلاب هائل وحيد، و لكن نتيجة لتتابع آلاف الابتكارات و الصدامات، على مستويات مختلفة، في أماكن مختلفة، على مدى عقود
و هذا لا يستبعد احتمال العنف، غير أن ذلك يعتمد على مدى مرونة و ذكاء النخب الحاكمة، و ما فوقها و ما تحتها من نخب حالية . إذا ما أظهرت هذه المجموعات قصر في النظر، و فشل في التخيل، و تخوّفا، كما كان الأمر دائما مع الجماعات الحاكمة سابقا، فإنّها ستقاوم المجتمع القادم بعناد، و من ثمّ تصعّد مخاطر العنف و التخريب .
و لا شك أن الظروف تختلف من دولة لأخرى، لكن لم يحدث على مدى التاريخ أن كان هناك هذا العدد الهائل من البشر المتعلمين العقلاء، الذين يتسلّحون ـ جماعيا ـ بنطاق لا يصدّق من المعرفة . لم يحدث أن كان هناك العديد جدا من البشر المتمتعون بمستويات عالية من الرفاهة، و إن لم تكن مستقرة، و مع ذلك تسمح لهم بالوقت و الجهد للاهتمام و النشاط المدني . لم يحدث أن كان مثل هذا العدد قادرا على السفر و الاتصال و التعلّم من الثقافات الأخرى
مؤسسات سياسية بديلة

يقول توفلر " كلّما أسرعنا في تصميم المؤسسات السياسية البديلة، وفقا للمبادئ الثلاثة الزاحفة ـ قوّة الأقلية، و الديموقراطية شبه المباشرة، و توزيع مسئولية اتخاذ القرار ـ كانت فرص نجاحنا أكبر في أن يتم التحوّل سلميا .. " .
و هذا يعني أنه لكي نتجنّب الانقلابات العنيفة، يجب أن نبدأ من الآن التركيز على مشكلة انقضاء جدوى التنظيمات السياسية الحالية، في جميع أنحاء العالم . هكذا يستطرد توفلر مطالبا بعدم الاقتصار على طرح الموضوع على الخبراء، و رجال القانون، و المحامين، و السياسيين، و لكن بطرحه على الجمهور فعليا، على المنظمات المدنية، و اتحادات العمال، و رجال الدين، و جماعات حقوق المرأة، و الأقليات العرقية و الجنسية .. على العلماء و ربات البيوت و رجال الأعمال .
ثم يشير توفلر إلى نقطة غاية في الأهمية، فيقول أن أحد منا لا يعلم تفاصيل ما سيحدث في المستقبل، و ما هو الذي سيكون أصلح من غيره بالنسبة لمجتمع المعلومات .. لهذا، لا يجب أن ينصب تفكيرنا على عملية إعادة بناء هائلة وحيدة، أو في تغيير ثوري جامح وحيد، مفروض من أعلى .. و لكن يجب أن نفكّر في آلاف التجارب الواعية اللامركزية، التي تسمح لنا باختبار النماذج الجديدة لعملية اتخاذ القرار السياسي، على المستويات المحلية و الإقليمية، قبل تطبيقها على المستويات القومية و عبر القومية
لكن، قبل أن ندخل في تفاصيل ما يطرحه توفلر، حول مستقبل الممارسة السياسية في مجتمع المعلومات، يجب علينا أن نتأمّل أوّلا ـ مع التدقيق ـ الأسباب التي تؤكّد أن ديموقراطية التمثيل النيابي قد استنفذت أغراضها

الانتماء إلى الحياة الجديدة

يقول الكاتب المستقبلي روبيرت ثيوبالد و صاحب الأفكار الجيدة في تصّور ديموقراطية مجتمع المعلومات " تصبح مشاركة المواطنين في صناعة القرار ممكنة و مطلوبة، إذا كان بإمكاننا أن نحلّ قيم و رؤى عصر المعلومات محل قيم و رؤى عصر الصناعة. و هو نفس ما حدث عند انتقالنا من عصر الزراعة إلى عصر الصناعة .
التحوّل السابق تم عبر أجيال، مع اختلاف رؤية كلّ جيل عن الذي سبقه، و ممّا خلق نوعا من التوتّر بين الأجيال . المشكلة حاليا، هو أنه ليس لدينا الوقت الكافي لانتظار حدوث التغيير عبر أجيال، و أن كلّ واحد منا مطالب بأن يعيد اختبار أفكاره عن الحياة و النجاح، على ضوء التغيرات العريضة التي تتعرّض لها حضارتنا . و يقول ثيوبالد " معظمنا يجد هذا الواجب شاقا بشكل غير عادي، لغياب النماذج التي نهتدي بها . لكننا سنكتشف بعد قليل بأن القيم المطلوب منّا تبنيها أكثر إنسانية، و أكثر قبولا من التي يطلب منّا التخلّي عنها ..و مع ذلك لن يكون التغيير سهلا .."

السلطة الحكيمة

ما نحتاجه، هو الفهم السليم للسلوك البشري . فلا صحة للقول الذي يتردد كثيرا حول أن الناس يتصرفون بما يتّفق مع مصالحهم، في لحظة إقدامهم على التصرّف . فلم يثبت من التجارب العملية أن الناس عرفوا أين تقع مصلحتهم، أو
عرفوا التصرف الأسلم لبلوغ الهدف، أو التزموا بهذا في تصرفهم، انهم قد يسعون إلى هدف في وقت ما، ثم إلى هدف
آخر في الوقت التالي . و يقول ثيوبالد " الحقيقة ببساطة هي أن الناس يختلف تعريفهم للنجاح، و أن تعريف الفرد يتأسس وفقا لمداركه، و لماضيه، و لخبرته الشخصية، و احتمالاته الوراثية .."
و هو يقول أن السعي لتغيير سلوك البشر يتضمّن التالي :
أولا : مساعدتهم على إعادة تقييم معنى خبراتهم السابقة .
ثانيا : تمكينهم من اكتشاف رؤى المستقبل، التي ستغيّر أهدافهم، إلى اتجاهات يرغبون فيها أكثر .
ثلثا : تعليمهم المهارات التي تساعد على جعل أقوالهم و تصرفاتهم تيسّر وصولهم إلى الأهداف المنشودة .
كأفراد، عليهم تعلّم ممارسة إعادة تقييم ماضيهم، و تصوّر مستقبلهم الجديد، و لا مناص من أن البدء في تعلّم محاولة التأثير على المجتمع الذي يعيشون فيه .. وهذا هو الذي سيقود إلى تحقيق ديموقراطية توقّعية فعّالة .. و مع كلّ هذا، فطبيعة الأمور تقول أن هذا سيقتضي بعض الوقت لظهور التغيير المنشود، بحكم القصور الذاتي الهائل للمجتمع، و مقاومة البنية البيروقراطية لأي تغيير

طرق التحكّم في الذات

المشاركة الصادقة من جانب المواطنين، تحتاج إلى تحوّلات عميقة في الطرق التي نحكم بها أنفسنا :
أوّلا : نحن نحتاج معرفة أن هناك عدد قليل من الصراعات التي يكون فيها أحد الطرفين محقّا بالكامل، و الطرف الآخر مخطئا بالكامل . العيب في نظامنا القانوني القائم هو سعيه لتخريب و إخفاء الظلال الرمادية، و اختزال الأمر إلى أسود و أبيض .
ثانيا : نحن في حاجة إلى تطوير هياكل جديدة تسمح للناس بتطوير أفكارهم و التعبير عنها، بأكبر قدر من الوضوح . في المستقبل، سنحتاج إلى البحث عن المدهش و غير المتوقّع . و القدرة على تقبّل ما هو مستجد، قبل أن يكتمل نضجه، يعتبر من أندر المهارات و أكثر ما نحتاجه منها، في حياتنا الجديدة .
نحن في حاجة إلى خلق آلية جديدة، تساعدنا في توضيح الخلافات و الفرص . و هذه العملية في شكلها الأمثل تتكوّن من أربعة جوانب :
عناصر الاتفاق : جانب ينصب على توصيف عناصر الاتفاق القائم حول موضوع معيّن، و بخاصة العوامل التي تقود الناس إلى الإيمان بأن هذا الموضوع يستحق الاهتمام .
أسباب عدم الاتفاق : و جانب يصف عناصر عدم الاتفاق القائمة حول الموضوع، و أسباب عدم الاتفاق، و نوع المعارف المطلوبة للمساعدة على الوصول إلى اتفاق .
نطاق السيناريوهات : و جانب يستكشف نطاق السيناريوهات التي تفرضها التصورات المختلفة للموضوع الذي نتناوله، و اقتراح المعايير المختلفة للسياسات التي نحتاجها لنستوعب وجهات النظر المختلفة .
الموارد التاحة : و جانب يقرر الموارد المتاحة للمزيد من الدراسة ( مطبوعات، أوديو، فيديو، كمبيوتر .. إلى آخره ).

و الهدف من هذا المنهج ـ كما يقول الكاتب روبرت ثيوبالد ـ هو زيادة مساحة ما هو متّفق عليه، و الحدّ ممّا هو موضع خلاف، بالنسبة لموضوع ما، حتّى يكون لدى أولئك الذين يضعون السياسات أفضل المؤشرات، لفهم العالم الذي يعملون في حدوده .

الأربعاء، مارس ١٢، ٢٠٠٨

عن أي ديموقراطية نتكلّم ؟

الزلزال الأكبر

و ثورة المعلومات

أيا كانت مزايا و نواقص عصر الصناعة، فمن المهم أن نفهم أن لعبة الصناعة قد انتهت، و أن طاقاتها قد تبدّدت، و أن قواها تتلاشى في كل مكان .. في الوقت الذي بدأت ثورة المعلومات اندفاعها، فارضة أسسا جديدة لمجتمع المعلومات، تختلف عن أسس مجتمع الصناعة، بل و تتناقض معه، في معظم الجوانب .
و هناك تغيران أساسيان يجعلان الاستمرار العادي لحياة مجتمع الصناعة غير ممكن بعد الآن :
أوّلهما ـ أننا وصلنا إلى نقطة تحوّل في " حربنا مع الطبيعة " . و الغلاف الجوّي للكرة الأرضية لن يتحمّل المزيد من الإفساد الذي تجلبه الصناعة .
و ثانيهما ـ أننا لن نستطيع بعد الآن الاعتماد على مصادر الطاقة غير المتجددة، و التي ما زالت العماد الأساسي للتطوّر الصناعي .
و هذا لا يعني نهاية المجتمع التكنولوجي، أو نهاية الطاقة، لكنّه يعني أن جميع التطورات التكنولوجية المستقبلة، ستتشكّل وفقا لمدى حفاظها على البيئة . و يعني أيضا أنّه لكي تصل الدول الصناعية إلى مصادر بديلة، ستعاني من أعراض الانكماش المتتابعة .
و في نفس الوقت سيعاني المجتمع الصناعي من نقص المواد الخام الرخيصة . و مع انحسار نفوذ الاستعمار و الإمبريالية الجديدة، سيكون على الدول المتطوّرة تكنولوجيا : إمّا أن تتجه إلى داخلها بحثا عن بدائل و موارد جديدة، لكي تشتري من بعضها البعض، مقللة بهذا روابطها الاقتصادية مع الدول غير الصناعية .. أو أن تستمر في الشراء من الدول غير الصناعية، و لكن وفق شروط تجارية جديدة تماما . و في كلتا الحالتين سترتفع التكلفة بشكل ملموس .
لقد أدرك الجميع أن الأمور لا يمكن أن تمضي بنفس الطريقة التي جرت عليها من قبل، و بدأ البحث عن أشكال جديدة و متجددة من الطاقة، و البحث ـ من خلال التكنولوجيات المتطوّرة ـ عن بدائل لاستنزاف المعادن و الخامات التي تستخرج من بطن الأرض .. و في نفس الوقت، بدأ التحوّل عن الصناعات التقليدية، و التي كانت تعتبر محور النشاط الصناعي، إلى صناعات جديدة، تستهلك قدرا أقل من الطاقة و الخامات، و لا يكون لها نفس التأثير الضار على البيئة . ما يجب أن نلتفت إليه، هو أن هذه المخاطر لم تكن خافية على رجال الصناعة منذ البداية، إلاّ أن السعي إلى المزيد من الأرباح، و التوسّع الاقتصادي، كان يجعلهم يشيحون بوجوههم عن هذه المخاطر

فما الذي تغيّر الآن ؟ ..

ثورة المعلومات، و دائرتها النشطة

منذ منتصف القرن العشرين تقريبا، بدأ زحف ما يمكن أن نطلق عليه " ثورة المعلومات " .
حدث نفس ما حدث في بداية عصر التصنيع، و لكن بطريقة مختلفة تماما ..
و كما تسللت الآلة البخارية إلى حياة البشر، كرأس حربة للتحوّل من مجتمع الزراعة إلى مجتمع الصناعة، تسللت تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات إلى حياتنا، لتحدث ثورة المعلومات، التي تقودنا إلى " مجتمع المعلومات " .
لقد تواصلت " ثورة المعلومات " من خلال ما يمكن أن نطلق عليه " الدائرة النشطة "
على محيط تلك الدائرة، بدأ الأمر :
( 1 ) بتطوّر كبير في تكنولوجيات الكمبيوتر و الاتصالات .
( 2 ) قاد إلى تدفّق غير مسبوق في المعلومات .
( 3 ) عند تفاعل البشر مع هذا الفيض المنهمر من المعلومات، تباينوا و اختلفوا عن بعضهم البعض، بتباين و اختلاف انعكاس المعلومات المستجدة عليهم، فزاد التباين و التنوّع في البشر، في مكان النمطية و القولبة التي كانت تفرضها مبادئ مجتمع الصناعة .
( 4 ) تنوّع البشر، قاد إلى المزيد من توالد و تدفّق المعلومات .
( 5 ) و تلقفت تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات هذا التدفّق المستجد في المعلومات، فضاعفته، و نشرته .
هذا هو ما نعنيه بثورة المعلومات و دائرتها النشطة

الآثار المجتمعية
للتكنولوجيات الابتكارية الكبرى

المفكّر المستقبلي الياباني الراحل يونيجي ماسودا، الذي ساهم في تسهيل دخول اليابان الصحّي إلى مجتمع المعلومات، يتحدّث عن ثلاث مراحل تقود فيها التكنولوجيا الابتكارية الكبرى إلى إحداث تغيّرات أساسية في النظم الاجتماعية و الاقتصادية للمجتمع . و في كتابه عن مجتمع المعلومات، يقدّم تطبيقا على هذا، في انتقال البشرية إلى المجتمع الزراعي، ثم في انتقالها إلى المجتمع الصناعي، و أخيرا ـ و الذي يهمنا هنا أكثر من غيره ـ في انتقالها إلى مجتمع المعلومات . و هو يقول أن هذا يحدث على ثلاث مراحل كالتالي :
المرحلة الأولى : و فيها تقوم التكنولوجيا المعنية بنفس العمل الذي كان الإنسان يقوم به سابقا .
المرحلة الثانية : و فيها توفّر هذه التكنولوجيا إمكانات في العمل لم يكن بإمكان الإنسان أن يقوم بها في أي وقت .
المرحلة الثالثة : بناء على ما سبق، تتحوّل البني الاجتماعية و الاقتصادية القائمة، إلى نظم اجتماعية و اقتصادية جديدة .
كيف إذا يمضي الأمر في تحول البشر حاليا من مجتمع الصناعة إلى مجتمع المعلومات ؟ .. يشرح ماسودا قائلا :
1 ـ الوصول إلى التسيير الذاتي ( الأوتوماتية )، كآخر تتطور للمجتمع الصناعي .. حيث تقوم تكنولوجيا المعلومات، و نعني بذلك تكنولوجيا الكمبيوتر و الاتصالات، بالعمل نيابة عن الإنسان .
2 ـ الوصول إلى خلق المعارف، اعتمادا على التكنولوجيا المتطوّرة، أي تطوير عمل الكمبيوتر بحيث يتجاوز دوره كحاسب إلكتروني، و بحيث يصبح بإمكانه أن يتيح للمعلومات و المعارف الداخلة إليه أن تتفاعل، و تلد معارف جديدة، لم يكن الإنسان الذي يعمل على الكمبيوتر يعرفها . و بمعنى أوسع أن يصبح بإمكان هذه التكنولوجيا الجديدة أن تضخّم العمل العقلي، بطريقة لم يكن ـ و لن يكون ـ بإمكان العقل البشري أن يصل إليها .
3 ـ نتيجة للمرحلتين السابقتين، تتيح التكنولوجيا المتطورة ابتكار النظم الجديدة، و ليس فقط المعارف الجديدة . و هذا يفرض مجموعة من التحوّلات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية .
و خلال نصف القرن المنصرم، انهمك علماء المستقبل في تصوّر هذه التغيرات التي ستطرأ على النظم التي سادت عصر الصناعة، و استطاعوا أن يرصدوا أهم التغيرات الجارية التي تنقلنا من ثورة المعلومات إلى مجتمع المعلومات .
كما استطاعوا أن يتوصّلوا إلى معالم الحياة الجديدة، بل و يتصوّروا أحيانا الكثير من التغيرات، التي لم تكن قد حدثن بعد، نتيجة لفهم القوانين الأساسية لهذه التغيرات
معالم مجتمع المعلومات

و من الممكن أن نورد هنا كعناوين جانبا من أهم التحوّلات التي يجيء بها مجتمع المعلومات، مثال ذلك :
ـ من العمل الجسدي العضلي إلى العمل العقلي .
ـ من المصنع، إلى مرافق المعلومات .
ـ من التعليم النمطي التلقيني، إلى التعليم الابتكاري الذاتي المستمر .
ـ من تعظيم الأرباح إلى المنفعة الاجتماعية .
ـ من الدولية إلى العالمية، أو الكوكبية .
ـ من التخطيط قصير المدى، إلى الرؤية المستقبلية .
ـ من المركزية إلى اللامركزية .
ـ من التزامن المحكم، إلى الزمن المتكيّف .
ـ من التنظيم الهرمي البيروقراطي، إلى التنظيمات الشبكية .

و أخيرا، و هو موضوعنا هنا :
من ديموقراطية التمثيل النيابي إلى أشكال جديدة .. كديموقراطية المشاركة و الديموقراطية التوقّعية