الأربعاء، يوليو ٠٢، ٢٠٠٨

ديموقراطية جديدة لمجتمع المعلومات


اليـد الخفــية ..

هل تصلح بديلا للسلطة البنيوية ؟

أحد بدائل السلطة البنيوية، هو النظام الذي فيه " يتولّى الناس أمورهم "، و يتصرفون وفق المعنى الضيّق للمصلحة الشخصية، ذلك النمط الذي يمكن أن نقتفي أصوله عند آدم سميث اقتصاديا، و جيرمي بينتام فلسفيا .. ذلك النمط الذي غالبا ما يطلق عليه تعبير " اليد الخفية " .
يقول الكاتب المستقبلي روبيرت ثيوبالد " هذا النمط يفيد أن الأفراد إذا ما اتّبعوا مصالحهم الخاصة، سيزدهر الاقتصاد و المجتمع .." . و هذا النموذج الفكري، يتضمّن الإيمان بأن العالم يمضي وفق ساعة كونية، من الحكمة عدم التدخّل في عملها . و لكن عند نهاية القرن التاسع عشر، تزايد وضوح نقائص ذلك النموذج . و في ستينيات القرن الماضي كان ( الهيبيز ) من أشد أنصار فكرة اليد الخفية هذه .
الحقيقة الخالصة، هي أنه ليس في إمكاننا أن نخلق ديموقراطية توقّعية حقيقية، دون تحوّل هائل في فهمنا حول عمل الاقتصاديات الاجتماعية، و في هذا يقول ثيوبالد " الطريقة التي نفهم بها العالم حاليا، و الطريقة التي نفكّر بها في هذا الأمر، لن توفّر لنا تناولا لمسألة اتخاذ القرار، يكون في نفس الوقت ديموقراطيا، و مستوعبا حقائق المستقبل .." .
يميل بعض المتحمسين لمشاركة المواطنين، و للديموقراطية التوقّعية، إلى المبالغة الضارّة، بتصوّرهم أن مشاركة المواطنين في صنع القرار، و الديموقراطية التوقعية، يقودان إلى مدينة فاضلة مثالية . و هذا يثقل على الجهد المبذول في هذا السبيل بتوقّعات لا يمكن تحقيقها . و يقول ثيوبالد " هذا الشكل المناسب لاتخاذ القرار، قد يجعل من الممكن ( إدارة أمور العالم )، و من خلاله يمكن الوصول إلى مستوى جديد من الكفاءة، تساعد على تحقيقه المستويات العالية من التكنولوجيا حاليا .." .

الكفاءة .. و اتخاذ القرار

يقول ثيوبالد أن هناك بديلا لنموذجي السلطة البنيوية، و اليد الخفية .. و وجهة النظر الجديدة هذه، تفيد أن الناس عليهم أن يتخذوا القرارات في المجالات التي تكشف عن كفاءتهم، و أن يحققوا الاتصال بين مجالات الكفاءة التي لا يوجد اتصال بينها، و أن يعملوا معا،مجتمعين، خلال كامل عملية التفكير في اتخاذ القرار .
و عادة ما تظهر ردود فعل مضادة، في مواجهة هذه الدعوة . أوّلها، أن ما يقول به البعض من أن الأخذ بهذا سيقود إلى عدم حدوث تغيير في المجتمع الحالي، أي أن تظل النخبة الحالية محتفظة بالسلطة . رغم أن ثيوبالد يعتقد أن النخبة التي بيدها السلطة حاليا لا تعكس ـ بالضرورة ـ الكفاءة في المجال الذي تسيطر عليه . و ثانـي ردود الفعل المضادة
يصدر عن جماعات تؤمن بعدم وجود اختبارات يمكن بها تحديد الكفاءة بشكل دقيق . و يرد على هذا بأن التجربة العملية في مواجهة المشاكل تكشف للجمهور مدى الكفاءة التي يتمتع بها القائد . و أن السر في صعوبة تولّي أصحاب الكفاءات لمواقع صنع القرار، المقاومة التي يبديها عدم الأكفاء الممسكين بالسلطة حاليا . و الاعتراض الثالث يصدر عن أفراد يخافون من أن تولي الأكفاء للسلطة يجعل من الصعب تغييرهم، إذا استجد أمر .

الانتماء إلى الحياة الجديدة

تصبح مشاركة المواطنين في صناعة القرار ممكنة و مطلوبة، إذا كان بالإمكان إحلال قيم و رؤى عصر المعلومات و الاتصالات، محل قيم و رؤى عصر الصناعة . و هو ما حدث عند انتقالنا من عصر الزراعة إلى عصر الصناعة .
التحوّل السابق تم عبر أجيال، مع اختلاف رؤية كلّ جيل عن الذي سبقه، و ممّا خلق نوعا من التوتّر بين الأجيال . المشكلة حاليا، هو أنه ليس لدينا الوقت الكافي لانتظار حدوث التغيير عبر أجيال، و أن كلّ واحد منا مطالب بأن يعيد اختبار أفكاره عن الحياة و النجاح، على ضوء التغيرات العريضة التي تتعرّض لها حضارتنا . و يقول ثيوبالد " معظمنا يجد هذا الواجب شاقا بشكل غير عادي، لغياب النماذج التي نهتدي بها . لكننا سنكتشف بعد قليل بأن القيم المطلوب منّا تبنيها أكثر إنسانية، و أكثر قبولا من التي يطلب منّا التخلّي عنها ..و مع ذلك لن يكون التغيير سهلا .." .

السلطة الحكيمة

ما نحتاجه، هو الفهم السليم للسلوك البشري . فلا صحة للقول الذي يتردد كثيرا حول أن الناس يتصرفون بما يتّفق مع مصالحهم، في لحظة إقدامهم على التصرّف . فلم يثبت من التجارب العملية أن الناس عرفوا أين تقع مصلحتهم، أو عرفوا التصرف الأسلم لبلوغ الهدف، أو التزموا بهذا في تصرفهم، انهم قد يسعون إلى هدف في وقت ما، ثم إلى هدف آخر في الوقت التالي . و يقول ثيوبالد " الحقيقة ببساطة هي أن الناس يختلف تعريفهم للنجاح.. و أن تعريف الفرد يتأسس
وفقا لمداركه، و لماضيه، و لخبرته الشخصية، و احتمالاته الوراثية .." . و هو يقول أن السعي لتغيير سلوك البشر يتضمّن التالي :
أولا : مساعدتهم على إعادة تقييم معنى خبراتهم السابقة .
ثانيا : تمكينهم من اكتشاف رؤى المستقبل، التي ستغيّر أهدافهم، إلى اتجاهات يرغبون فيها أكثر .
ثالثا : تعليمهم المهارات التي تساعد على جعل أقوالهم و تصرفاتهم تيسّر وصولهم إلى الأهداف المنشودة .
كأفراد، عليهم تعلّم ممارسة إعادة تقييم ماضيهم، و تصوّر مستقبلهم الجديد، و لا مناص من أن البدء في تعلّم محاولة التأثير على المجتمع الذي يعيشون فيه .. وهذا هو الذي سيقود إلى تحقيق ديموقراطية توقّعية فعّالة .. و مع كلّ هذا، فطبيعة الأمور تقول أن هذا سيقتضي بعض الوقت لظهور التغيير المنشود، بحكم القصور الذاتي الهائل للمجتمع، و مقاومة البنية البيروقراطية لأي تغيير .

طرق التحكّم في الذات

المشاركة الصادقة من جانب المواطنين، تحتاج إلى تحوّلات عميقة في الطرق التي نحكم بها أنفسنا :
أوّلا : نحن نحتاج معرفة أن هناك عدد قليل من الصراعات التي يكون فيها أحد الطرفين محقّا بالكامل، و الآخر مخطئا بالكامل . العيب في نظامنا القانوني هو سعيه لتخريب و إخفاء الظلال الرمادية، و اختزال الأمر إلى أسود و أبيـض
ثانيا : نحن في حاجة إلى تطوير هياكل جديدة تسمح للناس بتطوير أفكارهم و التعبير عنها، بأكبر قدر من الوضوح . في المستقبل، سنحتاج إلى البحث عن المدهش و غير المتوقّع . و القدرة على تقبّل ما هو مستجد، قبل أن يكتمل نضجه، يعتبر من أندر المهارات و أكثر ما نحتاجه منها، في حياتنا الجديدة .
نحن في حاجة إلى خلق آلية جديدة، تساعدنا في توضيح الخلافات و الفرص . و هذه العملية في شكلها الأمثل تتكوّن من أربعة جوانب :
الأول : جانب ينصب على توصيف عناصر الاتفاق القائم حول موضوع معيّن، و بخاصة العوامل التي تقود الناس إلى الإيمان بأن هذا الموضوع يستحق الاهتمام .
الثاني : و جانب يصف عناصر عدم الاتفاق القائمة حول الموضوع، و أسباب عدم الاتفاق، و نوع المعارف المطلوبة للمساعدة على الوصول إلى اتفاق .
الثالث : و جانب يستكشف نطاق السيناريوهات التي تفرضها التصورات المختلفة للموضوع الذي نتناوله، و اقتراح المعايير المختلفة للسياسات التي نحتاجها لنستوعب وجهات النظر المختلفة .
الرابع : و جانب يقرر الموارد المتاحة للمزيد من الدراسة ( مطبوعات، أوديو، فيديو، كمبيوتر .. إلى آخره ).
و الهدف من هذا المنهج ـ كما يقول الكاتب روبرت ثيوبالد ـ هو زيادة مساحة ما هو متّفق عليه، و الحدّ ممّا هو موضع خلاف، بالنسبة لموضوع ما، حتّى يكون لدى أولئك الذين يضعون السياسات أفضل المؤشرات، لفهم العالم الذي يعملون في حدوده .

و إلى الرسالة التالية، لنرى أثر هذا كلّه على الديموقراطية المطلوبة لمصر .

الجمعة، يونيو ٢٠، ٢٠٠٨

الأحد، يونيو ٠٨، ٢٠٠٨

ديموقراطية مجتمع المعلومات

مشاركة المواطنين في اتخاذ القرار

.... و آثـــارها العميقــــة

نحن نمضي الآن عبر ما يمكن أن نطلق عليه " الثورة الكوبيرنيكية الثانية " . هذا هو ما يقوله الكاتب المستقبلي روبرت ثيوبالد، في دراسة له حول الديموقراطية التوقّعية . و هو يستطرد قائلا أتاح لنا كوبيرنيكوس أن نرى الأرض، برؤية بعيدة عن الرؤية الشائعة في وقته، باعتبارها مركز الكون، فأثبت أنها تدور حول الشمس .. و كذلك علّمنا عصر الاتصالات أن كل إنسان هو ـ بالتأكيد ـ مركز كونه الخاص .. و أننا نستقبل العالم من خلال مناظيرنا الخاصّة الفريدة، و التي تتحدد بالتركيب الجيني الخاص بنا، بالإضافة إلى خبراتنا . و يضيف أن الفرق الأساسي بين عصر الصناعة و عصر المعلومات و الاتصالات، هو المدركات الخاصة بكل منهما .
خلال عصر الصناعة كنّا نؤمن بوجود حقيقة موضوعية، يمكن الوصول إليها و اكتشافها إذا ما كافحنا بشكل جاد من أجل ذلك . و كان السبيل الأساسي لذلك هو أن نجزّئ الواقع إلى شظايا أصغر فأصغر، لاعتقادنا أن هذا سيقودنا إلى مجموعة من الحقائق الخالصة . و المشكلة هي أننا وجدنا القليل من تلك الحقائق، و أن الحقائق التي وصلنا إليها بدت بلا نفع في وجه المشاكل التي نصادفها .
عصر المعلومات و الاتصالات ينطلق من إدراك جديد، هو أن كلّ شيء متبادل الاتصال .. هذا التناول يقتضي مجموعة مختلفة جدا من الأدوات، و أنماط السلوك، و النماذج . يقول ثيوبالد " علينا أن نتعلّم كيف نعمل من خلال نظام اتصالات، في مكان نظام التحكم، لكي نشجّع التنوع في مكان التشابه و النمطية، و أن نستقر عند " ما يكفي " بدلا من السعي إلى ما هو أكثر، و أن نتعلّم أيضا كيف نعمل من خلال نسق القيم الذي أطلقنا عليه في الماضي اسم النسق الديني : مثال ذلك الأمانة، و المسئولية، و التواضع، و الحب، و احترام الأسرار العقائدية .." .
و عصر المعلومات و الاتصالات ليس مجموعة من التجريدات . و في جميع الأحوال، على الذين يريدون أن يفهموا هذا العصر أن يلتزموا بالعيش فيه، بالضبط كما فعل أولئك الذين أوجدوا عصر الصناعة، عندما تنازلوا عن قيم عصر الزراعة ..
أي مناقشة ذات دلالة، لموضوع مشاركة المواطنين، أو مساهمة المواطنين، أو الديموقراطية التوقّعية، يجب أن تتضمّن بالضرورة مناقشة مصادر السلطة في الجماعات، و المؤسسات، و الثقافات . و معظم الأمريكيين لا يبدون ارتياحا حيال هذا الموضوع . و نتيجة لهذا، تظهر سلسلة من العقائد الجـامدة، التي لا تتوافق مع هذا الموضوع .
لهذا، يكون من المهم أن نختبر الافتراضات السائدة، و أن نضع المعالم العامة للرؤية البديلة للمجتمع .

السلطة البنيوية

يقول روبرت ثيوبالد أن ثقافـة عصر الصناعة التي نعيشها، تقوم على افتراض أن السلطة ( أي حق اتخاذ القرارات و تطبيقها )، تتوقّف على المركز الذي يسيطر عليه الفرد . و موقع القوّة يمكن الوصول إليه بعدة طرق : بالترقّي في سلم البيروقراطية، أو بالتعيين ( كما في الوظائف المدنية العليا أو في بعض جوانب من النظام القضائي )، أو من خلال الانتخاب على أساس العملية الديموقراطية الحالية . ويضيف، لأننا نخشى استغلال السلطة، فإن حق القيادة و التحكّم غالبا ما تكبّله مجموعة من القيود، التي يقصد بها منع استغلال السلطة بشكل غير سليم . و مبدأ الفصل بين السلطات التنفيذية و التشريعية و القضائية، يسيطر على مجمل النظام الأمريكي .
و درجة التوتّر التي تقوم بين أولئك الذين يمسكون بالسلطة، و أولئك الذين تمارس عليهم، تتوقّف أساسا على درجة الثقة بين الأطراف . و في السنوات الأخيرة، كشفت قياسات الرأي العام عن تدهور متواصل في الثقة الشعبية تجاه كل الجماعات التي تمسك بالسلطة : الحكومة، و رجال الأعمال، و السلطات العمالية، و وسائل الإعلام . و كان رد الفعل الذي لا مفـرّ منه، هو أن يمضي القابضون على السـلطة المزيد من الوقت في تجمـيل مواقفهم، على حسـاب الوقت المفترض لاتخاذ القرارات الضرورية .

السلطة تعبث بالمعلومات

يقول روبرت ثيوبالد " لسوء الحظ، تنشأ علاقة مباشرة، بين السلطة البنيوية، من النوع الذي أوردناه، و بين تزايد الإحساس بفقدان الثقة . . فالسلطة البنيوية تقود حتما إلى تخريب المعلومات، و إفساد الحقائق .. و على حد قول لورد آكتون : السلطة تميل إلى العبث بالمعلومات، و السلطة المطلقة تعبث بالمعلومات بشكل مطلق .." .
و يشرح ثيوبالد هذا قائلا : على سبيل المثال، عندما نعمل مع أفراد أو جماعات، تكون لديهم القدرة على التحكّم في حياتنا، إلى الأفضل أو الأسوأ، تكون النتيجة الطبيعية هو أن نتقدّم إليهم بالمعلومات التي ترضيهم . و كلّما كانت سلطتهم على حياتنا أكثر مباشرة و قوّة، كلّما زاد تبريرنا لتلاعبنا بالمعلومات، باعتبار أننا نضطر إلى ذلك، خوفا على عملنا أو على نمط حياتنا .
و طالما أننا ما زلنا متمسّكين بالنظام الحالي، فإن تركيز السلطة في أيدي قليلة، يستتبع بالضرورة أن يتعرّض هؤلاء الأقوياء إلى فيض من قذائف المعلومات التي يحمي أصحابها مصالحهم بعدم صحتها .

بين الديموقراطية و السلطة البنيوية

كيف يمكن للديموقراطية التوقّعية أن تعمل من خلال هذا النوع من بنية السلطة ؟ .. يقول ثيوبالد أن موضوع الطاقة النووية، كان أحد أسخن الموضوعات في انتخابات 1976، و هو يقدّم مثالا قويا لمدى التدهور في المعلومات الذي يمكن أن يحدث . في العديد من الولايات، اقترح الذين يخافون الآثار بعيدة المدى للإنتاج النووي على نوع الحياة و البيئة، أن يتم استفتاء عام حول الطاقة النووية . أما الذين كانوا مقتنعين بأن إنتاج طاقة إضافية يعتبر ضروريا من أجل رفاهية الولايات المتحدة، فقد عارضوا المجموعات صاحبة الرأي الآخر .
و الاستفتاء العام في الولايات المتحدة تكون له قوّة القانون، و هذا يعني أن الجمهور العام يمتلك سلطة مطلقة في ذلك المجال . لقد شعر أصحاب المصـالح في كلّ من الفريقين أن من حقهم "تحـريف" الحقيقـة، باعتبار أن القرار "الخـطأ" من جانب الجمهور يشكّل كارثة .
و كانات المحصلة النهائية تشويها ملفتا للمعلومات من الجانبين، نتيجة لاعتبار كل جانب أن موقفه هو الحـقّ الخالص . و أصبح من الأكثر صعوبة على المواطنين اتخاذ قرار قائم على المعلومات الصحيحة، حول التوجّه السليم الذي يجب أن يسلكه المجتمع في هذا الأمر .

تغيير بنية السلطة .. أوّلا

طالما تمسّكنا بنموذج بنية السلطة الذي نمضي بموجبه، تصبح فكرة دخول المواطن الذكي في ديموقراطية المشاركة أو الديموقراطية التوقّعية، من الأفكار الساذجة و الخاطئة . و في نفس الوقت، يمكن أن يقود دفع المواطنين إلى المشاركة، إلى الهبوط في معدلات الإنتاج . و مرجع ذلك إلى سببين :
أولا : كلما زادت القوّة التي يمارسها المواطنون من خلال الاستفتاء العام و غيره من الممارسات، كلما تعاظمت عملية تخريب المعلومات المتضمنّة .
ثانيا : جماعة المواطنين، هي واحدة من عدد كبير من الجماعات، و هي غالبا ما تكون الأضعف .
و يخرج روبرت ثيوبالد من هذا، بأن معظم مشاركة المواطنين الحالية، تثير المزيد من الإحباط و الغضب . . و بعض جماعات المواطنين تصبح " ناجحـة " بأن تصبح قوية بدرجة كافية، لكي تخضع أنماط بنية السلطة الأخرى لإرادتها . فإذا نظرنا إلى النتيجة النهائية، نجد أن كل الذي تغيّر هو تسلسل مواقع القوّة، أو تسلسل مراتب العذاب و المعاناة في حضارتنا .
يقول ثيوبالد " مشـاركة المواطنين، و الديموقراطية التوقّعـية، ممكنة فقـط بعد حـدوث تغـيير في أنماط بنية السلطة .. فما هي النماذج الأخرى لاتخاذ القرار التي يمكن أن نعتمد عليها ؟ " . هذا هو موضوع رسالتنا التالية

الثلاثاء، مايو ٢٧، ٢٠٠٨

في الديموقراطية التوقعية

في مواجهة الانهيار المتواصل

عند مركز عملية اتّخاذ القرار

في مواجهة الانهيار المتواصل عند مركز عملية اتخاذ القرار، يمكننا أن نسلك أحد طريقين :
الطريق الأوّل، هو محاولة المضي قدما في تقوية السلطة الحكومية، بالاعتماد على المزيد من السياسيين الإضافيين، و البيروقراطيين، و المستشارين ذوي الخبرة، مع التركيز على العقول الإلكترونية، على أمل اجتياز محنة التسارع و التعقيد و التركيب في الأحداث، المحلية و العالمية .
و الطريق الثاني، هو البدء في تخفيض عبء اتخاذ القرار، بتوسيع قاعدة المشاركين في ذلك العبء، و السماح بمزيد من القرارات التي يتم اتخاذها في القواعد و الأقاليم، أو في مراكز النشاط الفئوي، عوضا عن التركيز على قيادة صنع القرار المتخمة في المركز .
الطريق الأول يقود إلى المزيد من المركزية و التكنوقراطية و الشمولية، بينما يقود الطريق الثاني إلى ديموقراطية جديدة، ذات مستوى أكثر تطوّرا . و لا توجد أسباب تحضّ على سلوك الطريق الأول، فالقول بأن المركزية و الشمولية في اتخاذ القرار هما السبيل إلى " الكفاءة "، و أن الديموقراطية تقود إلى التشويش و الإخفاق .. هذا القول ليس سوى خرافة زائلة . فالنظر الأمين إلى الديموقراطية، بشيء من التعقّل، على ضوء نظرية المعلومات و اتخاذ القرار، بعيدا عن النظريات السياسية البالية، يفيد أنها تحقّق من الفضائل ما تفتقده المركزية و الشمولية .

مستقبل الدكتاتور

ما يحدث اليوم في مختلف المجتمعات من تغيير متلاحق متسـارع، يجعل مهمة الطاغية أو الدكتاتور محفوفة بالمخاطر . و إذا كان الدكتاتور قادرا على الحركة السريعة، نتيجة لعدم اضطراره لسماع و مواجهة الرأي الآخر، فإن هذا يعتبر ميزة في حالة كون ذلك الدكتاتور حكيما و ذكيا، و أيضا في حالة كون مجتمعه نمطيا، يتمتّع بثبات نسبي . و قد أثبتت التجارب السياسية، في مختلف أنحاء العالم، أنه في حالة تحقّق ذلك، فأن العائد الذي يصل إليه هذا النظام يكون مقترنا بمخاطر هائلة .
يقول توفلر " تصرفات الحاكم الأوحد تصبح بشكل متزايد عرضة للخطأ، و متسمة بالخطورة . و هي و إن كانت تستهدف تضخيم الذات، إلاّ أنها ـ في أغلب الأحيان ـ تقود إلى تحطيم الذات، إذا لم تتم مراجعتها عن طريق معارضة ديموقراطية، و إذا لم يجر تصحيحها و تقويمها على ضوء الأفكار المتغيرة القادمة من ( أسفل ) ..".
و يستطرد قائلا أنّه على العكس من هذا، يقود تضاعف قنوات التغذية المرتدة القائمة بين المواطنين، و بين صنّاع القرار في الحكومة، و خاصّة التغذية المرتدة السلبية، إلى المحافظة على استقرار المجتمع .. فهي تعمل عمل (الترموستات) في الأنظمة الحرارية، الأمر الذي يؤدي إلى تخفيض مخاطر الخطأ . كما يعني أيضا أن ارتكاب الخطأ يكون من الممكن تصحيحه بأقل الخسائر ..
كلما ضعفت التغذية، و التغذية المرتدة، في العملية الديموقراطية، زادت الفجوة بين القرارات و الواقع، و زاد خطر بقاء الأخطاء بدون تصحيح، حتى يتضخّم أثرها، و تتحوّل إلى أزمات .

الزمن كعامل مؤثّر

يمكن أن يصبح الحديث عن ديموقراطية المشاركة ناقصا ـ بشكل ما ـ إذا أهملنا النظر إلى الزمن كعامل مؤثّر في سلامة القرار . و لكي تكون مشاركة المواطنين في اتخاذ القرار فعّالة، لا بد أن يتجاوز اهتمامهم ما هو " هنا و الآن"، عند اتخاذهم للقرار . و أن يدخلوا في اعتبارهم الأوضاع الأكثر أهمية، و التي تؤثّر على المستقبل البعيد
إن ترك المواضيع طويلة المدى زمنيا للآخرين، على سبيل الإهمال أو عدم الاهتمام، ينتهي بالمواطنين ـ على أحسـن الفروض ـ إلى التورّط في اتخاذ قرارات قاصرة، ثم إلى الدخول في معارك، عند التصـدّي للتصوّرات بعيدة المدى، التي يكون غيرهم قد وضعها . و هذا هو السـرّ في أن الديموقراطية التوقّعية تصرّ على دمج التغـذية المرتدة للمواطنين بتوفّر الوعي المستقبلي لديهم .
المراقب المتأمّل للتجارب الأولى، في حقل الديموقراطية التوقّعية، في المجتمعات التي شرعت في الأخذ بها، سيلاحظ توتّرا متناميا بين أولئك الذين يؤمنون أساسا بالمشاركة، مع عدم اقتناعهم القوي بالتوجّه المستقبلي، و بين أصحاب الفكر المستقبلي الذين لا يضعون ثقلا مناسبا للمشاركة .

معالجة جديدة لعملية اتخاذ القرار

من المهم أن نتّفق على أن هذا التركيز على المستقبل بين الجماهير، ليس له علاقة بما عرفناه من جهود المخططين التكنوقراطيين .. الذين يتصوّرون أننا نحتـاج إلى : " خطة شاملة " لربع القرن القادم مثلا . أو بمن يتحمّسون للوصول إلى إجماع حول قضية ما، بما يعني أن نمضي جميعا وراء رؤية واحدة .. كلّ من هذين الموقفين يعتبر من مخلّفات المجتمع النمطي المنصرم .
أهم ما يناط بأولئك الذين يلتزمون بالديموقراطية التوقّعية، ليس السعي إلى استنباط أهداف محددة للحي أو المدينة أو المحافظة أو الدولة، و لكنه السعي إلى خلق و استنباط معالجة جديدة لعملية اتخاذ القرار، تتم فيها بصفة مستمرة إعادة تقييم الأهداف، بصرف النظر عن كونها أهداف هذا أو ذاك، و بأن يتم ذلك على ضوء التغيير المتسارع الذي نعيشه .
و على هذا، فالديموقراطية التوقّعية لا تعد بسلامة القرار الذي يتخذه عامة المواطنين ( حتّى عندما يتم ذلك بمساعدة الخبراء، كما هو الحال دائما )، كما أنها لا تفترض قدرة المواطن على فهم الأمور التقنية دون تعليم أو مساعدة من الخبراء، و هي لا تسعى ـ بالضرورة ـ للوصول إلى إجماع، دعك من فرضه .. إن ما تفعله هو بناء جمهور للمستقبل، و ليس هناك ما هو أهم من ذلك .. إنّها توفّر عددا كبيرا من المواطنين النشطين، الذين ـ بصرف النظر عمّا يمكن أن يكون بينهم من اختلافات ـ يتّفقون في اعتقادهم بأن خط النهاية للحياة السياسية يجب أن لا يقف عند حد الانتخابات التالية .

الفرص و البدائل الخلاّقة

هذا الجمهور المستقبلي، إذا جاز التعبير، يساعد على تحرير الساسة الأذكياء، و موظفو الدولة، من قيودهم الحالية، ممّا يتيح لهم القيام بعملهم بطريقة أفضل، حتّى في ظل أدوات اتخاذ القرار الحالية غير المناسبة ..و تحررهم بما يتيح لهم التحدّث بصراحة و ذكاء عن الاحتياجات بعيدة المدى، دون أن يظهروا بمظهر البلهاء أو المخرّفين ! .
و هكذا، توفّر الديموقراطية التوقّعية دعما للسياسات بعيدة النظر،و تضاعف من تقديرنا للفرص و البدائل الخلاّقة، بما في ذلك الرؤى المستقبلية، التي عادة ما يتم استبعادها بتأثير الاستقطاب السياسي .
خارج المجال السياسي الشكلي، تثير الديموقراطية التوقّعية العديد من الأسئلة الخصبة :
أولا : إلى أي مدى يمكن إعادة التوافق بين "الخبراء " و " المواطنين " ؟
ثانيا : و ما هي العلاقة بين الديموقراطية و التعليم ؟
ثالثا : و هل يمكن أن تساعدنا في وضع استراتيجيات عريضة للتطور التكنولوجي تحظى بتأييد المواطنين ؟ .
يقول توفلر " إذا نظرنا إلى الديموقراطية التوقّعية، على ضوء ضخامة المخاطر التي تواجهها، فقد نراها مجرّد استجابة متواضعة .. فهي لا تتضمّن حدثا درامـيا، و هي لا تقتـل و لا تخطـف خصومها، كما أنها لا تهدد بقلب نظام الحكم بشكل تآمري .. إنها في جوهرها أداة تهذيب ديموقراطية . و مع ذلك، فإننا نرتكب خطأ كبيرا عندما نقلل من قدر القوّة التي تولّدها، أو من دلالة هذه الطاقة السياسية الجديدة .." .

الأحد، مايو ١٨، ٢٠٠٨

ديموقراطية جديدة لمجتمع المعلومات


الديموقراطية التوقّعية ..
مزاوجة بين المشاركة و الوعي المستقبلي

من أهم الكتب التي تناولت موضوع الديموقراطية التوقّعية، كتاب " الديموقراطية التوقّعية .. البشر في سياسة المستقبل "، لمؤلفه كليمنت بيزولد . الكتاب يتضمّن سبعة فصول تناول علاقة الديموقراطية التوقّعية بالمدن و الدول و الأقاليم، و علاقتها بالتشريع، و بالسياسات و البرامج، و ممارساتها في مجال العمل، و في حركات المواطنين .. و يختتم بيزولد كتابه بالحديث عن مستقبل الديموقراطية التوقّعية .
و لم يكن أحق من ألفن توفلر بكتابة مقدمة الكتاب، فهو أوّل من نحت اسمها، و تكلّم عن مضمونها، ، عندما قال في أوّل و أشهر كتبه، صدمة المستقبل " في عالم تحكمه العقائد السياسية العتيقة، و تجتمع فيه اصطلاحات .. الجناح اليساري .. الجناح اليميني .. الليبراليون .. المحافظون ..كما لو كانت هذه الاصطلاحات ما زالت غنية بالمعاني . في مثل هذا العالم، من المفيد الوصول إلى فكرة جديدة، لا يمكن حشرها في خانة أيديولوجية مناسبة، و فكرة ( الديموقراطية التوقّعية ) هي واحدة من هذه الأفكار .." .

ما وراء السياسة

في مقدمة الكتاب يقول توفلر أن الديموقراطية التوقّعية يمكن أن يستجيب لها الناس في أي موقع على الخريطة السياسية . ليس لأنّها تقدّم كلّ شيء لكل إنسان ـ كما يدّعي الساسة اليائسون ـ و لكن لأنها تتعامل مع طبيعة " العملية " السياسية كشيء متميّز عن " البرنامج " السياسي . و هي لا تطلق دعايات من نمط رفع الحد الأدنى للأجور، أو تحقيق التشغيل الكامل للعاملين، أو التحكّم في البيئة، أو خفض ميزانيات التسلّح، الأمر الذي عادة ما تتضمنه البرامج السياسية .. إنّها ـ في مكان هذا ـ تحضّنا على التمعّن في ذات العملية التي نبعت من خلالها اختياراتنا السياسية، أيا كانت تلك الاختيارات .
بهذا، يمكننا القول بأن الديموقراطية التوقّعية لا تتعامل مع السياسة، و لكن مع ما وراء السياسية .
لقد استعار عصر الصناعة فكرة التمثيل النيابي من أصول تاريخية سابقة، و روّج لها على اتّساع سطح الأرض باعتبارها الشكل الأحدث، و الأكثر كفاءة، و الأكثر إنسانية، و الذي يتسق مع تصوّر الحكومة في المجتمع الصناعي .
و يقول توفلر أن عصر الصناعة يمضي إلى نهايته، مفسحا المجال لعصر جديد يختلف جدا عن سابقه، يجيء معه بنمط جديد للطاقة، و ترتيبات جديدة للسياسة الطبيعية، و مؤسسات اجتماعية جديدة، و شبكات جديدة للاتصال، ، و نظام جديد للعقائد .. و هذا كلّه يدفعنا إلى التفكير في ضرورة وجود هياكل و عمليات سياسية جديدة تماما .. و إلاّ، كيف تكون لدينا ثورة تكنولوجية، و ثورة اجتماعية، و ثورة معلوماتية، و ثورة أخلاقية و عرقية .. و لا تكون لنا بالمثل ثورة سياسية ؟!

أسباب الانهيار الحالي

عندما نفكّر في الانهيار السياسي ـ أو أزمة الكفاءة الحكومية ـ الذي نشهده من حولنا : شلل المجالس النيابية، و سخافة البيروقراطيات الحكومية العملاقة، و التذبذب الجنوني في بؤر الاهتمام السياسي، و التركيز على هذا ثم على ذاك،
دون أن نصل إلى فهم سليم لأي مشكلة، فضلا عن حلّها .
و يقول توفلر أن هذا السلوك المتردد، غير الكفء، من جانب الحكومات في العالم الصناعي، لا يمكن تفسره اعتمادا على الاصطلاحات التقليدية .. فالذي يحدث ليس بسبب أن السياسيين و البيروقراطيين المعاصرين أغبياء، كما أنه لا يرجع إلى آمر ما يسمّونه باليمين أو اليسار،و هو ليس لأن الأغنياء الجشعين يفسدون مؤسساتنا السياسية و يتحكّمون فيها، و إن كانوا ـ يعلم الله ـ يريدون ذلك من كلّ قلوبهم ! . كما أنه ليس صحيحا أن أزمة عدم توفّر الكفاءات ترجع إلى أن الفقراء الطماعين يطالبون بصلاحيات ضخمة جدا من النظام، و كذلك ليس لأننا نشهد ( الأزمـة العالمية للرأسمالية ) كما تنبّأ ماركس ..
إن هذا كلّه يعود ـ في حقيقة الأمر ـ إلى انتهاء المراحـل الأولى لما يمكن أن نطلق عليه ( الأزمـة العامة للصناعة )، التي تعتبر الرأسمالية و الاشتراكية ـ معا ـ فرعين منها .

المضي عكس الاتجاه

لقد أفرز عصر الصناعة بيئة محددة لاتّخاذ القرار، تقوم على أساس التجانس الاجتماعي . كما ولّدت الثورة الصناعية ضغوطا هائلة ـ ثقافية و سياسية و تكنولوجية ـ تدور كلّها حول خلق نمطية و توحيد قياسي في اللغة و القيم و الآلات و طرق العمل و المعمار و وجهات النظر السياسية، و في أسلوب الحياة بشكل عام .. إلاّ أن الثورة، التي تستجمع قواها اليوم، تحملنا بالتحديد إلى الاتجاه المضاد . إننا نمضي بسرعة نحو المزيد منم التنوّع، اجتماعيا و ثقافيا و سياسيا، بشكل لم يحدث من قبل .. لهذا تتزايد صعوبة الوصول إلى الإجماع .
و إذا كانت الصناعة قد استجابت لتنوّع المستهلكين، في العقود الأخيرة، من خلال ما يطلق عليه الإداريون " تنويع السلع "، و إذا كانت الشركات قد تنافست في تقديم مختلف الطرز و النظم و الأحجام، فإن " مصانع الخدمات" في الحكومات الكبرى ـ بسبب تحجّر التنظيمات و جمودها، و فقدان حافز المنافسة ـ ما زالت تضخّ خدمات نمطية لجمهور تتعاظم لانمطيته و يتزايد تنوّعه و تباينه . فلا عجب إذن أن نرى هذه الهوّة بين احتياجات الناس و مطالبهم، و بين ما يحصلون عليه من الحكومة .. لا عجب أن نرى هذه الهوّة تتسع كل يوم، بشكل مخيف .

عدم الكفاءة الحكومية

النتيجة الحتمية لهذا، هو أن الكثير مما تقوم به الحكومة يجيء خاطئا، أو متأخّرا جدا عن وقته .. الناس لا يتلقون المساعدات عندما يكونون في أشد الحاجة إليها، و الذين ليسوا في حاجة لشيء تنهال عليهم المكاسب الوفيرة .. البرامج الموضوعة في العاصمة، لا تتفق ـ بالدرجة المناسبة ـ مع احتياجات الأقاليم و المحليات .. برامج العمل القديمة ـ التي كان من الواجب صرف النظر عنها منذ سنوات ـ ما زلنا نسمع قعقعتها المستمرّة، دون اعتبار لما تطحـنه أو تجرشه، و مدى ما يمكن أن نستفيد منها .. و البرامج الجديدة تتكاثر، متجاوزة قدرة أي شخص على إدارتها.. و بدلا من تقديم خدمات تستهدف الأفراد الحقيقيين، تهتزّ المصانع الحكومية بعنف، لتتمخّض عن إنتاج نمطي لزبائن غير موجودين ! ..
و هذا هو جوهر عدم الكفاءة الحكومية .

عندما تنصهر الأكباس

أزمة عدم الكفاءة الحكومية ـ باختصار ـ نوعية و كمّية في نفس الوقت ..
و التصادم الحتمي بين مؤسسات إصدار القرار، المصممة على أساس المجتمع النمطي القديم، و بين الحضارة الجديدة التي تندفع بسرعة نحو اللانمطية و التنوّع و التباين و الاختلاف، هذا التصادم الحتمي يمكننا أن نرى نماذج له في الأجهزة البيروقراطية، و في الهياكل التشريعية و التنفيذية، المقامة وفق مبادئ و نظريات عصر الصناعة .
و المعروف، أن أي نظام من نظم اتخاذ القرار، له حدّه الأقصى من القدرة على معالجة قدر معين من مسئولية اتخاذ القرار المطلوبة .
و نتيجة للتغيرات التي تسارعت في حياتنا، مع قيام ثورة المعلومات، و بدايات تشكّل مجتمع المعلومات، زاد الموقف تعقدا في مجال اتخاذ القرار، و ضاعف من تعقيده تصاعد السرعة المطلوبة في هذا المجال .. هكذا أصبح عبء اتخاذ القرار ـ في بعض الأحيان ـ أكبر ممّا يحتمل النظام .. عند هذه النقطة، تنصهر الأكباس، و ينقطع التيار ! ..
هذا هو،بالتحديد، ما يحدث لنظم اتخاذ القرار، في جميع الدول المتطوّرة تكنولوجيا، و التي قطعت شوطا أكبر في التحوّل من الحياة الصناعية إلى الحياة المعلوماتية ..
يقول ألفن توفلر " إنّها صدمة المستقبل السياسية .. " .. اتخاذ القرار السياسي يجب أن يتجاوز ما هو : "هنـا" و"الآن" .. فالثابت، أننا في أشد الحاجة إلى تصميم عمليات سياسية مناسبة لاتخاذ القرارات الجماعية، عمليات تكون على مستوى البيئة المستجدة لاتخاذ القرار و هو يستطرد قائلا أن تصميم نماذج عمليات اتخاذ القرار الجديدة، لن تقفز إلى أيدينا فجأة من فوق لوحات التصميم الخاصة بالمهندسين الاجتماعيين و السياسيين .. فهي لا تتكامل إلاّ بعد عمليات متكررة من المحاولة و الخطأ و التجريب، و استفادة من التجارب المبتكرة التي يقودها الناشطين من السياسيين و أصحاب الاهتمام العام .

و إلى الرسالةالتالية لنتعرّف على مضمون الديموقراطية التوقعية

الأحد، مايو ٠٤، ٢٠٠٨

ديموقراطية عصر المعلومات

من كتاب لي تحت الطبع يحمل عنوان :
سقوط صندوق الانتخابات عن عرشه
ــ

تسويق الديموقراطية ! ..

لماذا تفشل أمريكا في تصدير أكثر منتجاتها أهمية ؟


تحت هذا العنوان كتب المفكّر المستقبلي الكبير آلفن توفلر أخيرا، متحدّثا عن وهم تسويق الديموقراطية الذي يسود أوساط الإدارة الأمريكية حاليا .. فماذا يقول توفلر ؟ :
قليلة هي الكلمات التي تستخدم في لغة الخطاب اليومي، و التي توقع الولايات المتحدة في المزيد من المتاعب، في أنحاء العالم، أكثر من كلمة " ديموقراطية " ـ إلاّ إذا كانت الكلمة هي " بوش " . خطابات البيت الأبيض تفترض أن الديموقراطية فضيلة يشتد الطلب عليها عالميا في باقي دول العالم، و أن غيابها في أي دولة، في أي وقت، لا يكون إلاّ بسبب القهر .
و لا شك أن الكلمة قد اكتسبت قوّة، و أصبحت شائعة، إلى حدّ أننا نجد اليوم أن العديد من الدول الأكثر فسـادا، و فردية، و عنصرية، و بؤسا، و الأقل ديموقراطية على الأرض، تحمل كلمة الديموقراطية ضمن اسمها ! .

مجموعة مغالطات

أولا : هنا نجد المغالطة رقم واحد بالنسبة للديموقراطية : فكرة إمكان زرعها حرفيا من الخارج، في أي مكان، أو أي وقت، داخل أي ثقافة أو دولة .
ثانيا : و المغالطة الثانية، هي أن الدول التي تنظم عمليات انتخاب، تكون بالضرورة "ديموقراطية" أو " حرّة" .
ثالثا : و أخيرا، المغالطة الأكبر من غيرها : أن تعريف الديموقراطية ـ و ما تتضمنه ـ يبقى على حاله من عصر لآخر .
و دعونا نبدأ بالمغالطة الأولي:
إمكان زرعها من الخارج
أصر البيت الأبيض دائما في عهد بوش، أن الولايات المتحدة، ستجلب الديموقراطية للعراق . و لكي تثبت أنها فعلت ذلك، تشير إلى الانتخابات التي تمت بعد 32 شهر من إسقاط نظام صدّام .
و في مواجهة الذين أبدوا اعتراضاتهم، قائلين بأن الديموقراطية لا يمكن فرضها على دولة من الخارج، أشار البيت الأبيض إلى ألمانيا و اليابان . فقبل هزيمتهما في الحـرب العالمية الثانية، كانتا تقادان بنظام شرير معاد للديموقراطية، النازية، و نظام أشبه بالفاشية، و قد تحولتا إلى نظامين ديموقراطيين ناجحين، بعد هزيمتهما في الحرب .
لكن المقارنة مع العراق تكون هنا خارجة عن القياس . فبداية، كانت ألمانيا المنهزمة منقسمة إلى قسمين، قسم واحد منهما ـ الغربية ـ كان وصفه بالديموقراطية أمر نقاشي . فهذه الديموقراطية الوليدة، تواصل تمويلها بكثافة لعدة سنوات من جانب الولايات المتحدة، وفق مشروع مارشـال . و كانت في نفس الوقت مرعوبة من أن تهزم على يد السوفييت، الذين كانوا يتحكمون في ألمانيا الشرقية . أضف إلى ذلك، أنه قبل أن تستولي النازية الهتلرية عليها عام 1933، كانت لدى ألمانيا خبرات سابقة بالحكم الديموقراطي .. و لا ينطبق على العراق أي من هذه العوامل .
أمّا بالنسبة لليابان، فقد كانت هي الأخرى خائفة من استيلاء الروس عليها، و الذين كانت قد دخلت في حرب معهم
فيما بين 1904 و 1905 . من ناحية، كان استخدام الأمريكان للأسلحة النووية في هوريشيما و ناجازاكي قد جعل اليابان خاضعة للغاية . و من ناحية أخرى، اتفاقية السلام الأمريكية قد أتاحت للإمبراطور هيرهيتو أن يحتفظ بعرش اليابان .. و هو لم يلاحق و يقبض عليه في حفرة تحت الأرض، ثم يشنق .
و الأكثر أهمية من هذا و ذاك، أنه لا اليابان و لا ألمانيا قد جرى تخريبهما و تدميرهما داخليا، مثل مع حدث في أفغانستان بسبب الصراعات الدينية الدموية، و التصادمات القبلية المحلية.. أو ما حدث في العراق نتيجة لكبت الخلافات العقائدية و العرقية . و من هذا تكون :
القاعدة 1 : الديموقراطية لا يمكن تصديرها و إقامتها في أي دولة، في أي مكان، و أي وقت، كما يزعم المتحمسون للديموقراطية .
التسمية الخاطئة للديموقراطية
و هذا ينقلنا إلى المغالطة الثانية : و هي أن جميع الدول التي نطلق عليها وصف ديموقراطية، هي في حقيقتها غير ديموقراطية فعلا . تعريف الديموقراطية، غالبا ما يبدأ بالإشارة إلى الانتخابات و الأغلبيات .. و من بين الدول التي يجري تصنيفها باعتبارها ديموقراطية، من تحظر حرية الحديث، و تسجن الخصوم السياسيين، و تغض الطرف عن الفساد الشامل الشائع . و من هذا تكون :
القاعدة 2 : تنظيم الانتخابات، و تجميع الأعداد الضخمة من الأصوات، لا يجعل الدولة ديمقراطية، إذا كانت تسيء معاملة المرأة، و الأقليات العرقية، و أتباع دين معين، و غيرهم من الذين لا يدخلون في تلك الأغلبية .
تغيّر معنى الديموقراطية
على مدى التاريخ، خضع تعريف الديموقراطية لمراجعات هائلة . كان يشار إلى أثينا القديمة، باعتبارها مهد الديموقراطية، و مع ذلك ففي أوج عظمتها، لم تكن تسمح للنساء أو العبيد أو المهاجرين بالتصويت . و في القرن الثامن عشر، كان الثوار المؤسسين للولايات المتحدة يؤمنون بأن العبودية أمر شرعي، كما أبقوا المرأة محرومة من التصويت حتّى عام 1920 .
و مع تسارع التغيرات في أنحاء العالم، قد نرى مراجعات لها دلالتها في صميم تعريف الديموقراطية . إننا نعيش اليوم، ليس في الولايات المتحدة وحدها، بل في العديد من الدول، لنشهد صغار تتراوح أعمارهم بين 10 و 12 سنة فما فوق، أكثر استيعابا للعديد من التكنولوجيات المتقدّمة، بما يتجاوز معارف الوالدين .
و مع تسارع التكنولوجيات بما هو أبعد، قد نتوقّع مواجهة مطالب بخفض سن التصويت، على سبيل المثال من 18 إلى 12 . أو أن نعطي لهذه المجموعة العمرية جزءا من الصوت، كأن يكون نصف صوت . كذلك قد نسحب نصف الصوت من أولئك المصابين بمرض الزهايمر . أو أن نسمح للصغار، و حتى الأجانب، بأن يحصلوا على أصواتهم بأن يقدّموا خدمات تطوعية، من نوع أو آخر .
و باختصار، بصرف النظر عمّا إذا كانت التغيرات ستمضي وفق هذه التصورات أم لا، فإن تعاريف الديموقراطية، و الشروط المسبقة للحرّية، ستطرأ عليها العديد من التحولات في العقود القادمة .. هل نحن مسـتعدون ؟ هل أي واحد منّا
مستعد لذلك ؟! . و من هذا تكون :
القاعدة 3 : الرهان الوحيد الأكيد، هو أن تعريف الديموقراطية ذاته، كما نفهمه اليوم، سيجري تحدّيه و تغييره، في السنوات القادمة التي ستثير دهشتنا .

خرافة تصدير الديموقراطية

ثم ننتقل بالحديث عن الديموقراطية، و فهم معانيها العميقة، إلى الأستاذ بنجامين باربر، الذي جمع بين البحث العلمي الأكاديمي في النظريات السياسية، و بين المساهمة العملية في الممارسات السياسية المدنية و الفنون . و الذي ساهم بجهده في العديد من الجامعات الكبرى الأمريكية و الإنجليزية و الفرنسية . و من أهم كتبه " الديموقراطية القويّة " الذي جرت ترجمته إلى ست لغات . فماذا يقول بنجامين باربر ؟ .
يبدأ الأستاذ باربر بطرح أربعة أسئلة كالتالي :
أولا : هل الديموقراطية قابلة للتصدير ؟.
ثانيا : هل الديموقراطية هي مجرّد وظيفة مؤسسة سياسية و دستور مدوّن ؟ .
ثالثا : هل الديموقراطية مرادف للأسواق ؟ .
رابعا : هل تعتمد الديموقراطية على قيادة قويّة ؟ .
يجيب الأستاذ بنجامين باربر على السؤال الأوّل قائلا " نحن الأمريكان الذين نحتاج أكثر من أبناء أوروبا و روسيا و أفريقيا و آسيا، أن نتذكّر أن الديموقراطية لا يمكن أن تكون هدية من شعب لآخر، لكنّها الثمرة صعبة المنال لصراع محلي باهظ الثمن .. إنّها شيء يؤخذ، و ليست شيء يمنح .." .
و عن اختلاف التطبيقات الديموقراطية، يقول باربر أن أشكال الديموقراطيات تختلف، وفقا لاختلاف أنواع النضال الذي يتم لكسبها . و هو يقارن بين الديموقراطية السويدية التي تركّز على الحقوق المجتمعية، أكثر من الحقوق الفردية .. و بريطانيا التي لا تأخذ بالفصل بين السلطات، بينما يعتقد الأمريكان أنّه أمر لا غنى عنه .. و الدستور الإثيوبي الجديد يحاول التوجّه إلى القبائل .. كما أن أيرلندا لا تأخذ بالفصل بين الكنيسة و الدولة .. ألمانيا فدرالية، بينما فرنسا مركزية . هذا الاختلاف بين الديموقراطـيات، يوحي بضرورة قبول الأشكال الجديدة من الديموقراطيات التي تتشكّل في أنحاء العالم .
الدساتير لا تخلق ديموقراطيات
ثم يجيب الأستاذ باربر عن السؤال الثاني، داحضا الفكرة الشائعة، التي تقول أن الديموقراطية لا تزيد عن بعض المؤسسات السياسية الشـكلية، التي يمكن لأي دولة أن تسـلّمها لدولة أخرى . و يقول أن الديموقراطية ليست رسما تخطيطيا ذاتي التحقّق . فلا يمكن فرضها من أعلى إلى أسفل، لكنّها تنمو من القاعدة إلى ما فوق . و الدساتير لا تصنع الديموقراطية، و لكن الديموقراطية هي التي تخلق الدساتير .
بدون مواطنين لا يمكن أن توجد الحرّية... و بدون ثقافة مدنية و تعليم، لن يكون هناك مواطنـون، هذا هو ما يقوله باربر و يحتاج منّا إلى تأمّل طويل . و هو يستدلّ برأي للفيلسوف الأمريكي جون ديوي، يقول فيه أن الديموقراطية، ليست شكلا للحـكومة، لكنّها طريقة حـياة، ومجموعة من المواقف و التوجّهات المتأصّلة، إنّها ثقـافة التفكير المستقل و التعاون في نفس الوقت، و الصراع و التراضي في آن واحد .
و يلفت باربر نظرنا إلى عنصر الوقت، عند التصدّي لبناء الديموقراطية . فيقول أن الفضيلة العظمى للديموقراطية هي الصـبر، و الذي يكون رصيده عادة عرضة للنفـاذ .. إنّنا نتوقّع من الذين يخوضون تجربة الديموقراطية، ضمن التحوّلات التي يمر بها مجتمعهم، نتوقّع منهم أن ينجزوا في ستة شهور أو ستة سنوات، ما قمنا به في ستين سنة أو ستّة قرون . و يقول أن هذه المهمّة ليست سهلة، فالذين يتصدّون لها يواجهون خصوما من الديموقراطيات الحديثة و القديمة .
الديموقراطية و السوق الحرّة
و هذا يصل بنا إلى أكثر الأوهام خطورة و أهمية .. و هو وهم عدم وجود ديموقراطـية لا تعتبر مرادفا للسوق الحرّة . في هذا يقول باربر " حرّية شراء كوكاكولا، أو شريط فيديو لفيلم "الأسد الملك"، ليست هي بعد حرية تحديد كيف سنعيش معا، و في ظلّ أي نظام . و يجب ألاّ ننسى أن كوكاكولا و ماكدونالد و إم تي في، يمكن أن نجدها أيضا في سنغافورة و الصين و الشرق الأوسط، و في أماكن أخرى لا توجد فيها ديموقراطيات .. تاريخيا، لم تكن الرأسمالية هي التي أنتجت الديموقراطية . الديموقراطية هي التي تخلق الرأسمالية . قد تحتاج الرأسمالية إلى الديموقراطية، لكنها لا تعرف ـ بالضرورة ـ كيف تخلق الديموقراطية و تدعمها .." .
و يضيف " من ثمّ، أعتقد أن أسطورة السوق هي أكثر أساطيرنا خبثا، لأن الكثيرين يؤمنون بها " . كما أن الأسواق ليست مصمّمة لكي تقوم بالأشياء التي تتكفّل بها السياسات الديموقراطية ( مثل التعليم و الثقافة و الضمان الاجتماعي و الحفاظ على البيئة ) .. المستهلك في السوق يتكلّم لغة ( أنا )، بينما تكون اللغة المشتركة للمواطنين هي ( نحن ) .." .
و يختم بنجامين باربر إجابته عن هذا السؤال بقوله " و هذا هو التناقض الذي تتّصف به السوق . إنّها لا تستطيع أن تعيش في العالم الذي تخلقه، دون أن تكون محاطة و منظمة عن طريق القوى المدنية و الديموقراطية، التي تسعى في نفس الوقت لتحجيمها .." .

قوّة المواطنة لا قوّة القيادة

و في الرد على السـؤال الرابع، حول مدى حاجة الديموقراطية إلى قيـادة قـوية، يقول الأستاذ باربر أن نوع الديموقراطية لا يعتمد على قوّة القيادة، بل على نوعية المواطنة . الدول الفاشية كانت لها قيادات قوية، لكنّها لم تحصل على ما هو أكثر من تلك القيادات . الديموقراطية تحتاج مواطنين ذوي فعّالية، نساء و رجال عاديين، يقومون بأشياء متميّزة غير عادية، بشكل منتظم و متواصل . و هو يتذكّر موقفا في إحدى المسرحيات، يقول فيه الممثل لزميله " إنّي أشفق على الدولة التي ليس بها أبطال "، فيجيب الآخر " لا .. الإشـفاق يجب أن يكون على الدولة التي تحتاج إلى الأبطال !.." .
الديموقراطية، هي شكل للدولة التي لا تحتاج أبطالا . و يشير باربر إلى واقعة جرت مع إيوجين ديبس القائد الشعبي
الأمريكي، عندما قال له أحد أتباعه " عليك أن تخرجنا من هذه الظلمة .."، فأجابه " لن أفعل، و لا أستطيع، و حتّى إذا استطعت فلا أعتقد أنني سأفعل .. لأنّه إذا كان بإمكاني أن أقودكم خارج هذه الظلمة، فهذا يعني أنني أستطيع أن أعيدكم إليها .." . و يعلّق باربر قائلا " نحن في حاجة إلى مجتمعات لديها حصانة في مواجهة هذا النوع من البطولة .." .
و يختم الأستاذ بنجامين باربر الحديث بقوله " بدون مجتمع مدني قوي و عفي، لن يكون هناك مواطنون، سنجد فقط مستهلكين للسلع و ضحايا لقهر الدولة .. و بدون مواطنين لا توجد ديموقراطية .." .
عمليات إعادة البناء الشاملة .. المرعبة !
الذي يجب أن ندخله في حسابنا، و نحن نفكّر في أشكال جديدة للممارسة الديموقراطية، هو أن التغيير الشامل الكاسح، الذي يفرضه دخولنا إلى مجتمع المعلومات سيتجاوز هذه المهمة بكثير .. و أننا بصدد عمليات إعادة بناء شاملة، مرعبة في ضخامة الجهد الذي تتطلّبه . لقد اجتهد المفكّرون في بدايات عصر الصناعة، ليطرحوا تصورهم لشكل الأشياء، الذي سارت معظم الشعوب على هداه .. و كان ذلك عملا عظيما، يتيح قيادة التحوّل : من نظام راسخ تواصل لما يزيد عن عشرة آلاف سنة، إلى نظام جديد مبتكر يصلح لمنطق عصر الصناعة .. رغم كل ما شابه ذلك النظام من قصور .

* * *

لقد تحدثنا عن "ديموقراطية المشاركة " باعتبارها البديل المتوافق مع أسس مجتمع المعلومات في مكان ما اعتمدته الحياة الصناعية من ديموقراطية التمثيل النيابي .. و لكن، ما الذي يعنيه الاصطلاح المستجد .. الديموقراطية التوقّعية ؟
و إلى الرسالة لتالية

الجمعة، أبريل ٢٥، ٢٠٠٨

ديموقراطية مجتمع المعلومات

من كتاب لي تحت الطبع يحمل عنوان :
سقوط صندوق الانتخابات عن عرشه
ــ

و ماذا عن ديموقراطية مصر ؟!


مستقبل ديموقراطية مصر، شأنه شأن مستقبل أي شيء في مصر.. كالتعليم أو الاقتصاد أو الإدارة أو الإعلام أو العمل و العمالة أو منظومة القيم السائدة .. رهن بتوصّل أبناء مصر المخلصين الحكماء إلى رؤية مستقبلية لمصر، تقوم كما أقول دائما على أمرين أساسيين :
· رؤية مستقبلية متكاملة لدخول البشر إلى مجتمع المعلومات ( اجتماعيا و اقتصاديا و سياسيا ) .
· تقدير سليم أمين للخريطة الحضارية الحالية للعقل المصري: إلى أي مدى هو منتسب لعصر الزراعة، و إلى أي مدى قد تشبّع بواقع عصر الصناعة، و ما مدى اقترابه من تخوم عصر المعلومات .
و لكن دعونا نرجئ الحديث عن مستقبل ديموقراطيتنا، إلى فصل قادم، و نحاول التعرّف على واقع الخريطة الديموقراطية الراهنة لمصر . و هذه أسهل مهمة أمام الدارس و المفكّر .. فالنظـرة الأولى تقول أن ما لدينا لا يمت لأنماط الممارسة الديموقراطية بصلة، لا التاريخية أيام كنا نطلق عليها الشـورى، و لا النابعة من احتياجات عصر الصناعة التي عرفناها باسم ديموقراطية التمثيل النيابي، و لا المستقبلية النابعة من احتياجات مجتمع المعلومات، التي لم تكتسب لقبا ثابتا، و ما زالت تتراوح بين ديموقراطية المشاركة، و الديموقراطية التوقّعية، إلى آخر ذلك .
المحصلّة الديموقراطية في مصر، هي نتاج محاورات القط و الفأر، التي تدور بين أمريكا و القيادة المصرية :
· أمريكا لها مصالحها و خططها في المنطقة، و هي تعمد إلى تغطية هذه المصالح غير المشروعة، بشعارات برّاقة مثل الحرية و الديموقراطية .
· و القيادة المصرية، تطيع في معظم الأحيان، و ترفع شعارات الحرية، و تقيم المهرجانات الديموقراطية، لكن عندما تتناقض مصالح أمريكا مع مصالحها الخاصة، تحاول أن تتحايل، بالمدى المسموح به في لعبة القط و الفأر.
خير مثال للعبة القط و الفأر هذه، ما حدث في الانتخابات النيابية عام 2005، و التي أتاحت فيها مناورات القط و الفأر للإخوان المسلمين فرصة تسريب أعداد غير مسبوقة إلى مجلس الشعب . القصّة ذات دلالة، و لا بأس من طرحها هنا على سبيل العظة، رغم ما تسببه لبعضنا من آلام ! .

سؤال بريء من الصديق الذكي

سألني الصديق الذكي : هل تعرف سرّ التحوّل الذي طرأ على موقف النظام الحاكم في الانتخابات البرلمانية؟ .. أجبت : لقد شعر النظام أنه سيفقد السيطرة على المجلس بالهجمة الإخوانية فلحس كل وعوده و تصريحاته، و أعطى الأمر بالضرب في المليان .. سأل : و متى حدث ذلك ؟ .. أجبت : بدأ في إعادة المرحلة الثانية، و تجلّى في المرحلة الثالثة بأكملها، سأل : و لماذا لم يبدأ في المرحلة الثانية، بعد أن وضحت الرؤية في المرحلة الأولي .. أجبت : لا أدري .
الذي عرفته بعد ذلك، يعطي إجابة أكثر دقّة لسرّ توقّف النظام عن ادّعاء الشفافية و الأمانة الانتخابية، و إعطائه الأوامر بالضرب في المليان، لكي تبدأ المذبحة التي شهد العالم بأكمله تفاصيلها .
التفسير الذي اقتنعت به، له صلة وثيقة بالعلاقة بين الولايات المتحدة و نظام الرئيس حسني مبارك . منذ اغتيال السادات، التزم نظام الرئيس حسني مبارك بتنفيذ المهام و المشـاوير التي يطلبها النظام الأمريكي .. و في المرات التي تعكّرت فيها العلاقات مع أمريكا تحت ضغط عربي أو داخلي، سرعان ما كان النظام المصري يعود إلى قواعده معتذرا .
و الرئيس مبارك يعلم كيف تنظر أمريكا إلى نظام حكمه . ففي عام 2004 صدر عن "راند"، إحدى مؤسسات البنتاجون الأمريكي، كتاب يضم مجموعة دراسات باسم " مستقبل أمن الشرق الأوسط " ، عن الصراعات الدائرة و الاستقرار، و احتمالات التغيير و الإصلاح السياسي ، و فيما يلي أهم ما ورد فيه من نقاط ذات صلة بموضوعنا :
أولا : عملية الإصلاح السياسي المصرية، عملية شكلية .. فالحكومة تتدخّل في العملية الانتخابية بالتزوير و الغش على أوسع نطاق .
ثانيا : في مصر 14 حزبا رسميا، القليل منها له دلالة سياسية، و كلها مجتمعة لا تستطيع أن تتحدّى الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم .
ثالثا : العديد من الحريّات تتاح من الناحية النظرية، لكنها تكون محظورة عند التطبيق .
رابعا : الإصلاح السياسي في مصر يبدو أنه يمضي إلى الخلف و ليس إلى الأمام، و يتم من أعلى إلى أسفل، فيسمح النظام بما يخدم مصالحه الخاصّة فقط، و يرفض ما يقلل من قبضته على السلطة .
خامسا : أقام الإخوان المسلمون قاعدة دعم سياسي لها دلالة، بالتنظيم و بتقديم خدمات لا تقدمها الدولة . في ظل انتخابات حرّة، سيحظون بأصوات تفوق كلّ الأحزاب، بما في ذلك الحزب الوطني .
سادسا : مع استمرار الظروف الراهنة، لا يحتمل أن تستمر حكومة مصر في عملية الإصلاح السياسي .
تكرر توبيخ أمريكا للنظام، من خلال لعبة القط و الفأر، فالتزم النظام جانب الحذر في مرحلة الانتخابات الأولى . و كانت النتيجة اكتساح من الإخوان . بدأ الهرج و المرج، و تبادل الاتهامات و الردح الأصلي في أوساط الحزب الوطني، بين قواعده القديمة و قياداته الجديدة في أمانة السياسات .. غير أن التصريحات الأمريكية المتوالية أشعرت النظام أن عينها عليه، فأتيح لليوم الأول من انتخابات المرحلة الثانية، أن يمر بدون التدخّل المعتاد من كهنة الحزب، فجاءت النتيجة غير مطمئنة، توحي بأن الإخوان سيواصلون اكتساحهم ..
لكن حدث ما قلب موازين الأمور، فيما قبل انتخابات الإعادة للمرحلة الثانية ! ..

الزيارة المباركة لكونداليزا

رغم كرامات الإخوان المفروضة، فالثابت أن كرامات كوندا ليزا رايس كانت أقوى .
عندما همّت كونداليزا رايس بزيارة أوروبا، دار لغط شديد حول نشاط يتم في سرية و تكتم لطائرات المخابرات المركزية الأمريكية في المطارات الأوربية، و حول عمليات نقل معتقلين من السجون الأمريكية إلى سجون سرية خاصّة في أوروبا، حيث يتم استجوابهم و تعذيبهم دون التقيّد بالقوانين الأساسية لحقوق البشر، أو و فق اتفاقيات جنيف . شعرت رايس أن هذه المسألة ستفسد عليها زيارتها، فأنكرت أول الأمر حدوث أي شيء من ذلك .. ثم تحت ضغط التكذيبات الأوربية و الوقائع الثابتة، عادت فاعتذرت عن وقائع التعذيب في السجون الخاصة ( و التي اصطلح على تسميتها ـ على سبيل التأدّب المتبادل ـ المواقع السوداء ) .
قبل أن تعتذر رايس، و قبل أن تعلن الولايات المتحدة توقّفها عن سياسة التحقيقات المريبة، مدينة أي موظّف أمريكي يعرّض المعتقلين للمعاملات القاسية .. قامت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بتفريغ السجون الأوربية ( في بولندا و رومانيا و أماكن أخرى ) من المعتقلين، و نقلهم إلى سجون دول أخرى في شمال أفريقيا تكون مستعدة للقيام بتعذيبهم نيابة عن الإدارة الأمريكية، و وقع الاختيار على مصر، من بين دول أخرى .. خاصّة و أن النظام الحاكم المصري له سمعة عريضة في تلبية طلبات الإدارة الأمريكية . كان وصول الشـحنة البشرية إلى سجوننا، دليل الرضـا الأمريكي المتجدد على النظام.. و على الفور جرت ترجمة ذلك على شكل عودة إلى تراث النظام الحاكم التقليدي في التزوير و التدمير و تسليط عملاء الأمن على الجميع المرشحين و الناخبين و القضاة ! .. و رغم تصريحات أمريكا ـ الشكلية هذه المرّة ـ برفض التجاوزات التي قام بها الأمن، فقد استعبط النظام، و أصمّ أذنيه، و واصل أعماله غير القانونية أو الأخلاقية، حتّى نهاية الإعادة للمرحلة الثالثة، مستندا إلى الخدمات الطازجة التي يقدمها للنظام الأمريكي .. و انتصر الحزب الوطني !! .

بالمستندات .. ع المكشوف !

و حتّى لا يتصور أحد أنني أختلق شيئا سأورد جانبا قليلا جدا مما هو أمامي من حقائق، نشرت كلّها في وسائل الإعلام العالمية، صحف و إذاعات و تلفزيونات، و على الإنترنيت . و سأقتصر هنا على ما يخصنا في مصر من وقائع عمليات التعذيب :
*سيدني مورننج هيرالد – 8/12 : الشرطة و السلطات القضائية في ثماني دول أوروبية، من بينها السويد و ألمانيا و أسبانيا، بدأت تحقيقاتها، فيما لو كانت المخابرات المركزية الأمريكية قد استخدمت مجالها الجوّي و مطاراتها في رحلات سرّية، لنقل إرهابيون مشتبه فيهم . طلب الاتحاد الأوروبي تفسيرا من الولايات المتحدة. و لم تنتظر الدانمرك إجابة، و ابتداء من سبتمبر الماضي منعت طائرات المخابرات الأمريكية من استخدام مجالها الجوّي . و في إيطاليا بدأ الجهات المختصّة التحقيق فيما زعم من قيام 13 عميل مخابرات أمريكي باختطاف الداعية الأصولي الإسلامي أبو عمر، في فبراير 2003 . و كان عمر قد نقل جوّا إلى مصر، حيث اختفى ! .
*الجارديان البريطانية – 6/12 : ممدوح حبيب، المواطن الأسترالي من أصل مصري، يقول محاموه انّه جرى شحنه من الحدود الباكستانية الأفغانية إلى مصر، في طائرة نفّاثة صغيرة بصحبة رجال يتكلّمون الإنجليزية بلكنة أمريكية . و قد بقي في السجن المصري لمدة ستة أشهر، حيث كان يعلّق بخطاطيف، و يضرب، و يعرّض لصدمات كهربائية بمنخس الماشية المكهرب .. و يروي حبيب أنه قد أدخل إلى ثلاث غرف للتعذيب، واحدة مملوءة بالماء حتّى ذقنه، بحيث يكون عليه أن يقف لساعات على أطراف أصابع قدمه حتّى يستطيع أن يتنفّس . و أخرى بسقف منخفض مع ماء يرتفع بمقدار قدمين، مما يضطره إلى الانحناء في وضع مؤلم . و غرفة ثالثة في أرضها القليل من الماء، و على مرأى منه مولّد كهربائي، قال له معذّبوه أنه سيستخدم لكهربته . ممّا دفعه إلى الاعتراف ـ كذبا ـ بأنّه ساعد في تدريب من قاموا بهجمات 11 سبتمبر . تم نقل حبيب إلى جوانتنامو .. وفي يناير من العام التالي تم الإفراج عنه لعدم ثبوت أي تهمة، و أعيد إلى زوجته و أطفاله الثلاثة في سيدني .
*الإندبيندانت البريطانية – 5/12 : كتب رايموند ويتكار أنّه من بين الوقائع العديدة و المتزايدة عن عمليات التعذيب التي تقوم بها الولايات المتحدة، توجد قائمـة بسلسلة من " تقنيات الاستجواب المتطوّرة "، التي يستخدمها عملاء المخابرات المركزية الأمريكية في السجون السرّية، من بينها الاقتراب من حد الغرق أو التجمّد، أو الحرمان من النوم، أو اللطم و الضرب، قد ثبت أن واحدا من المعتقلين قد مات متأثرا بهذه الممارسات . و يضيف الكولونيل الأمريكي نقلا عن عميل مخابرات أمريكية سابق " إذا كنت تريد استجوابا جيدا، ارسلهم إلى الأردن، أمّا إذا كنت تريدهم أمواتا، فارسلهم إلى مصر أو سوريا " (!!!) .

* * *

و إلى الرسالة التالية، لنعرف لماذا فشلت أمريكا في تسويق يموقراطيتها ؟