الجمعة، أكتوبر ٠٩، ٢٠٠٩

الوهم الخامس

ثمانية أوهام تعوق تقدمنا

خامسا : التناول الأحادي في زمن التغيير

في أوضاع الاستقرار، و الثبات النسبي، و التغيّرات المحدودة، يسهل تصوّر مستقبل أي جانب من جوانب النشاط البشري، دون الوقوع في أخطاء فادحة .
منذ مئات السنين، كان في إمكان صانع القرار، في مجتمع معيّن، أن يصل إلى حلّ مشكلة معيّنة، أو يخطّط لنشاط ما، دون اعتبار كبير للتغيّر في العلاقات بين ذلك النشاط و غيره من النشاطات الأخرى .. كل ما كان عليه، هو أن يرسم خطّا مستقيما في الرسم البياني الذي يسجّل تطوّر ذلك النشاط، و يمدّه على استقامته لكي يتعرّف على مستقبل تطوره عند زمن معيّن، تحدّده نقطة على ذلك الخط المستقيم .
و ما زال بعض صنّاع القرار عندنا، و عند غيرنا من الدول غير المتطوّرة، يتّبعون نفس المنهج القديم، ربّما يكون مرجع ذلك إلى التعوّد، أو افتقاد البدائل الأسلم . و عندما يتكرّر فشلهم، المرّة تلو الأخرى، غالبا ما يرجعون ذلك الفشل إلى العديد من الأسباب و الاعتبارات، والتي لا يكون من بينها السبب الحقيقي أو الاعتبار الأساسي للفشل، ألا وهو التناول الأحادي في زمن التغيير الجذري الشامل .
الذي يجب أن نأخذه في اعتبارنا عند محاولة فهم أو مناقشة أيّة مشكلة و السعي إلى حلّها، هو أن الوضع حاليّا لا يمكن وصفه بالاستقرار أو الثبات النسبي .إذا ما استطعنا أن نخرج أنفسنا من محنة حياتنا اليومية و ما يكتنفها من مصاعب و مشاكل، و تأمّلنا بتركيز مسيرة الحياة، تحت أقدامنا، و من حولنا، على مدى العقود الأخيرة، تحقّقنا من أنّنا نمرّ عبر عصر غير مسبوق في التاريخ .. ما نحن بصدده ليس مجرّد تغيّرات كبرى، أو تطوير في هذا المجال أو ذاك، إننا بصدد تغيرات ثورية حقيقية .
هذه التغيّرات المتسارعة، تؤثّر على جميع مظاهر الحياة بلا استثناء، في البيت و المدرسة و المصنع و المكتب، و تعيد بناء نظم الطاقة و المواد الخام و الاتّصال و الانتقال و الاقتصاد .. بل وتعيد تشكيل نظم الممارسة الديموقراطية، و معنى السيادة الدولية . هذه التغيرات الثورية تعمّ المجتمعات البشرية جميعها بلا استثناء، من أمريكا إلى اليابان، و من إنجلترا إلى جنوب أفريقيا و استراليا .

الرؤية المستقبلية

بفضل جهد بعض المفكّرين و الباحثين المستقبليين، أمكن التوصّل إلى بعض المؤشّرات الأساسية للتغيّر، التي يتزايد تأثيرها مع مرور السنين على مدى العقود الأخيرة، و التي تعكس التحوّل إلى مجتمع المعلومات .. من دراسة علاقات التأثير المتبادل بين هذه المؤشّرات، أمكن الوصول إلى رؤية مستقبلية شاملة لأوضاع البشر في مجتمع المعلومات . هذه الرؤية المستقبلية لا غنى عنها في أي محاولة لطرح حلول لمشاكلنا الراهنة، أو لعمليات إعادة البناء المطلوبة للتوافق مع متطلّبات مجتمع المعلومات
الاعتماد على الرؤية المستقبلية الشاملة، و ليس فقط على أحد مؤشّرات التغيير، يفيدنا في الوصول إلى حلول باقية، أو مستدامة، لمشاكلنا، لا تقود إلى توليد مشاكل مستجدة في المستقبل، و يساعدنا في تصوّر مستقبل أي نشاط أو نظام بشري، و فهم تفاصيل حياتنا خلال تحوّلنا من مجتمع الزراعة و الصناعة، إلى مجتمع المعلومات .
الرؤية المستقبلية الشاملة، هي سبيلنا لوضع الاستراتيجية العامّة لبناء حياتنا الجديدة في عصر المعلومات، و إرساء الاستراتيجيات الخاصّة في كل مجال من مجالات النشاط البشري، بحيث نضمن عدم ظهور التناقض بين هذه الاستراتيجيات و بعضها البعض، أو مع الاستراتيجية العامة لإعادة البناء .
بدون الرؤية المستقبلية الشاملة، سنفقد التكامل بين عمليات إعادة البناء المختلفة في مختلف مجالات حياتنا، و بين خطط التطوير المختلفة التي نأخذ بها .
الرؤية المستقبلية، هي المرجع الأساسي الذي نعتمد عليه في عمليات التحوّل السلمي الناجح إلى الحياة الجديدة في مجتمع المعلومات .

و إلى الوهم السادس، وهم إغفال التغيرات العالمية

الخميس، أكتوبر ٠١، ٢٠٠٩

الوهم الرابع

ثمانية أوهام تعوق تقدمنا

رابعا : إمكان الانطلاق من عقيدة سابقة

قد يعترض البعض على وصف الانطلاق من عقيدة أو أيديولوجية بالوهـم، و قد يقول البعض الآخر أنه من الصعب تصوّر حياة الإنسان، بدون عقيدة أو أيديولوجية، فأعظم إنجـازات البشرية كانت تقوم على عقيدة معيّنة أو فلسفة خاصّة أو أيديولوجية محدّدة . غير أن الوهـم الذي أتحدّث عنه، هو وهم تصوّر إمكان تطبيق عقيدة أو أيديولوجية، نابعة من مواصفات مجتمـعية معيّنة، على ظروف مستجدّة نابعة من مواصفات مجتمعية مختلفة ..
نحن في حاجة شديدة لمراجعة العقائد و الأيديولوجيات التي شاعت في عصر الزراعة، و أيضا في عصر الصناعة، لنرى مدى توافق السياق الذي خرجت منه مع أوضاعنا المجتمعية الراهنة و القادمة، بكلّ ما تتّسم به من تغيّرات جذرية متسارعة غير مسبوقة .
و نحن نعلم مدى صعوبة تنازل الفرد عن عقيدة آمن بها لسنوات سابقة . و خير مثال على هذا، عقيدة أن الأرض منبسطة ساكنة و أن الشمس تدور من حولها، ما زالت بعد مئات من سنوات التنوير التي كشف فيها علم الفلك طبيعة العلاقة بين الأجرام السماوية، و بعد أن التقطت مراكب الفضاء صورا و أفلاما تظهر الأرض ككرة، تجد من يتمسّك بها في بعض المجتمعات المتخلّفة . و السر في هذا هو أن اقتلاع العقيدة الخاطئة أو التي قد ولّى زمنها يحتاج إلى نوعين من الجهد، في الوعي و اللاوعي معا .

العيب في التطبيق
و من الأمثلة القريبة الواضحة على هذا، الوهم الذي يقع فيه من يقولون بأن الماركسية كعقيدة ما زالت صالحة كأساس للمجتمع البشري، و أن ما حدث من انهيار في الدول الاشتراكية يرجع إلى عيوب و أخطاء في تطبيقها .. و كذلك الوهم الذي يقع فيه من يعتقدون أن سقوط الاشتراكية معناه الانتصار النهائي للنظام الرأسمالي . إلى هذه الأوهام يعود الكثير من المشاكل و المآسي التي يعاني منها المجتمع البشري حاليا .
الذي قلته ـ أكثر من مرّة ـ في كتاباتي عن المستقبل، هو أن الاشتراكية و الرأسمالية معـا، وجهان لعملة واحدة، هي مجتمع الصناعة، بأسسه و مبادئه و عقائده .. و أن تلك العملة قد بدأت تفقد قيمتها و تختفي من التعاملات الحديثة . العمّال الذين تتحدّث عنهم الماركسية، هم عمّال عصر الصناعة : يعتمدون على العمل العضلي البسيط المتكرّر، الذي لا يحتاج إلى تفكير أو إعمال للعقل، و هي نفس صفات عمّال المجتمع الرأسمالي . و المجتمع الذي ترسمه الماركسية هو مجتمع الصناعة الجماهيري، الذي يقوم على التوحيد القياسي و النمطية، و يدار من أعلى وفقا لتسلسل الرئاسات الهرمي المركزي، الذي يقوم عليه النظام الرأسمالي .
فالماركسية بهذا، قامت أساسا لتتعامل مع المجتمع الصناعي، و تلتزم بخصائصه في العمل و الإنتاج و التنظيم الإداري و التركيب الاقتصادي . و هو نفس ما قامت عليه رأسمالية آدم سميث و ريكاردو .
لهذا،بصرف النظر عن سلبيات و إيجابيات هذا أو ذاك، فإن انقضاء عصر الصناعة و الدخول إلى عصر المعلومات، بأسسه و مبادئه المناقضة غالبا مع أسس و مبادئ عصر الصناعة، يجعل تصوّر استمرار الاعتماد على أي من الأيدلوجيتين، في التفكير و التنظيم و التخطيط، وهما كبيرا .
خلاصة القول، لا توجد عقيدة أو أيديولوجية صالحة لكل زمان و مكان . و أكثر أوهام التفكير ضررا، تصوّرنا إمكان حلّ مشاكلنا، و إعادة بناء حياتنا، على أيديولوجية أو عقيدة نابعة من نظام مجتمعي سابق، لم يعد يسود حياتنا .

و إلى الوهم الخامس، و هم التناول الأحادي في زمن التغيير

السبت، سبتمبر ٢٦، ٢٠٠٩

الوهم الثالث

ثمانية أوهام تعوق تقدمنا

ثالثا : وهم ثبات معاني المصطلحات

الكثير من الخلط و سوء الفهم الذي يسود حواراتنا يرجع إلى تصوّر البعض ثبات معاني الكلمات و المصطلحات و الأشياء .. و حقيقة الأمر أن معاني الأشياء تتغيّر بتغيّر النظام المجتمعي السائد في الحياة . إنّنا لا نصل إلى حلول لمشـاكلنا الحالية، لأنّنا نتعامل مع الكلمات و المصطلحات و الأشياء بمعناها القديم، أو بمعنى أدق المعنى النابع من ظروف مجتمعية سابقة غير الظروف السائدة .
عدم فهم المعنى المعاصر للكلمة، و عدم الانتباه لتغيّر معناها السابق بتغيّر الواقع المجتمعي، يقود إلى الكثير من الخلط و التضارب فيما نقوله، و يفقد حواراتنا جدواها . إنّنا نتناقش حول الاقتصاد و الديموقراطية و التعليم و الأسرة و الإدارة و القيم و الأخلاق، فلا نصل إلى الحد الأدنى من الفهم المشترك، الذي يسمح لنا بمواجهة مشاكلنا بشكل عملي، في كل مجال من هذه المجالات .. و السبب في هذا أن الكلمات و المصطلحات كائنات عضوية، تتغيّر بتغيّر النظم المجتمعية السائدة .

عن أيّ أسرة نتكلّم ؟

مثال ذلك ما يحدث عندما نتكلّم عن أمور الأسرة و مشاكلها، فنرى كل واحد ينطلق من قاموسه الخاص، و معنى الأسرة الذي يعنيه، فلا نصل إلى نتيجة ما . مصطلح " الأسرة "، يكون له معناه الخاص، وفقا لنوع المجتمع السائد : زراعي، أم صناعي، أم معلوماتي .
في المجتمع الزراعي، الذي ما زالت الكثير من رواسبه باقية في حياتنا، ربّما في بعض أعماق الريف، كانت الأسـرة كبيرة الحجم تضمّ عدّة أجـال من الأبناء و الأحفـد و الأقارب، وتعمل كوحدة إنتاجيــة استهلاكية . كانت الأسرة تتكفّل بجميع احتياجات أفرادها، التي كانت محدودة و تنحصر في
توفير المسكن و الطعام و التعليم و الرعاية الطبّية، و تنظيم العلاقة بين أفرادها وفقا للقيم السائدة .
عندما بدأ زحف عصر الصناعة منذ حوالي قرنين و نصف، شعرت الأسرة بضغوط التغيير، و تلقّت السلطة الأبوية ضربة محسوسة، و تغيّرت العلاقة بين الآباء و الأبناء . و مع تحوّل الإنتاج الاقتصادي الأساسي من الحقل إلى المصنع، لم تعد الأسرة الممتدّة كبيرة العدد صالحة للحياة الجديدة . لقد تطلّب المجتمع الصناعي من العامل في المصنع أن يكون قادرا على الانتقال من مكان لآخر، وفقا لحاجة العمل الصناعي، و مع الانتقال إلى المدن تحت وطأة الاضطرابات الاقتصادية المصاحبة للتغيير، تخلّصت الأسرة من الأقارب، و وصل بنا الأمر إلى " الأسرة النـووية "، و التي تتكوّن من الأب و الأم و عدد قليل من الأبناء .
و لكي يتفرّغ العامل لعمله في المصنع، نشأت مؤسّسات متخصّصة للقيام بالمهام التي كانت توكل تقليديا للأسرة، فأوكل تعليم الأطفال و الصغار إلى المدارس، و الرعاية الصحّية للمستشفيات، و الاهتمام بكبار السن و رعايتهم إلى الملاجئ و بيوت العجزة . مع كل هذه التغيّرات، كان لابد أن تتغيّر القيم الأسرية التي كانت سائدة في عصر الزراعة، لتحلّ محلّها قيم جديدة نابعة من احتياجات و عقائد عصر الصناعة .
و اليوم، و نحن ننتقل من المجتمع الصناعي إلى مجتمع المعلومات، يتأسّس شكل جديد للأسرة، غير الذي عرفناه في عصر الزراعة أو الصناعة . فيصبح للأسرة شكلها الجديد و قيمها الجديدة، الأمر الذي سيكتمل، عندما يتم التحوّل إلى مجتمع المعلومات ..
المهم، عندما نتكلّم و نتناقش حول الأسرة، يكون علينا أن نحدّد عن أيّة أسرة نتكلّم .

انقضاء أجل ديموقراطية التمثيل النيابي

و نحن أيضا نتناقش و نتحاور حول الديموقراطية، دون أن نحدّد أيّة ديموقراطية نعني ..فعلى مدى التاريخ تغيّر مضمون و شكل الممارسة السياسية مع تغيّر الأسس المجتمعية السائدة .
البعض يقول ديموقراطية، و هو يعني الشكل الديموقراطي الناقص الذي كان سائدا طوال عصور الزراعة، و الذي لم يكن يتجاوز " الشورى "، مع بقاء صلاحيات صناعة القرار عند الحاكم أو الوالي أو الشيخ .. و التي عبّرت عنها قصص ألف ليلة بعبارة " دبّرني يا وزير .." ! . لقد كانت الشورى هي الحدّ الأقصى للديموقراطية على مدى عشرة آلاف سنة، هي عمر عصر الزراعة .
و البعض الآخر، عندما يقول ديموقراطية، فهو يعني الشكل السائد حاليا في عديد من الدول، ديموقراطية التمثيل النيابي، التي ابتكرها المجتمع الصناعي، لسدّ جانب من احتياجات اتّخاذ القرار التي تضخّمت مع دخولنا إلى الحياة الصناعية . ديموقراطية تقوم على تجميع الجماهير في أحزاب، و قيام الفرد بتوكيل من ينوب عنه في عملية المشاركة في اتّخاذ القرار، هذه الديموقراطية البرلمانية التي لم تعد تحقّق أحلام البشر، في الدول النامية و المتطوّرة معا .
و يندر أن تجد من يفهم المعنى المعاصر للديموقراطية، النابع من احتياجات و طبيعة الحياة في مجتمع المعلومات .. يندر أن تجد من يتحدّث عن ديموقراطية المشاركة، أو الديموقراطية التوقّعية، ممّا نوضّح معانيه و طبيعته فيما يلي من حديث .
المهم، أن الحديث عن الديموقراطية يجري في اللقاءات دون الاتفاق على الحد الأدنى من الفهم، نتيجة عدم الانتباه للتغيّرات التي تطرأ على مفهوم الديموقراطية، من عصر إلى عصر .

من المدير .. إلى القائد

نفس الخلط يحدث في مجال حيوي آخر، هو الإدارة . و رغم أن الإدارة تعتبر عنصرا هاما في مجال النشاط الاقتصادي، فما زلنا نرى العديد من خبراء الإدارة و الاقتصاد عندنا، الذين يقفون عند مفهوم الإدارة الذي كان شائعا على مدى عصر الصناعة، دون أن ينتبهوا إلى عواقب إهمال التغيّرات التي طرأت على هذا المجال بالدخول إلى عصر المعلومات .
غاية ما نسمعه في الندوات و الموائـد المسـتديرة، حديث عن التجويد، و استعارة لبعض المصطلحات الشائعة، دون إدراك السياق الذي تنبع منه . لقد كان الكثير من المختصّين في مجال الإدارة، يبدون انزعاجا كلّما قلت أن التغيّرات التي يأتي بها مجتمع المعلومات تحتاج إلى إعادة بناء شامل للمؤسّسة أو الشركة أو الهيئة، العامة أو الخاصّة . و أن هرم تسلسل الرئاسات الذي كنا نأخذ به، قد أخلى السبيل لتنظيمات شبكية جديدة، لا تشبه في شيء التنظيمات التي عرفناها على مدى 200 سنة مضت . و أن رئاسة العمل تنتزع من يد المدير الآمر المحتكر لسلطة اتّخاذ القرار، لتوضع في يد قائد العمل المشارك الذي تكون مهمته الأولى تسهيل و تيسير عمل من يشاركونه .

المصطلحات كائنات حيّـة

ما قلناه عن الأسرة و الديموقراطية و الإدارة، ينسحب أيضا على الاقتصاد و التعليم و كافة مجالات النشاط البشري الأخرى .
وهم الاعتقاد بإمكان ثبات و استقرار مفهوم الكلمات و المصطلحات، يعوق أيّ تفكير نقوم به لاستشراف المستقبل، و يحيل حديثنا إلى حوار طرشان ! ..
بل أن مفاهيم الزمان و المكان تتغيّر أيضا مع تغيّر الأسس المجتمعية التي تقوم عليها حياتنا . في هذا يقول جون جريبين، عالم الطبيعة الفلكية، و الكاتب العلمي " .. لم يعد الزمان شيئا ينساب إلى الأمام بلا رجعة، وفقا لإيقاع ساعاتنا و تقاويمنا، فقد ثبت علميا أنّه بطبعه يدور و ينكمش و ينبسط ! .."، و هو ما قال به أينشتين في نظرية النسـبية . دخولنا إلى مجتمع المعلومـات، يدخلنا في علاقـات جديدة، في كلّ مجال، و أيضا مع الزمان و المكان ..
خلاصة القول، أن المصطلحات كائنات حيّة، يتغيّر معناها و يتطوّر مضمونها مع الزمن .. لهذا، فإن الاتّفاق على التعريف المعاصر للمصطلح، أمر ضروري للوصول إلى تفكير أو حوار مثمر .

و إلى الوهم الرابع، وهم إمكان الانطلاق من عقيدة سابقة

الجمعة، سبتمبر ١٨، ٢٠٠٩

الوهم الثاني

ثمانية أوهام تعوق تقدمنا

ثانيا : وهم إمكان الاعتماد
على الخبرات السابقة

بعد الوهم الأوّل : وهم إمكان التصدّي للمشكلات فرادى، يجيء الوهم الثاني .
الوهم الثاني، هو وهم الاعتماد على الخبرات السابقة في حلّ مشاكلنا الحالية . و معظم التخبّط الذي يعيشه العالم العربي، يعود إلى عدم القدرة على التمييز بين أوراق الماضي الذي انقضى، و بين أحوال المرحلة الانتقالية الحاضرة التي نعيشها، و بين مؤشّرات المستقبل الذي نمضي إليه .
الحدّ الأدنى في هذا المجال، أن يفهم المفكّر العربي خصائص كلّ من مجتمع الزراعة الذي عشنا واقعه لآلاف السنين و ما زلنا نقع في أسره بالنسبة للكثير من قيمنا و أفكارنا و عاداتنا . و خصائص مجتمع الصناعة الذي سادت قوانينه على مدى ما يزيد من قرنين معظم دول العالم، سواء التي تحوّلت من الزراعة إلى الصناعة أو التي خضعت لاستعمار الدول الصناعية . و أخيرا، التمييز بين ذلك كلّه، و بين واقع مجتمع المعلومات الذي بدأ يفرض نفسه على حياة البشر، منذ ما يقرب من نصف قرن .. بدون هذا التمييز، لن يتمكّن المفكّر العربي من قراءة الأحداث الجارية، و فهم مغزاها .
و حتّى القلّة التي تعترف بزحف حقائق مجتمع المعلومات على حياتنا، كثيرا ما تقع في استخلاصات خاطئة، نتيجة لتطبيق أفكار و مبادئ و عقائد و فلسفات عصري الزراعة و الصناعة المنصرمين، على
مجتمع المعلومات الذي يسود البشر حاليا .

تحيّة العلم، و طابور الصباح

أذكر أن د. حسين كامل بهاء لدين، أحد وزراء التعليم، من الذين يحلو لهم التحدّث عن مجتمع المعلومات و تكنولوجيا المعلومات، أدلى بتصريح عند بداية تولّيه للوزارة، جاء نموذجا للخلط بين القديم و الجديد .
تكلّم الوزير عن أهميّة إصلاح التعليم، و تخليصه من التلقين، و تنقية الكتب المدرسية من الحشو الزائد عن الحدّ .. ثم قال بعد ذلك، ربّما متأثّرا بفاشستية منظمة الشباب التي ترعرع فيها معظم طاقم الوزراء عندنا، أنّه ينوي إعادة الانضباط إلى المدرسة المصرية، موضّحا كيف سيعيد إلى المدارس تحيّة العلم و طابور الصباح و النشيد الجماعي ! ..
لم يستطع الوزير أن يميّز بين تعليم عصر الصناعة، و بين التعليم المنشود لعصر المعلومات . و قد خلط بين التوجّهات السليمة للتعليم في عصر المعلومات، كتخليصه من التلقين الذي تقتضيه طبيعة الحياة في مجتمع المعلومات، و الذي يستهدف تعويد التلميذ على إعمال العقل، لكي يكون مؤهّلا لدخول مجال العمل العقلي الذي يسود عمالة مجتمع المعلومات . خلط بين هذا و بين سمات التربية و التعليم في عصر الصناعة، التي عرفنا فيها تحيّة العلم و طابور الصباح و النشيد الجماعي، و هي مع غيرها من مقوّمات عصر الصناعة تستهدف زرع النمطية التي يستلزمها الإنتاج في المجتمع الصناعي، و تقوم على فهم العمل باعتباره مجموعة من المهام الروتينية البسيطة المتكرّرة، التي لا تستدعي إعمال العقل و تشغيله .

صرح الصناعات الثقيلة

و في مؤتمر شاركت فيه عن مستقبل الإدارة في القرن الحادي و العشرين، وقف وزير الصناعة متحدّثا عن ضرورة اللحاق بركب الدول الصناعية المتطوّرة، ثم أعلن عزمه على البدء في إقامة صرح للصناعات الثقيلة، باعتبار أن هذا هو هدف مصر الصناعي في القرن الحادي و العشرين ! .
كنت أتصوّر أنّه سيتحدّث عن خطط وزارته و استراتيجيتها للبدء في إدخال الصناعات المعلوماتية الجديدة، التي ستحلّ محل الصناعات الثقيلة التي أخذ بها المجتمع الصناعي، رغم غلظتها و استنزافها للمواد الخام و الطاقة و تلويثها للبيئة . توقّعت منه أن يتحدّث عن تشجيع الصناعات الصغيرة القائمة على التكنولوجيا الإلكترونية المتطوّرة، و نشر هذه الصناعات على أنحاء البلاد و إنهاء تكدّس المدن في المناطق و التجمّعات الصناعية، على أساس الاستفادة من مصادر الطاقة الجديدة و المتجدّدة أينما وجدت . انتظرت أن يحدّثنا عن خططه للتدريب التحويلي، الذي يجب أن نخضع له العمالة الحالية، لكي تتحوّل من عمالة عضلية إلى عمالة عقلية، تحسّبا لمواجهة البطالة البنيوية الشاملة، التي تأتي بها التحوّلات الحالية في مجالات العمل و الإنتاج و الاقتصاد .
لقد خلط الوزير بين أوراق الماضي و المستقبل .

خلط في شعارات الوحدة و الديموقراطية

و نتيجة لخلط أوراق و أفكار و عقائد الماضي بالمستقبل، نجد من يخلط بين مقتضيات قيام المجتمع الصناعي التاريخية، و ما استوجبته من توحيد للكيانات السياسية الصغيرة في كيان كبير، لخدمة اقتصاد عصر الصناعة، و بين بقايا أحلام بعض العرب بقيام وحدة اندماجية سياسية و اقتصادية بين الدول العربية، لمواجهة أعداء الأمّة العربية، على نسق ما جرى في إيطاليا على يد غريبالدي، و في ألمانيا على يد بسمارك، و في بعض الدول الصناعية الأخرى، في الشرق و الغرب .. و يتواضع البعض الآخر ليطالب بنوع من الاتحاد، يشبه الاتّحاد الأوروبي المعاصر .
هذه الأحلام و المطالبات تكشف عن خلط بين أوراق الماضي و المستقبل .
الفاهم لطبيعة التحوّل السياسي في مجتمع المعلومات، يدرك أن أيّ تجمّع حالي بين كيانات اجتماعية أو سياسية، لا يمكن أن يتم على النسق الهرمي الذي التزم به المجتمع الصناعي كأساس تنظيمي للدولة القومية . بل على العكس من هذا، تفرض طبيعة مجتمع المعلومات أن تقوم الكيانات الأكبر على أساس التنظيم الشبكي، وفقا للمصالح المتبادلة بين الأطراف، و طالما استمرت تلك المصالح قائمة .
سينجح الجهد الحالي لإقامة الوحدة الأوروبية، بقدر ما يسود هذا الفهم بين الدول و الشعوب الأوروبية .. فنحن لسنا بصدد إقامة نظام ولايات أوروبية متحدة، على نمط الولايات الأمريكية المتحدة .
و إلى الوهم الشائع الثالث .. وهم ثبات معاني المصطلحات

الثلاثاء، سبتمبر ١٥، ٢٠٠٩

الوهم الأول

ثمانية أوهام كبرى
تعوق جهود سعينا للتقدّم

من خلال اللقاءات و الحوارات حول المستقبل و الرؤية المستقبلية، مع مختلف المفكّرين و أصحاب الاهتمام العام و الساسة، اكتشفت أن سر فشلنا في الوصول إلى حلول مستدامة لمشاكلنا، لا تتولّد عنها مشاكل جديدة في المستقبل، هو أننا ما زلنا نتمسّك ببعض الأوهام الشائعة التي تعتبر السبب الأول في تخلّفنا، و عدم قدرتنا على تجاوز ذلك التخلّف و اللحاق بركب التطوّر العالمي .
كنت أسأل نفسي دائما :
لماذا مع كلّ الجهد و الإخلاص و رصد الأموال، لا نصل إلى حلول باقية لمشاكلنا ؟ .
لماذا ما نكاد ننتهي من مواجهة مشكلة ما، حتّى نكتشف أن هذه المواجهة قد ولّدت مشاكل مستجدة، غير مسبوقة ؟ .
لماذا لا تتراكم الحلول، لكي تدفع بنا خطوة في سبيل التقدّم ؟ .
و أخيرا، من أين نبدأ في مواجهة هذا الوضع المأساوي، الذي يذكّرنا بأسطورة " سيزييف "، الذي ما كان يتصوّر أنّه قد نجح في حمل الحجر إلى قمّة الجبل، حتّى يجده قد تدحرج إلى أصل الجبل، و أن عليه أن يكرّر المحاولة المرّة بعد الأخرى ؟ .

الأوهام الكبرى ..

يبدأ الحلّ ـ في رأيي ـ بالتخلّص من بعض الأوهام الكبرى الراسخة في تفكيرنا جميعا . و سنورد فيما يلي ثمانية منها، نرى أنّها الأكثر أهمية و خطورة، و هي :
( 1 ) وهم إمكان حلّ المشاكل المختلفة، كلّ على حدة في زمن التغيير الشامل .
( 2 ) وهم إمكان الاعتماد حاليا على الخبرات السابقة .
( 3 ) وهم الاعتقاد بثبات معنى الاصطلاحات و الأشياء .
( 4 ) وهم إمكان الانطلاق من عقيدة أو أيديولوجية سابقة .
( 5 ) وهم إمكان الوصول إلى حلول حقيقية في غياب رؤية مستقبلية .
( 6 ) وهم صياغة رؤية مستقبلية لا تقوم على أساس فهم جوهر التغيّرات العالمية الحالية .
( 7 ) وهم إمكان التعامل مع المتغيّرات العالمية، دون التعرّف على جذورها، و علاقاتها المتبادلة .
( 8 ) وهم إمكان صياغة رؤية مستقبلية على يد الصفوة عند القمّة .
و كنت قد تقدّمت بورقة حول هذه الأوهام، من خلال جلسات المؤتمر العام لجمعية مستقبل العالم، الذي يعقد بواشنطن كلّ أربعة أعوام . و قد قامت المجلة الفصلية التابعة للجمعية، مجلة الأبحاث المستقبلية، بنشر تلك الورقة، التي أطرح هنا ترجمة مختصرة لها .


(1) وهم التصدّي المنفرد للمشكلة

وهم إمكان التوصّل إلى حلول باقية للمشكلة بالتناول المباشر، دون التعرّف على أبعادها و ارتباطاتها، من الأوهام الشائعة التي نلمسها يوميا في تصريحات المسئولين و رجال الأحزاب، في الجرائد و المجلاّت و التلفزيون و الإذاعة، و الندوات و المؤتمرات .. و دعونا ننظر إلى نموذج متكرّر لهذا الوهم، في مجال مشاكل المرور، و ما يترتّب عليها من ضياع للجهد و الوقت و الطاقة، بالإضافة إلى المزيد من تلويث البيئة . و دعونا نتأمّل كيف يجري التفكير في محاولات حلّ هذه المشكلة، بإقامة الكباري العلوية و حفر الأنفاق، لنكتشف بعد قليل أن ذلك الحل قاد إلى تدفّق المزيد من السيارات على الطرق، و أنّها قد فتحت شهيّة الجمهور إلى اقتناء المزيد من السيارات .
مثل هذه الحلول الجزئية المباشرة لا يمكن أن تعالج جذور المشكلة، ذلك لأن حلّ هذه المشكلة يرتبط بعديد من الجوانب التي قد لا نتصوّر علاقة بينها و بين مشاكل المرور .. و التي منها :
المركزيّة الممعنة :
في مصر، ما زلنا نأخذ بالنظام البيروقراطي المركزي، و بالتسلسل الهرمي للرئاسات، في جميع مؤسّساتنا الحكومية و العامة، و في العديد من الخاصّة أيضا . و هكذا تركّزت قيادات ضروب النشاط الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي في القاهرة . صاحب المصلحة ـ أيا كانت تلك المصلحة ـ لا يستطيع أن يبتعد عن قلب القاهرة، حيث تتركّز مراكز اتّخاذ القرار، لكي يكون مطمئنا على متابعة إنجاز أعماله، و حيث تتركّز الخدمات الأساسية و وسائل الترفيه الأكثر جذبا .
محاولاتنا في مجال الحكم المحلّي، و الإدارة المحلّية، لم تصادف نجاحا ملموسا نتيجة لتلك المركزية الممعنة، التي تأبى أن تعيد النظر في نفسها، حتّى بعد أن تخلّت معظم الدول و المؤسّسات المتطوّرة عن النظام المركزي، لتناقضه مع طبيعة و احتياجات مجتمع المعلومات .
اتصل، و لا تنتقل :
مع تطوّر تكنولوجيات الاتّصال و المعلومات، ظهر شعار " اتّصل و لا تنتقل " . إذا كان بإمكانك أن تنجز عمل ما، و أنت جالس في مكتبك أو منزلك، بالاعتماد على وسائل الاتّصال المختلفة من تليفون إلى فاكس إلى كمبيوتر و إنترنيت، فما الذي يجبرك على الخروج إلى الطريق بسيارتك ؟ .
لقد أثبتت الدراسات أنّ 30% من الأعمال، يمكن أن يقوم بها العاملون في منازلهم، دون الحاجة إلى الانتقال إلى مقرّ العمل، إلا في مواعيد متباعدة . و هذا يعفينا من البحث عن سكن في قلب العاصمة، أو قريب من قلبها، أو في ضواحيها اللصيقة، فنختار للسكن مكانا يبعد عشرات الكيلومترات عن مقرّ العمل، أو قيادته، يغلب أن يكون أفضل من الناحية الاقتصادية و الصحّية . وبديهي أن تحقّق هذا رهن بتوفير وسائل الاتّصال المتطوّرة، التي تخفّف الضغط على الانتقالات، و على طرق العاصمة بالتبعية .
وسائل الانتقال العامة :
ومشكلة المرور، تتّصل أيضا بمدى كفاءة وسائل الانتقال العامة، التي تخفّف الضغط على استخدام السيارات الخاصّة . و خير مثال على ذلك التوسّع في شبكات مترو الأنفاق، التي تحدّ من استخدام السيارات الخاصّة و العامّة على الطرق .
سياسات الإسكان :
نتيجة لأزمة المساكن، يضطر المواطن إلى استئجار أي مسكن جديد متاح، بصرف النظر عن مدى قربه من مجال عمله، أو عمل زوجته، أو مدارس أولاده . مع أن الأصل في إقامة المجتمعات السكنية الكبيرة، التي تقيمها وزارة الإسكان، أن يشغلها أولئك الذين يرتبطون بأعمال قريبة منها، لكي لا يضّطرون إلى قطع المدينة من شمالها إلى جنوبها، مماّ يضاعف الضغط على الطرق .
بتأمّل هذه العوامل المختلفة، نرى أن حلّ هذه المشكلة، لا يمكن أن نلتزم فيه بالمأخذ الأحادي الجزئي، فالمشكلة تتصل بمسألة المركزية، و سياسة إقامة المشروعات الإنتاجية الضخمة، و سياسات الإسكان عندنا، و بمدى كفاءة وسائل الانتقال العامة، و بمدى تطوّر وسائل الاتصال المتاحة للأفراد .
و نفس الشيء ينسحب على تفكيرنا في حل باقي مشاكلنا، في التعليم متواصل الهبوط رغم دعايات المسئولين، و الصناعة التي ما زالت لا تتّفق مع حقائق الأوضاع التجارة العالمية التي ستطبق علينا، كذلك الإدارة و الطاقة و الديموقراطية.. وغير هذا من المشاكل التي لا يفيدنا أن نبحث عن حلول لها معزولة عن الواقع العام الذي تنشأ فيه، و دون أن نفهم العلاقات متبادلة التأثير بين الأشياء و بين النشاطات .

و إلى الرسالة التالية، لنتعرّف على الوهم الثاني الشائع

السبت، سبتمبر ٠٥، ٢٠٠٩

الرؤية المستقبلية لمصر

على من يمكن أن :
ينعقـــد الأمـل ؟

لقد رأينا فيما سبق أهمّية السعي إلى تغيير المفاهيم، وفقا للواقع الجديد الذي نعيشه . و فيما يلي نعطي ـ على سبيل المثال ـ المفاهيم التي يجب أن تتغيّر في بعض مجالات النشاط البشري . و كيف أن المفاهيم القديمة في مجال ما، يمكن أن توصلنا إلى استخلاص خاطئ في مجال آخر .
و لنبدأ بمجال العمل و العمالة ..
نتيجة للتوصّل إلى تكنولوجيات إلكترونية متطوّرة، مثل الكمبيوتر و الإنسان الآلي الذي يعمل بالكمبيوتر، تغيّر مفهوم العمل و العمالة تماما، قياسا على المفهوم الذي ساد قرون عصر الصناعة .
لقد أثبت الروبوت، أو الإنسان الآلي، أنّه قادر على القيام بمعظم الأعمال الروتينية التي يمكن برمجتها، في المصنع و المكتب، و التي كانت تشكّل النسبة العظمى من العمالة في عصر الصناعة . و بعد أن تكفّل بذلك، لم يبق أمام العمالة البشرية سوى الأعمال العقلية التي تقتضي التفكير . عامل عصر المعلومات، قد تراه جالسا أمام جهاز كمبيوتر، يتابع سير العمل الذي تقوم به أجهزة الروبوت، و يتدخّل عندما تظهر مشكلة ما، و يفكّر في بدائل الحلول المتاحة لتلك المشكلة، ثم يختار من هذه الحلول أنسبها لظروف العمل، و يطبّقه ثم يراقب تطبيقه، ليضمن سلامة الاختيار .
هذه صورة عامل اليوم و الغد، و هي تختلف اختلافا جذريا عن صورة العامل و مفهوم العمل، ممّا كان شائعا و مأخوذ به طوال عصر الصناعة .
إذا لم ننجح في تغيير مفهوم العمل و العمالة عندنا، و في ترسيخ المفهوم الجديد النابع من طبيعة عصر المعلومات، فسنقع في أخطاء كبيرة عند التفكير في إعادة بناء مجالات نشاط بشري أخرى، كالإدارة و الاقتصاد و التعليم .

الابتكار .. و تغيير المفاهيم

المفهوم القديـم للعمل، تقوم عليه الكثير من أفكارنا و نظرياتنا و نظم حياتنا الحالية، في مختلف المجالات . و جهد التفكير الابتكاري هو الذي يسمح لنا بإعادة النظر في جميع افتراضاتنا الحالية، للتثبّت من استمرار صلاحيتها، أو لتبنّي افتراضات جديدة مناسبة .
الواقع الجديـد للعمل و العمالة، يضعف قيمة كلّ ما يتحدّث به الخبـراء حاليا، عن البـطالة و أسبابها و كيفية التصدّي لها . لن يفيدنا في مواجهة هذا الواقع الجديد أن نرجع إلى المؤلّفات و النظريات و الخبرات التقليدية . و هذا يعني، أنه إذا أردنا اليوم أن نصل إلى حلّ لمشاكل البطالة المتفاقمة، لا يقودنا إلى مشاكل أكبر، فلا بد أن يقوم هذا الحل على المفهوم الجديد للعمل و العمالة .
و دون الدخول في التفاصيل، يمكننا أن نرى كيف تؤثّر الطبيعة الجديدة للعمل و العمالة على مستقبل الإدارة، و كيف تسقط معظم النظريات الإدارية التي كانت ناجحة للغاية في عصر الصناعة، و كيف تعيد تشكيل مؤسّسات العمل، مسقطة الاعتماد على التنظيم البيروقراطي الهرمي، و مفسحة المجال لعديد من أشكال التنظيمات الشبكية الجديدة، التي تنسجم مع طبيعة العمالة الجديدة .
العامل العقلي الجديد، لم تعد تنفع معه نظم الإدارة بالأوامر، و أصبح صالح العمل يقتضي مساعدته على اتّخاذ قراراته بنفسه . المؤسّسات الكبرى، في الدول المتطوّرة اقتصاديا، استشعرت مبكرا التغيرات المطلوبة التي نشير إليها، و أعادت تنظيم نفسها على أساس جديد، مستغنية عن تسلسل الرئاسات و التنظيم الهرمي التقليدي، و معتمدة على العديد من التنظيمات المبتكرة الجديدة، التي تعتمد أساسا على فريق العمل الصغير المتكامل، حرّ الحركة، شبه المستقل، المتّصل بقيادة العمل مباشرة، دون تدخّل من الإدارات الوسيطة .
كلّ هذا، جاء أساسا نتيجة لتغيّر مفهوم العمل و العمالة في عصر المعلومات .

تعليم جديد، لدعم العمالة الجديدة

و نفس الشيء ينسحب على التعليم، لأنّنا في أشد الحاجة لإعادة بناء نظمنا التعليمية على أساس المفهوم الجديد للعمل و العمالة، فالتعليم يسعى أساسا لسد حاجات العمل في المجتمع . غير أن حظ التعليم يكون دائما أتعس من حظ الإدارة، و خاصة إدارة المشروعات الخاصّة . فالنشاط الاقتصادي الخاصّ لا يكذب على نفسه، و يزعم أن الأوضاع على خير ما يرام، بينما تكون الأزمة واضحة للعيان . لقد بدأ استكشاف السبل الإدارية الجديدة لمجتمع المعلومات، على يد المؤسّسات الخاصة، التي شعرت أن معدّلات نموها لم تعد تحتفظ بنفس النسبة السابقة . إنّها لم تنتظر حتّى تفلس، بل بدأت قلقها و البحث عن حلول لمجرّد أن معدّل رواجها قد بدأ يتناقص . و هذا هو عكس ما يحدث في النشاطات الحكومية .
رغم أن التعليم عندنا قد وصل إلى الحضيض، بالمقاييس التقليدية القديمة، و رغم أننا نثبت كلّ يوم عدم قدرتنا على تحديد أولويات الحركة في إعادة بناء التعليم المناسب للحياة في عصر المعلومات، فإنّنا نجد من يتحدّث ـ متبجّحا ـ عن نهضة علمية، و عن ريادة في هذا المجال تشهد بها جامعات العالم ! .
تعليم عصر المعلومات الذي نطالب بإعـادة بناء التعليم على أساسه، يناسب التحوّل في مفهـوم العمل و العمالة الذي تحدّثنا عنه . التعليم الأساسي الجديـد لمجتمع المعلومات يستهدف توفير عمالة جديـدة، هي العمالة العقلية أو المعرفية، و يستهدف تدريب المتعلّمين على العمل في هياكل غير التي كان يستهدفها تعليم عصر الصناعة .
و هنا أيضا يفشل العديد من الأذكياء، الحريصين على المصلحة العامة، في تبين سبيلهم، و معرفة أولويات إعادة بناء النظم التعليمية الجديدة، نتيجة لأن الأمر يقتضي القدرة على تغيير المفاهيم، و هو أمر شاق ما لم نعتمد على آليات التفكير الابتكاري، التي أشرت إليها من قبل، و ربّما يتاح لي فيما يلي من حديث أن أوردها بشيء من التفصيل .

من أين نبدأ ؟

بعد هذا، نعود إلى السؤال القديم : من أين نبدأ ؟، و من المنوط به أن يبدأ ؟ ..
أقول دائما أننا في حاجة إلى الحدّ الأدنى من الاتفاق على" رؤية مستقبلية " لمصر . و هذا لا يمكن أن يتم بالاعتماد على المفاهيم و المدارك التقليدية الشائعة حاليا .. هذه الرؤية تكون " مستقبلية "، لأنّها تستوعب " مستقبل " التغيير في المفاهيم . و هذا يبيّن ـ ثانية ـ أهميّة الاعتماد على التفكير الابتـكاري، الذي يمكن أن يساعدنا على النظر إلى ما نحن فيه بعين جديدة، تتيح التعرّف على المسالك الجديدة، التي تستوجبها المفاهيم الجديدة .
و نعود مرّة ثالثة إلى السؤال المطروح .... من الذي يمكن أن يبدأ مسيرة رسم الرؤية المستقبلية لمصر ؟ . ما هي الجهة التي يبدأ عندها ذلك الجهد ؟ .
هذا الجهد ـ كما قلنا من قبل ـ يعتمد على المعرفة الشاملة المتجدّدة، غير الغارقة في التخصّص، كما يعتمد على التفكير الابتكاري المنظّم، الذي يتيح النظر إلى أي شيء، و كلّ شيء، بعين جديدة، و بشكل غير تقليدي، يتجاوز النظرة السياسية النفعية قصيرة المدى، التي تسعى إلى تلوين الحقيقة بكلّ ألوان الطيف، وفقا للمصالح القريبة .
استبعاد الاعتماد على الحكومة
بهذا المنطق، يمكننا استبعاد احتمال الاعتماد على الحكومة بوزاراتها و أجهزتها المختلفة . لقد تصوّرت ذات يوم أن بإمكان جهاز المعلومات لخدمة صناعة القرار، التابع لرئاسة الوزراء، أن يتكفّل بالبدء في مهمة وضع إطار العمل الذي يقود إلى صياغة الرؤية المستقبلية لمصر . و قد نبع تصوّري من إدراكي أن تقاليد الحكم عندنا لا تسمح بقبول الرأي المخالف، إذا ما صدر من خارج مؤسّسة الحكم .. تصوّرت أن الجهاز بتبعيته لرئاسة الوزراء يمكن أن يطرح التوجّه المستقبلي، دون خدش للكرامة الوهمية التي تتمسّك بها الحكومة . غير أن التجربة العملية أثبتت لي خطأ تصوّري . فمن الذي بقي لنعتمد ليه ؟! ..
يبدأ الحلّ بالتخلّص من الأوهام التي نحرص على التمسّك بها، رغن أنّها هي التي تعوق تقدمنا .

الخميس، أغسطس ٢٧، ٢٠٠٩

محنة التفكير، في زمن التغيير

البحث عن خريطة جديدة للتفكير

العلم ـ الفهم ـ العمل


ماذا يفعل صانع القرار في مواجهة المأزق الحالي ؟ .. كيف يستطيع أن يخرج من الفقّاعة المنطقية التي تشكّلت حول عقله نتيجة لمفاهيم و مدارك أثبتت التطورات التي حدثت في مجال المعرفة البشرية، و في نسق الحياة السائد، أنّها عتيقة أو خاطئة ؟ . الخروج من المأزق يقتضي الاعتماد على ثلاثة عناصر، وفقا لتتابعها : العلم ـ الفهم ـ العمل .
أن يعلـم صانع القرار، يعني أن يفتح جميع القـنوات المتاحة، لكي تتدفّق منها المعلومات من كلّ اتّجاه، و أن يسخّر كل التكنولوجيات المتطوّرة المتاحة لتحقيق هذا الهدف، حتّى تتوفّر له المعلومات المتجدّدة كل يوم و كل ساعة، لكي يتعرّف منها على طبيعة التغيّرات الجذرية المتسارعة التي تطرأ على المجال الذي يتحرّك فيه .
لكن المعلومات، في حد ذاتها، لا تكفي . و كما يقال، نحن نغرق في فيض من المعلومات، لكنّنا ما زلنا جوعى للمعرفة . فالمعلومات تحتاج إلى معالجتها، حتّى يمكن أن تتحوّل إلى معارف مفيدة . و هنا تنشأ مشكلة جديدة .. في أوضاع الاستقرار النسبي، و عند التصدّي لمجرّد التحسين و التجويد، وفقا لنفس الأسس القائمة، تكفي عملية معالجة المعلومات و تحليلها للوصول إلى المعرفة المطلوبة . لكن الأمر يختلف عندما نسعى إلى فهم جديد لعناصر الواقع المستجد، و هنا تظهر أهمّية التفكير الابتكاري و الفهم القائم عليه .
فهم المعلومات، و المعارف الناتجة عنها، بأدوات و خبرات و نظريات و أوضاع قديمة منصرمة، لا يفيد في حل المشكلات أو إعادة البناء من أجل التوافق مع الأوضاع المستجدّة .

أولويات العمل

الفهم القائم على الابتكار، و على النظر إلى الأشياء بعين جديدة، و من منظور مختلف، هو الذّي يتيح تشكّل الرؤية الصحيحة المطلوبة، لما هو حادث و ما هو قادم .
و الوصول إلى الرؤية الشاملة، هو الذي يتيح لنا أن نحدّد الأولويات.. و هو أيضا الذي يوفّر لنا أمرا بالغ الأهمية، أعني بذلك الرؤية الواضحة للعلاقات المتبادلة بين هذه الأولويات، و علاقتها بالهدف الذي نسعى إليه .
عندما يتحقّق الفهم، و تتضح الرؤيـة، و تتحدّد الأولويات، يبدأ العمل بعد وضع استراتيجياته و خططه، و يمضي التنفيذ وفقا لتلك الخطط و أولوياتها . فالأولوية هي رأس الحربـة التي نقتحـم بها الواقع الحالي . و تحديد الأولويات يخرجنا من حالة الإغماء التي تصيبنا كلّما فكّرنا في عمليات إعادة البناء المطـلوبة، و هو الذي يتيح لنا أن مضي في مسارات معيّنة دون غيرها، و لا نفقد في الوقت نفسه العلاقة بين الأولوية و الهدف، و لا العلاقات المتبادلة بين تلك الأولويات .
حتّى الآن، كان حديثي منصبّا على صناعة القرار بشكل عام، بالنسبة للقيادات و الأفراد، من الوزير إلى مدير الشركة إلى رب الأسرة . و لكن، كيف ينطبق هذا على صناعة القرار في مصر الدولة ؟، كيف يتحوّل العلم و الفهم عند قيادة مصر إلى عمل ؟

معنى المشــكلة

المأزق الذي تحدّثنا عنه، يبدو أكثر استحكاما على مستوى القيادات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية، عندما تتصدّى للمشاكل التي تتدافع حولها، دون سابق إنذار، و التي لا تجدي معها الحلول التقليدية و السوابق التي جرى الأخذ بها .
دعونا نتساءل : ما هي المشكلة ؟ ، و ما الذي يعنيه الواحد منّا عندما يقول أن مشكلة ظهرت له ؟
المشكلة ـ ببساطة ـ هي عبارة عن تغيير في بيئة النظام ، الداخلية او الخارجية، سواء كان ذلك النظام مركّبا كيميائيا، أم جسدا بشريا، أم فردا في مجتمع، أم شركة أو مؤسّسة، أم حكومة، أم منظّمة عالمية . إذا كان ما حدث اليوم، على نسق ما حدث أمس، فليست هناك مشكلة .. لكن إذا ما طرأ تغيير فيما يحيط بي من أشياء أو علاقات أو ظروف، شعرت بوجود مشكلة أو عدّة مشاكل . و أيضا، إذا ما حدث التغيير بداخلي، جسديا أو عاطفيا أو عقليا، شعرت بوجود مشكلة أو عدّة مشاكل .
و من هنا، لا تهبط علينا المشكلة من فراغ، أو مصادفة، إنّها النتيجة الطبيعية للتغيرات الخارجية أو الداخلية التي تطرأ علينا .
إذا كانت التغيّرات مسبوقة، أي شبيهة بتغيرات سابقة مررنا بها، أمكن التصدّي للمشاكل الناتجة عنها بحلول معروفة لنا، و جاهزة في رصيد خبراتنا، و هكذا تنتهي المشكلة . أمّا إذا كانت غير مسبوقة، فالأمر يقتضي أن نبتكر لها حلولا غير مسبوقة .
و هذا هو المأزق الذي تجد نفسها فيه قيادات العمل السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي حاليا، قيادات أقصى اليمين و حتّى أقصى اليسار .. إنّها تتعامل مع مشاكل جديدة، ساعية إلى حلّها بأدوات تقليدية قديمة . و هذا هو ما يجعل تصدّيها لحل المشاكل متمخّضا عن مشاكل أكبر، فتصبح عملية اتّخاذ القرار شاقّة و محبطة للغاية .


خريطة جديدة للتفكير

لقد تكلّمت من قبل عن " الفقّـاعة المنطقـية " الخاصّة التي يعيش فيها الفرد، و التي تستمدّ كيانها من مفاهيمه و مدركاته الخاصّة، تبدو أفكاره و ردود فعله داخلها منسجمة مع بعضها و منطقية للغاية .. و إذا كانت مفاهيمه عتيقة و مدركاته خاطئة، فإن هذه الأفكار و ردود الفعل تصبح غير منطقية و لا تقود إلى نتائج سليمة .
المطلوب من كل قائد سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي حاليا، أن يتخلّى عن فقّلعته المنطقية الخاصّة به، و أن يفهم أن التصدّي للمشاكل الحالية غير المسبوقة، يقتضي رسم خريطة جديدة للتفكير، تقوم على افتراضات و مدارك و مفاهيم جديدة، غير التقليدية السابقة، يمكن رسم طريق الحلول عليها .. و هذا هو ما يقودنا للوصول إلى القرار السليم في الوقت المناسب .
و هنا .. نصل إلى عمق المأزق ..
ما الذي يمكن أن يعتمد عليه القائد في عملية إرساء خريطة التفكير الجديدة، التي ستكون أداته للتصدّي للتغيّرات الزاحفة المتسارعة غير المسبوقة ؟.

الشائع حول حلّ المشاكل

الشائع حاليا ـ على مختلف المستويات ـ أن السبيل الأمثل لحلّ مشكلة ما، هو جمع أكبر قدر من البيانات عنها، و معالجة هذه البيانات، للوصل إلى معلومات عن الوضع .. و كذلك تحليل المشكلة إلى أصغر عناصرها، و الاعتماد على الجدل و المنطق في الوصول إلى حلّ لها .
لقد كان هذا ناجحا على مدى عشرات السنين، لحلّ المشاكل و تحسين مجال العمل و تجويد الإنتاج، عندما كانت المفاهيم و المدارك الأساسية و التي تأخذ بها الغالبية تتمتّع بحالة من الاستقرار النسبي، نتيجة لاستقرار العناصر الأساسية في أسلوب الحياة المأخوذ به .
غير أن هذا لم يعد كافيا للتعامل مع الواقع المستجدّ ..
و المطلوب حاليا، هو الوصول إلى طريقة أو منهج أو آلية تساعدنا على تغيير المفاهيم و المدارك، و إعادة النظر في الافتراضات التي قام عليها هيكل تفكيرنا التقليدي .. و هذا لا يتحقّق إلاّ بالاعتماد على التفكير الابتكاري، و آليّاته المتاحة .
السرّ في هذا أن تغيير المفاهيم ليس أمرا سهلا، ممّا يقتضي القيام بمناورة متعمّدة للتحلّل من سيطرة المفاهيم القديمة على العقل، و الخروج من الفقّاعة المنطقية التي نعيش داخلها، و التي تجعلنا نبدو ـ على غير الحقيقة ـ منطقيّين أمام أنفسنا .