الجمعة، فبراير ٠٦، ٢٠٠٩

من عصر المعلومات إلى مجتمع المعلومات


حياتنا في مجتمع المعلومات

كلّ شيء في حياة البشر يتغيّر

بعد إدراكي لآليّات الدائرة النشطة التي صنعت ثورة المعلومات، بدأت أتساءل عن أثر ثورة المعلومات على كلّ مبدأ من مبادئ عصر الصناعة . ماذا يفعل تدفّق المعلومات، و تباين البشر، و تطوّر تكنولوجيا المعلومات، في المبادئ الأساسية الستّة التي قام عليها المجتمع الصناعي : النمطية، و التخصّص الضيّق، و التزامن، و التركيز، و عشق الضخامة، و المركزية ؟ .
التنوّع و التباين و التمايز بين البشر، و اختلافهم فيما يطلبونه من الحياة، نتيجة لانفتاحهم على معلومات و معارف جديدة، و تعرّفهم على أنماط مغايرة لأنماط حياتهم التقليدية، اعتمادا على تكنولوجيات الكمبيوتر و الاتصال المتطوّرة، وجّه ضربة كبرى لمبدأ النمطية و التوحيد القياسي الذي فرضه المجتمع الصناعي على البشر، بعد أن نجح في فرضه على الآلات و نظم الحياة .
و هذا في حدّ ذاته، كان السرّ في فشل و انهيار العديد من النظم التقليدية للمجتمع الصناعي . عندما تأمّلت هذا، وجدته ينسحب على أشياء محورية في الحياة . بعد سقوط النمطية، تداعى الإنتاج النمطي و ظهر الإنتاج حسب الطلب، تعددّت أشكال و ألوان و أحجام السلع المختلفة لتتّفق مع أذواق الجماهير المتنوّعة، و تراجع دور الإعلام النمطي الجماهيري بعد أن تفتّت الجماهير النمطية إلى العديد من الجماهير المتباينة، سريعة الانقسام .. و هكذا .

التخصّص الضيّـق

مع تزايد تقسيم مراحل العمل، ظهر التخصّص الذي أخذ يضيق يوما بعد يوم . العامل الذي يقف أمام خط التجميع، متخصّصا في عمل يدوي محدود، لم يعد العمل في حاجة إليه، بعد أن تكفّل الكمبيوتر، و الروبوت الذي بسيّره الكمبيوتر، بكل أنواع العمل الروتيني، في المصنع و المكتب . و مع تسارع المعلومات و المعارف، سقطت تخصّصات جديدة، و حلّت محلّها تخصّصات جديدة، بل لقد سقطت علوم بأكملها لتظهر علوم جديدة، لم يسمع بها أحد من قبل .
ماذا يعني هذا ؟، يعني أن التخصّص الضيّق أصبح خطرا على حياة الفرد . و يعني أن العصر يطلب من الفرد أن يكون قادرا على ملاحقة التطوّر في عمله، مستعدّا لتغيير تخصّصه و عمله، وفقا لما يتاح في مجال العمل .

بين التزامن و الزمن المرن

بعد انتشار المصانع، و مع التكلفة العالية للآلات، و اعتمادا على العمّال، اقتضى الأمر أنظمة
أشدّ دقّة في ضبط الوقت، و حساب التزامن بين العمليات المختلفة، لأنّه إذا تخلّف عامل أو مجموعة عمّال عن إنجاز عمل معيّن في وقت محدّد، ترتّب على ذلك تعطيل عمل مجموعة أخرى من العمال . و هكذا، ظهرت ساعة اليد، و ساعة الحائط، في البيت و المصنع و المكتب .
كما قادت ثورة المعلومات إلى تفتيت جماهيرية الإعلام، و الكيانات الهائلة للمؤسّسة الاقتصادية، قادت أيضا إلى تفتيت جماهيرية الزمن، أو التزامن . الاتجاه في مجتمع المعلومات، هو إلى أن تصبح ساعات عمل الإنسان مسألة تخضع لاختياره الحرّ . و قد ظهرت تطبيقات الزمن المرن في كلّ مكان . أصبح العمّال يختارون ساعات عملهم، صباحا أم مساء أم ليلا . و قد أثبتت التجربة العملية أنّ تنوّع مواعيد العمل يقود إلى المزيد من الإنتاج، و إلى انخفاض نسبة التغيّب عن العمل، بالإضافة إلى مكاسب أخرى .

من التركيز إلى التنوّع المكاني

ظهور السوق كوسيط بين المنتج و المستهلك، دفع إلى مبدأ التركيز .. تركيز السكن في المدن الكبيرة، حول مراكز النشاطين الصناعي و التجاري، و تركيز التلاميذ في المدارس .. بالضبط كما يجري تركيز العمّال في المصانع، و أيضا تركيز رؤوس الأموال في شركات و احتكارات كبرى .
لقد أضعفت ثورة المعلومات الحاجة إلى مبدأ التركيز المكاني . لقد تغيّرت طبيعة العمل، و أصبح بإمكان نسبة عالية من العاملين العقليين أن يقوموا بعملهم في بيوتهم، التي قد تبعد مئات الكيلومترات عن مركز عملهم، بفضل الكمبيوتر و وسائل الاتصال المتطوّرة .
كما أن التغيرات التي طرأت على العمليات الإنتاجية، و الصعود الاقتصادي لقطاع الإنتاج من أجل الاستهلاك الشخصي، و للاقتصاد التعاوني، سينهي الحاجة إلى التركيز في المؤسّسات الإنتاجية، و نشوء تنوّع من الأشكال و المراكز الإنتاجية .

من عشق الضخامة، إلى الصغير الأجمل

عشق الضخامة كان سمة من سمات عصر الصناعة . لقد قاد انفصال الإنتاج عن الاستهلاك إلى مجتمعات تعشق الضخامة، و تسعى إلى كلّ ما هو كبير . لقد شاع لدى المنتجين أن ضخامة المشروع الإنتاجي، تعني التكلفة الأقل، و القدرة الأعلى للتنافس، و من ثمّ المزيد من الأرباح . لقد أصبح " الكبير "، مرادفا للكفاءة الأكبر .
و هكذا، سعت الحكومات و المؤسّسات الكبرى و التنظيمات بمختلف أنواعها إلى اعتناق فكرة الضخامة بحماس . حدث هذا في كل الدول الصناعية، في الشرق و الغرب . و لكن، مع بدايـات
ثورة المعلومات، فقدت تلك الديناصورات الضخمة فائدتها .
مع التغيّرات المتسارعة التي أحدثتها ثورة المعلومات، اكتشفت الشركات الكبرى انخفاضا مستمرا في معدّلات نموها . لم تعد السياسات الناجحة السابقة مجدية في التعامل مع الواقع المتغيّر، في الوقت الذي ازدهرت فيه الشركات الصغيرة، القادرة على الحركة السريعة للتكيّف مع التغييرات . و هكذا، ظهرت أسس جديدة لإعادة بناء الشركة الكبيرة، تتحوّل بها إلى مجموعة من الكيانات الصغيرة، سهلة الحركة، شبه المستقلّة، التي ترتبط مباشرة بقيادة الشركة الكبيرة .

من المركزية، إلى التنظيم الشبكي

مع نمطية القواعد، شاعت المركزية في عصر الصناعة، باعتبار أنها السبيل الأمثل للإدارة المحكمة، في الشركات و المؤسسات، و الحكومات أيضا . فنتيجة لضخامة المؤسّسات، نشأت التنظيمات القائمة على مركزية المعلومات و القرارات . و رغم ما يقال عن فصل السلطات التنفيذية و القضائية و التشريعية، فقد احتكرت السلطة التنفيذية سلطة اتخاذ القرار المركزي، حدث هذا في النظم الاشتراكية، و الرأسمالية أيضا .
و عندما وضعت ثورة المعلومات حدّا لنمطية البشر، فاختلف الناس، و تباينت أفكارهم، و مطالبهم من الحياة، بدأت المركزية تفقد أنصارها، في النظم السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية، و بدأ ظهور أشكال لامركزية جديدة، تعمل على نمط " الشبكة " و ليس " الهرم " .
بدأت تظهر أفكار جديدة للتنظيمات الشبكة، في مجال السياسة و الاقتصاد . وبدأ التفكير في ممارسات سياسية جديدة، تقوم على المشاركة، و ليس التوكيل، و تستدعي هبوط نسبة كبيرة من مسئولية اتخاذ القرار إلى القواعد و المحلّيات . و كما قلنا من قبل، بدأت الشركات الكبرى تتحوّل عن المركزية، إلى تنظيمات لامركزية، تتكوّن من أجزاء مترابطة، ذات ترتيب وقتي خاص فيما بينها، تعمل في إطار اســتراتيجية عامة، و لا تحتاج إلى مراجعة الإدارة المركزية .
بعد أن تفهّمت أثر ثورة المعلومات على مبادئ المجتمع الصناعي، بدأت التفكير في التغيرات المترتبة على ذلك، و آثارها علينا في المستقبل .

و في الرسالة التالية، نمضي في حوار مع الصديق الذكي

الأربعاء، يناير ٢١، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل


التكنولوجيا الابتكارية

كيف تغيّر حياتنا ؟ ..

يشرح يونيجي ماسودا في كتابه الهام، كيف تغير التكنولوجيا الجديدة حياتنا و قيمنا، فيقول ..
بشكل عام، تغيّر التكنولوجيا الابتكارية النظم الاجتماعية و الاقتصادية، من خلال المراحل الثلاث التالية :
المرحلة الأولى، و فيها تقوم التكنولوجيا بالعمل الذي كان الإنسان يقوم به في السابق .
المرحلة الثانية، و فيها تجعل التكنولوجيا من الممكن القيام بعمل، لم يكن بإمكان الإنسان أن يقوم به من قبل .
المرحلة الثالثة، تتحوّل فيها البنية الاجتماعية و الاقتصادية القائمة إلى نظم اجتماعية و اقتصـادية جديدة .

يساعد على فهمنا لمراحل ماسودا الثلاث، أن نطبّقها على التحوّل من المجتمع الزراعي إلى المجتمع الصناعي :
1 ـ قامت تكنولوجيا الصناعة بنفس العمل الذي كان الإنسان، و الحيوان، يقوم به في عصر الزراعة .
2 ـ تم تطوير تكنولوجيا الصناعة لتوفير إمكانات في العمل، لم يكن بإمكان الإنسان أن يقوم بها، و لن يكون بإمكانه ذلك .
3 ـ نتيجة للمرحلتين السابقتين، حدث تحوّل في الهياكل الاجتماعية و الاقتصادية للمجتمع الزراعي، فظهرت النظم الجديدة للمجتمع الصناعي .

كانت الأسرة في المجتمع الزراعي وحدة اقتصادية متكاملة : تنتج، و تستهلك إنتاجها، و تتكفّل بالخدمات المطلوبة، و نتيجة لزحف الصناعة، و ظهور الإنتاج على نطاق واسع، انفصل الإنتاج عن الاستهلاك، و ظهرت السوق بمعناها الصناعي، لإجراء التكامل بين الإنتاج و الاستهلاك . و انتزعت من الأسرة العديد من المهام، فأوكل التعليم للمدارس، و العلاج للمستشفيات، و الأيتام إلى الملاجئ . و حدث نفس الشيء في تقسيم العمل، و أدوات اتخاذ القرار .

من الصناعة إلى المعلومات

هذا تطبيق عاجل على مرحلة التحوّل السابقة، فما هو تطبيق ماسودا على التحوّل الحالي ؟ .

يحدد ماسودا المراحل الثلاث للتحول من المجتمع الصناعي إلى مجتمع المعلومات كالتالي :
أوّلا : الوصول إلى التسيير الذاتي ( الأوتوماتية )، كآخر تطوّر للمجتمع الصناعي، حيث تقوم تكنولوجيا المعلومات ( الكمبيوتر و الاتصالات المعتمدة على الكمبيوتر ) بالعمل العقلي نيابة عن الإنسان
ثانيا : الوصول إلى خلق المعارف اعتمادا على التكنولوجيا المتطوّرة، أيّ تطوير عمل الكمبيوتر، بحيث يتجاوز العمل كحاسب إلكتروني، و بحيث يصبح في إمكانه أن يتيح للمعلومات و المعارف الداخلة إليه أن تتفاعـل، و تلـد معارف جديدة، لم يكن الإنسان الذي يعمل على ذلك الكمبيوتر يعرفها . و بمعنى أوسع، أن يصبح بإمكان التكنولوجيا الجديدة أن تضخّم العمل العقلي، بطريقة لم يكن، و لن يكون، بإمكان العقل البشري أن يصل إليها .
ثالثا : نتيجة للمرحلتين السابقتين، تتيح التكنولوجيا المتطوّرة ابتكار النظم الجديدة، و ليس فقط المعارف الجديدة . و هذا، يفرض مجموعة من التحوّلات السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية .

الأوتوماتية، أو التسيير الذاتي

و يشرح ماسودا بالتفصيل ما طرحه من المراحل التي تقود إلى تأسيس مجتمع المعلومات .

بالنسبة للمرحلة الأولى، أعني بذلك الأوتوماتية أو التسيير الذاتي، يقول أنّ الأوتوماتية قد جرىتعريفها فيما سبق، بأنّها تولّي الكمبيوتر، و الآلات العاملة بالكمبيوتر ( الروبوت )، مختلف نواحي النشاط العقلية للإنسان في عملية الإنتاج، مثل التعرّف و الفهم و إجراء الحسابات و الذاكرة و الحكم على الأشياء، و التحكّم فيها . إلاّ أن التوسّع في تكنولوجيا ( الكمبيوتر ـ الاتّصالات )، يغيّر هذا المضمون التقليدي . من ذلك :
· ستحمل تكنولوجيا ( كمبيوتر ـ اتّصالات ) معها الإدارة الذاتية للإنتاج . فالإنتاج الصناعي، هو ببساطة، تطبيق القوانين العلمية لتحويل المواد الخام إلى سلع نافعة . و كانت وظيفة الكمبيوتر، هي أن يقوم بالتغذية المرتدّة ( فيد باك ) بشكل سريع في عملية الإنتاج، مستجيبا للتغيّرات التي تطرأ على العملية الإنتاجية . غير أن ما سيتحقّق في المستقبل القريب، هو الإدارة الذاتية الكاملة للمشروعات الصناعية، فلا تحتاج المصانع إلى عمل يدوي بالمرّة
· و ستأتي هذه التكنولوجيا معها بالتسيير الذاتي للخدمات و العمليات ذات التوجّه المعرفي . كلّما صادفنا نشاطا بشريا، له طبيعة معرفية، و يخضع لنظام منطقي، أمكننا برمجة الكمبيوتر ليؤدّي نفس العمل .. مثل الأعمال المكتبية، أو التي تتصل بإصدار الفواتير، و إعداد الحسابات .
· ثم نأتي أخيرا إلى التسيير الذاتي للنظم، و هو نوع التسيير الذاتي الذي يخلق نظما موحّدة، يمكن أن تربط بين العديد من الوظائف الفرعية ذاتية التسيير، في أماكن مختلفة، منفردة بتغذيتها المرتدّة الذاتية لكل منها . مثال ذلك، نظم التحكّم المتكاملة في المرور، و مسار قطارات السكك الحديدية .. و حتّى نظم الهبوط على القمر .

ابتكار النظــم

نأتي بعد ذلك إلى المرحلة الثالثة، و هي ابتكار الأنظمة . ممّا يعني ظهور نظم ( اقتصادية ـ اجتماعية ) جديدة، تحل محلّ القائمة . و يعطي ماسودا مثلا بما قامت به الآلة البخارية من تعجيل و تصعيد للثورة الصناعية، جالبة التغييرات التي استحدثت نظما اقتصادية و سياسية جديدة . على هذا، يمكننا القول بأن عصر المعلومات الذي يتحقّق عن طريق تكنولوجيا المعلومات ( كمبيوتر ـ اتصالات )، سيجيء بتغيّرات اجتماعية، أكبر بكثير من التي جاءت بها الثورة الصناعية . و يقول أن علماء المستقبل منهمكون حاليا في تصوّر هذه التغيّرات في النظم في ظلّ مجتمع المعلومات، فنظام القيمة المادّية الذي شاع في عصر الصناعة، سيتحوّل إلى نظام جديـد يطلق عليه اسم " القيمة الزمنـية "، أو " قيمة الوقت "، كما يرون أن النظام الاقتصادي القائم على التنافس الحرّ، يتحوّل نظام جديد يقوم على التعاون . كما يتوقّعون تحولات شاملة في نظام الممارسة الديموقراطية، و في التعليم، و في الإدارة .. إلى آخر ذلك، و من ثمّ تحوّلات شاملة في القيم السائدة .

تزاوج رؤى الشرق و الغرب

هذا التزاوج بين رؤى الشرق، متمثّلة في كتابات يونيجي ماسودا، و رؤى الغرب، متمثلة في كتابات آلفين توفلر، أتاح لي أن أتوصّل إلى رؤية مستقبلية شاملة للتغيّرات الجذرية المتسارعة التي يمرّ بها العالم، و التي تقود إلى شيوع مجتمع المعلومات .
هذا الوضوح حول الرؤية المستقبلية الشاملة، كان سبيلي إلى رسم خريطة، تتضمّن مسببات التغيير التي قادت إلى انهيار النظام الصناعي و قيام مجتمع المعلومات، و تتضمّن أيضا أهم التغيّرات التي ستطرأ على حياة البشر في عصر الصناعة، و التي تتبادل التأثير فيما بينها لتسارع من إحداث عملية التحوّل إلى مجتمع المعلومات .
لقد حصرت المسبّبات الرئيسية للتغيير، في ثلاثة عناصر :
· الدائرة النشطة لثورة المعلومات .
· التناقص المتواصل في وقود الحفريات، و المواد الخام .
· التزايد المتواصل في تلويث البيئة .

ثورة المعلومات، و الدائرة النشطة

تنتظم عناصر هذه الدائرة على محيطها، و تؤثّر في دفع بعضها البعض على التوالي، على صورة تفاعل متسلسل . عناصر هذه الدائرة هي : تسارع المعلومات و تدفّقها، و تطوّر التكنولوجيا التي تتعامل مع المعلومات، و ما يقود إليه سيل المعلومات المتزايد من تمايز و تفرّد بين البشر الذين يتأثّرون بذلك السيل .
و مسألة تنوّع البشر و تمايزهم، و خروجهم من أسر النمطية التي فرضها عليهم عصر الصناعة، من المسائل الجوهرية التي ساعدت بشدّة على انهيار الكثير من مبادئ و نظم عصر الصناعة . و كل عنصر من عناصر الدائرة النشطة يحثّ العنصر الآخر، فتنوّع البشر يراكم المعلومات، و تراكم المعلومات يقود إلى تمايز البشر.. و هكذا، يقود هذا التاعل المتسلسل إلى ما نعرفه اليوم باسم " ثورة المعلومات " .

استنزاف الطبيعة

بالإضافة إلى الدائرة النشطة، توجد عدة عوامل أخرى تدفع إلى انهيار مجتمع الصناعة، و من أهمّها استنزاف مخزون الأرض من وقود و خامات، و الوصول بتلويث البيئة إلى نقطة اللاعودة .
لقد آمن عصر الصناعة بأن الطبيعة موجودة في انتظار من يستغلّها، بصرف النظر عن العواقب . و لم يتصاعد الوعي باستنزاف المخزون و تلويث البيئة، إلاّ بعد تدفّق المعلومات و المعارف، و إدراك الجميع إن الأمور لا يمكن أن تمضي بنفس الطريقة .

كانت عناصر التأثير الثلاثة، مع تطوّر تكنولوجيا المعلومات الابتكارية، من أهمّ أسباب تحوّل ثورة المعلومات، إلى مجتمع معلومات . و إلى الرسالة التالية لنستعرض " حياتنا في مجتمع المعلومات "

الأربعاء، ديسمبر ١٧، ٢٠٠٨

حكايتي مع المستقبل


لقاء ساليزبورج..

ماسودا .. و التجربة اليابانية

كنت مقتنعا بالأثر المحوري لتدفّق المعلومات و المعارف في تحوّلنا إلى مجتمع المعلومات . و مع ذلك، لم أكن أفهم كيف يمكن أن تنقلنا تكنولوجيا معيّنة من مجتمع إلى آخر يختلف تماما في طبيعته . و تشاء الصدفـة أن أعثر على إجابة لهذا التساؤل في مدينة سالزبورج الجميلة بالنمسا ! .
سافرت إلى هناك في بداية التسعينيات، لكي أشارك في أحد مؤتمرات " جمعية مستقبل العالم " التي أنتمي إليها . و أيضا لتقديم ورقة حول " الدول النامية، و مشاكل العبور إلى المستقبل " . كان الموضوع يشغل بالي، و يحظى بتفكير متواصل عندي : ما الذي تفعله مصر، و غيرها من الدول النامية، التي أخذت بجانب من التنمية الصناعة، و إن كانت لم تستكملها بعد، عندما تتصدّى لدخول مجتمع المعلومات ؟ .
كانت لدي بعض الأفكار، ناقشت فيها ـ من بين من ناقشتهم ـ الراحل دكتور إبراهيم حلمي عبد الرحمن . كان يقول أن علينا أن نستكمل تنميتنا الصناعية، لكي يتأسس مجتمع الصناعة على أرضنا، قبل أن نفكّر في الدخول إلى مجتمع المعلومات، كما حدث الأمر بالنسبة لمعظم الدول الصناعية . و كنت أقول له، أننا سنمضي سنوات في استكمال تنميتنا الصناعية، نكون قد تخلّفنا فيها كثيرا عن الدول التي تدخل حاليا إلى مجتمع المعلومات . فضحك، رحمه الله قائلا " تريد أن ندخل في (تخريمة ) حضارية ؟ ! " . قلت " نحن الآن ما زلنا نعيش ـ إلى حدّ بعيد ـ وفق قيم المجتمع الزراعي، و قد بدأنا جهدا متواضعا لإشاعة قيم المجتمع الصناعي، و لا معنى لأن نواصل ترسيخ قيم المجتمع الصناعي التي مضى زمنها، ثم نبدأ في تغييرها للأخذ بقيم مجتمع المعلومات" . و الحق، أنه لم تكن قد استكملت بعد معرفة الطرق العملية لتحقيق تلك ( التخريمـة ) .

المعجزة اليابانية

عندما انتهيت من طرح ورقتي في مؤتمر سالزبورج، و هممت بالانصراف من القاعة، اقترب منّي رجل ياباني مسنّ، يسير بحرص في خطوات بطيئة، و اقترح عليّ أن نجلس معا في بهو الفندق الذي عقد فيه المؤتمر، لأنّه يريد أن يناقشني فيما قلته . رحّبت بذلك، و مضينا معـا بنفـس الخطوات البطيئة إلى البهو، و جلسنا في ركن منعزل .
قدّم نفسه قائلا " إسمي يونيجي ماسـودا، من المفكّرين المسـتقبليين باليابان .. و قد أعجـبتني تساؤلاتك في الورقة التي قدّمتها، و أريد أن أستفهم منك عن بعض الأوضاع في مصر، بالنسبة لمدى تأثير المجتمع الزراعي و المجتمع الصناعي على حياتكم .." .
تكلّمنا طويلا، إلى أن قال لي آخر الأمر " أقترح عليك أن تقرأ أحد كتبي الذي تناولت في أحد فصوله هذه المسألة.."، قلت مبتسما " و اللغة ؟! ". قال إنه بالانجليزية، و ستجده في مكتبة جمعية مستقبل العالم ..تحت إسم ( مجتمع المعلومات، باعتباره مجتمع ما بعد الصناعة ) .." .
عندما حصلت على نسخة من الكتاب، و بدأت القراءة، اكتشفت أنني كنت أجلس إلى أحد صنّاع التحوّل المعلوماتي في اليابان ..
قبل أن أورد شيئا ممّا جاء بالكتاب، في الفصل الذي يتحدّث فيه عن أفكاره في تجاوز الفجوة الصناعية و المعلوماتية آنيا، بالنسبة للدول النامية، أحب أن أتكلّم عن التجربة اليابانية لاقتحام مجتمع المعلومات، و التي شارك فيها ماسودا .
ماذا فعلت الحكومة اليابانية ؟
يبدأ الكتاب بفصل عنوانه " مجتمع المعلومات البازغ في اليابان "، و فيه يحكي جانبا من دوره، هو و مجموعة من المفكّرين اليابانيين، من خلال تنظيمهم، " الجمعية اليابانية لتطوير استخدام الكمبيوتر "، و هي جمعية أهلية لا تستهدف الربح . في عام 1972، تقدّمت تلك الجمعية إلى الحكومة اليابانية بدراسة تحمل اسم " خطّة لمجتمع المعلومات : هدف قومي لعام 2000 " . كانت هذه الخطّة تقدّم السبيل إلى إدخال مجتمع المعلومات إلى اليابان، و هي ترسم صورة لمجتمع معلومات مرغوب فيه، يمكن تحقيقه عند عام 1985 . و قد جرى تعيين ماسودا كمدير مشروع، لتلك الخطّة الطموحة .
كانت الخطّة تتضمّن " خطة مضغوطة على المدى الأوسط "، و كانت تحتاج إلى استثمارات تبلغ 3 ملايين دولار، بين 1972 و 1977 . ثم " الخطّة الأساسية طويلة المدى "، التي تحتاج إلى استثمارات تبلغ 65 بليون دولار، ما بين 1972، و 1985 . و يوضّح كتاب ماسودا توزيع تلك الاستثمارات على الخطط المختلفة، لا مجال هنا لتفصيلها .
المهم أن الحكومة اهتمت بخطّة الجمعية، و راجعتها مع مختلف المصادر الداخلية و الخارجية، ثمّ رصدت الأموال الضرورية للبدء في التنفيذ .. و بهذا بدأ دخول اليابان إلى مجتمع المعلومات .
بعد هذا، أعود إلى التساؤل الذي قادني إلى الحديث عن المفكر الياباني الذي رحل عن عالمنا يونيجي ماسودا : كيف تغيّر بعض التكنولوجيات نسق حياتنا و مجموعة قيمنا ؟ . لقد وجدت إجابة عليه في كتاب ماسودا، تحت عنوان " التأثير المجتمعي لعصر المعلومات " ..

و إلى الرسالة التالية لنرى ماذا يقول ماسودا .

الأربعاء، ديسمبر ٠٣، ٢٠٠٨

حكايتي مع المستقبل

أسرار شفرة

المجتمع الصناعي المنصرم

كان فهم جوهر المجتمع الصناعي، سبيلي للتعرّف على جوهر مجتمع المعلومات الذي يحل محلّه . لقد توصّل توفلر إلى أسرار الشـفرة الخفية للمجتمع الصناعي، التي قامت عليها الحياة في عصر الصناعة، و من ثمّ أمكن أن نفهم الإطار العام الذي قامت عليه أوجه النشاط البشري طوال سيادة ذلك المجتمع . و في هذا يقول " عندما اجتاحت الصناعة كوكبنا، أصبح تصميمها الفريد الخفي ظاهرا لنا . و هو يتكوّن من ستّة مبادئ، متبادلة التأثير، التي برمجت سلوك الملايين . هذه المبادئ التي نمت بشكل طبيعي من الانفصال بين الإنتاج و الاستهلاك، أثّرت على كل وجه من أوجه الحياة، من الجنس إلى الرياضة إلى العمل إلى الحرب .." .
هذه المبادئ الستة هي :
النمطية أو التوحيد القياسي. الإنتاج الصناعي على نطاق واسع، اقتضى الأخذ القوي بالتوحيد القياسي، لتصنيع المنتجات التي على نفس النمط، و بأقلّ تكلفة . و نتيجة لنجاح هذا التوجّه في التصنيع، عمد المجتمع الصناعي إلى تعميمه على كل شيء : نظم العمل، المدارس، المستشفيات، القطارات، محطات البنزين، الملابس . و لعبت وسائل الإعلام الجماهيري دورا هاما في تكريس النمطية، و صورة التوحيد القياسي، عندما يرى البشر نفس الصور و يطالعون نفس الكلام . بل لقد مضى المجتمع الصناعي فى هذا، إلى حد محاولة التوحيد القياسي للإنسان، رغم تنافي هذا مع الطبيعة البشرية .
التخصّص الممعن . مع تزايد تقسيم مراحل العمل، استبدل المجتمع الصناعي العامل الزراعي القادر على القيام بعدد من الأعمال، بالعامل الصناعي صاحب الاختصاص الضيّق، الذي يؤدّي عملية واحدة محدودة، و يظل يكررها طوال حياته، دون ما حاجة إلى إعمال العقل .
التزامن، أو ضبط توقيت الأشياء . الانفصال بين الإنتاج و الاستهلاك، قاد إلى فرض التغيير على الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الزمن . فالنظام الاجتماعي المعتمد على السوق، يصبح فيه الزمن معادلا للمال . و الآلات الغالية لا يمكن أن تترك خامدة، و يجب أن تعمل وفقا لإيقاعها الخاص.. و هكذا تبلور مبدأ التزامن . أصبح من الضروري حساب التزامن بين العمليات المختلفة، و ظهرت أهمّية الضبط الدقيق للوقت باستخدام الساعة، استجابة لصفارة المصنع، أو لجرس المدرسة .
التركيـــز . مع الإنتاج على نطاق واسع، و الاستهلاك على نطاق واسع، كانت هناك ضرورة لظهور السوق كوسيط، و قاد هذا بدوره إلى الأخذ بمبدأ التركيز . تركيز السكن في مدن كبيرة حول مراكز النشاطين الصناعي و التجاري . و تركيز التلاميذ في المدارس، و المرضى في المستشفيات، و العجزة في الملاجئ، و المجرمين في السجون . . و أيضا تركـيز رؤوس الأموال في شركات كبرى، و احتكارات عظيمة، باعتبار أن تركيز الإنتاج يضاعف من كفاءته .
عشق الضخامة . كما خلق الانفصال بين الإنتاج و الاستهلاك حالة من عشق الضخامة، و السعي إلى النهايات القصوى . و ساد زعم بأن الضخامة مكافئة للكفاءة . فارتفعت ناطحات السحاب، و أقيمت أضخم السدود، و شيّدت أوسع الملاعب .. و اندمجت الشركات الصغيرة في شركات كبيرة، حتّى تتاح لها قدرة أكبر على المنافسة الداخلية و الخارجية .
المركـــزية . لقد سعت جميع الدول الصناعية إلى تطوير المركزية . فمن أجل مواجهة التوحيد القياسي للعمليات الإنتاجية و الأجور و برامج العمل، و تزامن العمليات التي تجري على بعد مئات الكيلومترات، و مع خلق التخصصات اللازمة للعمليات و الأقسام الجديدة، و مع تركيز رأس المال و الطاقة و البشر من العاملين، و مع السعي للوصول بحجم شبكة العمل إلى الحدّ الأقصى من الضخامة .. من أجل هذا كلّه كان من الضروري خلق أشكال جديدة من التنظيم، مبنيّة على مركزية المعلومات و القرارات .
و في هذا يقول آلفين توفلر أن عملية التصنيع في الولايات المتحدة الأمريكية، دفعت النظام السياسي نحو المزيد من المركزية، فوضعت واشنطن في يديها عددا متزايدا من مفاتيح القوّة و المسئوليات، و احتكرت يوما بعد يوم سـلطة اتخاذ القرار المركـزي، فانتقلت السـلطة فعلا من الكونجرس و القضاء إلى أكثر السلطات الثلاث مركزية : الأجهزة التنفيذية

هذه المبادئ تفقد صلاحيتها

كلّما تأمّلت أوضاع البشر في عصر الصناعة، وجدت هذه المبادئ الستّة وراء كل نشاط من النشاطات البشرية . و ساعدني هذا على تكوين رؤية شاملة للمجتمع الصناعي . و عندما بدأت هذه المبادئ تهتزّ و تتهاوى، في أواخر القرن الماضي، أدركت معنى التغيرات التي نمر بها . لم تعد مجرّد تغيير هنا و تغيير هناك، بل اكتسبت الإطار العام الضروري، الذي يربط بينها .
من واقع دراستي لمرحلة التحوّل من المجتمع الزراعي إلى المجتمع الصناعي، و من خلال تعرّفي على المبادئ الأساسية التي قام عليها لمجتمع الصناعي، بدأت أفهم طبيعة مرحلة التحوّل التي يمر بها البشر حاليا . كما استطعت أن أميّز بين الظواهر الناتجة عن مقاومة أصحاب المصلحة في بقاء نظم المجتمع الصناعي، و محاولة استنزاف آخر مكاسبه، و إطالة عمره، و بين الظواهر الصحّية الناتجة عن مقدم المجتمع الجديد، مجتمع المعلومات .
و بقي سـؤال مهم، كيف فقدت تلك المبادئ الراسخة صلاحيتها ؟، كيف انهار النظام الصناعي
الذي دام في أوج قوّته لما يزيد عن قرنين ؟ . كان من المهم أن نجد إجابة على هذا السؤال، قبل أن نبدأ التفكير في طبيعة النظام الجديد الذي يحلّ محل النظام الصناعي، و قبل أن نسعى إلى التعرّف على المبادئ الجديدة، التي ستحل محل المبادئ الستّة للمجتمع الصناعي .
البشـر .. و المعلومات
رغم اقتناعي بأن التحوّلات الكبرى في حياة البشر، لا يمكن إرجاعها إلى عامل واحد أو عاملين، بل إلى العديد من العوامل المرصودة و غير المرصودة، التي تتبادل التأثير فيما بينها، غير أنني اكتشفت أن العلاقة بين البشر و المعلومات هي حجر الزاوية في تحولنا من المجتمع الصناعي إلى المجتمع الجديد .
و كان من الواضح أن التكنولوجيات المتطوّرة في مجالي الاتصال و الكمبيوتر، هي التي قادت إلى تغيير علاقة الإنسان بالمعلومات، و خلقت ما نطلق عليه " ثورة المعلومات " .
· لقد أتاحت تكنولوجيا المعلومات و الاتصال المتطوّرة حصول البشر على قدر من المعلومات، لم يكن يتيسّر لهم من قبل .
· و مع استقبال الإنسان لهذا التدفّق من المعلومات، يختار منها ما يتّفق مع أهدافه و استعداده، و من ثمّ يتباين الأفراد في أفكارهم و مواقفهم، و هذا يقود إلى تباين أساليب حياتهم .
· هذا التباين بين الأفراد، يخلق بطبيعته المزيد من المعلومات و المعارف .
· و مع المزيد من التطوّر التكنولوجي في مجال المعلومات ( كمبيوتر ـ اتصالات )، يتم استيعاب المعلومات المتدفّقة، و تتولّد عنها معلومات و معارف جديدة .
· و هذا يقود بدوره إلى المزيد من تباين البشر، و من ثمّ المزيد من المعلومات ..

ثم كان لقاء ساليزبورج مع المفكر المستقبلي الياباني ماسودا .

السبت، أكتوبر ٢٥، ٢٠٠٨

حكايتي مع المستقبل


توفلر.. و صدمة المستقبل

كنت في حاجة إلى فهم آليات التغيّر، التي تنقل البشر من طريقة حياة، إلى طريقة أخرى تختلف في كلّ شيء عن سابقتها . و فهم لمسببات التغيّرات الكبرى، التي تنقل البشر من نمط مجتمعي إلى نمط آخر . كانت لديّ بعض الأفكار المتناثرة، لكنّها كانت تفتقر إلى الإطار العام الذي يجمعها، و يتيح للرؤية المستقبلية أن تكون واضحة، تسمح بأن نستنبط منها مستقبل أي ظاهرة، أو نشاط بشري .. و لم يحدث ذلك قبل أن ألتقي بصاحب " الموجة الثالثة "، المفكّر المستقبلي الملهم آلفن توفلر .
و الحق، أنني قرأت توفلر قبل ذلك بسنوات عديدة، في كتابه الشهير " صدمة المستقبل " . و رغم إعجابي بالموضوع و الكتاب و الكاتب، إلاّ أنني لم أكن قد بدأت اهتمامي المنظّم بالمستقبل، و هكذا واصلت قراءاتي في موضوعات اهتمامي السابقة . و فيما بعد، أدركت أن ذلك الكتاب بقي كامنا في لاشعوري، مستقرّا في ذاكرتي، يفعل فعله دون أن أشعر .

الموجـة الثالثـة

في بداية الثمانينيات، من القرن الماضي، قرأت كتاب " الموجـة الثالثـة "، للمفكّر المستقبلي الكبير آلفن توفلر، ففتح أمامي باب فهم المسيرة الحقيقية للتاريخ البشري واسعا .عندما كنت أطرح رؤيتي لمجتمع الغد في الاجتماعات و اللقاءات، كنت أجد من يقول لي مستنكرا " من أين جئت بتشخيصك لمجتمع الغد، أو مجتمع المعلومات كما تسمّيه ؟، أذكر لنا دولة واحدة أو مجتمعا واحدا تنطبق عليه مواصفات المجتمع الذي تتحدّث عنه .." . كان من الصعب أن أقدّم إجابة عن ذلك التساؤل، و نحن في وسط دوامة التحوّل، من مجتمع الصناعة إلى مجتمع المعلومات . من كتاب " الموجة الثالثة "، وضعت يدي على المنهج السليم، الذي يدعم تصوّراتي لمجتمع المعلومات، و القوانين التي تحكمه . و بفضل ذلك الكتاب، بدأت دراسـة أقرب مراحل التطورات الكبرى، في حياة البشر : التحوّل من حياة الزراعة إلى حياة الصناعة .
تعبير "الموجة "، الذي اختاره توفلر، يعفيه من تعبير " حضارة "، أو " عصر "، سعيا إلى الوضوح الذي قد تؤثّر عليه الارتباطات التاريخية و الإقليمية و القاموسية للتعبيرات الأخرى . في كتابه هذا، يتحدّث عن موجات تحوّل كبرى يمر بها البشر على سطح الأرض، تحدث تغييرات جذرية في كل شيء، في المجالات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية، و تقوم على ابتكار تكنولوجيات كبرى عميقة التأثير . الموجة الأولي صنعت الحياة الزراعية، و الموجة الثانية صنعت الحياة الصناعية، أمّا الموجة الثالثة فهي التي تصنع حياة المعارف و المعلومات .

ثوابت المجتمعات البشرية

بدأت أركّز على دراسة المجتمع الزراعي، و نمط الحياة الذي يتأسّس في أيّ مجتمع زراعي مستقرّ على سطح الأرض، في أي مكان من العالم . و رغم خصوصية المجتمعات الزراعية في مختلف بقاع الأرض، فقد استطعت أن أصل إلى الثوابت المشتركة بين هذه المجتمعات، الثوابت التي ترسي أعمق الخصائص في المجتمع .. إيقاع حياة الفرد، و طبيعة عمله و حدود الاقتصاد السائد، و العلاقات التي بين أفراد ذلك المجتمع، و نوع الأسرة و تركيبها الخاص، و حدود مسئولية اتخاذ القرار، و القيم و المبادئ و العقائد التي تحكم حياة الأفراد في المجتمع الزراعي، و التي تكون واحدة، سواء كان ذلك في جنوب آسيا أو وسط أفريقيا، أو في بلدان أوروبا و أمريكا . لقد دامت هذه الثوابت على مدى العمر الطويل للمجتمعات الزراعية، و الذي بلغ ما يقرب من عشرة آلاف سنة .

مرحلة التحوّلات العظمى

ثم انتقلت إلى دراسة أقرب مراحل التحوّل العظمى، مرحلة التحوّل من الزراعة إلى الصناعة . و سعيت إلى فهم التكنولوجيات الأساسية التي فجّرت ذلك التحوّل،و آثارها على حياة البشر في المجتمعات الصناعية، أيّا كان مكانها، في الغرب أم الشرق، في الشمال أم الجنوب . آثارها على الإنتاج و طبيعة العمل، و على الاقتصاد و العلاقة بين الإنتاج و الاستهلاك . و على حياة الأسرة التي تحوّلت من أسرة كبيرة ممتدّة إلى أسرة صغيرة قادرة على الحركة . و على أساليب التعليم التي شـاعت في عصر الزراعة، و التي تحوّلت إلى نظـام تعليمي محدّد الأهـداف، يخدم إنتاج و اقتصاد الحياة الصناعية
كما حرصت على الرصد الدقيق للتحوّلات التي طرأت على نسق حياة الفرد، و على المبادئ و الأسس و العقائد التي كانت شائعة في عصر الزراعة . ثم رصد المبادئ و الأسس و العقائد الجديدة التي فرضها المجتمع الصناعي لخدمة مصالحه .

منطق التغيّرات

دراسة مرحلة التحوّل العظمى هذه، كانت السبيل لفهم مرحلة التحوّل الحالية، من الصناعة إلى المعلومات، و كانت السبيل إلى وضوح الرؤية المستقبلية، التي تسمح باستشراف المستقبل، و التعرّف على دقائق مجتمع المعلومات، و هو ما زال في طور التشكّل .
هذه الرؤية المستقبلية، أتاحت لي أن أنتقل من مجرّد رصد التغيّرات الحالية، و طرح التصورات الانتقائية، إلى فهم المنطق الذي تخضع له التغيرات في كل مجال، وفقا لمبادئ و سس و عقائد مجتمع المعلومات .
استطعت أن أفهم : لماذا كانت الأشياء على صورتها التي عرفناها طوال سنوات سيادة عصر الصناعة . و تعرّفت على الشفرة الخاصّة لعصر الصناعة، و على مكوّناتها، التي فرضت شكلا خاص للعمل و العمالة، و البناء الاقتصادي، و التعليم الذي جرى تصميمه لصالح الاقتصاد الصناعي، و الإدارة التي نجحت في ضبط العمل لحساب المؤسّسات الكبرى . عرفت السرّ في شيوع ما أطلقنا عليه الإعلام الجماهيري، في الصحافة و الإذاعة و التلفزيون، و طبيعة الثقافة الجماهيرية التي تواكبه . عرفت لماذا كان الاستعمار و الحروب الاستعمارية، توجها ضروريا للدول الصناعية الكبرى .. عرفت الكثير الذي ساعدني على فهم طبيعة الحياة القادمة .

و إلى الرسالة التالية، لنسترض معا أسرار شفرة المجتمع الصناعي المنصرم .

الخميس، أكتوبر ٠٢، ٢٠٠٨

حكايتي مع المستقبل

مؤشّـرات التغييـر

التي تعيد بناء حياتنا

أفادني – بداية - قراءة كتاب " المؤشرات العظمى "، للكاتب المستقبلي مارفن سيترون . أعجبني المنهج الذي يلتزم به، و تصورت وقتها أنّه المنهج العلمي السليم للنظر في التغيرات التي تمر على حياة البشر .
ظهر الكتاب عام 1982، و قد تضمّنت طبعة عام 1984، التي قرأتها، مقدمة تشرح المنهج الذي التزم به ناسبيت في رصد المؤشّرات الكبرى التي يمر بها المجتمع، و بالتحديد المجتمع الأمـريكي . و هو يقول أن الطريقة التي يمكن أن نعتمـد عليها أكثر من غيرها، في استشـراف المستقبل، تكون بفهم الحاضر .
تحليل المضمـون
يقول ناسبيت في مقدمته " ما تعلّمناه عن مجتمعنا، كان من خلال المنهـج الذي يطلـق عليه ( تحليل المضمون )، الذي يضرب بجذوره إلى الحرب العالمية الثانية . فخلال تلك الحرب، سعى خبراء المخابرات للحصول على نوع المعلومات، عن دول الأعداء، التي عادة ما توفّرها استطلاعات الرأي العام .. " . لقد توصّل خبراء المخابرات إلى اكتشاف التوتّر في الشعب الألماني، و في صناعته، و في اقتصاده، من واقع دراسة المضمون للصحف و المجلات الألمانية .
و يشير ناسبيت إلى أن المنهج الذي يلتزم به، مع باقي العاملين معه، يخلو من التقارير المغرضة، لأنّهم يهتمون فقط بالأحداث أو بالسلوك ذاته . و مجموعة ناسبيت تجمع المعلومات حول ما يجري محلّيا عبر البلاد، ثم يبدأ البحث عن النسق الذي يجمعها .
و هو يقول " بعد 12 سنة من الرصد الدقيق للأحداث المحلية، بهذه الطريقة، تطوّر لدي بالتدريج ما يبدو لي رؤية واضحة، للاتجاهات التي نلتزم بها في إعادة بناء الولايات المتحدة الأمريكية .."، إلى أن يقول " وأنا أخاطر بعد رضا الخبراء، و المحللين، الذين يمكنهم القول بأن القيام بهذه القفزة، لوصف العالم بمصطلحات عشرة متغيّرات، يعتبر تبسيطا مخلاّ . و قد يكونون على حق في تفكيرهم، و مع ذلك أعتقد أن الأمر يستحقّ هذه المخاطرة .. " .

التوجّهات العشرة

لقد أفادني الكتاب فائـدة كبـرى، و جعلني أكثر قـدرة على اقتحـام مجالات أبعد من العلوم و التكنولوجيا . أمّا المؤشّرات أو التوجهات العشرة لناسبيت فقد كانت :
• التحوّل من المجتمع الصناعي، إلى مجتمع المعلومات .
• من تكنولوجيا القوّة، إلى التكنولوجيا العالية ذات اللمسة البشرية .
• من الاقتصاد القومي، إلى الاقتصاد العالمي .
• من التخطيط قصير المدى، إلى التخطيط طويل المدى .
• من المركزية، إلى اللامركزية .
• من الاعتماد على المؤسّسات و الدولة، إلى الاعتماد على الذات .
• من ديموقراطية التمثيل النيابي، إلى ديموقراطية المشاركة .
• من نظام تسلسل الرئاسات، إلى التنظيم الشبكي .
• النمو و الرواج من الشمال، إلى الجنوب . ( وهذا مؤشّر خاص بالولايات المتحدة، لكن من الممكن أن نطبقه على مناطق أخرى من العالم ) .
• من منطق : إمّا \ أو، إلى الفرص المتعدّدة .

إيجابيات هذا المنهج

بالنسبة لي، كان الاطّلاع على مؤشّرات ناسبيت فتحا كبيرا . لقد ساعدني ذلك على الربط بين التكنولوجيات الجديدة، و بين الإنتاج و الاقتصاد و الإدارة و التخطيط والممارسة الديموقراطية . كما فهمت منه أن القصة ليست تكنولوجيات مبهرة، و لكنها تحوّل أساسي من نمط الحياة الصناعية التي عرفها البشر لما يزيد عن قرنين، إلى نمط حياة جديدة أطلق عليها اسم " مجتمع المعلومات " .
و الأهم في هذا كلّه، التزامه بأسلوب علمي أمين، في السعي إلى النتائج . لم يعتمد على أفكاره، أو على أفكار الآخرين، أو على ما تصدره الحكومة من إحصاءات و ما تستنبطه من نتائج، بل اعتمد على استمداد الوقائع من القواعد و المحلّيات، معتمدا على عشرات الآلاف من المصادر، من صحف و مجلات و برامج تلفزيونية، بالإضافة إلى المقابلات الموجّهة، ثم إخضاع ذلك ـ مستعينا بالكمبيوتر ـ لعملية تحليل المضمون .
إنها عملية رصد واعية و دقيقة . و هذا هو الذي أكسبها مصداقيتها . فالمؤشّرات التي طرحها ناسبيت منذ أكثر من ثلاثين سنة، ما زالت تحتفظ بقوّتها، و التطورات التي يمر بها البشر عاما بعد عاما تزيد من مصداقيتها .
و مع ذلك، بقيت لدي الكثير من التساؤلات، التي أثارتها هذه المؤشرات و لم تقدّم إجابة شافية لها . لماذا يحدث هذا التحوّل الكبير في حياة البشر؟، و ما هي الآلية التي تجعل ظهور تكنولوجيا كبيرة جديدة، سبيلا لتغيير أحوال البشر و قيمهم ؟، و ما هو التأثير المتبادل بين هذه المؤشّـرات ؟، و ما هي الرؤية الشاملة لمستقبل العالم على ضوء هذه التغيّرات ؟ .

آفاق جديدة مع دانييل بل

كلما سافرت إلى لندن، كنت أحرص على القيام بمسح للمكتبات، بحثا عن الكتب التي تهتم بالمستقبل، و كنت أقتني كل ما أستطيع أن أقتنيه . و كان الجهد شاقا بعض الشيء . فحتّى في مكتبات لندن، لم أكن أجد قسما خاصا بالدراسات و الكتابات المستقبلية . كان عليّ أن أمسـح جميع الأقسام لأجد الكتب التي تتصل بالمستقبل، في أقسام العلوم و الاقتصاد و الاجتماع، إلى آخر ذلك . و عندما أعود إلى القاهرة، و أبدأ في قراءة ما جمعت، لم تكن النتائج دائما مرضية، أو مفيدة لي ـ على الأقل ـ في الوصول إلى إجابات عن تساؤلاتي .
و كانت المفاجأة الأولي، عندما التقيت بالأستاذ دانييل بل، أستاذ الاجتماع في جامعة هارفارد، في كتابه الهام " مقدم مجتمع ما بعد الصناعة ـ مغامرة في التنبؤ الاجتماعي " .
في هذا الكتاب، قرأت عن التحوّل من المجتمع الصناعي إلى مجتمع ما بعد الصناعة، من خلال نظريات التطوّر الاجتماعي . و عن التحوّل من السلع إلى الخدمات و أثره على الاقتصاد . و عن آفاق المعرفة و التكنولوجيا، و البناء الطبقي الجديد لمجتمع ما بعد الصناعة . و عن مدى صلاحية مفاهيمنا و أدوات تفكيرنا . ثم عن من الذي سيحكم المجتمع الجديد، و دور الساسة و التكنوقراطيين في المجتمع الجديد .

وجدت هنا العديد من الإجابات عن تساؤلاتي الرئيسية . لكن بقيت لدي حاجة إلى فهم قانون تغيّر المجتمعات عبر التاريخ، لمقارنة ما حدث من تحوّلات بالتحوّل الحالي .

الاثنين، سبتمبر ١٥، ٢٠٠٨

حكايتي مع المستقبل

( 1 ) بداية الحكايـة ..

بين التفكير المستقبلي، و الخيال العلمي

التفكير المستقبلي ليس نوعا من التنجيم و قراءة الطالع .. إنّه جهد عقلاني منطقي ابتكاري للتعرّف على مسار حركة حياة البشر بين الماضي و الحاضر و المستقبل . و عملية التعرّف هذه لا تكون قطعية أو حاسمة، و هي تتوقّف على المنهج الذي يلتزم به المفكّر . بدون الالتزام بمنهج سليم واضح، يمكن أن نصل إلى توقعات خاطئة .
مثال ذلك ما حدث في "نادي روما "، عندما استند إلى منهج رصد التطور، و مدّ الخطوط على استقامتها، بالاعتماد على الكمبيوتر، للتعرّف على مسـتقبل الأوضاع، ممّا تضمنه تقريـره الشهير " حدود للنمو "، الذي ظهر عام 1972 . و قاد هذا إلى توقّعات غير صحيحة، ممّا اضطر النادي إلى الرجوع عن ذلك المنهج . و مد الخطوط على استقامتها، يعني تصوّر إنّ الآتي بالنسبة لظاهرة ما، سيمضي بنفس معدّل نمو تلك الظاهرة في الماضي . و نحن بهذا نتناسى علاقة تلك الظاهرة بغيرها من الظواهر المتغيّرة، كما نتناسى عنصر الصدفة في الحياة .

من أين جاء الخلط ؟

في بدايات اهتمامي بالتفكير المستقبلي، و الكتابة عن المستقبل، وخلال لقاءاتي مع الجمهور، كان يتكرر سؤال من بعض الحاضرين، يسبّب لي انزعاجا : " أليس الحديث عن المستقبل، نوعا من الخيال العلمي ؟ " . و كنت عادة ما أصرّ على توضيح الفرق، و أقول أن الخيال العلمي ينطلق من حقيقة علمية، ثمّ يضخّم من آثارها، ساعيا إلى تجسيد عنصر المفاجأة و الإثارة التي تكسب ذلك النوع من الكتابة جاذبيته .
كنت أتصور أنّني ـ شخصيا ـ السبب في هذا الخلط . فقبل أن هتم بالتفكر المستقبلي، كنت أتابع إنتاج قصص الخيال العلمي، و أستمتع به، و أجمع أحدث ما يظهر من كتب و قصص و روايات في مجال الخيال العلمي، حتّى تأسّست لدي مكتبة كبيرة في هذا المجال . و لعل مرجع هذا إلى دراستي العلمية، و إلى تقديري للعقلية الابتكارية التي يعتمد عليها كاتب هذا النوع من الأدب .
و لعل الخلط قد جاء نتيجة لنشـري ترجمات و ملخّصات، لأهمّ قصـص الخـيال العلمي في الصحف و المجلاّت، ثم إصداري لثلاث كتب تتضمّن مجموعات من أنجح قصص الخيال العلمي، لأهمّ الكتّاب المعاصرين في هذا المجال، مثل إيزاك آزيموف، و آرثر كلارك، و راي برادبوري، و برترام شاندلر .
نتيجة لنقص هذا النوع من الكتب في مكتباتنا، كنت أنتهز فرصة سفري إلى بيروت، و بعد ذلك إلى لندن، لأقتني أحدث ما ظهر من كتب الخيال العلمي . و كما قلت من قبل، لم أكن حتّى ذلك الوقت قد انشغلت بالتفكير المستقبلي .. حتى حدثت المصادفة، عن طريق الخطأ ! .

آرثــر كلارك، و الكوكب الثالث !

في عام 1974، وجدت في إحدى مكتبات بيروت كتابا جديدا لآرثر كلارك، بعنوان " تقريرعن الكوكب الثالث، و تأمّلات أخرى "، فاشتريته باعتباره كتابا من كتب الخيال العلمي .
و كانت المفاجأة الرائعة، أن أجد في كلمات كلارك مدخلا مبهرا للتفكير المستقبلي . الكتاب لا يخلو من حديث عن كتاباته في مجال الخيال العلمي، و عن جهده في فيلم "أوديسا الفضاء 2001 "، لكنه حرص على طرح ما تحقق من أشياء أوردها في قصصه و مقالاته .
مقاله عن " رجال فوق القمر " الذي نشرته مجلة (هوليداي ) عام 1958، و قبل أن يستطيع الإنسان إطلاق أي جسم إلى الفضاء الخارجي، جاءت الأحداث التي تضمنّها مطابقة لما تحقّق بعد ذلك . بل إن المجموعة الأولى من مقالاته التأمّلية بعنوان " تحديات أمام سفينة الفضاء "، التي نشرت عام 1959، قبل عشر سنوات من وضع نيل آرمسترونج قدمه على القمر، تضمنت من التوقعات العلمية الدقيقة ما أثبتته الأيام بعد ذلك .
التكنولوجيا و المستقبل
لكن أكثر ما بهرني في ذلك الكتاب، هو ما جاء في نصفه الثاني من حديث عن الآلة المفكّرة، و عن عصر آلات الإدارة الذاتية، أي التي تدير نفسها، و أثر ذلك على العمل و العمالة، و على انقضاء مصطلحات ذلك الوقت الاجتماعية و السياسية . و كلام كثير ملفت، كقوله أن الألعاب هي البديل الضروري لدوافع القنص و الصيد عند الإنسان، و أن التعليم هو هدف الوجود في المستقبل، و أن الفن هو التعويض عن تشوّهات الواقع، و أن هدفنا في المستقبل لن يكون أن نستكشف، بل أن نفهم و نستمتع .
و في فصل التكنولوجيا و المستقبل يقول " بديهي أنه من المستحيل إن نتنبّأ بالمسـتقبل، , أنا لم يحدث أن عمدت إلى فعل هذا . الذي حاولت أن أفعله، في كتابات الخيال العلمي و غيرها من الكتابات، هو أن أرسم إطارا لمساحات لا بد أن يقع المستبقل داخلها .." .
و كمرشد للمستقبلات المحتملة، يضع آرثر كلارك ثلاثة قوانينن وجدها مفيدة :
القانون الأوّل لكلارك : عندما يقرر عالم متميّز و مسنّ أن شيئا ما يكون ممكنا، فهو يكون في الأغلب على حق بالتأكيد . و عندما يقول أن شيئا ما مستحيل، فالأرجح أنّه مخطئ .
القانون الثاني لكلارك : الوسيلة الوحيدة لاكتشاف حدود الممكن، هي أن تمضي عبرها إلى ما هو مستحيل .
القانون الثالث لكلارك : أي تكنولوجيا متقدّمة بشكل كاف، لا يمكن التفريق بينها و بين السحر .

الباب الواسع للتفكير المستقبلي

كان كتاب " تقرير عن الكوكب الثالث، و تأمّلات أخرى "، بابا واسعا عبرت منه لأوّل مرّة إلى عالم التفكير المستقبلي . لقد فهمت منه كيف يمكن أن يكون الاتصال و الانتقال بديلان، كلما كان أحدهما أكثر تطوّرا قلّت حاجتنا إلى الآخر . قرأت فيه عن قرن أقمار الاتصال، قبل أن يطلق العالم أول واحد منها، و عن أنواع الأقمار الاصطناعية التي سيطلقها البشر، و أثر ذلك على البيت و المدينة و العالم بأكمله .
سعيت بعد ذلك إلى اقتناء كل ما تقع عليه عيني من الكتب التي تتحدّث عن المستقبل و التفكير المستقبلي . و كان أكثر ما أعجبني كتاب " صدمة المستقبل " للكاتب و المفكّر المستقبلي الكبير آلفين توفلر . لقد رسم لي ذلك الكتاب جانبا من الأبعاد النفسية و الاجتماعية و السياسية للتطور التكنولوجي . و مع ذلك، فقد تهيبت الخوض في آفاق المستقبل، من النواحي الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية، لنقص خبرتي في تلك المجالات . و آثرت أن التزم جانب الحذر في سعيي، مقتصرا على دراسة المستقبل من الجانبين العلمي و التكنولوجي، مما تؤهّلني له دراستي و تخصّصي .
تركّزت قراءاتي على الكتب و المراجع التي تتناول مستقبل العلوم و التكنولوجيا . و من هنا كان أول كتبي عن المستقبل يدور في ذلك الإطار . كتاب " هذا الغد العجيب " .

الذي لم أكـن أعــرفه ..

في أوّل الأمر، ظهرت مادة كتاب " هذا الغد العجيب " كمقالات في مجلة " المصوّر "، و عندما لاحظت مدى اهتمام القارئ بها، قررت أن أعتمد عليها في إعداد مادة الكتاب، الذي ظهرت طبعته الأولى عام 1984 . طرح ذلك الكتاب استشراف لمستقبل أهم المجالات التي تؤثّر على حياة الأفراد و المجتمعات، على المدى القريب و البعيد .. في مجالات الانتقال و الاتصال و الطاقة و الصناعة و التعليم و هندسة الجينات .
في مجال الانتقال و النقل نجد حديثا عن مستقبل الشوارع المتحرّكة و السيارة الكهربائية . كما نكتشف كيف سينتهي عصر العجلة و الميناء و المطار، و كيف تضع ثورة المستقبل في المواصلات و النقل خاتمة لحياة القطار، الذي عرفته البشرية لحوالي قرن و نصف . و ما يراه بعض علماء المستقبل، من أن القطار سيعرف عصره الذهبي، عندما يبدأ الإنسان في استعمار الكواكب الأخرى التي يسعى إلى استغلال ما بها من ثروات معدنية، يفتقر إليها على الأرض .
و في مجال الطيران، كيف سيستهدف التطور القادم تحقيق سرعة أكبر، و المزيد من الاعتماد على طائرات الإقلاع و الهبوط العمودي، التي يطلق عليها الفرتولات، و التي تحل محل طائرات الهيليكوبتر الحالية . و يقول الكتاب أن العالم قد تحرّك على عجلات لمدة ستة آلاف سنة، غير أن حركة التطـور توحي بأن العجـلات قـد آن لها أن تسـقط عن عرشها، مفسـحة المجال لعصر الحوّامات، التي تسير على حشيّة من الهواء، فوق الماء و اليابسة .
و يمضي الكتاب في تسجيل الأحلام العلمية الأبعد لمستقبل الانتقال، فيطرح أفكار الاعتماد على الجاذبية المضادة .

مستقبل الطاقة و المادة و الاتصال

يتناول الكتاب مخاطر الاعتماد على طاقة الحفريات، و طاقة الانشطار النووي . و كيف أن ما توصلنا إليه بالفعل ـ معمليا ـ من إطلاق طاقة الاندماج النووي، سيتيح لنا في المستقبل ما لا حدّ له من الطاقة، اعتمادا على مياه المحيطات ! . هذا بالإضافة إلى ما حققته البحوث العلمية في مجال استنباط مصادر جديدة للطاقة، كالطاقة الشمسية، و الجوفية، وطاقة الرياح و الأمواج .
و هنا أيضا، يمضي الكتاب إلى استكشاف أفاق أبعد من المستقبل، فيتحدّث عن حلم إرسال الطاقة لاسلكيا، بالضبط كما يحدث مع موجات اللاسلكي و التلفزيون . ثم يمضي إلى الحديث عن استغلال الأشعة الكونية، و المجال المغناطيسي كمصدر محتمل للطاقة .
و بالنسبة لمستقبل الوصول إلى المواد الخام المطلوبة، يود الكتاب عمليات التعدين في الأرض و البحر و الجو . ثم يمضي لما هو أبعد مستقبليا، ليطرح فكرة، أو مغامرة، سحب النيازك والكويكبات، و الاستفادة ممّا بها من ثروة معدنية . كما يورد أحلام " التحوّل العنصري " التي تراود العلماء، أي تحويل عنصر يشيع وجوده إلى عنصر آخر تشتد الحاجة إليه، التي يمكن أن تتحقّق مع تطور علم المستقبل، الذي يمكن أن نطلق عليه اسم "الكيمياء النووية " .
في الفصل الخاص بمسـتقبل الاتصـال، يطرح الكتاب عرضا سريعا لوسـائل الاتصال عبر التاريخ، ابتداء من الحركات و الأصوات، إلى اللغة، و حتّى أقمار الاتصال الاصطناعية . ثم يتحدّث عن انفجار المعلومات الذي تولّد عن ارتباط تلك الأقمار بالكمبيوتر، و حيرة الإنسان في متابعة التضاعف الهائل في حجم المعلومات يوما بعد يوم، التي لم يضع حدّ لها سوى ظهور الكمبيوتر فائق السرعة .
العديد من التطورات التي تحدّث عنها الكتاب في بدايات الثمانينيات، قد تحقّقت اليوم، لكنها كانت تبدو كالعجائب في ذلك الحين، مثال ذلك التليفون التلفزيوني، الذي يتيح رؤية من تتحدّث إليه، و الذي يستخدم حاليا في إجراء اللقاء بين أطراف في أنحاء مختلفة من العالم .

التسيير الذاتي .. و العمالة

يقول الكتاب أن الإنتاج الذي نعرفه اليوم، قد تطوّر فوق التربة الخصبة التي وفّرتها له العلوم الهندسية و التكنولوجية التي وصلتنا من الماضي . و من هنا، يكون علي كل من يسعى إلى تحديد شكل الإنتاج في المستقبل أن يكون قادرا على رؤية كل ما هو جديد، و استشراف ما هو في سبيله إلى التخلّق داخل المعامل و مراكز البحث العلمي .
و يرى الكتاب أن الأوتوماتية، أو التسيير الذاتي للمصانع، هو القطب الذي تنجذب إليه جهود التطوير . فجوهر الإنتاج الصناعي الكبير، هو صناعة الأدوات أو الأجهزة الصناعية، التي تمكّن الإنسان من إنتاج السلع .
و يشرح الكتاب، كيف أن المستقبل سيشهد قفزة هائلة في إنتاج الآلات ذات التحكّم العددي، لتصبح الآلة الواحـدة قادرة على القيام بعشرات الأعمال . و هـذا يقود بدوره إلى سـيادة العقـل الإلكتروني، ليقتصر دور الإنسان على تحديد هدف تلك الآلة .

القنبلة الموقوتــة !

في فصل بهذا العنوان، يتحدّث الكتاب عن عالم غريب في ذلك الوقت، هو عالم هندسة الجينات، و عن جهود العلماء في حلّ شفرة الحياة و الوراثة . و يورد تاريخ تطوّر هذا العلم العجيب، منذ عام 1953، منذ أعلن العالمان واتسون و كريك اكتشافهما لسلّم الحياة الحلزوني، إلى أن عرفنا كيف تعيد مادة (د ن آ) إنتاج نفسها، و حللنا شفرتها، و تعرّفنا على وظائف الجينات المختلفة، و تمكّنا من عزل جينات بشرية نقية، و رسمنا خريطة الجينات، بل و تمكّننا من بناء الجينات اصطناعيا، و تغيير الخصائص الوراثية للخلية الحيّة .
و منذ ذلك الحين، بقيت هذه الكشوف أشبه بالقنبـلة الموقوتة، كلما مضينا في تطبيقاتها، أو في مجرّد التفكير في مستقبلها . و منذ ذلك الحين، اشتدّ الجدل حول مزايا و عواقب هذا الإنجاز العلمي، و بخاصة في مجال الاستنساخ . و منذ ذلك الحين، تحدّث العلماء عن مخاطر تكنولوجيا الاستنساخ، لو وقعت في يد المغامرين أو الطغاة .. و ما زال الجدل قائما ..

مـاذا بعــد ؟

لقي كتاب " هذا الغد العجيب " إقبالا واسعا من القرّاء، و أعيد طبعه أربع مرّات . و كتب الراحل أحمد بهاء الدين في جريدة الأهرام، يلفت النظر إلى أهمية الكتاب في إعداد عقول الأجيال للغد، و اقترح على وزارة التربية و التعليم أن تعمّمه على تلاميذ المدارس .
و حتّى يومنا هذا، كلما التقيت بالشباب العامل في مجال المعلومات و الكمبيوتر، في المؤسّسات أو في جهاز المعلومات التابع لرئاسة الوزراء، راحوا يحكون لي عن أثر قراءة ذلك الكتاب على تفكيرهم، و على تحديد مستقبل دراستهم .
لقد أشرت من قبل أنّني في ذلك الوقت، اقتصرت على تناول أبعاد المستقبل، في الحدود العلمية و التكنولوجية، تهيبا من الخوض فيما هو أوسع من ذلك من مجالات اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية . لكنّى، مع مواصلة القراءة و البحث و التفكير، اكتشفت عدم جدوى الإحجام عن فهم الارتباطات القوية بين مختلف جوانب الحياة . و فهمت الذي لم أكن أعرفه، و هو ضرورة التعرّف على العلاقات متبادلة التأثير بين مختلف مؤشّرات التغيير .. و بدأت صفحة جديدة من حكايتي الطويلة مع المستقبل .

* * *

لقد اكتشفت أن مجرّد رصد المستقبل العلمي و التكنولوجي، مع ما فيه من فائدة، لا يفيد في فهم أبعاد التغيير السريع المتلاحق الذي تمر به حياة البشر . كان السؤال الذي يلحّ على عقلي هو : ما هي نتائج التغييرات الحادثة ؟، و إلى أين تمضي بنا ؟ .. و إلى رسالة تالية .