الجمعة، مايو ٠٨، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل

خصوم المستقبل :

بين الحلّ الإسلامي

و الحل الماركسي

أصحاب العقائد القويّة و الأيديولوجيات الحاكمة يفشلون عادة في اكتشاف انقضاء زمن الافتراضات التي تقوم عليها عقائـدهم . و من ثم عدم قدرتهم على امتحان مدى مصداقية تلك الافتراضات في ظل التغيّرات الجذرية المتلاحقة في حياة البشر .
قبل أن أضع أفكاري في الكتب، كنت أكتب أوراقا حول التفكير المستقبلي، و التحوّلات التي تقودنا إلى مجتمع المعلومات . عرضت واحدة من هذه الأوراق على الصديق أحمد حمروش، رئيس اللجنة المصرية للتضامن، فقرأها و اقترح عرضها على الأستاذ محمد حسنين هيكل، فتحمّست لذلك الاقتراح . ثم اكتشفت بعد ذلك أنّه لم يأخذ الورقة مأخذ الجد، و وقف عند التعليق على خطأ مطبعي ! .

في مواجهة الماركسيين

قال حمروش " لماذا لا تناقش ورقتك في لجنة الفكر السياسي .. هذه فرصة للحوار المثمر، خاصّة و أنّ رئيس هذه اللجنة هو الدكتور فؤاد مرسي .." . تحدّد موعد للقاء، و قد جلس على رأس المنضدة الدكتور مرسي، و جلست في مقابله، بينما اصطفّ على الجانبين مجموعة من غلاة الماركسيين، أعضاء اللجنة، أعرف بعضهم و لا أعرف البعض الآخر .
طرحت أفكاري حول مرحلة التحوّل الحالية في العالم، من المجتمع الصناعي إلى مجتمع المعلومات .. لماذا تمت ؟، و ماذا يترتّب عليها من تغيّرات كبرى في جميع مجالات حياة البشر ؟.
فلاحظت التململ على الحاضرين، و الرفض الضمني لكلام يخرج عن نطاق القاموس الماركسي، و كانت القشّة التي قصمت ظهر البعير، كما يقولون، ما قلته من انقضاء صلاحية كل من الاقتصاد الرأسمالي و الاقتصاد الاشتراكي، في التعامل مع الواقع الجديد، باعتبار أن الرأسمالية و الاشتراكية هما وجهان لعملة واحدة هي عصر الصناعة، و رؤيتان مختلفتان للتعامل مع واقع المجتمع الصناعي . و رحت أشرح هذا على ضوء التطورات التي أحدثتها ثورة المعلومات .
كانت ردّة فعل الحاضرين، مزيج من الرفض و الوجـوم، ثم توجّه أحدهم إلى الدكتور مرسي
سائلا بسخرية " ما هو رأيك يا دكتور فيما يقال ؟ ! ". تحيّر دكتور مرسي قليلا، ثم قال " لا أعرف ماذا أقول له .. إن ما يقوله أشبه بما يقوله جورباتشوف هذه الأيام .." .
أدركت في ذلك الوقت صعوبة مراجعة صاحب العقيدة ـ و لو كانت الاشتراكية العلمية ـ لافتراضاته، دون وجود أداة مثل التفكير الناقد تساعده على ذلك .

في جامعة الإسكندرية

بعد هذا، جاءت تجربة اللقاء مع أعضاء نادي هيئة التدريس بجامعة الإسكندرية . عندما تلقيت الدعوة للحديث عن المستقبل و عن مجتمع المعلومات، وسط نخبة من الأسـاتذة و العلمـاء، تحمّست لذلك اللقاء، و اعتبرته فرصة لحوار ناضج مسئول .
الذي لم أكن أعلمه، أن النادي كان قد مرّ بتحوّل كبير، بعد استبعاد العناصر التقدّمية من أعضاء مجلس إدارته، ليقتصر مجلس الإدارة على مجموعة من الأساتذة الإسلاميين .
قبل المحاضرة، استقبلني بحفاوة أحد الأساتذة، أظنّه على ما أذكر عميدا لكلية العلوم أو رئيسا لأحد أقسام الكلية . بعد أن احتسينا القهوة، قادني إلى قاعة اللقاء، التي حفلت بجمع كبير من أعضاء هيئات التدريس بالجامعة .
كان موضوع المحاضرة " الرؤية المستقبلية، و مجتمع المعلومات " . و كان لا بد أن أبدأ بطرح منهجي في التوصّل للرؤية المستقبلية، و تحدثت عن التحوّلات الكبرى في حياة البشر، من عصر الزراعة، إلى الصناعة، إلى المعلومات، و كيف لعبت التكنولوجيات الابتكارية العظمى دورا أساسيا في إعادة صياغة مختلف مجالات حياة البشر، الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية . ثم طرحت التحوّلات الحالية من مبادئ مجتمع الصناعة إلى مبادئ مجتمع المعلومات .

لماذا نعتمد على علوم الغرب ؟ !

عندما انتهيت من كلامي، و قبل أن يبدأ النقـاش مع جمهور الحاضرين، حدثت مفاجأة أدهشتني . الأستاذ الدكتور الوقور الذي استقبلني، و قادني إلى القاعة، و الذي قدمني في بداية الأمر، و جلس إلى جواري، وجدته يهب واقفا، و يصيح بأعلى صوته هاتفا بشعار طويل لا أذكر نصّه حاليا، و لكن أذكر قوله في النهاية " .. و الإسلام مستقبلنا .." .
رسمت ابتسامة ساذجة على وجهي، لإخفاء دهشتي و حيرتي فيما هو مطلوب منّي أن أفعله . و ما أن انتهت موجة التصفيق ـ التي مازلت لا أعلم إن كانت موجّهة لكلماتي أم لهتاف الأستاذ الوقور ! ـ حتّى بدأت أسئلة الحاضرين .
كان محور تساؤلات ذلك الجمع العلمي حول استنكار الاعتماد على العقل في مكان النقل ! . قال أحد الأساتذة أن ما أقوله من أفكار وارد من الغرب، قد ينطبق على مجتمعاتهم، لكنه لا يصلح لنا كأمّة إسلامية . و تساءل ـ و هو أستاذ جامعي ـ عمّا يدفعنا إلى علوم و معارف الغرب، بينما لدينا منبع العلم و المعرفة .
قلت أن النهضة العلمية الإسلامية، في بغداد، قامت على ترجمة المراجع الإغريقية و الهندية و الفارسية . اطّلع العلماء المسلمون على ما سبق من علوم الغرب و الشرق، و فكّروا، و ابتدعوا،
و أضافوا إلى تلك العلوم، ما حفلت به مراجعهم في الطب و الكيمياء و الرياضيات و الجغرافيا، إلى آخر ذلك، ممّا صنع ما نطلق عليه الحضارة العلمية الإسلامية . و لم يجدوا من يلومهم على الاستفادة من علوم الآخرين .
و الغرب، الذي كان يعيش في جهالة القرون الوسطى، قرأ إنتاج علماء الإسلام، و ظلّ يدرّسه في معاهده و جامعاته على مدى عدّة قرون، و أضاف إليه، ممّا صنع بدايات النهضة الأوروبية الحديثة
.. و هنا أيضا، لم يجدوا من يؤاخذهم على هذا .

الرؤية المستقبلية، و الحلّ الإسلامي

ثم نهض أحد الجالسين في الصفوف الأولى، و سألني قائلا " و ما هي علاقة ما قلته لنا عن التحوّل إلى مجتمع المعلومات بالحلّ الإسلامي ؟ " .
قلت له صادقا " أنا لا أعرف ما تسمّيه بالحلّ الإسلامي .. لا شكّ أنّك أدرى به منّي " . ثم قلت له أنّني تكلمت عن مجموعة من التحوّلات تقودنا إلى مجتمع المعلومات، مثل التحوّل من المركزية إلى اللامركزية، و من القولبة و النمطية إلى التنوّع و التمايز و احترام ذاتية الفرد، و من التزامن إلى الزمن المرن الذي يوسّع نطاق حرية الفرد، و من العمل العضلي البدني المتكرّر الذي لا يستوجب التفكير، إلى العمل العقلي الذي يعتمد على التفكير و الابتكار.. تكلّمت عن هذا و غيره، فهل وجدت شيئا ممّا أوردته متناقضا مع الحلّ الإسلامي الذي تقول به .
بعد صمت قصير قال " لا .." . فقلت مبتسما " هذا هو الذي يهمّني في الأمر .." .
هنا أيضا أدركت أهمية إشاعة التفكير الناقد، من اكتشاف الافتراضات الأساسية التي يقوم عليها فكرنا و عملنا، و فحص مدى مصداقية تلك الافتراضات في ظل الواقع المتغيّر الذي نعيشه، ثم البحث عن افتراضات جديده نابعة من الواقع الجديد، تحكم فكرنا و عملنا .

و إلى الرسالة التالية، لنرى كيف تنتصر السياسة على الفكر

الجمعة، أبريل ٢٤، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل

خصــوم المسـتقبل

بين المستقبل و التنبؤات الجوّية

في بدايات اهتمامي بالمستقبل و الرؤية المستقبلية، و خلال لقائي بالجمهور، كان يتردد سؤال حول مشروعية التفكير المستقبلي، باعتبار أن المستقبل بيد الله . فكنت أقول أن ما أفعله، و يفعله معظم المفكرين المستقبليين، هو البحث عن الاحتمالات الأقوى لما يجري من تغيير في حياة البشر، و عن أثر ذلك التغيير على حياتنا القادمة، حتّى نستعد له .
كنت أعطي مثالا بالتنبؤات الجوّية التي ترد كل يوم في النشرات الجوّية . فخبراء الأحوال الجوّية، يرصدون حركة الرياح و تغيّرات الضغط، و غير ذلك من المؤثّرات، ليقدموا لنا أقوى الاحتمالات في حالة الطقس للغد، و ربما الأيام التي تليه . و الإنسان العاقل، يقرأ هذه النشرة، فيستعد لغده بالطريقة المناسبة . إذا كان الطقس سيكون باردا، يعمد إلى ارتداء الثقيل من الملابس، و إذا كان ممطرا، يحمل مظلّته لاتّقاء الأمطار، و هكذا ..
إن ما يفعله المفكّر المستقبلي، هو أقرب ما يكون إلى هذا : التعرّف على الاحتمالات الغد، للبحث عن أفضل الوسائل لمواجهتها .

الخوف من التغيير

رغم أنّ التغيير هو سنّة الحياة، فمعظمنا يخافه، إلى حدّ إنكار حدوثه مهما بدا واضحا . فالتغيير معناه عدم القدرة على مواصلة الحياة بنفس الطريقة التي اعتدنا عليها، ممّا يتطلّب البحث عن طريقة جديدة للنظر إلى الأشياء و التعامل معها .
و في مصر، يظهر هذا الخوف بشكل أعمق، نتيجة لبقاء نسبة كبيرة من النمط الزراعي في حياتنا . فالمجتمع الزراعي لم يكن يعرف التغيير إلاّ بمرور أزمان طويلة، كانت التغيرات التكنولوجية و الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية بطيئة للغاية . و ربما كان يمضي عمر الإنسان في المجتمع الزراعي دون أن يصطدم بأي من التغيّرات .
و عندما قامت الثورة الصناعية في الدول الكبرى، تتابعت التغيّرات الجذرية، و تغيّرت الأسس التي تقوم عليها الحياة، و سعى أبناء تلك الدول إلى إعادة بناء حياتهم على الأسس الجديدة . أمّا نحن، فنتيجة لظروف الاسـتعمار المتتابعة، فقد فرضـت علينا بعض الأوضاع الجديدة، و قبل بها البعض، رغم تناقضها مع خريطة التطوّر الفعلية في مصر، و عدم اقتحامنا لمقتضيات المجتمع الصناعي . أي أننا لم نتعامل مع التغيير مباشرة، و إنّما تعاملنا معه بالوكالة ! .
و مع انقضاء عصر الصناعة في منتصف القرن الماضي، انفجرت ثورة تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات في أنحاء العالم، و أصبحت التغيّرات متلاحقة متسارعة، و ظهرت الحاجة الشديدة للتفكير المستقبلي في الدول المتطورة، لرصد مؤشّرات التحوّل، و دراسة العلاقات المتبادلة بين هذه المؤشّرات، في محاولة لإرساء رؤية مستقبلية تساعد على إعادة البناء في مجالات الحياة المختلفة، بما ينسجم مع الأوضاع المستجدّة .
مع أننا تخلّصنا من الاستعمار في ذلك الوقت، لكن الأوضاع السياسية للمنطقة و العالم شغلتنا عن التفكير المستقبلي الجاد، و اكتفينا بتبنّي ما يصل إلينا من الدول التي سبقتنا في مضمار التقدّم . لم يكن باستطاعتنا أن نتصدّى لذلك الجهد، للبحث عن آفاق مستقبلنا في مصر، نتيجة لشيوع التفكير التقليدي، و لإصرارنا على التعامل مع الواقع الجديد بأدواتنا القديمة .
لهذا أدركت أهميّة التأكيد على ضرورة تبنّي منهج تفكير جديد، يساعدنا على فهم الواقع الجديد و التعامل معه . و من ثمّ، طرحت موضوع التفكير الناقد في كتاباتي أكثر من مرّة، باعتباره الحد الأدنى من التفكير الذي يساعد على الدخول إلى المستقبل .

التفكيـر الناقـد

كان المصطلح جديدا علينا في مصر، رغم اعتماد عدد من صفوة المفكّرين المصريين لجوهره... كان من الضروري إن أطرحه بشكل مبسّط و متكرر، على أمل إنقاذنا من الخوف المرضي الذي يسببه التغيير، و على أمل التخلّص من أسر الأفكار و المبادئ و العقائد القديمة، التي تسيطر على تفكيرنا، بل و على تفكير الطبقات المتعلّمة عندنا .
سعيت إلى التعرّف على أحدث المدارس التي تجيب على سؤال محدّد : كيف يجب أن نفكّر اليوم ؟ . و من بين مدارس " التفكير الواضح " و " التفكير الاختراقي "، وجدت أن مدرسة " التفكير الناقد " هي التي تشتدّ حاجتنا إليها في مصر .
يقول ستيفن بروكفيلد، الأستاذ بجامعة كولومبيا، في كنابه " تطوير ممارسة التفكير الناقد "، أن التفكير الناقد نشاط مثمر و إيجابي . و أنّه عملية و ليس نتيجة، ففيه نتساءل بشكل متواصل حول الافتراضات المستقرّة، و لا نتصوّر يوما أننا وصلنا إلى الحقيقة الشاملة . و هو لا ينكر التأثير العاطفي للتفكير الناقد، فطرح أسئلة ناقـدة حول قيمـنا و أفكارنا و أنماط سلوكنا، التي التزمنا بها طويلا، يثير لدينا القلق، لكنّنا نشعر بالراحة عندما ننجح في الوصول إلى طرق جديدة .

و يطرح بروكفيلد أربعة مكوّنات أساسية للتفكير الناقد :

( 1 ) التعرّف على الافتراضات و تحدّيها : ممارس التفكير الناقد يبدأ بالتعرّف على الافتراضات التي تقوم عليها أفكاره و قيمه و أسس عمله . ثمّ عليه أن يمتحن مدى مصداقيّتها حاليا، سواء كانت تتّصل بطريقته في تنظيم عمله، أو بتوجّهاته السياسية، أو بأسس علاقاته الحميمة مع الآخرين . إنه يتساءل عن مصداقية الرؤى التي تتدفّق عليه من تصريحات المسئولين و من وسائل الإعلام . وهو يكون مستعدّا للتخلّي عن تلك الافتراضات القديمة، عند اكتشاف عدم توافقها مع واقع حياته الحالي، و البحث عن افتراضات بديلة أكثر انسجاما مع خبراته العملية المعاصرة .
( 2 ) أهمّية تحدّي السياق : ممارس التفكر الناقد يكون واعيا بأن الممارسات و التصرّفات و الهياكل تخرج دائما من سياق معين، يعكس الثقافة و العصر الذي عشنا فيه . و من هنا تجيء أهمّية الوعي بالسياق الذي يخرج منه كلّ شيء في حياتنا .
( 3 ) تصوّر و استكشاف البدائل : التفكير الناقد يتضمّن القدرة على تخيّل و استكشاف بدائل لطرقنا الحالية في التفكير و الحياة .
( 4 ) التشكّك التأمّلي : عندما نتحقّق من وجود بدائل لما هو ثابت في عقائدنا و سلوكياتنا، و ما ارتضيناه من هياكل لحياتنا الاجتماعية، نصبح أكثر تشكّكا في دعاوى الحقيقة المطلقة أو النهائية . هذا هو ما يطلق عليه بروكفيلد اسم " التشكّك التأمّلي " . فمجرّد قبول الفكرة من الجميع، أو لزمن طويل، لا يعني أن نصدّقها دون مراجعتها أوّلا، و بعد التأكّد من عدم تناقضها مع واقعنا الراهن .

* * *

يقول بروكفيلد أن ممارس التفكير الناقد ينشغل بخلق و إعادة خلق حياته الشخصية و العملية و السياسية . وهو لا يأخذ عناصر هويته كأمر واقع، بل يكون مدركا للآفاق الواسعة لمجالات تنمية خبراته . و هو يرى المستقبل مفتوحا لجهده و تأثيره، و ينظر إلى العالم باعتباره قابلا للتغيير، من خلال الجهد الشخصي و الجماعي، بالتضامن مع الآخرين الذين يشاركونه رؤيته .
هذه فكرة عاجلة، وشديدة الاختصار، لعملية التفكير الناقد، التي أجدها ضرورية لكل من يسعى إلى التفكير في الحاضر و يحاول استشراف المستقبل ...

و قد تأكدت من أهمية التكير الناقد عند مواجهتي لنوعيات من خصوم التفكير المستقبلي .. و إلى الرسالة التالية .

السبت، أبريل ٠٤، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل


حكايتي مع المستقبل

أفيقــوا … يرحمــكم الله


في يونيو عام 1992، ظهرت الطبعة الأولى من كتابي " أفيقوا يرحمكم الله .. كيف يجب أن يفكّر الإنسان العربي في مستقبل : التعليم، الإدارة، الاقتصاد، الممارسة الديموقراطية، الإعلام " .
لا أعرف لماذا صدّرت الكتاب بنداء !!، ربّما كان هدفي أن أستنفر القارئ، من أجل أن يتحـقّق له الفهم المنشود للمستقبل . فماذا قال هذا " النداء " ؟ .
" ما أقوله يتناقض مع يسوّد صفحات الجرائد و المجلات عندنا، و ما يشغل موجات البثّ الإذاعي و التلفزيوني، و مع ما يتدفّق من تصريحات السياسيين و المسئولين، و مع ما تختال به صفوة المفكّرين و الخبراء في بلدنا خلال المؤتمرات و الندوات .. إنّني لا أستعذب النفخ في قربة مقطوعة ـ كما يتصوّر البعض ـ و لكنّي أومن أن إصراري على إيقاظ النيام، و كشف الزيف و التدليس، و إدانة الكسل الذهني، يؤتي ثماره بالتدريج البطيء، الذي يتناسب مع جهدي الفردي المتواضع، الذي لا يستند إلى جماعة أو هيئة أو مؤسّسة أو حزب، أو حتّى شلّة، في مواجهة أغلبية لا تريد أن تفيق، و لا تريد أن تتبيّن الهوّة التي تنتظرها، و هي تمضي كالسائر في نومه، تلك الهوّة التي تزداد عمقا و اتّساعا مع مرور الأيام، بفضل تسارع التغيّرات التي يمرّ بها الجنس البشري . إلى القلّة الضـئيلة التي بدأت تنتبه إلى الواقع الذي أكتب عنه أقول : فكّروا و ناقشوا و اطرحوا جانبا كل ما اعتدتم سماعه من آراء و أفكار تقليدية، و تماسكوا لتنجحوا في نقل رؤيتكم إلى الآخرين .. و إلى السائرين نياما أقول : أفيقوا يرحمكم الله ! " .
تحاشي الأخطاء الشائعة
و في نهاية مقدمة الكتاب، قدّمت للقارئ جانبا من الأخطاء التي علينا أن نتحاشاها، لكي نفهم حقيقة الواقع و المستقبل :
· اعتبار أن الآتي هو المزيد ممّا كان، إيّ أن الذي يحدث في العالم اليوم هو مجرّد تغيّر كمّي يخضع لنفس القوانين السابق تطبيقها .
· تصوّر أنّه من الممكن النظر إلى كل ظاهرة، و دراستها بشكل جزئي، بمعزل عن باقي الظواهر المتزامنة .
· استخدام الكلمات و الاصطلاحات بمعناها القديم، دون الاتفاق على مضمونها الجديد .
· الانطلاق من أيديولوجية أو نظرية أو عقيدة سابقة، نبعت من ظروف مجتمعية مختلفة .
· تصوّر إمكان دراسة الظاهرة كما هي، دون الرجوع إلى جذورها، و استشراف مستقبلها .
· الاكتفاء بمجرّد حصر مؤشّرات التغيير في كل مجال من مجالات الحياة دون تفهّم العلاقات المتبادلة، القائمة بين هذه المؤشّرات .
· محاولة رسم مستقبل نشاط ما، في غياب رؤية شاملة، تربط بين هذا النشاط و غيره من النشاطات .

دعوة إلى الوضوح الفكري

و كنت واضحا فيما أحاول تقديمه في هذا الكتاب، فقلت أن ما سأفعله في الصفحات التالية، هو أن أطرح نماذج من التفكير في بناء مختلف نشاطات حياتنا، على أساس مؤشّرات التغيير التي تقود إلى مجتمع المعلومات . و أننّي اخترت في عنوان الكتاب تعبير " كيف يجب أن يفكّر الإنسان العربي في المستقبل"، و لم أقل كيف نحقّق المستقبل على أرض الواقع ـ فمجال ذلك حديث آخرـ باعتبار أن الوضوح الفكري، و شمولية النظرة، هما السبيل إلى جهد الاستشراف الناجح .
بعد أن طرحت الأسس التي يقوم عليها مجتمع المعلومات، قمت بتطبيق المنهج الذي توصّلت إليه على عدّة مجالات . و كان من الطبيعي أن أبدأ بالتعليم في مجتمع المعلومات، لإحساسي بأن التعليم يجب أن تكون له الأولوية، باعتبار أن التلميذ الذي يدخل اليوم إلى النظام التعليمي الجديد، يصبح ضمن القوى المنتجة في المجتمع بعد حوالي 15 سنة، هي سنوات الدراسة المختلفة .
ثم أجريت تطبيق على مستقبل الإدارة في مجتمع المعلومات، و كيف أن التحوّل إلى المجتمع الجديد أسقط الأسس الإدارية التي كانت ناجحة و محقّقة للنمو، و أحلّ مكانها أسس جديدة للنظم الإدارية، تناقض مع الأسس القديمة . الشركات الكبرى في الدول المتطوّرة تكنولوجيا، أحسّت بعمق التحوّل الحادث، و بدأت في ابتكار نظم إدارية جديدة، على أساس الواقع الذي فرضه عصرالمعلومات، فاستطعت تقديم أمثلة عملية، تدعم الطرح النظري الذي قمت به .
ثم أجريت نفس التطبيق على مجال الممارسة الديموقراطية، و السر في التحوّل من الديموقراطية إلى ديموقراطية المشاركة . و كذلك على مجال الإعلام الجماهيري، الذي تلقّى أكثر الضربات تأثيرا، نتيجة لتفتّت الجماهير، و تحوّلها إلى مجموعات متمايزة .
كما أجريت بعض التطبيقات الأخرى، عن مستقبل المـرأة في مجتمع المعلومات، و مسـتقبل حروب عصر الصناعة، و مستقبل فكرة الوحدة العربية، و استحالة تحقّق الوحدة الإندماجية .

اقتصاد مجتمع المعلومات

كان من الطبيعي أن أبدأ بالاقتصاد، عند طرح تصوّراتي لمجالات النشاط البشري الأخرى في مجتمع المعلومات، باعتباره من العوامل الأكثر أهمّية في حياة الشعوب، و لأنّه يضرب بجذوره في جميع المشاكل المعاصرة، على امتداد العالم . إلاّ أنّني آثرت أن أمهّد لذلك بطرح التطبيقات الأخرى، حتّى يتأكّد القارئ أننا بصدد عملية إعادة بناء شاملة، و ليس مجرّد تحسين و تجويد و تطوير لما هو قائم، أو مأخوذ به . و ربّما لصعوبة موضوع الاقتصاد بالنسبة للقارئ، و بالنسبة لي شخصيا .
و لكي أرسم صورة عريضة لاستشـراف اقتصـاد المعلومات، طرحت آراء و أفكار عدّة مفكّرين مستقبليين، جون ناسبيت، الذي يعتمد على تحليل مضمون كلّ ما يقال و يكتب، لتحديد المؤشّرات التي ترسم إطار الاقتصاد الجديد . ثم قدّمت رؤية أعمق للمفكّر المستقبلي الكبير بيتر دراكر، أستاذ الاقتصاديات و الفلسفة، و الذي يطلق عليه أيضا لقب " رائد الإدارة الحديثة " .. و استفدت كثيرا من آراء و طريقة تفكير المفكّر المستقبلي الرائد آلفين توفلر .
و ختمت حديثى عن اقتصاد المعلومات بطرح الرؤية المتميّزة للأستاذ الرياضيات، و المفكر الياباني كاورو ياماجوشي . لقد التقيت هذا المفكّر المستقبلي في برشلونة، بأسبانيا، ضمن المشاركين في مؤتمر من مؤتمرات جمعية دراسات المستقبل . أثناء فترة تناول الغذاء بين جلسات المؤتمر، كنت أجلس معه نناقش أفكارنا عن المستقبل، فأعجبني فكره المنظّم، و رؤيته الواضحة، فسألته إذا ما كان له كتب بالإنجليزية، قال أن المتوفّر بالإنجليزية الآن دراسة عن اقتصاد مجتمع المعلومات، و لكنّها مجموعة أوراق و ليست كتابا، و هي تباع في مكتبة المؤتمر، فاشتريتها . عندما عدت إلى القاهرة، قرأتها، و دهشت لمستواها الفكري المرتفع، فطرحت هذا كلّه في الفصل الخاص باقتصاد المعلومات من كتابي .
حظي كتاب " أفيقوا يرحمكم الله " بترحيب من بعض الكتّاب الجادين، في مصر و لبنان و الخليج . و عندما نفذت الطبعة الأولى، رفضت دار الشروق تقديم طبعة ثانية، و دون إبداء الأسباب . اندهشت، و لم أدرك في ذلك الوقت سرّ هذا الموقف، فعلاقتي بالدار ترجع إلى منتصف الثمانينيات، و معظم كتبي نشرتها الدار في طبعات متكرّرة، تزيد عن الخمس . لم أدرك أن هذا الموقف كان أحد حلقات الحصار الذي واجهته، نتيجة لتصادم الفكر مع الحساسيات الذاتية، و الغوغائية السياسية .

و إلى الرسالة التالية، حتّى أستعرض لكم خصوم المستقبل الذين صادفتهم في مسيرتي .

الاثنين، مارس ٢٣، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل

حوار مع الصديق الذكي

في مواجهة ضعف الاستجابة

كنت في أشدّ الحاجة إلى حوار عاقل مع الآخرين .كتبت عن المستقبل و قضاياه، بانتظام و إلحاح، على مدى العديد من السنين، و تعرّضت لقضايا من المفروض أن تثير اهتمام العديدين من المسئولين و الكتّاب و المفكّرين، بل و تستفزّهم في بعض الأحيان ! . و مع ذلك، لم أجد استجابة، إلاّ فيما ندر . فاخترت شكل الحوار ليعوّضني عن حوار مفتقد، و كتبت سلسلة من المقالات تحت عنوان " حوار مع الصديق الذكي "، جمعتها في كتاب عام 1988 .
كنت فيما قبل هذا أطرح أفكارا نظرية عن التحوّلات الكبرى في حياة البشر، من الزراعة، إلى الصناعة إلى المعلومات .. لكنّي لم أربط هذا بواقع و مستقبل مصر . و من الواقع الحوار مع الصديق الذكي، بدأت أربط هذه الأفكار بواقع مصر و مستقبلها، و أتوجّه بالخطاب إلى الكتّاب و المفكّرين و المسئولين، كلّما تناقض توجّهم مع ما نحتاجه للعبور إلى المستقبل .. فكنت كما لو أنّني أدخلت نفسي إلى عشّ الزنابير ! . و حدث الصدام الطبيعي بين الفكر و ما يطلق عليه التناول الأيديولوجي و السياسي . و تتابعت المعارك المحتدمة . لكن هذا حديث آخر، ربّما نأتي إليه فيما يلي من وقائع هذه الحكاية ..

هل نأكل و نرتدي المعلومات ؟ !

و من خلال ذلك الحوار، سعيت إلى توضيح العديد من الأمور التي التبست على قرّائي . لقد كان حديثي عن مجتمع المعلومات مستفزّا للكثيرين، فهم يفهمون معنى مجتمع الزراعة و مجتمع الصناعة، و لكن كيف يكون هناك مجتمع معلومات : هل نأكل و نشرب و نرتدي و نركب المعلومات ؟! . هل يمكن قيام مجتمع بشري بلا زراعة أو صناعة ؟ ! .
جعلت الصديق الذكي يطرح مثل هذه الأسئلة، حتّى يتاح لي التوضيح . قلت له أنه عند انقضاء مجتمع الزراعة، الذي دام لحوالي عشرة آلاف سنة من عمر البشر، و دخولنا إلى عصر الصناعة، لم تختف الزراعة، بل على العكس ازدهرت و تضاعف المحصول الزراعي، بفضل ميكنة الزراعة، و الاستفادة من التطوّر العلمي في مجال الآفات مثلا . لقد قام الإنتاج الزراعي في عصر الصناعة، وفقا لمبادئ و أسس الصناعة .
ثم ساد عصر الصناعة و فرض منطقه و مبادئه ومصالحه على البشر، على مدى ما يزيد عن قرنين . و عند منصف القرن الماضي، بدأت ثورة المعلومات، فظهر مجتمع المعلومات . و هنا أيضا، سيحفل مجتمع المعلومات بالإنتاج الزراعي و الصناعي، و لكن بمنطق و بمبادئ و بإنجازات عصر المعلومات .
زراعة عصر المعلومات ستتفوّق على زراعة عصر الصناعة، بفضل العلوم الناشطة فيها، مثل علم الهندسة الوراثية . كذلك ستتفوّق صناعة عصر المعلومات بفضل العلوم الجديدة، مثل الإلكترونيات و الطبيعة الجديدة، و تكنولوجيات المواد المخلّقة، إلى آخر ذلك . غير أن المعلومات ستكون الخامة الأهم في مجتمع المعلومات، بالنسبة للزراعة و الصناعة .
ستصبح المعلومات الأصول الأهم في الإنتاج، فتتجاوز أهمّيتها الأصول التقليدية السابقة، من أرض و آلات و رؤوس أموال . و من هنا تصبح تسمية " مجتمع المعلومات " الأكثر دقّة من التسميات الأخرى، مثل " مجتمع ما بعد الصناعة "، أو " مجتمع التكنولوجيا المتطوّرة " .

و ماذا عن المجتمع المصري ؟

و هناك تساؤل آخر، صادفته في لقاءاتي و محاضراتي، مفاده أن ما أقوله عن مجتمع المعلومات، قد ينسجم مع أوضاع الدول الصناعية المتطوّرة، و ليس مع أوضاع المجتمع المصري أو العربي . فوضعت هذا التساؤل على لسان الصديق الذكي، الذي قال " طبعا أنت تتحدّث عمّا يحدث في الدول الصناعية المتطوّرة، و لا أظن أن هذا التحوّل قد وصلت بشائره إلى مجتمعنا .." .
قلت أن الخريطة الحضارية لمصر، تفيد أن مجتمعنا الحالي تعيش فيه ثلاث موجات حضارية، في نفس الوقت، مخلّفات مؤثّرة من المجتمع الزراعي، مع وجود قوي لمبادئ مجتمع الصناعة، و وجود متواضع ـ لكنّه متنام ـ لمبادئ مجتمع المعلومات .
سأل " هذا وضع يبعث على اليأس .. على أيّ أساس نخطط لمثل هذا المجتمع المتشرذم ؟ .. و كيف نتعامل معه ؟ .." . و كان الردّ : ستعجب لو قلت لك أن الانتقال من هذا الوضع إلى مجتمع المعلومات، يكون أسهل و أيسر من انتقال المجتمع السوفييتي أو الأمريكي أو الياباني . فالدول الصناعية المتطوّرة، التي رسّخت حياتها على مبادئ المجتمع الصناعي ( كالنمطية و المركزية و التركيز .. إلى لآخر ذلك) يصعب عليها أن تقتنع بإعادة بناء حياتها بالكامل على أساس جديد . و رغم أن العديد من الشركات الكبرى قد استجابت لموجات التغيير، فغيّرت أغراض إنتاجها الصناعي التقليدي، و تحوّلت إلى صناعات جديدة أنسب لعصر المعلومات، مثل شركة سنجر لآلات الحياكة، التي تحوّلت إلى الصناعات الإلكترونية و طيران الفضاء . غير أن هذا التحوّل سيتم، إما بالرؤية المستقبلية السليمة، أو من خلال صراع دموي، و أزمات اقتصادية، و كساد و بطالة و تضخّم ..

الإنتاج، و تلبية تنوّع طلبات الجمهور

سأل الصديق الذكي " لقد قلت أن الجمهور يتنوّع، و تتعدّد أمزجته و مطالبه، فكيف يمكن للشركات المنتجة أن توفّق بين هذا، و سعيها إلى تحقيق الأرباح ؟ " .
قلت أن الإجابة تتضمّن التأكيد على ضرورة النظرة المتكاملة للمستقبل . عرفنا أن الإنتاج النمطي كان الأكثر تحقيقا للربح . لكن بعد أن تنوّعت الجماهير و تباينت مطالب البشر، لم يعد يرضيها الإنتـاج النمطي المـوحّد . و الشـركة هنا أمام أحد أمرين : إمّا أن تواصل إنتاج السلعة النمطية، فينخفض الإقبال على إنتاجها و تخسر، أو أن تعمد إلى تنويع إنتاجها ليرضي الأذواق المتنوّعة . الجديـد في الأمر أن التكنولوجيات المتطوّرة جعلت هذا التنوّع في الإنتاج ممكنا و مربحا .
فبفضل أجهزة التحكّم الرقمي، التي تعتمد على الكمبيوتر، أصبح من الممكن أن ينتج المصنع، بنفس آلاته، أشكالا متنوّعة من السلعة، دون أن يشكّل هذا زيادة في التكلفة، أو تبديدا لوقت عمل الآلة . كلّما في الأمر، أن الآلات الجديدة التي تعمل بالكمبيوتر، يكفي أن تزوّدها ببرنامج جديد، حتّى تنتج تنوّعا جديدا للسلعة، دون توقّف أو تغيير في الآلات .
و هكذا، يحصل الجمهور على السلع المتنوّعة التي ترضي ذوقه و احتياجاته الراهنة، و يربح المصنع من تدفّق السلع المتنوّعة التي ينتجها .

المزيد من وضوح المنهج

الحوارات الدائمة حول ما أكتب، سواء مع الصديق الوهمي، أو مع بعض الكتاب و المفكرين الذين لديهم الحدّ الأدنى من القدرة على النظر إلى الأشياء بعين جديدة، و من زاوية مختلفة، أفادتني كثيرا في اكتساب المزيد من الوضوح بالنسبة لمنهج تفكيري، و بالنسبة لشمولية رؤيتي المستقبلية .
و أحسست بضرورة أن أقدّم للقارئ كتابا مرجعيا عن أفكاري المستقبلية . يطرح رؤيتي للمستقبل، و طريقتي في استنباط مستقبل أي مجال أو نشاط، من هذه الرؤية ..

و هكذا، ظهرت الطبعة الأولى من كتابي " أفيقوا .. يرحمكم الله " ..
و إلى الرسالة التالية .

الجمعة، فبراير ٠٦، ٢٠٠٩

من عصر المعلومات إلى مجتمع المعلومات


حياتنا في مجتمع المعلومات

كلّ شيء في حياة البشر يتغيّر

بعد إدراكي لآليّات الدائرة النشطة التي صنعت ثورة المعلومات، بدأت أتساءل عن أثر ثورة المعلومات على كلّ مبدأ من مبادئ عصر الصناعة . ماذا يفعل تدفّق المعلومات، و تباين البشر، و تطوّر تكنولوجيا المعلومات، في المبادئ الأساسية الستّة التي قام عليها المجتمع الصناعي : النمطية، و التخصّص الضيّق، و التزامن، و التركيز، و عشق الضخامة، و المركزية ؟ .
التنوّع و التباين و التمايز بين البشر، و اختلافهم فيما يطلبونه من الحياة، نتيجة لانفتاحهم على معلومات و معارف جديدة، و تعرّفهم على أنماط مغايرة لأنماط حياتهم التقليدية، اعتمادا على تكنولوجيات الكمبيوتر و الاتصال المتطوّرة، وجّه ضربة كبرى لمبدأ النمطية و التوحيد القياسي الذي فرضه المجتمع الصناعي على البشر، بعد أن نجح في فرضه على الآلات و نظم الحياة .
و هذا في حدّ ذاته، كان السرّ في فشل و انهيار العديد من النظم التقليدية للمجتمع الصناعي . عندما تأمّلت هذا، وجدته ينسحب على أشياء محورية في الحياة . بعد سقوط النمطية، تداعى الإنتاج النمطي و ظهر الإنتاج حسب الطلب، تعددّت أشكال و ألوان و أحجام السلع المختلفة لتتّفق مع أذواق الجماهير المتنوّعة، و تراجع دور الإعلام النمطي الجماهيري بعد أن تفتّت الجماهير النمطية إلى العديد من الجماهير المتباينة، سريعة الانقسام .. و هكذا .

التخصّص الضيّـق

مع تزايد تقسيم مراحل العمل، ظهر التخصّص الذي أخذ يضيق يوما بعد يوم . العامل الذي يقف أمام خط التجميع، متخصّصا في عمل يدوي محدود، لم يعد العمل في حاجة إليه، بعد أن تكفّل الكمبيوتر، و الروبوت الذي بسيّره الكمبيوتر، بكل أنواع العمل الروتيني، في المصنع و المكتب . و مع تسارع المعلومات و المعارف، سقطت تخصّصات جديدة، و حلّت محلّها تخصّصات جديدة، بل لقد سقطت علوم بأكملها لتظهر علوم جديدة، لم يسمع بها أحد من قبل .
ماذا يعني هذا ؟، يعني أن التخصّص الضيّق أصبح خطرا على حياة الفرد . و يعني أن العصر يطلب من الفرد أن يكون قادرا على ملاحقة التطوّر في عمله، مستعدّا لتغيير تخصّصه و عمله، وفقا لما يتاح في مجال العمل .

بين التزامن و الزمن المرن

بعد انتشار المصانع، و مع التكلفة العالية للآلات، و اعتمادا على العمّال، اقتضى الأمر أنظمة
أشدّ دقّة في ضبط الوقت، و حساب التزامن بين العمليات المختلفة، لأنّه إذا تخلّف عامل أو مجموعة عمّال عن إنجاز عمل معيّن في وقت محدّد، ترتّب على ذلك تعطيل عمل مجموعة أخرى من العمال . و هكذا، ظهرت ساعة اليد، و ساعة الحائط، في البيت و المصنع و المكتب .
كما قادت ثورة المعلومات إلى تفتيت جماهيرية الإعلام، و الكيانات الهائلة للمؤسّسة الاقتصادية، قادت أيضا إلى تفتيت جماهيرية الزمن، أو التزامن . الاتجاه في مجتمع المعلومات، هو إلى أن تصبح ساعات عمل الإنسان مسألة تخضع لاختياره الحرّ . و قد ظهرت تطبيقات الزمن المرن في كلّ مكان . أصبح العمّال يختارون ساعات عملهم، صباحا أم مساء أم ليلا . و قد أثبتت التجربة العملية أنّ تنوّع مواعيد العمل يقود إلى المزيد من الإنتاج، و إلى انخفاض نسبة التغيّب عن العمل، بالإضافة إلى مكاسب أخرى .

من التركيز إلى التنوّع المكاني

ظهور السوق كوسيط بين المنتج و المستهلك، دفع إلى مبدأ التركيز .. تركيز السكن في المدن الكبيرة، حول مراكز النشاطين الصناعي و التجاري، و تركيز التلاميذ في المدارس .. بالضبط كما يجري تركيز العمّال في المصانع، و أيضا تركيز رؤوس الأموال في شركات و احتكارات كبرى .
لقد أضعفت ثورة المعلومات الحاجة إلى مبدأ التركيز المكاني . لقد تغيّرت طبيعة العمل، و أصبح بإمكان نسبة عالية من العاملين العقليين أن يقوموا بعملهم في بيوتهم، التي قد تبعد مئات الكيلومترات عن مركز عملهم، بفضل الكمبيوتر و وسائل الاتصال المتطوّرة .
كما أن التغيرات التي طرأت على العمليات الإنتاجية، و الصعود الاقتصادي لقطاع الإنتاج من أجل الاستهلاك الشخصي، و للاقتصاد التعاوني، سينهي الحاجة إلى التركيز في المؤسّسات الإنتاجية، و نشوء تنوّع من الأشكال و المراكز الإنتاجية .

من عشق الضخامة، إلى الصغير الأجمل

عشق الضخامة كان سمة من سمات عصر الصناعة . لقد قاد انفصال الإنتاج عن الاستهلاك إلى مجتمعات تعشق الضخامة، و تسعى إلى كلّ ما هو كبير . لقد شاع لدى المنتجين أن ضخامة المشروع الإنتاجي، تعني التكلفة الأقل، و القدرة الأعلى للتنافس، و من ثمّ المزيد من الأرباح . لقد أصبح " الكبير "، مرادفا للكفاءة الأكبر .
و هكذا، سعت الحكومات و المؤسّسات الكبرى و التنظيمات بمختلف أنواعها إلى اعتناق فكرة الضخامة بحماس . حدث هذا في كل الدول الصناعية، في الشرق و الغرب . و لكن، مع بدايـات
ثورة المعلومات، فقدت تلك الديناصورات الضخمة فائدتها .
مع التغيّرات المتسارعة التي أحدثتها ثورة المعلومات، اكتشفت الشركات الكبرى انخفاضا مستمرا في معدّلات نموها . لم تعد السياسات الناجحة السابقة مجدية في التعامل مع الواقع المتغيّر، في الوقت الذي ازدهرت فيه الشركات الصغيرة، القادرة على الحركة السريعة للتكيّف مع التغييرات . و هكذا، ظهرت أسس جديدة لإعادة بناء الشركة الكبيرة، تتحوّل بها إلى مجموعة من الكيانات الصغيرة، سهلة الحركة، شبه المستقلّة، التي ترتبط مباشرة بقيادة الشركة الكبيرة .

من المركزية، إلى التنظيم الشبكي

مع نمطية القواعد، شاعت المركزية في عصر الصناعة، باعتبار أنها السبيل الأمثل للإدارة المحكمة، في الشركات و المؤسسات، و الحكومات أيضا . فنتيجة لضخامة المؤسّسات، نشأت التنظيمات القائمة على مركزية المعلومات و القرارات . و رغم ما يقال عن فصل السلطات التنفيذية و القضائية و التشريعية، فقد احتكرت السلطة التنفيذية سلطة اتخاذ القرار المركزي، حدث هذا في النظم الاشتراكية، و الرأسمالية أيضا .
و عندما وضعت ثورة المعلومات حدّا لنمطية البشر، فاختلف الناس، و تباينت أفكارهم، و مطالبهم من الحياة، بدأت المركزية تفقد أنصارها، في النظم السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية، و بدأ ظهور أشكال لامركزية جديدة، تعمل على نمط " الشبكة " و ليس " الهرم " .
بدأت تظهر أفكار جديدة للتنظيمات الشبكة، في مجال السياسة و الاقتصاد . وبدأ التفكير في ممارسات سياسية جديدة، تقوم على المشاركة، و ليس التوكيل، و تستدعي هبوط نسبة كبيرة من مسئولية اتخاذ القرار إلى القواعد و المحلّيات . و كما قلنا من قبل، بدأت الشركات الكبرى تتحوّل عن المركزية، إلى تنظيمات لامركزية، تتكوّن من أجزاء مترابطة، ذات ترتيب وقتي خاص فيما بينها، تعمل في إطار اســتراتيجية عامة، و لا تحتاج إلى مراجعة الإدارة المركزية .
بعد أن تفهّمت أثر ثورة المعلومات على مبادئ المجتمع الصناعي، بدأت التفكير في التغيرات المترتبة على ذلك، و آثارها علينا في المستقبل .

و في الرسالة التالية، نمضي في حوار مع الصديق الذكي

الأربعاء، يناير ٢١، ٢٠٠٩

حكايتي مع المستقبل


التكنولوجيا الابتكارية

كيف تغيّر حياتنا ؟ ..

يشرح يونيجي ماسودا في كتابه الهام، كيف تغير التكنولوجيا الجديدة حياتنا و قيمنا، فيقول ..
بشكل عام، تغيّر التكنولوجيا الابتكارية النظم الاجتماعية و الاقتصادية، من خلال المراحل الثلاث التالية :
المرحلة الأولى، و فيها تقوم التكنولوجيا بالعمل الذي كان الإنسان يقوم به في السابق .
المرحلة الثانية، و فيها تجعل التكنولوجيا من الممكن القيام بعمل، لم يكن بإمكان الإنسان أن يقوم به من قبل .
المرحلة الثالثة، تتحوّل فيها البنية الاجتماعية و الاقتصادية القائمة إلى نظم اجتماعية و اقتصـادية جديدة .

يساعد على فهمنا لمراحل ماسودا الثلاث، أن نطبّقها على التحوّل من المجتمع الزراعي إلى المجتمع الصناعي :
1 ـ قامت تكنولوجيا الصناعة بنفس العمل الذي كان الإنسان، و الحيوان، يقوم به في عصر الزراعة .
2 ـ تم تطوير تكنولوجيا الصناعة لتوفير إمكانات في العمل، لم يكن بإمكان الإنسان أن يقوم بها، و لن يكون بإمكانه ذلك .
3 ـ نتيجة للمرحلتين السابقتين، حدث تحوّل في الهياكل الاجتماعية و الاقتصادية للمجتمع الزراعي، فظهرت النظم الجديدة للمجتمع الصناعي .

كانت الأسرة في المجتمع الزراعي وحدة اقتصادية متكاملة : تنتج، و تستهلك إنتاجها، و تتكفّل بالخدمات المطلوبة، و نتيجة لزحف الصناعة، و ظهور الإنتاج على نطاق واسع، انفصل الإنتاج عن الاستهلاك، و ظهرت السوق بمعناها الصناعي، لإجراء التكامل بين الإنتاج و الاستهلاك . و انتزعت من الأسرة العديد من المهام، فأوكل التعليم للمدارس، و العلاج للمستشفيات، و الأيتام إلى الملاجئ . و حدث نفس الشيء في تقسيم العمل، و أدوات اتخاذ القرار .

من الصناعة إلى المعلومات

هذا تطبيق عاجل على مرحلة التحوّل السابقة، فما هو تطبيق ماسودا على التحوّل الحالي ؟ .

يحدد ماسودا المراحل الثلاث للتحول من المجتمع الصناعي إلى مجتمع المعلومات كالتالي :
أوّلا : الوصول إلى التسيير الذاتي ( الأوتوماتية )، كآخر تطوّر للمجتمع الصناعي، حيث تقوم تكنولوجيا المعلومات ( الكمبيوتر و الاتصالات المعتمدة على الكمبيوتر ) بالعمل العقلي نيابة عن الإنسان
ثانيا : الوصول إلى خلق المعارف اعتمادا على التكنولوجيا المتطوّرة، أيّ تطوير عمل الكمبيوتر، بحيث يتجاوز العمل كحاسب إلكتروني، و بحيث يصبح في إمكانه أن يتيح للمعلومات و المعارف الداخلة إليه أن تتفاعـل، و تلـد معارف جديدة، لم يكن الإنسان الذي يعمل على ذلك الكمبيوتر يعرفها . و بمعنى أوسع، أن يصبح بإمكان التكنولوجيا الجديدة أن تضخّم العمل العقلي، بطريقة لم يكن، و لن يكون، بإمكان العقل البشري أن يصل إليها .
ثالثا : نتيجة للمرحلتين السابقتين، تتيح التكنولوجيا المتطوّرة ابتكار النظم الجديدة، و ليس فقط المعارف الجديدة . و هذا، يفرض مجموعة من التحوّلات السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية .

الأوتوماتية، أو التسيير الذاتي

و يشرح ماسودا بالتفصيل ما طرحه من المراحل التي تقود إلى تأسيس مجتمع المعلومات .

بالنسبة للمرحلة الأولى، أعني بذلك الأوتوماتية أو التسيير الذاتي، يقول أنّ الأوتوماتية قد جرىتعريفها فيما سبق، بأنّها تولّي الكمبيوتر، و الآلات العاملة بالكمبيوتر ( الروبوت )، مختلف نواحي النشاط العقلية للإنسان في عملية الإنتاج، مثل التعرّف و الفهم و إجراء الحسابات و الذاكرة و الحكم على الأشياء، و التحكّم فيها . إلاّ أن التوسّع في تكنولوجيا ( الكمبيوتر ـ الاتّصالات )، يغيّر هذا المضمون التقليدي . من ذلك :
· ستحمل تكنولوجيا ( كمبيوتر ـ اتّصالات ) معها الإدارة الذاتية للإنتاج . فالإنتاج الصناعي، هو ببساطة، تطبيق القوانين العلمية لتحويل المواد الخام إلى سلع نافعة . و كانت وظيفة الكمبيوتر، هي أن يقوم بالتغذية المرتدّة ( فيد باك ) بشكل سريع في عملية الإنتاج، مستجيبا للتغيّرات التي تطرأ على العملية الإنتاجية . غير أن ما سيتحقّق في المستقبل القريب، هو الإدارة الذاتية الكاملة للمشروعات الصناعية، فلا تحتاج المصانع إلى عمل يدوي بالمرّة
· و ستأتي هذه التكنولوجيا معها بالتسيير الذاتي للخدمات و العمليات ذات التوجّه المعرفي . كلّما صادفنا نشاطا بشريا، له طبيعة معرفية، و يخضع لنظام منطقي، أمكننا برمجة الكمبيوتر ليؤدّي نفس العمل .. مثل الأعمال المكتبية، أو التي تتصل بإصدار الفواتير، و إعداد الحسابات .
· ثم نأتي أخيرا إلى التسيير الذاتي للنظم، و هو نوع التسيير الذاتي الذي يخلق نظما موحّدة، يمكن أن تربط بين العديد من الوظائف الفرعية ذاتية التسيير، في أماكن مختلفة، منفردة بتغذيتها المرتدّة الذاتية لكل منها . مثال ذلك، نظم التحكّم المتكاملة في المرور، و مسار قطارات السكك الحديدية .. و حتّى نظم الهبوط على القمر .

ابتكار النظــم

نأتي بعد ذلك إلى المرحلة الثالثة، و هي ابتكار الأنظمة . ممّا يعني ظهور نظم ( اقتصادية ـ اجتماعية ) جديدة، تحل محلّ القائمة . و يعطي ماسودا مثلا بما قامت به الآلة البخارية من تعجيل و تصعيد للثورة الصناعية، جالبة التغييرات التي استحدثت نظما اقتصادية و سياسية جديدة . على هذا، يمكننا القول بأن عصر المعلومات الذي يتحقّق عن طريق تكنولوجيا المعلومات ( كمبيوتر ـ اتصالات )، سيجيء بتغيّرات اجتماعية، أكبر بكثير من التي جاءت بها الثورة الصناعية . و يقول أن علماء المستقبل منهمكون حاليا في تصوّر هذه التغيّرات في النظم في ظلّ مجتمع المعلومات، فنظام القيمة المادّية الذي شاع في عصر الصناعة، سيتحوّل إلى نظام جديـد يطلق عليه اسم " القيمة الزمنـية "، أو " قيمة الوقت "، كما يرون أن النظام الاقتصادي القائم على التنافس الحرّ، يتحوّل نظام جديد يقوم على التعاون . كما يتوقّعون تحولات شاملة في نظام الممارسة الديموقراطية، و في التعليم، و في الإدارة .. إلى آخر ذلك، و من ثمّ تحوّلات شاملة في القيم السائدة .

تزاوج رؤى الشرق و الغرب

هذا التزاوج بين رؤى الشرق، متمثّلة في كتابات يونيجي ماسودا، و رؤى الغرب، متمثلة في كتابات آلفين توفلر، أتاح لي أن أتوصّل إلى رؤية مستقبلية شاملة للتغيّرات الجذرية المتسارعة التي يمرّ بها العالم، و التي تقود إلى شيوع مجتمع المعلومات .
هذا الوضوح حول الرؤية المستقبلية الشاملة، كان سبيلي إلى رسم خريطة، تتضمّن مسببات التغيير التي قادت إلى انهيار النظام الصناعي و قيام مجتمع المعلومات، و تتضمّن أيضا أهم التغيّرات التي ستطرأ على حياة البشر في عصر الصناعة، و التي تتبادل التأثير فيما بينها لتسارع من إحداث عملية التحوّل إلى مجتمع المعلومات .
لقد حصرت المسبّبات الرئيسية للتغيير، في ثلاثة عناصر :
· الدائرة النشطة لثورة المعلومات .
· التناقص المتواصل في وقود الحفريات، و المواد الخام .
· التزايد المتواصل في تلويث البيئة .

ثورة المعلومات، و الدائرة النشطة

تنتظم عناصر هذه الدائرة على محيطها، و تؤثّر في دفع بعضها البعض على التوالي، على صورة تفاعل متسلسل . عناصر هذه الدائرة هي : تسارع المعلومات و تدفّقها، و تطوّر التكنولوجيا التي تتعامل مع المعلومات، و ما يقود إليه سيل المعلومات المتزايد من تمايز و تفرّد بين البشر الذين يتأثّرون بذلك السيل .
و مسألة تنوّع البشر و تمايزهم، و خروجهم من أسر النمطية التي فرضها عليهم عصر الصناعة، من المسائل الجوهرية التي ساعدت بشدّة على انهيار الكثير من مبادئ و نظم عصر الصناعة . و كل عنصر من عناصر الدائرة النشطة يحثّ العنصر الآخر، فتنوّع البشر يراكم المعلومات، و تراكم المعلومات يقود إلى تمايز البشر.. و هكذا، يقود هذا التاعل المتسلسل إلى ما نعرفه اليوم باسم " ثورة المعلومات " .

استنزاف الطبيعة

بالإضافة إلى الدائرة النشطة، توجد عدة عوامل أخرى تدفع إلى انهيار مجتمع الصناعة، و من أهمّها استنزاف مخزون الأرض من وقود و خامات، و الوصول بتلويث البيئة إلى نقطة اللاعودة .
لقد آمن عصر الصناعة بأن الطبيعة موجودة في انتظار من يستغلّها، بصرف النظر عن العواقب . و لم يتصاعد الوعي باستنزاف المخزون و تلويث البيئة، إلاّ بعد تدفّق المعلومات و المعارف، و إدراك الجميع إن الأمور لا يمكن أن تمضي بنفس الطريقة .

كانت عناصر التأثير الثلاثة، مع تطوّر تكنولوجيا المعلومات الابتكارية، من أهمّ أسباب تحوّل ثورة المعلومات، إلى مجتمع معلومات . و إلى الرسالة التالية لنستعرض " حياتنا في مجتمع المعلومات "

الأربعاء، ديسمبر ١٧، ٢٠٠٨

حكايتي مع المستقبل


لقاء ساليزبورج..

ماسودا .. و التجربة اليابانية

كنت مقتنعا بالأثر المحوري لتدفّق المعلومات و المعارف في تحوّلنا إلى مجتمع المعلومات . و مع ذلك، لم أكن أفهم كيف يمكن أن تنقلنا تكنولوجيا معيّنة من مجتمع إلى آخر يختلف تماما في طبيعته . و تشاء الصدفـة أن أعثر على إجابة لهذا التساؤل في مدينة سالزبورج الجميلة بالنمسا ! .
سافرت إلى هناك في بداية التسعينيات، لكي أشارك في أحد مؤتمرات " جمعية مستقبل العالم " التي أنتمي إليها . و أيضا لتقديم ورقة حول " الدول النامية، و مشاكل العبور إلى المستقبل " . كان الموضوع يشغل بالي، و يحظى بتفكير متواصل عندي : ما الذي تفعله مصر، و غيرها من الدول النامية، التي أخذت بجانب من التنمية الصناعة، و إن كانت لم تستكملها بعد، عندما تتصدّى لدخول مجتمع المعلومات ؟ .
كانت لدي بعض الأفكار، ناقشت فيها ـ من بين من ناقشتهم ـ الراحل دكتور إبراهيم حلمي عبد الرحمن . كان يقول أن علينا أن نستكمل تنميتنا الصناعية، لكي يتأسس مجتمع الصناعة على أرضنا، قبل أن نفكّر في الدخول إلى مجتمع المعلومات، كما حدث الأمر بالنسبة لمعظم الدول الصناعية . و كنت أقول له، أننا سنمضي سنوات في استكمال تنميتنا الصناعية، نكون قد تخلّفنا فيها كثيرا عن الدول التي تدخل حاليا إلى مجتمع المعلومات . فضحك، رحمه الله قائلا " تريد أن ندخل في (تخريمة ) حضارية ؟ ! " . قلت " نحن الآن ما زلنا نعيش ـ إلى حدّ بعيد ـ وفق قيم المجتمع الزراعي، و قد بدأنا جهدا متواضعا لإشاعة قيم المجتمع الصناعي، و لا معنى لأن نواصل ترسيخ قيم المجتمع الصناعي التي مضى زمنها، ثم نبدأ في تغييرها للأخذ بقيم مجتمع المعلومات" . و الحق، أنه لم تكن قد استكملت بعد معرفة الطرق العملية لتحقيق تلك ( التخريمـة ) .

المعجزة اليابانية

عندما انتهيت من طرح ورقتي في مؤتمر سالزبورج، و هممت بالانصراف من القاعة، اقترب منّي رجل ياباني مسنّ، يسير بحرص في خطوات بطيئة، و اقترح عليّ أن نجلس معا في بهو الفندق الذي عقد فيه المؤتمر، لأنّه يريد أن يناقشني فيما قلته . رحّبت بذلك، و مضينا معـا بنفـس الخطوات البطيئة إلى البهو، و جلسنا في ركن منعزل .
قدّم نفسه قائلا " إسمي يونيجي ماسـودا، من المفكّرين المسـتقبليين باليابان .. و قد أعجـبتني تساؤلاتك في الورقة التي قدّمتها، و أريد أن أستفهم منك عن بعض الأوضاع في مصر، بالنسبة لمدى تأثير المجتمع الزراعي و المجتمع الصناعي على حياتكم .." .
تكلّمنا طويلا، إلى أن قال لي آخر الأمر " أقترح عليك أن تقرأ أحد كتبي الذي تناولت في أحد فصوله هذه المسألة.."، قلت مبتسما " و اللغة ؟! ". قال إنه بالانجليزية، و ستجده في مكتبة جمعية مستقبل العالم ..تحت إسم ( مجتمع المعلومات، باعتباره مجتمع ما بعد الصناعة ) .." .
عندما حصلت على نسخة من الكتاب، و بدأت القراءة، اكتشفت أنني كنت أجلس إلى أحد صنّاع التحوّل المعلوماتي في اليابان ..
قبل أن أورد شيئا ممّا جاء بالكتاب، في الفصل الذي يتحدّث فيه عن أفكاره في تجاوز الفجوة الصناعية و المعلوماتية آنيا، بالنسبة للدول النامية، أحب أن أتكلّم عن التجربة اليابانية لاقتحام مجتمع المعلومات، و التي شارك فيها ماسودا .
ماذا فعلت الحكومة اليابانية ؟
يبدأ الكتاب بفصل عنوانه " مجتمع المعلومات البازغ في اليابان "، و فيه يحكي جانبا من دوره، هو و مجموعة من المفكّرين اليابانيين، من خلال تنظيمهم، " الجمعية اليابانية لتطوير استخدام الكمبيوتر "، و هي جمعية أهلية لا تستهدف الربح . في عام 1972، تقدّمت تلك الجمعية إلى الحكومة اليابانية بدراسة تحمل اسم " خطّة لمجتمع المعلومات : هدف قومي لعام 2000 " . كانت هذه الخطّة تقدّم السبيل إلى إدخال مجتمع المعلومات إلى اليابان، و هي ترسم صورة لمجتمع معلومات مرغوب فيه، يمكن تحقيقه عند عام 1985 . و قد جرى تعيين ماسودا كمدير مشروع، لتلك الخطّة الطموحة .
كانت الخطّة تتضمّن " خطة مضغوطة على المدى الأوسط "، و كانت تحتاج إلى استثمارات تبلغ 3 ملايين دولار، بين 1972 و 1977 . ثم " الخطّة الأساسية طويلة المدى "، التي تحتاج إلى استثمارات تبلغ 65 بليون دولار، ما بين 1972، و 1985 . و يوضّح كتاب ماسودا توزيع تلك الاستثمارات على الخطط المختلفة، لا مجال هنا لتفصيلها .
المهم أن الحكومة اهتمت بخطّة الجمعية، و راجعتها مع مختلف المصادر الداخلية و الخارجية، ثمّ رصدت الأموال الضرورية للبدء في التنفيذ .. و بهذا بدأ دخول اليابان إلى مجتمع المعلومات .
بعد هذا، أعود إلى التساؤل الذي قادني إلى الحديث عن المفكر الياباني الذي رحل عن عالمنا يونيجي ماسودا : كيف تغيّر بعض التكنولوجيات نسق حياتنا و مجموعة قيمنا ؟ . لقد وجدت إجابة عليه في كتاب ماسودا، تحت عنوان " التأثير المجتمعي لعصر المعلومات " ..

و إلى الرسالة التالية لنرى ماذا يقول ماسودا .