السبت، ديسمبر 01، 2012


الثائر والدكتاتور والخروف والشيخ متلوف بقلم أ.د. محمد نبيل جامع أستاذ علم اجتماع التنمية بجامعة الإسكندرية 01227435754 29 نوفمبر 2012 هل نجح عباقرة الدين السياسي في شق الشعب إلى نصفين: إسلاميين ولا إسلاميين (علمانيين، لبراليين، يساريين، قوميين، ناصريين، يعني كفرة بوذيين كما يقولون)؟ هذا هو ما يتوهمون، أو هو ما يضللون الناس به. نحن مصريون عاديون متدينون، كل واحد فينا حر، وربنا يبارك له في دينه. الصورة الأكثر تعبيرا عما رسمه عباقرة الدين السياسي، أي هؤلاء المتأسلمون، هي الآن، وبعد الإعلان الدستوري الدكتاتوري، صورة تتشكل من ثوار، ومؤسسة رئاسية دكتاتورية، وخراف، ومستشيخون منتفخون سلطويون دكتاتوريون. أيام مبارك كانت مصر مؤسسة رئاسية دكتاتورية، وخراف، وطفيليون لصوص، ومستشيخون منافقون. يعني لم يكن هناك ثوار. الثوار قاموا بالثورة بعد أن تحرروا من الخرافة والاستعباد. وفي كل الأحوال كان هناك الأزهر الشريف والكنيسة المهابان يحفظان لمصر المحروسة روحها الطاهرة السمحة الأبدية. والسؤال المهم الآن هل يستطيع الخراف المعاصرون أن يتحولوا إلى ثوار؟ وبالمناسبة أرجو ألا يُمَأمِأ من يشعر أنه خروف متعصبا من وصفه بهذا الوصف، فقد درج العلماء والفلاسفة على استخدام أسماء الحيوانات والطيور لتعبر عن الاتجاهات الأيديولوجية والسياسية (الأسود والثعالب، "أرنولد توينبي" – الصقور والحمائم – الفهود السوداء.... إلخ). والإجابة هي: نعم، يمكن أن يتحول الخراف إلى ثوار، وذلك من خلال النقاط التالية: 1. لابد أن يدرك الإنسان المَعْنى الحقيقي للوحدانية، الله فقط هو المطاع طاعة عمياء، الخالق الرب ذو النعم، مانح العقل، ضامن الغذاء والكساء والماء والدواء، الرزاق، المرتجى، المنجي، الموثوق به، والمطمأن إليه. لا طاعة عمياء لدكتاتور، ولا تقديس لشيخ أو تلبيس حذاء لمرشد. لم يأمر الله سبحانه وتعالى بالطاعة والتذلل إلا له سبحانه وتعالى ثم الوالدين فقط ما دام الأمر بعيدا عن عصيان الله جل شأنه وتعالى. هذا هو مبتدأ التحرر والخروج من دائرة الاستعباد والطاعة العمياء. 2. لابد أن يدرك الإنسان أن التفرق والجدال والتعصب لرأي أو لجماعة إن هو إلا ضعف عقلي ووهن فكري يُسلم فيه الإنسان عقله لغيره ليستريح من تعب التفكير والتأمل والاجتهاد والتدبر. وهذا مخالفة لأمر الله سبحانه وتعالى الذي يأمرنا بالتأمل والتدبر والبحث عن المعرفة والعلم ولو في الصين كما قال الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام. 3. أن ندرك دائما أن الاجتهاد محمود، حتى لو أخطأ الإنسان، والاجتهاد على قدر المعرفة هو ما أعنيه. هنا أنت المسئول عن عملك، ولا تستسلم وتعلقها، وأنت قادر على العقل، في رقبة شيخ، فالله سبحانه وتعالى يعلم سرك ونيتك. العلم المطلق لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى: "وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ،‏ آل عمران‏:‏ 7‏". وقد اختلف العلماء في تفسير هذه الآية الكريمة، فمنهم من يرى أن الراسخون في العلم يعلمون تأويله (ابن عباس، ومجاهد، والربيع بن سليمان، والقاسم بن محمد، والشافعية، وابن فورك، والشيخ أحمد القرطبي، وابن عطية)، ومنهم من يرى أن الله وحده هو العالم بتأويله (جمهور السلف، وهو قول ابن عمر، وعائشة، وابن مسعود، وأُبي، ورواه أشهب عن مالك في جامع العتبية، وقاله عروة بن الزبير، والكسائي، والأخفش والفراء، والحنفية، وإليه مال فخر الدين). والفقير العبد لله كاتب هذه السطور يميل إلى التفسير الثاني، وذلك لسبب بسيط جدا، ألا وهو أن واو العطف تساوي بين المعطوف والمعطوف عليه، هذا من الناحية اللغوية، ثم من الناحية العقليه: كيف أتصور أن تأويل الله سبحانه وتعالي لكلماته تتساوى مع تأويل خلقه لها. حتى فيما بين البشر أنفسهم لا تجد أبدا أن الطالب نادرا ما يتفوق على أستاذه في شيء درسه على يد أستاذه إلا بعد زمن طويل. 4. إذا تحرر عقلك فقد خطوت 90% من طريق التحول من عبد مأمور إلي ثائر، ذلك الثائر الذي ينتفض ليقضي على الفساد حتى يتمكن من أن يبني الأمجاد (ورحم الله الشيخ الشعراوي القائل لها قبل الثورة). وكيف تبني الأمجاد إذا لم تكن تعلم أن لبناء الأمجاد متخصصون علماء وتنظيم عصري حديث، ومن قبل ذلك إدراك وإيمان بقيم ومعايير الحداثة، وليس مجرد اللحية والزبيبة والسبحة والجلابيب الخليجية وفقه المرأة والبداوة والتفاخر بالزواج المتعدد ودور المرأة السجينة في المنزل، تلك المرأة التي تملأ ميدان التحرير بروح الثورة والتقدم والحداثة والطهارة؟ 5. على شبابنا الطاهر وخاصة المنتمين منهم إلى التيارات الدينية، ونحن معهم، أن نتبع أمر الله سبحانه وتعالى باستبدال المحبة بالكره، فلو كان الحبيب المصطفي فظا غليظ القلب لانفضوا من حوله. ويأمرنا صلى الله عليه وسلم بالتواد والتراحم والتعاطف لأننا جسد واحد. الإسلام كان ثورة على عبادة غير الله وتقديس السادة الطغاة المستبدين الفاسدين، ومن ثم فأنا أدعو كل ثائر خرج بالأمس الجمعة في ميدان التحرير، في مليونية "التراجع أو الرحيل" لــ "يحضن" شقيقه الغافل الذي خرج اليوم في مليونية "النهضة" ليقنعه بالحكمة والموعظة الحسنة أن مصر الجديدة، مصر الثائرة لن تبنى بعقليات خيرت الشاطر والمرشد والشيوخ المتغطرسين المكفرين لخلق الله، وإنما بهم هم أصحاب المستقبل والمنتفعون به، عسى أن يكتب الله لمصر في المدى المتوسط السلام والعزة والكرامة والحداثة والعظمة، وبركاتك يا "إبراهيم يا هضيبي".

الأربعاء، نوفمبر 02، 2011

رسالة من حريص على مستقبل مصر

الخوف ... والثورة ... والعشق الممنوع
بقلم
أ.د. محمد نبيل جامع
أستاذ علم اجتماع التنمية بجامعة الإسكندرية



لقد نجحت إدارة المرحلة الانتقالية بعد ثورة يناير المستنيرة بقيادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة في رفع مؤشر الخوف لدي الشعب المصري بدرجة ملحوظة حتى بدأت نبضات الفعل الثوري في الخفوت تدريجيا. ولكن هيهات هيهات، فلن تتعدى هذه الإستراتيجية مجرد تعطيلٍ لسرعة قطار الثورة حثي تتحقق أغراض خفية غير معلنة، يستنتجها بعضُ المحللين مثل تعطيل التحول الثقافي الديمقراطي المدني المنافي للثقافة العسكرية، واستمرار الحكم العسكري لفترة رئاسية انتقالية، وتبرئة مبارك وعائلته، والحفاظ على النظام السابق حتى التحقق من الخروج الآمن لشبكة جميع اللصوص الذين نهبوا ثروة مصر، والمحافظة المؤسسية على مكتسبات المؤسستين العسكرية والشرطية، والمحافظة على الهيبة والشرف العسكري بصفة أن مبارك كان القائد الأعلى للمؤسسة العسكرية، وهو برغم جرائمه التي جسدت الخيانة العظمى يمثل رمزا عسكريا يجب ألا يهان، وأخيرا الاستجابة للضغوط الرجعية لدول الخليج (باستخدام الجزرة) أو للضغوط القهرية من جانب إسرائيل والدول المساندة لها (باستخدام العصا).
الإنسان يخاف. غريزة طبيعية للبقاء. يخاف من شيء، كعدو مفترس، أو يخاف على شيء، كفقدان حياته أو فقدان مكتسباته وثرواته أو ضياع مستقبل أولاده. وقس علي ذلك بصورة عامة، أي الخوف من شيء أو الخوف علي شيء. وعادة ما يخاف الإنسان من شيء (أو أشياء) على شيء (أو أشياء). وتنطلق إستراتيجية المجلس العسكري المعطلة أو المجهضة للثورة من الخوف على شيء أكثر منه من الخوف من شيء. يخاف المجلس العسكري على مكاسبه العسكرية التي تهددها السيطرة المدنية للدولة، ويخاف على سيادة الثقافة العسكرية من سيطرة الديمقراطية والثقافة المدنية، ويخاف على شرف المؤسسة العسكرية من محاكمة رموزها.
وإذا كان المجلس العسكري يخاف على أشياء سبق ذكرها، فهو يحاول دفاعا عن نفسه إثارة الخوف من جانب الشعب، وعلى رأسه الثوار الأحرار والقوى الثورية والنخبة المثقفة والإعلام الحر بدرجة أعلى من الخوف الذي يعاني منه المجلس العسكري نفسه، وبذلك يضمن السيطرة على تلك القوى المثيرة لخوفه هو. تحاول إدارة المرحلة الانتقالية إثارة الخوف لدي الشعب من أشياء معينة أساسا وعلى أشياء معينة بصورة ثانوية.
تتبع إدارة المرحلة الانتقالية إستراتيجية إثارة الخوف لدي الشعب الثوري باتباع آليات معينة تتمثل في الإرهاب (بعدو مفترس) مثل قانون الطوارئ، والمحاكمات العسكرية، والأحكام السريعة، وإطلاق كلابها من البلطجية والقوى المندسة، وعدم هيكلة وزارة الداخلية، واستمرار نشاط أمن الدولة من خلال الأمن الوطني. وهناك آلية أخرى تتمثل في إضفاء بيئة من الضبابية الكثيفة بحيث تجعل الشعب لا يرى مستقبلا واضحا، ومن ثم يعاني من الخوف من المجهول، وهي ربما تكون أقوى آليات زرع الخوف، وهي التي تجعل الطفل يقول لأمه أنا لا أرى ولا أعرف، أما أنت يا أمي فتعرفين، ومن ثم فيلقي بنفسه في أحضان أمه مستسلما لقراراتها، وهي التي تجعل الشعب أيضا يقول لحكومته أنا لا أرى ولا أفهم، أما أنت يا حكومتي (وخاصة لو كانت مجسدة في قوة عسكرية) تعلمين، فيلقي بنفسه في أحضان حكومته مستسلما لقراراتها ومطمئنا إليها ونازعا الخوف من جانبه.
إذن، الخوف الآن من جانب الشعب والقوى الثورية هو أقوى أعداء الثورة، وهو الآلية المتبعة لإجهاض الثورة. كيف نقاوم تلك الآلية الشرسة، وكيف نمحو الخوف المعوق لانطلاق الثورة وتحقيق مطالبها؟ الإجابة في كلمتين بسيطتين، المعرفة والأخلاق.
أولا: بالنسبة للمجلس العسكري، يزول الخوف من جانب المجلس العسكري لو عرف (أو لو علم) أنه لو حقق مطالب الثورة وانحاز إلى الشعب دون سدنة النظام البائد، وهذا أمر أخلاقي، فإن الشعب سوف يرفعه على رأسه ويسجل التاريخ للمجلس الأعلى للقوات المسلحة وللجيش المصري مجدا يُسطر بحروف نورانية أبدية. وليعلم أيضا وبما لا يدع مجالا للشك أن زمن سيطرة الحاكم، أو سيطرة مؤسسة معينة، جيشا أو شرطة أو قضاءً، تحت أي مبرر مهما كان قد ولى والحمد لله. فالشعب، جاهلوه قبل متعلميه، ونساؤه قبل رجاله، وشيوخه قبل شبابه قد ذاقوا الحرية وتعرفوا على طاقاتهم التي لا تقهر، ولن يرضى تسعون مليون مصريا بعد اليوم بظلم ولا قهر ولا استنزاف ولا عذاب ولا جحيم في ظل وجود قلة تنهش لحومهم وتهرس عظامهم وتطفئ آمالهم وتعذب عيالهم.
ثانيا: بالنسبة للشعب والقوى الثورية، وهذا هو الذي يهمنا في هذا المقال بالدرجة الأولى:
1. لابد أن يتحول العشق الممنوع من جانب أعضاء حزب الكنبة، وما يقال عنهم الأغلبية الصامتة، وذلك للثورة والحرية والديمقراطية ومصر العزيزة الأبية ومصر القوية إلى عشق ظاهر شرعي معلن وذلك من خلال المعرفة والرجاء والأمل والإصرار.
2. لابد أن يتأكد الشعب بثواره ونخبته وعامته أنه أكبر وأقوى من الحاكم مهما كانت قوته وجبروته، ولو أيقن الشعب ذلك زال الخوف لأن الأقوى لا يخاف من الأضعف. والدليل على قوة الشعوب صفحات التاريخ وزوال الحكام وبقاء الشعوب، وأقرب الدلائل على ذلك ما أحدثته ولا زالت تحدثه الثورات العربية في عهد الربيع العربي.
3. أثبتت الدراسات العلمية النفسية أن 90% من القلق الناتج عن الخوف لا محل له، ولا تتحقق مسبباته. ولذلك إذا كنت خائفا، مثلا، من سيطرة فقه المرأة والحيض والنفاس ومنع البكيني ومنع الراقصات ومنع الخمور وقمع النساء وإجبارهم على النقاب أو الحجاب فاحتمال حدوث ذلك لا يتعدى 10% فقط. وإذا حدث لن يكون واقعا، بقدر ما سيكون هناك صراعا ثقافيا داخليا فقط. وليعلم حملة التأسلم السياسي أنهم معدومو الرؤية المستقبلية، ولا يشعرون أنهم هم أنفسهم بامتهانهم للسياسة إنما يمارسون الانتهازية والتآمر والتحالف والتنازل، وليس أدل على ذلك من أن السلطات المباركية والحالية أيضا تتلاعب بهم وتحركهم كيف تشاء.4. مهما تعرضت البلاد لفوضى ما بعد الثورة، ومهما تأخر المجلس العسكري في تسليم السلطة إلى حكومة مدنية منتخبة، ومهما تشكلت الدولة ومؤسساتها بعد الثورة بحكومة مطعمة بالفلول ويسيطر فيها التيار السياسي المتأسلم، ومهما حدث من تنازلات لصالح المؤسسة العسكرية فالمستقبل مشرق والبداية نحو الحداثة والكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية قد تحققت، وعلينا أن نطمئن تماما ونتأكد أن شبابنا وأولادنا وأحفادنا لن يعيشوا الحياة البائسة التي ابتلانا سبحانه وتعالى بها بقهر الحكام وفسادهم، ولكي نعلم الآن صدق كلمات المولى سبحانه وتعالي "إن مع العسر يسرا". وليس هذا بالكثير على مصر الحبيبة، فهي ليست أقل من دول أمريكا اللاتينية أو دول جنوب شرقي آسيا أو دول أوروبا الشرقية أو حتى بعض الدول الإفريقية، ونأسف لمصر الحبيبة فقد تخلفنا عنها كثيرا

السبت، فبراير 12، 2011

و نحن نعيد بناء مصر

هذه الكلمات كتبتها عام 2009، و ظهرت عام 2010 في كتاب " ديموقراطية جديدة لمجتمع المعلومات "، و أطرحها اليوم ثانية و نحن نفكّر في إعادة بناء مصر، علّي أجد من يعيها و يستفيد منها- راجي عنايت
************

الديموقراطية المطلوبة لمصر =
تعليم + إعلام + مجتمع مدني


أخيرا .. نصل إلى السؤال الأصعب .. عرفنا ما تفكّر فيه المجتمعات المتقدّمة، و ما تحاول أن تفعله لتصيح مسار الحياة فيها .. فماذا عنّا نحن ؟.. و ماذا عن مستقبل الممارسة الديموقراطية في مصر، و المطلوبة لصالح شعبها ؟ . من أين نبدأ المسيرة، وسط ركام التخلّف و الفشل و الفساد الذي يرتفع حولنا ؟ ..
الواجب العاجل الذي يدعونا أن نتجّه إليه، لمساعدتنا في التخلّص من الأفكار البالية، و الأوهام التي ما زلنا نتمسّك بها، و طرق الحياة الأثرية التي نعتقد في صلاحيتها .. هذا الواجب ينحصر في ثلاثة أركان رئيسية، يمكن أن يصلح جهدنا فيها كرأس حربة في اقتحامنا لعصر المعلومات، و مساعدتنا في تصميم الممارسة الديموقراطية التي تناسب واقعنا الحالي ..
قلت من قبل ـ في بدايات هذا الكتاب ـ أن الرؤية المستقبلية لمصر، التي يمكن أن تساعدنا في إعادة بناء كل شيء في حياتنا، بطريقة تنقذنا من الأخطاء التي أدمنّاها، و ترشدنا إلى كل ما يأخذ بيدنا لدخول عصر المعلومات .. هذه الرؤية المستقبلية تقوم على أمرين :
أولا : وضوح الرؤية المستقبلية لمسار الجنس البشري في انتقاله من حياة المجتمع الصناعي، إلى حياة مجتمع المعلومات . ( هذا هو الهدف ) .
ثانيا : وضوح الخريطة الحضارية الراهنة لمصر، التي تكشف لنا بأمانة ( أين نقف ؟ ) .. و أعني بالخريطة الحضارية لمصر : إلى أي مدى ما زالت تسود حياتنا عقلية المجتمع الزراعي ؟، و ما حجم انتقالنا إلى الأخذ بعقلية المجتمع الصناعي ؟، و ما هو مدى اقترابنا من تخوم حياة مجتمع المعلومات ...
المحاور الأساسية للحركة :
المحاور الأساسية للحركة، التي يمكن أن تكون نقطة انطلاق سليمة، في عملية إعادة بناء حياتنا السياسية، أي إعادة بناء نظام ممارستنا السياسية، أي ديموقراطيتنا . هذه المحاور هي :
· التعليم .
· الإعلام .
· المجتمع المدني .
سنحاول فيما يلي أن نشرح هذه المعادلة التي طرحناها، و التي نعتقد أنها ستساعدنا في عبورنا إلى المستقبل .. بشكل سليم و آمن .. و قائم على الفهم المتكامل لحقيقة الحياة الجديدة التي يمضي إليها الجنس البشري .

أولا : التعليــــم
و لكي نتعرّف على النظم التعليمية الجديدة في مجتمع المعلومات، يجب أن نستفيد ممّا فعله بعض المفكرين لفهم تعليم عصر الصناعة .. أي أن نحدد مواصفات الإنسان المنسجم مع الحياة في عصر المعلومات، و الذي يستطيع الاستفادة من كلّ ما تتيحه الحياة في مجتمع المعلومات، ثم نبني على ذلك الأسس الجديدة للنظم التعليمية .
إنسان عصر المعلومات :
إنسان عصر المعلومات ـ دون الدخول في الشروح المطوّلة ـ له صفاته المحددة التي تختلف عن صفات إنسان عصر الصناعة، أو الزراعة، و التي من أهمّها أنّه :
متفرّد، و غير نمطي :
بعد انقضاء جدوى النمطية التي أشاعها عصر الصناعة، و نتيجة لتدفّق المعلومات و المعارف، يصبح إنسان مجتمع المعلومات أكثر حرصا على تفرّده و ذاتيته، و لا يرضى أن يكون صورة مكرّرة للآخرين، قادرا على التعامل مع التكنولوجيات المعلوماتية التي تساعده على الاستفادة من تدفّق المعلومات، و الاستفادة منها .
قادر على تحصيل المعارف ذاتيا، و بشكل دائم :
مع تسارع المعلومات، و التغيرات التي تطرأ على المعارف، يستحيل أن يكتفي الفرد بتحصيل معارفه عند عمر معيّن، أو عند انتقاله من الدراسة إلى العمل، الأمر الذي كان سائدا في عصر الصناعة، لذلك فإن إنسان المستقبل يؤمن بأن الحياة عبارة عن سلسلة متعاقبة من التعليم و التدريب و العمل، ثم المزيد من التعليم، و إعادة التدريب . و هذا يقتضي أن يكون إنسان المستقبل مستعدا ـ في نفس الوقت ـ للاعتماد على نفسه، في ملاحقة المعلومات المستجدة، و ما يطرأ على العلوم و المعارف من تغيّرات، مستخدما التكنولوجيات المعلوماتية التي أصبحت متاحة للجميع .
ممارس للتفكير الناقد، قادر على الابتكار :
مع تغيّر أسس الحياة جذريا، لا يبقى شيء على حاله، و يكون على إنسان مجتمع المعلومات أن يعيد النظرـ دائما ـ في كل ما استقرّ عليه الرأي من قبل . و التفكير الناقد، يتيح التعرّف على الافتراضات التي قامت عليها الأفكار و النظريات و العقائد، لامتحان مدى استمرار صلاحيتها .. كما أنه يتيح الانتباه إلى السياق الذي نبعت من الأفكار المتداولة، لمعرفة مدى استمرار صلاحية ذلك السياق .
و نتيجة للتحوّل إلى العمل العقلي، أصبح على العامل أن يكون قادرا على : رصد المشكلة في عمله، و التفكير في حلول لها، و انتقاء الحل الأنسب و الأوفق، ثم تطبيق ذلك الحل، و التثبّت من صلاحيته .. هذا يعني أن الابتكار و التفكير الابتكاري أصبح سمة أساسية في نشاط إنسان مجتمع المعلومات .
إيجابي، و متعاون :
التنظيم الهرمي لتسلسـل الرئاسـات، الذي هو العمود الفقري للبيروقراطية .. هذا التنظيم الذي ما زلنا نأخذ به، رغم
تناقضه مع احتياجات عصر المعلومات، كان يفرض على الفرد أن ينفّذ التعليمات الصادرة إليه من المستويات الأعلى منفردا ..لكن التنظيمات الإدارية الجديدة للعمل، على امتداد العالم المتطور، تحوّلت إلى تنظيمات جديدة، تعتمد على هبوط نسبة كبيرة من مسئولية اتخاذ القرار، التي كانت تنفرد بها القيادة، إلى الوحدات القاعـدية، متكاملة الخبرات، شبه مستقلة
ـ 77 ـ
الأداء، حرّة الحركة تجرى اتصالاتها في جميع الاتجاهات . لهذا يجب أن يكون إنسان المستقبل إيجابيا، قادرا على المبادرة و على التفكير الخلاّق عند اتخاذ القرارات المتصلة بعمله، ناجحا في التعاون مع غيره من أفراد مجموعته، و مع المجموعات الأخرى، داخل مؤسسته و خارجها .
معتزّ بعقيدته، محترم لعقائد الآخرين :
مع اندفاع ثورة المعلومات، و التنوّع الكبير الذي سيطال البشر، إنسان مجتمع المعلومات لا يخجل من أفكاره و عقائده، الناتجة عن جهده في التفكير الناقد، معتزّا باختلافه عن الآخرين، و هو في نفس الوقت يحترم عقائد الآخرين، و لا يحاول أن يفرض عليهم عقيدته .
إذا كانت هذه هي خصائص إنسان عصر المعلومات، فما هو نوع التعليم الذي يصلح له، و لمجتمعه أيضا؟
تعليم عصر المعلومات :
وفقا لخصائص إنسان عصر المعلومات التي أوردناها ،يمكننا أن نستنبط طبيعة التعليم التي تناسب هذا العصر،و هذا الإنسان .. و التي تشير إلى:
· تعليم يساعد على التفرّد، و يناهض القولبة، و محاولة جعل الأفراد آحادا متراصة متشابهة .
· تعليم خالق للمعرفة، يحض على التفكير و الابتكار، و يحارب التبعية النمطية و التلقين .
· تعليم يستفيد من دخول الأجيال إلى كل منابع المعلومات و المعارف، بلا قيود أو وصاية .
· تعليم يناهض كل ما هو جماهيري، من رواسب نظم عصر الصناعة، و يحترم الفروق بين الأفراد .
· تعليم لا يضع قيدا على العقيدة، و يحترم التنوّع الشديد الذي استحدثه تدفّق المعلومات و المعارف في عقائد البشر و توجّهاتهم، ويحضّ الفرد على الإيمان بأن اختلافه عن الآخرين، هو مصدر ثراء له و للآخرين .
نظم تعليمية جديدة
مع دخول الكمبيوتر، و الإدارة الرقمية، و الروبوت، إلى المصنع و المكتب، يقتضي الأمر الاعتماد على نظام تعليمية جديدة، تختلف كثيرا عمّا نأخذ به، من بينها التالي .
( 1 ) من التلقين، إلى التفكير و الابتكار :
الكمبيوتر و الروبوت نجح في تولّي معظم الأعمال الروتينية في المصنع و المكتب، و بشكل متفوّق عن الأداء البشري، فلم يبق للبشر سوى العمل العقـلي أو المعـرفي، الذي يقتضي التفكـير، و القدرة على حلّ المشاكل، بالبحث عن بدائل الحلول، و اختيار الحل الأوفق للظروف، ثم تطبيقه و متابعة أدائه . و هذا هو التحوّل الأساسي في النظام التعليمي المناسب لعصر المعلومات . من تعليم يقف عند حد تلقين المعلومات المحدودة، إلى تعليم يشجّع على التفكير، و البحث عن الحلول، و يحض على الابتكار و الإبداع . نحن ننتقل من تعليم عصر الصناعة الذي كان يعمد إلى تلقين التلاميذ، و حشو رؤوسهم بشتات المعلومات، و بعض التقنيات، إلى تعليم يستهدف خلق المعارف و التدريب المتواصل .
( 2 ) بيئة تعليمية مفتوحة :
ستتحوّل البيئة التعليمية المغلقة الحالية، إلى بيئة تعليمية مفتوحة، تعتمد على شبكات المعرفة الإلكترونية، التي تعطي أهمية أكبر للقـدرات الشـخصية . البيئة التعليمية الجديدة، تنهي احتـكار المدرسة للعملية التعليمية، و تفتح الباب أمام ممارسة التعليم في البيوت، و في المؤسسات الاقتصادية التي ستتكفّل بجانب منه .
( 3 ) من التعليم النمطي، إلى الشخصي :
النظام التقليدي النمطي الجماهيري، النابع من عقلية و احتياجات عصر الصناعة، يحل محلّه نظام جديد يقوم على أساس اعتبار قدرة الفرد و اختياراته . و هذا يعني أنّه في مكان نظام التعليم الحالي، الذي يجري تقسيمه على أساس الأعمار، يقوم نظام جديد يسمح لقدرات الأفراد بالتقدّم إلى مستويات متقدّمة، بصرف النظر عن العمر .
( 4 ) التعليم على مدى الحياة :
التعـليم العام لعصر الصناعة يقوم على تعليم إجباري، بالإضافة إلى فرص قليلة للتعليم الأعلى و الحرفي . و كان التعليم ينتهي عادة بالحصول على شهادة إتمام الدراسة، التي تؤهّل لدخول الوظائف و مجالات العمل .
مع تسارع المعلومات و المعارف، و تغيّر النظريات، و هبوط علوم و صعود علوم جديدة، تنشأ ضرورة اعتماد الدارس، أيا كان عمره، على التكنولوجيات الإلكترونية الحديثة، لمتابعة ما يحدث بشكل عام، و في فرع تخصّصه بشكل خاص . و هذا يجعل تعليم عصر المعلومات عملية ممتدة على مدى حياة الفرد .
( 5 ) التعليم الذاتي :
يساعد على التعليم الدائم المتواصل، مبدأ التعليم الذاتي الذي يأخذ به عصر المعلومات، و الذي يراعي و يحترم الفروق الشخصية بين الأفراد . و التعليم الذاتي يصبح ممكنا بفضل الكمبيوتر، و غير ذلك من التكنولوجيات الإلكترونية . لقد أصبح بإمكان الفرد أن يعلّم نفسه، على مدى مراحل عمره، اعتمادا على البرامج التعليمية الخاصّة بالكمبيوتر، الذي يقوم باختبار الدارس، عند مراحل معينة، للتثبّت من استيعابه، تمهيدا لإعادة الدرس، أو الانتقال إلى الدرس التالي، وفقا لإيقاعه الخاص .
* * *
هذا التعليم الذي أوضحنا خصائصه، هو الذي يساعد الفرد على ممارسة أنماط الممارسات الديموقراطية الجديدة، التي تنبع من احتياجات عصر المعلومات . لقد كان تعليم عصر الصناعة، الذي يوصف بالتعليم الجماهيري، هو أنسب ما يفيد الفرد في تعامله مع الديموقراطية الجماهيرية، أو ديموقراطية التمثيل النيابي، التي ابتدعها عصر الصناعة، و التي تقتصر على اختيار الفرد ـ بنفسه أو من خلال حزبه ـ للشخص الذي سيتّخذ قرارات حياته نيابة عنه ..
و هذا هو السرّ في أن تعليم عصر المعلومات يحتل الأولوية الأولى في بناء الديموقراطية جديدة المطلوبة لمصر .

ثانيا : الإعـــــــلام

من هذا ننتقل إلى الشق الثاني من دعامات الديموقراطية الجديدة، أعني الإعلام .. كيف يتحوّل إعلامنا إلى أداة لديموقراطية عصر المعلومات ؟ .
في المعادلة التي طرحتها، كان من الضروري أن يتقدّم التعليم باقي عناصر المعادلة، باعتباره الأداة الأكثر أهمّية في تكوين الإنسان المتوافق مع مجتمع المعلومات، و القادر على ممارسة الديموقراطية الجديدة التي يفرضها عصر المعلومات . فالطفـل الذي يسـتفيد من النظام التعليمي الجديـد، يخرج إلى معترك الحياة بعد عقد أو عقد و نصف من الزمان، بينما لا تستغرق عمليات إعادة البناء في المجالات الأخرى من حياتنا بعض ذلك الوقت . و إذا كان التعليم هو الصناعة الثقيلة في مجال إعداد البشر لعصر المعلومات، فالإعلام هو الصناعة الاستهلاكية، التي لا غنى عنها .
إعلام عصر الصناعة ـ و الذي ما زلنا نأخذ به ـ كان إعلاما جماهيريا، يقـوم على مبدأ النمطية و التوحيد القياسي الذي ساد كلّ شيء في عصر الصناعة . كانت وظيفته الأساسية، نقل أفكار و توجيهات النخبة الرابضة عند القمّة إلى القواعد العريضة عند قاعدة الهرم . كان إعلاما يمضي دائما في اتّجاه واحد، من أعلى إلى أسفل . كانت الأنظمة الحاكمة ـ و ما زالت ـ ما أن تتسلّم الحكم، حتّى تندفع إلى تكوين جيش قوي يحميها من القوى الخارجية، و شرطة قادرة تحكم الداخل، و تضمن استمرار النظام الحاكم .. و في نفس الوقت كانت تحرص على إرساء إعلام مقروء و مسموع و منظور، تتحكّم فيه من خلال رجال إعلام محترفين، يعرفون جيّدا نوايا النظام الحاكم قبل أن ينطق بها، و يبادرون إلى تعميمها، و الدعاية لها . لهذا كانت وسائل الإعلام الجماهيرية تضم أقدر الخبرات في تزوير الحقائق و تلوينها بألف لون، وفقا لرغبات النظام الحاكم، و لعل خير مثال على هذا، تجربة جوبلز في الحقبة النازية بألمانيا.
ثورة المعلومات، التي ضاعفت التكنولوجيات المعلوماتية من اندفاعها، أتاحت للأفراد مساحة واسعة من المعلومات و المعارف، ليأخذ كل فرد منها ما يميل إليه، و يكون لكل فرد فهمه الخاص لما توصّل إليه من معلومات و معارف .. و هكذا، اختلف الأفراد و تباينوا و تنوّعت معارفهم و أمزجتهم، فخرجوا من قوقعة النمطية و التوحيد القياسي، و غير ذلك ممّا قام عليه المجتمع الصناعي و فرضه على البشر . لقد تمرّد البشر على محاولات القولبة غير الإنسانية التي مارسها عصر الصناعة . فانقضى كل ما يحمل صفة الجماهيرية، التعليم الجماهيري، و الأحزاب الجماهيرية، و أيضا الإعلام الجماهيري .
و عندنا .. مع كلّ هامش الحرية، الذي يتكرّر الحديث عنه، في اللقاءات الرسمية .. ما زال إعلامنا يمضي وفق قواعد الإعلام الجماهيري الذي ساد عصر الصناعة، و الذي فقد مصداقيته، بعد قيام ثورة المعلومات ..
من أجل الحكومة و الشعب معا
في صيف عام 1990، كتبت مقالا في مجلة ( المصوّر )، بعنوان " إعلام جديد لحساب الحكومة و الشعب معا " . قلت فيه، أن العاملين في وزارة الإعلام ما زالوا يتمسّكون بالفهم القديم، الذي يعتبر أن جهد وزارة الإعلام يجب أن يكون لحساب الحكومة، و ينحصر في نقل رؤيتها و قراراتها و توجيهاتها و أخبارها إلى أفراد الشعب . أي أن وظيفتها الأساسية هي أن تعمل من أعلى إلى أسفل فقط .
و قلت فيه " وظيفة وزارة الإعلام يجب أن تكون التخفيف من التناقض الحادث بين الحكومة و الشعب . و هذا التناقض موجود، و سيوجد، ما بقيت مركزية الحكومة على حالها . هذا التناقض، لا ينبع بالضرورة من سوء نيّة الحكومة، أو إهمالها و عدم مبالاتها، و لكنّه النتيجة الطبيعية لعدم قدرة الحكومة .." .
و شرحت هذا قائلا أن النظام البيروقراطي المركزي، يحرم الحكومة ـ أيّ حكومة، و ليس حكومة مصر فقط ـ من التغذية المرتدّة التي تحتاجها من القواعد الشعبية . و للعلم، هذه أزمة مستجدّة لم تواجه حكومات عصر الصناعة بالشكل الحالي . و السرّ في هذا أن الجمهور قد تحوّل ـ و يتحوّل كل يوم ـ إلى جماهير عديدة متباينة التوجّه و المطالب من الحياة، نتيجة لثورة المعلومات . و قلت أن وزارة الإعلام بأجهزتها كالإذاعة و التليفزيون، قادرة ـ بالإضافة إلى الصحافة ـ على تقديم عون جزئي للحكومة في هذا المجال، عندما يعكس لها صورة الواقع المتغيّر على أرض مصر .
الإعلام، نقطة البدء العملية
قلت أن التخطيط لمستقبل مصر على المدى البعيد، لا بد أن يمرّ من خلال ثورة إعادة بناء في مجال النظم التعليمية الحالية . لكن، نقطة البدء لإعادة بناء مصر ـ و الديموقراطية أساسا، و التعليم ضمنا ـ هي ضمان شفافية أجهزة الإعلام من صحافة و إذاعة و تليفزيون، و قدرتها على العمل كموصّل جيد بين مختلف مستويات المجتمع .
كما قلت أن الذي يزيد وضع التناقض بين الحكومة و الشعب سوءا، أن الأحزاب عندنا ـ وطني و معارضة ـ تعاني هي الأخرى من نفس القصور . لو أن هذه الأحزاب كانت أحزابا حقيقية، نابعة من إرادة جماعية لفئات و طبقات، لها قواعدها المحسوسة في الشارع المصري، لكانت قادرة على مساعدة الحكومة في تفهّم طبيعة التغيّرات في خريطة الشارع المصري .. و بديهي أن ما نقوله عن قصور الأحزاب الحالية،ينسحب أيضا على المجالس النيابية التي تتشكّل أساسا من هذه الأحزاب .
الحوار، و دور الإعلام
و أشرت إلى أننا في أشد الحاجة إلى التفكير و الفهم، لأن التفكير القائم على فهم الحقائق هو الذي يقود إلى إمكان رسم إطار رؤية مستقبلية شاملة لمصر، على أساس التغيّرات المستجدة للتحوّل من عصر الصناعة إلى المعلومات .
و قلت أن التفكير الذي أدعو إليه، لا يتبلور إلاّ من خلال الحوار الحرّ الصادق، بين أطراف يتوافر لها الحدّ الأدنى من المعلومات و المعارف المعاصرة . و هو حوار لا يمكن أن يدور في حجرات مغلقة، و ندوات خاصّة، بل لا بد أن يتم بصوت مرتفع، يسمعه جميع الناس، من القيادة إلى القواعد، فيفهّموه، و يدركوا من خلاله بدائل الأفكار، فينحازوا إلى الأفكار التي تجمع بين مصالحهم القريبة، و مصالحهم البعيدة .و أفضل وسيلة متاحة حاليا لتحقيق هذا الهدف، هو أن يتم الحوار على موجات الإذاعة، و قنوات التلفزيون، بالإضافة إلى الجرائد و المجلات .
و لن يصبح هذا مجديا إلاّ إذا تغيّرت العقلية السائدة في وسائل الإعلام، و فهم العاملون فيها طبيعة المهمة الجديدة الملقاة على عاتقهم، و فهموا أن مهمّتهم الحقيقية هي تفجير الأفكار، و ليس قتلها بتسليط قواعد الرقابة العامة و الذاتية عليها .
أقوى من حماس الوزير
تحمّس الوزير صفوت الشريف، فطبع صورا من المقال وزّعها على قيادات الإعلام في الوزارة طالبا منها أن تفكـّر في طريقة الاستفادة من ذلك الكلام . و يبدو أن النتائج كانت مخيّبة، فاستدعاني مستشار الوزير، و سأل : ماذا نفعل ؟ . قلت نتكلّم، و تتكلّم قيادات الإعلام، لنرى ما الذي يمكن أن يتمخّض عنه هذا الحوار المبدئي . و بالفعل، تم تنظيم مؤتمـر في أحد الفنادق الكبرى، افتتحه الوزير صفوت الشريف، و دعيت إليه قيادات الإعلام .
كانت نتيجة ذلك الجهد، موقف سلبي من قيادات الإعلام، فانتصرت بيروقراطية قيادات الإعلام على حماس الوزير . لقد كان الصمت و الحذر هو الموقف السائد، و يبدو أن قيادات الإعلام تصوّرت أن الوزير ينصب لها فخّا، ليعرف مدى إخلاصها للنظام، فآثرت الصمت ! .. أضف إلى هذا أن رد الفعل الذي أشرت إليه يتكرر كثيرا، بين أفراد من خيرة الناس و صفوة المجتمع، الذين يحتلون المراكز العالية و القيادية، فهم يحجمون عن محاولة الفهم لما يترتب على ذلك من مراجعة أفكار قديمة .. نتيجة لعدم القدرة على متابعة و فهم المستجدات المتلاحقة، و عدم قدرة القيادات الواصلة على الاعتراف بأن فهمها ناقص .. بل و اقتناعها العميق أن ذلك الفهم الذي تتمسّك به، هو الذي خدمها، و أوصلها إلى المركز الذي تجد نفسها فيه ! .
ديموقراطية سبيلها الإعلام
لم يعد ممكنا أن نستمر في وصايتنا على المعلومات و المعارف التي يسعى إليها الفرد، و التي يحتاجها في فهم ما يجري، و في الحكم على أداء المؤسّسات التي تدير حياته . لم يعد ممكنا أن تخفي الإذاعة خبرا، أو يمنع التلفزيون صورة، فموجات الأثير تطن بجميع الأخبار و الصور الحقيقية بلا تزيين أو تزييف . علينا أن نجعل إذاعتنا و تليفزيوننا أكثر صدقا و أقل تعبيرا عن إرادة القيادات الحاكمة .
لم يعد ممكنا أن تفرض الصحف و المجلات الحكومية ( التي نسمّيها كذبا بالقومية ) خبرا أو رأيا، و إذا كانت قوانين النشر تمنع ظهور الأكثر من الصحافة الخاصة، المعبرة عن توجّه الفئات و المجموعات الأقل عددا، و إذا كانت بعض المنشورات الخاصّة تمارس نفس التلاعب الذي تعمد إليه الصحف الحكومية، فبعد هذا و ذاك، هناك مواقع الإنترنيت على شاشة الكمبيوتر، التي أصبحت اللعبة المفضلة لجيل كامل متمرّد، لا نعلم شيئا عن توجّهاته و عقائده . و إذا كان رؤساء تحرير الصحف الحكومية ما زالوا يتحدّثون عن الديموقراطية، و يمارسون السيطرة على أجهزتهم و قرّائهم، إرضاء للحكومة، فالتغيّرات و التحوّلات نحو مبادئ عصر المعلومات، و ما تقتضيه ديموقراطية هذا العصر، لن تسمح باستمرار هذا الوضع غير الديموقراطي .
هواية مهاويس الكمبيوتر !
عندما أقول أن التكنولوجيات المعرفية تغيّر نظم حياتنا الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية، يتصوّر البعض أن هذا نوع من المبالغة .. و لكي أثبت هذا لهؤلاء المتشكّكين، سأطرح واقعة معاصرة، تحدث حاليا في أكثر الدول تباهيا بالحرّية، و بالتحديد بحريّة إعلامها، أقصد الولايات المتحدة الأمريكية .
دراسة هامّة في موقع على الإنترنيت، اسمه " حقيقة الذي حدث " . و كان عنوان الدراسة الطويل يقول " الخطأ الذي وقع فيه بوش، حول فهمه لتأثير الإنترنيت " . و تقول الدراسة، أن التاريخ سيسجّل، على الأرجح، أن الخطأ الأكبر الوحيد الذي وقعت فيه آلة الحرب التابعة لبوش، كان إقلالها من شأن الإنترنيت . إنّهم لم يفهموا الإنترنيت، أو ثقافة الإنترنيت، أو بعدها الاجتماعي .. و الأهم من هذا، لم يفهموا كيف أن استخدام الإنترنيت قد حوّل الأمريكيين، من مجرّد مستقبلين للمعلومات الإذاعية، إلى مشاركين نشطين و ناقدين في العملية الإعلامية .
كان الاعتقاد السائد، هو أن أخبار الإنترنيت هي مجرّد هواية، يمارسها (مهاويس) الكمبيوتر، ليستقبلها (مهاويس) آخرون، و هو أمر لا أهمية له . لم يعرف بوش و لا صحبته من الرجعيين الجدد ماذا يفعلون فيما يتّصل بالأنترنيت، و هكذا قادتهم تمنياتهم إلى اعتبارها غير مهمة . لكنّهم كانوا مخطئين .
قرضاي ..و زالماي !
بينما كانت قياسات الرأي العام تفيد أن العدد الأكبر من الجمهور ما زال يستمد أخباره من أجهزة التلفزيون، بأكثر ممّا يستمدّها من الإنترنيت، إلاّ أن الهامش أخذ في التناقص . و لم تشر قياسات الرأي تلك إلى أن أولئك الذين يشاهدون التلفزيون، لم يعودوا يرتبطون عقليا بفيض الأخبار المطروحة عليهم، و يستسلمون لها. هذا بالإضافة إلى أن جمهور الإنترنيت كان نشطا في نقل الأخبار إلى أولئك الذين ليست لهم علاقة بالإنترنيت .
و قد حدث بعد سقوط أفغانستان، أن قام هواة الإنترنيت بنقل أخبار تفيد أن الرئيس الأفغاني ( اللعبة ) الجديد، حامد قرضاي، و المبعوث الأمريكي الخاص إلى أفغانستان زالماي خليل زاد ( الذي خلف بريمر في العراق)، شكّلا معا جانبا من مجموعة العمل الخاصّة بإحدى شركات البترول، و التي أوصت الكونجرس عام 1998 بإجراء تغيير في نظام الحكم الأفغاني، من أجل تسهيل إنشاء خط أنابيب بترول . وسائل الإعلام الرئيسية لم تشر أبدا إلى هذه الحقيقة، بينما فعل ذلك أصحاب المواقع على الإنترنيت . و عندما شعر المواطن الأمريكي أن هناك من الأشياء التي تحدث في العالم، ما لا ينبئه به التلفزيون، بدأ في هجر التلفزيون و الاعتماد على الإنترنيت كمصدر للأخبار .
الحكومة تفقد احتكارها
عندما بدأ ظهور الخطر، شمّرت الحكومة و وسائل الإعلام التابعة (مثل فوكس ) عن ساعدها، و راحت تحذّر الأباء من أن الإنترنيت هو أداة إفساد الأبناء، و جرى دفع الأموال لمؤسسات العلاقات العامة، لتغطية و تكذيب أخبار الإنترنيت. و تقول الدراسة " لقد حدث شيء غريب .. فبعكس ما يحدث في التلفزيون أتاح الإنترنيت للأفراد الذين عاشوا على المعلومات الخاطئة ، وصولهم إلى المعلومات الحقيقية .. لهم .. و للعالم أجمع .. و فورا " .
فجأة، سقطت القاعدة القديمة التي تقول " ما تقوله الحكومة، يصدّقه الجمهور " . لقد فقدت شبكات التلفزيون الرئيسية احتكارها، وتحكّمها فيما يتدفق من معلومات . أصبح الجمهور قادرا على أن يقرر بنفسه ما الذي يستحق التصديق .
و عندنا .. مع كلّ هامش الحرية، الذي يتكرّر الحديث عنه، في اللقاءات الرسمية للحكومة و الحزب الوطني، ما زال إعلامنا يمضي وفق قواعد إعلام حكومي معدوم الشفافية.. فاقدا مصداقيته، بعد وصول التكنولوجيات المعرفية إلى أيدي أعداد متزايدة نشطة من الشباب المتعلّم . . و خير دليل على ذلك ما حدث في إضـراب 6 إبريل 2008، و الذي فضح موقف النظام المصري و سنده الوحيد الباقي، قوات الأمن المركزي، بعد فشل إعلامه الرسمي .
* * *
الإعلام المتّسم بالشفافية، و الذي يتيح للفرد الوصول إلى المعلومات و المعارف التي يريدها، في الوقت الذي يريدها فيه، هو الذي يسمح له أن يعلم .. و التعليم القائم على التفكير الناقد و الابتكاري في مكان التلقين، هو الذي يتيح له أن يفكّر و يختار، و يمارس الأشكال الديموقراطية النابعة من طبيعة مجتمع المعلومات .
ثالثا : المجتمع المدني
لكي يصبح المواطن قادرا على اتخاذ القرار السليم في أمور حياته، و مجتمعه، يحتاج إلى تعليم يقوم على المعرفة الشاملة، و الابتكار و الإبداع، و يسقط ما اعتدنا عليه من قبول للتلقين، و تعجيز للعقل .. كما يحتاج ذلك المواطن إلى إعلام يتميّز بالشفافية، يتيح له الوصول إلى كل ما يحتاجه من معلومات و معارف، تفيده في تكوين رأيه على أساس سليم .. إعلام قادر على طرح ما يعتمل في القواعد من أفكار و توجّهات، و ردود أفعال، و أحلام و أماني، حتّى يتاح للقيادات أن تتخذ القرارات السليمة في الوقت السليم .. ثم يأتي دور العنصر الثالث في طرف المعادلة، أعني بذلك المجتمع المدني القوي النشيط، الذي يعتبر حقل التجارب الصحّي لممارسة ديموقراطية المشاركة .
السبيل إلى المواطنة
يقول أستاذ العلوم السياسية، بنجامين باربر " بدون مجتمع مدني قوي و عفي، لن يكون هناك مواطنون، سنجد فقط مستهلكين للسلع، أو ضحايا لقهر الدول .. و بدون مواطنين لا توجد ديموقراطية .. " .
و يتساءل الكاتب الاسكتلندي، دافيد ماكليتشي " متى تنقل حكومتنا المسئولية و السلطة إلى الأفراد ؟"، ثم يستطرد قائلا " نحن أفراد مسئولون، قادرون على اتّخاذ قراراتنا الخاصّة، و صياغة مستقبلاتنا الخاصة .. لسنا مجرّد تروس في ماكينة الدولة، و لكن عن طريق قبولنا الطوعي المتبادل للقوانين، و المؤسسات التي تتضمّن المجتمع المدني، مدركون أن هذه المساواة في ظل القانون توفّر لنا أفضل الفرص لتحقيق أهدافنا الشخصية و الجماعية .." . أفكار هذا الكاتب تعكس فهما عميقا لجوهر الممارسة الديموقراطية في مجتمع المعلومات، و هو يرى أن دور الحكومة ضروري، و لكنه محدود . و الحكومة لم تقم لكي توجّه حياة الناس، بحيث تتفق مع أهدافها السياسية ـ كما يعتقد المسئولين عنها ـ بما تتضمنه تلك الأهداف من خليط الاستراتيجيات و الخطط . فالحكومة موجودة أساسا لتوفير الظروف التي تسمح لأفراد الشعب أن يتحكّموا في حياتهم الخاصّة، و أن يختاروا أهدافهم الخاصة .
و يشير ماكليتشي إلى مسألة محورية، عندما يقول أن القوّة العظمى لمثل هذا المجتمع تنبع من تنوّعه و تباينه . التوجيه من أعلى إلى أسفل، يخلق النمطية و القولبة و السطحية، بينما نحن نبحث عن التقدّم، و الابتكار، و المستويات العالية التي تنبع من الجمع بين : التنافس، و التعاون، ممّا يميّز المجتمع الحرّ في أحسن أحواله .
المجتمع المدني هو التمهيد الطبيعي للتحوّل من الديموقراطية النيابية، إلى ديموقراطية المشاركة .
و دعونا نعود إلى الاقتباس من الدراسة الهامة التي قامت بها مجموعة المفكرين الآسيويين، و التي طرحت الجانب الأكبر منها في الفصل السابع من هذا الكتاب .
يقول أصحاب الدراسة : التالي، يعكس ما نؤمن به، نحن أصحاب هذه الورقة، من بزوغ لقيم المجتمع المدني العالمي، و رؤيته العالمية :
الغرض : الغرض الحقيقي للمجتمع المني العالمي، ليس هو الاستيلاء على السلطة، لاستبدال السلطة القابضة الحالية، بنظامها الموروث غير العادل، و القائم على العنف . و ليس هو أيضا فرض برنامج أيديولوجي . إنّه من أجل إحلال الثقافات الأصيلة البازغة، و علاقات المشاركة في السلطة داخل المجتمع، محل الثقافة المصنوعة للإمبراطورية ( تقصد بالإمبراطورية القوى الإمبريالية العالمية المعاصرة، مثل الولايات المتحدة الأمريكية )، و علاقات السيطرة النابعة منها ، باعتبار عملية الإحلال هذه هي الأساس لحضارة بشرية جديدة .
العقائد و رؤية العالم : نحن ـ جمهور المجتمع المدني العالمي ـ نؤمن بوحدة الحياة الكلية المقدّسة، و بمشاعر الخير الأصيلة، و بإمكانات كل فرد في يعمل كمواطن مسئول، يدرك احتياجات الكل .
القيم : نحن ـ جمهور المجتمع المدني العالمي ـ نقيّم الحياة، و الديموقراطية، و الحرّية، و العدالة، و التعاون، و المواطنة النشطة، و الروح، و الحلول السلمية للتناقضات . إننا نبحث عن المجتمع الذي يأخذ بهذه القيم، و يحترمها، كما نؤمن بأن الوسائل التي سنتّبعها يجب أن تكون متوافقة مع هذه القيم .
الثقافة : المجتمعات تعرّف بنفسها و بأهدافها، من خلال القيم المشتركة بالنسبة لثقافتها، و لرموزها، و لرؤيتها المشتركة للعالم . و سلطة تعريف الثقافة بشكل صحيح، تخص البشر، و المجتمع المدني . القوّة الأخلاقية للثقافة الأصيلة، التي تنبع من الخبرات الروحية و الاجتماعية الأصيلة للبشر، هي القوة الاجتماعية العظمى ـ قوّة البشر ـ لأنّها القوّة التي يحق لها أن تستردّها شرعا من المؤسسات الحاكمة، في المجالات السياسية و الاقتصادية .
تكمن أهمية المجتمع المدني ـ بمعناه الصحيح ـ أنه المجال الطبيعي لتدريب المواطنين على ممارسة ديموقراطية المشاركة التي تنبع من احتياجات مجتمع المعلومات، أو ما تطلق عليه الدراسة التي أشرنا إليها " علاقات المشاركة في السلطة داخل المجتمع " .
مصر .. و المجتمع المدني
في الفترة الأخيرة، ظهرت العديد من الكتب و الدراسات عن المجتمع المدني في مصر، نتيجة للموقف السلبي ـ غير الذكي ـ من جانب النظام الحاكم المصري، الذي لم يدرك بعد ما حدث من تغيرات في حياة البشر. و هكذا تواضع دور المجتمع المدني في مصر لأن النظام الحاكم لم يدرك ـ ضمن أشياء كثيرة أخرى ـ أهمية تشكيلات المجتمع المدني، في التقريب بينه و بين الشعب، و تيسير هدف التراضي المفترض أن يكون قائما بينهما . لم يدرك النظام الحاكم أن جماعات المجتمع المدني، هي النتيجة الطبيعية للتنوّع و التعدّد الذي أفرزته ثورة المعلومات، و الأقليات البازغة التي أتاحها دخول البشر إلى مجتمع المعلومات ..
* * *
الإعلام المتّسم بالشفافية، و الذي يتيح للفرد الوصول إلى المعلومات و المعارف التي يريدها، في الوقت الذي يريدها فيه، هو الذي يسمح له أن يعلم .. و التعليم القائم على التفكير الناقد و الابتكاري في مكان التلقين، هو الذي يتيح له أن يستخدم معلوماته و معارفه في التفكير و الابتكار و حل المشاكل .. و المجتمع المدني القوي و النشط، هو الذي يخلق البيئة المناسبة لبزوغ المواطن القادر على الاستفادة من ذلك التعليم و الإعلام في المشاركة السياسية، و ممارسة الشكل الجديد من الديموقراطية، النابعة من مقتضيات عصر المعلومات .
صدّقوني .. هذا هو السبيل العملي لإنقاذ مصر من جميع المشاكل التي تغرق فيها ..من أزمة رغيف العيش، إلى محنة شيوع السيطرة الأمنية، إلى الفساد الضارب في مصر من قمّتها إلى قواعدها ..



الثلاثاء، أكتوبر 26، 2010

بعيدا عن مستنقع الانتخابات الحالي

عشرة أسئلة و إجابات حول:


الرؤية المستقبلية لمصر
البحث عن المنهج المناسب
ــــــــ


ما ينقص قادة ما نطلق عليه أحزاب.. وطني و معارضة ..
و ينقص العديد من الحيارى الذين يبثون عن مخرج من أزمة مصر
و يغيب عن العديد من النشطاء السياسيين
و أصحاب النيات السليمة مثل د. البرادعي

دعوة للتفكير المنظّم .. تتجاوز مستنقع الانتخابات الذي نقاد إليه


(1 ) متى يفكّر الإنسان ؟

ــ عندما تتغير الأوضاع الخاصة، أو العامة . ففي أحوال الثبات التام (و هذا فرض نظري) لا يحتاج الإنسان إلى التفكير . أمّا عندما تتغيّر بعض الأوضاع، يجد نفسه محتاجا للتفكير في أثر هذه التغيرات على نظم حياته المستقرّة، لكي يعدّل من مواقفه و تصرفاته، بما يناسبه . و التغيّر هنا قد يكون شعورا بالإجهاد، أو موقفا غير معتاد ممن هم حوله، أو ارتفاعا في سعر سلعة او خدمة، إلى تغيّر مفاجئ في الطقس .
عند التفكير في هذه الأحوال، أحوال التغيير البسيط أو النسبي، يكفي الإنسان الاعتماد على خبراته السابقة، أو خبرات من هم حوله .

(2) ما هي أمثلة التغيرات النسبية في حياة البشرية ؟

ــ امتدّ عصر الزراعة إلى ما يقرب من عشرة آلاف سنة .. و هو العصر الذي قامت فيه حياة البشر أساساعلى الزراعة في جميع قارات العالم . كلما انتقلت مجموعة من البشر من الاعتماد على القنص أو الرعي، إلى الاعتماد على الزراعة، مستقرّة فوق رقعة محددة من الأرض، سادت قوانين أساسية واحدة للحياة، رغم اختلاف الأعراق و الأجناس و الطبيعة و المناخ .
طوال ذلك الزمن الطويل، خضع أبناء المجتمعات الزراعية لنفس الأسس الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية، و سادت بينهم نفس منظومة القيم و الأخلاق .
ملاحظة هامة : الثابت أن هذه الأسس جميعا نبعت من طبيعة الحياة الزراعية السائدة، و التي حددت أطر حياة البشر في المجتمعات الزراعية . و لقد بقيت تلك الأسس على حالها، طوال ذلك الزمن، رغم التغيرات النسبية العديدة التي طرأت على أفكار و عقائد و علوم أبناء المجتمع الزراعي ( و هذا يقود إلى أن طبيعة العمل السائد تحدد أسس حياة البشر ) .

(3) بماذا تختلف التغيرات النسبية عن التغيرات الكبرى ؟

ــ في حالة التغيرات النسبية، يمكننا الاعتماد على السوابق، و على رصيد خبراتنا، أو خبرات من هم حولنا ممن سبقونا إلى المرور بتلك التغيرات .. و هكذا تتوفر المرجعيات للقياس و الاستفادة . و يمكننا أن نرى أمثلة لذلك، في تبادل الخبرات و المعارف بين الحضارات المصرية والإغريقية و الفارسية و الهندية و الإسلامية ( التي كانت جميعا حضارات زراعية يعيش أهلها على الزراعة أساسا ) .

ــ في حالة التغيرات الجذرية الشاملة، تفقد الخبرات الحالية و السوابق قيمتها، و لا يجد البشر مرجعيات متاحة، في أي مكان على الأرض.. فالجميع يواجه نفس الأزمة . مثال ذلك انتقال البشر من الزراعة إلى الصناعة، في أعقاب اختراع الآلة البخارية . لم تعد الأسس الاجتماعية والاقتصادية و السياسية و منظومة القيم النابعة من واقع الحياة الزراعية صالحة للتعامل مع الحياة الصناعية، بعد أن فقدت مرجعيتها .
و هذا هو أساس المشاكل المزمنة في مصر، لكل من يتصدّي للتفكير في الإصلاح عندنا، متصورا أن بالإمكان إصلاح أو إعادة بناء أي شيء على حدة دون أن ينبع ذلك من رؤية شاملة للتغيرات التي يمر بها العالم، سواء كان الإصلاح يتصل بالتعليم، أم الموارد الاقتصادية، أم النقل، أم الأسرة، أم بالممارسة الديموقراطية ، أم بالفساد .
هذا هو سر إخفاق المخلصين الأذكياء، بين المفكرين و النشطين السياسيين، و المسئولين الأمناء في دوائر الحكم عندنا، الذين يتصورون إمكان تحقيق شيء، قبل فهم طبيعة التغيرات الحادثة و أبعادها، و دون التوصّل إلى رؤية مستقبلية شاملة لمصر، تنبع منها الاستراتيجيات و الخطط، في جميع مجالات الحياة .

(4) ماذا نفعل في مواجهة التغيرات الجذرية الشاملة ؟

ــ نفعل ما فعله مفكّروا عصر الصناعة الأوائل . درسوا مؤشرات التغير الأساسية التي فرضتها طبيعة العمل الصناعي، التي يتواصل و يتزايد أثرها، و التأثير المتبادل بين تلك المتغيرات مثل :
أ ـ ما أتاحته الطاقة الميكانيكية من إنتاج على نطاق واسع و استهلاك على نطاق واسع .
ب ـ و ما ترتّب على ذلك من انفصال للإنتاج عن الاستهلاك .
ج ـ ممّا اقتضي قيام السوق بمعناها المستجد، و ما ترتب علىّ هذا من مؤسسات اقتصادية مستجدة . و اكتشفوا سقوط النظم النابعة من عصر الزراعة،في الأسرة، و التعليم،و الإدارة و العمالة و العمل و في النظم الاقتصادية و تشكّّل منظومة جديدة للقيم و الأخلاق .
د ـ و اكتشفوا المبادئ الجديدة التي يقوم عليها عصر الصناعة، و التي تختلف ـ بل و تتناقض كثيرا ـ مع المبادئ التي قامت عليها الحياة طوال العمر الممتد لعصر الزراعة .
هـ ـ تلك المبادئ التي اقتضاها قيام الحياة على الصناعة مثل : النمطية و التوحيد القياسي لكل شيء ـ ضبط الزمن و تحقيق التزامن ـ التخصص الضيّق ـ التركيز في كل شيء ـ المركزية الشديدة ـ عشق الضخامة .
و نشط المفكرون في رسم إطار الرؤية المستقبلية لبلادهم، و فقا لمدى تحوّلهم من الزراعة إلى لصناعة . و مع كل الاختلافات بين المجتمعات الصناعية في العالم ـ على مدى ثلاثة قرون تقريبا، هي عمر عصر الصناعة ـ ظهر أن أسس الحياة الصناعية كانت واحدة، و قد خضعت لتلك الرؤية جميع المجتمعات الصناعية في جميع القارات، و سواء كانت تمضي وفق النظم الرأسمالية أم الاشتراكية .
و السرّ في هذا، هو أن التكنولوجيا السائدة، تفرض نوع العمالة السائدة، و تنتهي في آخر الأمر برسم أسس الحياة الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية .
و هذا يتم على ثلاثة مراحل:
(أولا) تقوم التكنولوجيا الجديدة بالعمل الذي كان الإنسان يقوم به .
(ثانيا) توفّر هذه التكنولوجيا إمكانات في العمل، لم يكن ـ و لن يكون ـ بإمكان الإنسان أن يقوم بها .
(ثالثا) بناء على ما سبق، تتحوّل البنى الاجتماعية و الاقتصادية القائمة، إلى نظم اجتماعية و اقتصادية جديدة .
و يمكننا فهم هذا بشكل أوضح لو تأملنا التحول في مبادئ الحياة بين عصري الزراعة و الصناعة .
و دراسة هذا التحوّل تساعدنا كثيرا في تناول التحولات الكبرى التي نمر بها الآن، و التي تتجاوز ـ في قوّتها و تسارعها ـ انتقال البشر من عصر الزراعة إلى عصر الصناعة .

(5) هل يفيدنا هذا في فهم التغيرات الكبرى التي يمر بها لبشر حاليا ؟


ــ يفيدنا كثيرا أن ندرس تحوّل البشر من عصر الزراعة إلى عصر الصناعة، في فهم التحوّل الحالي من عصر الصناعة إلى عصر المعلومات ( لماذا هذه التسمية، و من أين أتت، سنطرحه فيما يلي من تساؤلات ) . نحن نمرّ بنفس التغيرات الكبرى التي سبقت عصر الصناعة، و لكن بشكل أكثر قوّة و تأثيرا و شمولا . تغيرات اليوم متلاحقة متسارعة بطريقة غير مسبوقة، و هي تلاحقك شئت أم أبيت .. طوال عصر الصناعة، كان بإمكان دولة ما أن تقرر المضي في حياة الزراعة بنفس أسس عصر الزراعة . هذا إذا لم يجد الاستعمار النابع من طبيعة النظام الصناعي حاجة لاستعمارها .. أمّا اليوم فليس بإمكان أي دولة صغيرة أو كبيرة، قريبة أو بعيدة، أن تتجاهل التحوّل الشامل إلى عصر المعلومات .

(6) كيف نرسم معالم الرؤية المستقبلية لمجتمع المعلومات ؟

ــ نفعل مافعله المفكرون الأوائل لعصر الصناعة، من موقع أفضل، بفضل قدرتنا على دراسة مرحلة التحوّل الأخيرة من الزراعة إلى الصناعة، و الاستفادة منها في فهم التحوّل الجديد .
أولا : ندرس مؤشرات التغير العظمى التي طرأت على حياتنا منذ منتصف القرن العشرين تقريبا .
ثانيا : نختار منها المؤشرات متزايدة التأثير،و مطّردة النمو .
ثالثا : ندرس التأثيرات المتبادلة بين تلك المؤشرات الأساسية المختارة .
رابعا : نحدد المبادئ الأساسية للمجتمع الجديد، و نتتعرّف على آثار الاعتماد على التكنولوجيا المعلوماتية ( الرقمية ) في صياغة الأسس الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية للحياة في المجتمع لجديد .
خامسا : و من هذا يمكن أن نرسي أسس الرؤية المستقبلية لمجتمع المعلومات .

(7) لماذا نطلق اسم مجتمع المعلومات على المجتمع الجديد ؟

ــ رغم انه من الصعب أن نقصر أسباب الانتقال من عصر لآخر على سبب واحد أو سببين، إلا أنه من الواضح أن التغيرات الأساسية اتي مرّت بها حياة البشر، منذ منتصف القرن العشرين، ترجع إلى حدّ كبير إلى ما يمكن أن نطلق عليه اسم "ثورة المعلومات".
و لكي نفهم مدلول هذا الاسم، نطرح ما يمكن أن نطلق عليه " الدائرة النشطة " . على محيطها تنتظم عناصرها التي تقود إلى بعضها البعض بشكل متواصل . هذه العناصر هي :
أولا : تزايد لمعلومات المتاحة و تدفقها . بفضل تطوّر و سائل الاتصال و الانتقال .
ثانيا : قاد هذا إلى ضرورة تطوير تكنولوجيات المعلومات، لمواجة ذلك التدفّق .
ثالثا : قاد هذا بدوره إلى المزيد من اندفاع و توالد المعلومات و المعارف، ممّا أتاح للبشر أن يتحرروا من نمطية المجتمع الصناعي، و أن يتعرّفوا على أساليب حياة تختلف عن أسلوب حياتهم .. فبدأ الناس يتمايزون في مشاربهم و توجّهاتهم و في رغباتهم و ساليب حياتهم .. و هذا التمايز في حدّ ذاته خلق المزيد من لمعلومات .. و هكذا مضت الدائرة النشطة .
رابعا : هذا التفاعل المتسلسل، و الذي يقوم على التعامل مع المعلومات، هو الذي قاد إلى تسمية " مجتمع المعلومات " .

(8) بماذا تفيد الرؤية المستقبلية لمجتمع المعلومات ؟

ــ الرؤية المستقبلية لمجتمع المعلومات، هي التي نستنبط منها مستقبل أي شيء في مجتمع المعلومات ، في النواحي الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية ( كمسقبل الأسرة، أو التعليم، أو العمالة، أو الإدارة، أو الاقتصاد، أو الممارسة الديموقراطية، أو الإعلام) ، و تدلنا على المبادئ الأساسية لمجتمع المعلومات، من حيث اختلافها عن المبادئ التي سادت عصر الصناعة، و التي تفيد التحوّل :
* من العمل الجسدي، إلى العمل العقلي .
* من انتاج البضائع، إلى انتاج المعلومات (بالنسبة لمركز ثقل الإنتاج ) .
* من المركزية إلى اللامركزية، و من التنظيم الهرمي إلى التنظيمات الشبكية .
* من تلويث البيئة إلى حمايتها .
* من وقود الحفريات إلى أشكال جديدة ومتجددة من الطاقة .
* من الاقتصار على المواد الخام المستخرجة من جوف الأرض، إلى الاعتماد على الخامات المخلّقة .
* من فصل الإنتاج عن الاستهلاك، إلى اقتصاد تعاوني، و إنتاج من أجل الاستهلاك الشخصي .
* من التمثيل النيابي، إلى المشاركة في اتخاذ القرار .
* من الاعتماد على المؤسسات، إلى الاعتماد على الذات .
* من الاقتصاد القومي، إلى الاقتصاد العالمي (جلوبال ) .

(9) و ماذا عن الرؤية المستقبلية لمصر ؟

ــ التوصّل إلى الرؤية المستقبلية لمصر، يقتضي الوضوح حول أمرين، الهدف، و المنطلق :
أولا : الهدف المنشود هو اللحاق بركب التطور العالمي، من خلال الرؤية المستقبلية الشاملة لحقائق مجتمع المعلومات، و هو ما طرحنا جانبا من عناصره الأساسية في الأسئلة السابقة .

ثانيا : نقطة الإنطلاق، أو الأرض التي نقف عليها، و نحن نمضي في رحلة إعادة البناء نحو المستقبل . أي الوضع الراهن لمصر ..و بخاصّة ما يمكن أن نطلق عليه " الخريطة الحضارية الراهنة لمصر" .

(10) ما هي الخريطة الحضارية الراهنة لمصر ؟

ــ هذا يعني أن نرصد بأمانة موقعنا على سلّم تلاحق الحضارات البشرية . أو بمعنى آخر : لقد تعاقبت على البشر ثلاث حضارات كبرى، أو أنماط حياة كبري، هي نمط الحياة الزراعية، ثم نمط الحياة الصناعية، و أخيرا نمط الحياة النابع من احتياجات مجتمع المعلومات . و لقد أخذت المجتمعات و الدول المختلفة، بنسب مختلفة من تلك الأنماط، وفقا لحظوظها من استخدامات التكنولوجيات الخاصة بكل نمط، و نسب شيوع مبادئ كل عصر من عصور التطوّر المشار إليها .
الدراسة المطلوبة تستهدف معرفة نسب انتماء شعب مصر إلى كلّ من أنماط الحياة هذه .
* إلى أي مدي يعيش الشعب المصري بمنطق عصر الزراعة .
* و إلى أي مدى قد تبنّى منطق عصر الصناعة .
* و ما حجم القلّة التي اقتحمت جهد تبنّي منطق عصر المعلومات .
وضوح هذه النسب، يرسم الخريطة الواقعية التي نقف عليها .. و هذا يحدد نوع الجهد لمطلوب منا لكي ننتقل بالحياة المصريةإلى واقع مجتمع المعلومات، و يكون أساسا لعملنا و نحن نرسى استراتيجيات إعادة البناء، و نترجمها لى خطط متكاملة، و برامج زمنية واقعية، و يحدد نوعية خطط التنمية التي نأخذ .


* * *


التساؤلات العشرة السابقة، و الإجابات عنها، تفيد أن معركتنا الرئيسية هي معركة فكرية .. نحن في حاجة إلى إشاعة وعي جديد بحقيقة موقعنا و طبيعة هدفنا، ليس فقط بين الشباب و الناشئة، و لكن أيضا بين المتنفذين في حياتنا على أعلى المستويات، و بين جميع السلطات التنفيذية و القضائية و التشريعية..و بين القيادات الفكرية في المجالات الأكاديمية و الثقافية و الإعلامية .

و تجاربنا الفاشلة المتكررة لحلّ مشاكلنا، و إعادة بناء مصر على أسس معاصرة، لا ترجع إلى قصور في ذكاء القائمين على أمورنا، أو إلى نقص في جهودهم، كما لا يرجع شيوع الفساد في مختلف مستويات مجتمعنا، لكنّه يرجع أساسا إلى عدم إدراك أهمية التوصّل إلى :رؤية مستقبلية شاملة لمصر، تنبع منها استراتيجيات و خطط متزامنة، تربط بين حركتنا في مختلف المجالات الاجتماعية و الاقتصاية و السياسية، وفق الأولويات التي تناسب قدراتنا .

راجي عنايت
renayat@gmail.com

الخميس، سبتمبر 23، 2010

محاولة للخروج من عنق الزجاجة


ما تفتقده حياتنا الفكرية و السياسية :
رؤية مسـتقبلية شـاملة لمصر
تقود إلى اسـتراتيجيات متكاملة لإعـادة البنـاء
في المجالات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية
مستفيدة من التحولات الكبرى في الحياة البشرية



مشكلتنا الكبرى في مصر حاليا :
* لماذا نبدو و كأننا ندر حول أنفسنا، دون أن نتقدّم خطوة واحدة إلى الأمام ؟
* لماذا تغيب الرؤية المستقبلية الشاملة عن برامج جميع الأحزاب المصرية، و بصفة خاصة عن الحزب الوطني و أمانة سياساته .. و أيضا عن أصحاب النشاط السياسي من الجماعات و الأفراد ؟
* لماذا يتصوّر الجميع أن غاية المراد هو مواجهة السلبيات الراهنة، و تدارك حالة الهبوط المتواصل، و السعي للوصول إلى نقطة الصفر ؟
* لماذا لا نسعى إلى إرساء رؤية مستقبلية شاملة لمصر، تكون هي مرجعيتنا المعاصرة ؟

حقائق أساسية :
· منذ منتصف القرن الماضي، بدأ تدافع ثورة المعلومات، التي تقود إلى سيادة مجتمع المعلومات في حياة البشر، الذي يقوم على أسس جديدة في جميع مجالات حياة البشر .
· دخول البشرية إلى مجتمع المعلومات، ظهر على شكل تغيرات جذرية متسارعة كبرى، أثارت الكثير من الحيرة و الخلط و الارتباك .
· فهم طبيعة هذه التغيرات، و أثرها على حياة البشر، يضع حدّا لتلك الحيرة و ذلك الارتباك، و يؤكّد لنا أن ما نحتاجه يتجاوز التعديل و التوفيق و الإصلاح، إلى ضرورة القيام بعمليات إعادة بناء شاملة لجميع نواحي حياتنا، وفقا لفهمنا الواضح لطبيعة التحوّل الكبير الذي نعيشه .
· خير مرجع لفهم الحاضر و المستقبل، هو العودة إلى تأمّل التاريخ .. تاريخ تحوّل عظيم آخر مرّت به البشرية، بانتقالها من عصر الزراعة الذي امتد إلى عشرة آلاف سنة، إلى عصر الصناعة في أعقاب اختراع الآلة البخارية .
· الاستفادة من دراسة مرحلة التحوّل من الزراعة إلى الصناعة، تفيدنا في فهم أثر التكنولوجيات الابتكارية الكبرى على حياة البشر الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية .. بل و أثرها على العادات و منظومة القيم و الأخلاق .
· هذه الدراسة تساعدنا على إرساء المنهج العلمي الذي نعتمد عليه، في فهم طبيعة التغيرات الكبرى التي نمرّ بها، تمهيدا لرسم إطار الرؤية المستقبلية الشاملة، التي تحقق الانسجام و التوافق المطلوبين عند التصدّي لعمليات إعادة البناء الضرورية، في مختلف مجالات الحياة .
ركائز المنهج العلمي المطلوب :
المنهج العلمي الذي نعتمد عليه في فهم طبيعة و أبعاد مجتمع المعلومات، و التغيرات التي تطرأ على مختلف جوانب النشاط البشري، يوجب الاعتماد على نمطين ضروريين في التفكير، في حالة التغيرات الجذرية الكبرى، كالتي يمرّ بها البشر حاليا .

أوّلا ـ التفكير الناقـد :
دون الدخول في تفاصيل التفكير الناقد، و أصوله، يكفي القول بأنه التفكير الضروري لمواجهة التغيرات الكبرى، و الذي يتيح لنا أن نمضي على أرض صلبة، في مجاهل الواقع الجديد علينا . وهو التفكير الذي يتيح لنا أن الاختبار الدائم للافتراضات التي يقوم عليها تفكيرنا، و التعرّف على السياق الذي خرجت منه، لنعرف ما إذا كان ذلك السياق يتّفق مع سياق الحياة الجديدة التي نمضي إليها . و من مقوّماته :
· التعرّف على الافتراضات و تحدّيها : تفكيرنا و سلوك حياتنا يقومان على افتراضات خاصّة . و في زمن التغيرات الكبرى، يجدر بنا امتحان تلك الافتراضات، و التحقّق من مدى اتّفاقها مع الواقع الجديد لحياتنا .. هذه الافتراضات غالبا ما نأخذها مأخذ التسليم، في تنظيمنا لعملنا، و علاقاتنا مع الآخرين، أو في الأساس الذي يقوم عليه التزامنا السياسي أو العقائدي .
الانتباه إلى السياق الذي تنبع منه الافتراضات : عندما نرصد هذه الافتراضات، نصبح أكثر إدراكا لتأثير السياق الذي تنبع منه تلك الافتراضات، فجميع ممارساتنا و أفكارنا و ترتيباتنا الاجتماعية، لا تكون بلا سياق .
تصوّر و امتحان البدائل : عند رصد الافتراضات غير المناسبة، يساعد التفكير الناقد على اكتشاف و امتحان طرق جديدة للتفكير و التصرّف، و على الوعي بالسياق الذي تخرج منه الافتراضات .

ثانيا ـ التفكير الابتكاري :
التفكير الابتكاري، هو الذي يتيح لنا الوصول إلى البدائل و الطرق الجديدة، و يسمح لنا بالخروج من سيطرة مسارات التفكير النابعة من أوضاع سابقة، والتي لا تناسب الواقع الجديد . و هنا نتحدّث عمّا يتجاوز ما اعتدنا الحديث عنه من ابتكار أدبي أو فنّي، إلى الابتكار المنظّم، بآلياته المحددة المختلفة، التي تتيح للعقل البشري أن يتحرر من أسر العادة . و هو الابتكار الذي يسود مجال العمل العقلي، الذي تكون له الغلبة في مجتمع المعلومات .
و التفكير الابتكاري، هو طوق النجاة، عندما نفشل في الوصول إلى حلول نعتمد فيها على جمع المعلومات و معالجتها، و تسليط المنطق التقليدي عليها . و هو الوسيلة إلى استشراف المستقبل .

* * *

المنهج العلمي في استشراف المستقبل :
أوّلا ـ الاستفادة من دراسة مرحلة التحوّل من الزراعة إلى الصناعة :
كما أشرنا من قبل، نستفيد اليوم كثيرا في فهم طبيعة التحوّل الهائل الذي يطرأ على حياة البشر، من دراسة دقائق ما حدث ـ من قبل ـ عند انتقالنا من عصر الزراعة إلى عصر الصناعة .
اليوم .. بإمكاننا أن نتكلّم بثقة عن أسس الحياة في مجتمع الصناعة، و اختلافاتها عن الأسس التي مضت
وفقا لها حياة البشر، على مدى عشرة آلاف سنة، هي عمر عصر الزراعة . يمكننا أن نتعرّف على المبادئ التي صاغت حياة البشر في عصر الصناعة، في المجالات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية .
دراسة ذلك التاريخ تفيدنا كثيرا في :
رصد المبادئ الأساسية التي قام عليها عصر الصناعة، (1) مثل النمطية و التوحيد القياسي لكل شيء، (2) و الالتزام بالتخصص الضيّق، (3) و المركزية الشديدة التي قادت إلى سيادة النظم البيروقراطية الكبرى، (4) و عشق الضخامة والسعي إلى النهايات العظمى .. إلى آخر ذلك .
كيف سيطرت تلك المبادئ على كلّ شيء في حياة البشر خلال عصر الصناعة، و كانت وراء الفلسفة التي صاغت نظم عصر الصناعة الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية .. و كانت وراء ترتيبات العمل في المصانع و المكاتب، و نظم التعليم الجماهيرية، و المبادئ الإدارية التي تحكم تشكّل كل شيء في الحياة، الأسرة و المدرسة و الإعلام الجماهيري، و الممارسة الديموقراطية .. والتي جاءت جميعا على صورة المصنع، الذي انبهر به المفكرون و المنظّرون في ذلك العصر .
و الانتباه إلى أثر التكنولوجيا الابتكارية السائدة في تشكيل حياة البشر و النظم التي تحكمهم ( و هو أساس رؤيتنا لعصر الزراعة، و عصر الصناعة، و عصر المعلومات .. و الاختلافات الجذرية في الأسس التي تحكم هذه العصور ) .
ثانيا ـ صياغة الرؤية المستقبلية الشاملة :
بداية، يجب التفريق بين الأحلام و الأماني و متطلبات الأيديولوجيات و العقائد، و بين الرصد العلمي لحركة الحياة البشرية، و النظم التي تحكمها في كل مرحلة من المراحل . التغيير الحقيقي و الأساسي هو الذي يستفيد من المسار الطبيعي لحركة التاريخ البشري ( مثال : ظلّ نظام الرق و العبودية سائدا في حياة البشر، طوال عصر الزراعة، رغم صيحات المفكّرين و إبداعات الفنانين، و انتفاضات الثائرين، باعتباره عنصرا طبيعيا في حياة الزراعة .. و لم يصل إلى نهايته إلاّ بقيام الثورة الصناعية التي لم يكن نظامها يحتاج إلى تملّك جسد العامل ) .
و الرؤية المستقبلية التي نطرحها ليست عقيدة أو قدر، لكنها أشبه بما تقدمه الأرصاد الجوية . إذا كان في انتظارنا عاصفة رعدية قوية، نعدّل نشاطنا بما يتّفق مع ذلك . كذلك إذا أفادت الرؤية المستقبلية أننا ننتقل من المركزية إلى اللامركزية، يكون علينا أن نستفيد من ذلك و لا نفكّر في مقاومته .
ثالثا ـ خطوات التوصّل إلى الرؤية المستقبلية :
(1) مؤشرات التغيير الأساسية في حياة البشر . و بصفة خاصة المؤشرات متزايدة التأثير . و من بين المؤشرات التي تسود المجتمعات التي يتزايد اعتمادها على التكنولوجيات الابتكارية المعلوماتية، توصّل الدارسون و المفكرون إلى مؤشرات أساسية باقية . مثال ذلك : التحـوّل من التكنولوجيات
الصناعية الغليظة إلى التكنولوجيات الرقمية، و التحوّل من الاقتصاد القومي إلى الاقتصاد العالمي، و من المركزية إلى اللامركزية، و من التخطيط قصير المدى إلى التخطيط طويل المدى، و من التنظيم البيروقراطي إلى التنظيم الشبكي، و من النمطي و الجماهيري إلى المتنوّع و الفردي .. إلى آخر ذلك .
(2) بعد رصد المؤشرات الأساسية للتغيير، ندرس التأثيرات المتبادلة بين هذه التغييرات، لنتعرّف من ذلك على جوانب من المبادئ التي تحكم المجتمع الذي تمضي إليه لبشرية .
(3) هذه المبادئ في علاقاتها ترسم الرؤية المستقبلية للمجتمع الذي نمضي إليه، و التي تحدد أسسه المجتمعية الخاصّة .

* * *

الرؤية المستقبلية لمصر

الرؤية المستقبلية لمصر تتأسس على أمرين :
1 ـ استكمال الرؤية المستقبلية لمجتمع المعلومات .
2 ـ تحديد الخريطة الحضارية لمصر .
لقد طرحنا فكرة عن السبيل إلى صياغة الرؤية المستقبلية لمجتمع المعلومات، يبقى بعد ذلك أن نرسم ما يمكن أن نطلق عليه الخريطة الحضارية لمصر، و نعني بذلك :
ما هي نسبة الذين ما زالوا يمضون في حياتهم وفق القيم الزراعية، التي سادت عصر الزراعة، إلى نسبة الذين يمضون وفق القيم الصناعية، التي سادت عصر الصناعة، إلى نسبة الذين يلتحقون بالقيم الجديدة لعصر المعلومات . و هذا يتوقّف أساسا على مدى شيوع تكنولوجيات المعلومات في حياتنا .
على أساس هذه الخريطة، يمكن أن نضع الاستراتيجيات و الخطط التي نعيد بها بناء مصر لكي تكون قادرة على اللحاق بركب التطوّر العالمي، و الدخول إلى واقع مجتمع المعلومات ... و بحيث لا تقود اجتهادات حلّ المشاكل الراهنة إلى خلق مشاكل جديدة أكثر خطورة .

السبت، يونيو 19، 2010

الخروج من الواقع المصري المؤلم

عشرة أسئلة و إجابات حول:


الرؤية المستقبلية لمصر
البحث عن المنهج المناسب
ــــــــ

ما ينقص قادة ما نطلق عليه أحزاب.. وطني و معارضة ..
و من يحاولون التفكير في الخروج من المأزق الحالي المؤلم


(1 ) متى يفكّر الإنسان ؟

ــ عندما تتغير الأوضاع الخاصة، أو العامة . ففي أحوال الثبات التام (و هذا فرض نظري) لا يحتاج الإنسان إلى التفكير . أمّا عندما تتغيّر بعض الأوضاع، يجد نفسه محتاجا للتفكير في أثر هذه التغيرات على نظم حياته المستقرّة، لكي يعدّل من مواقفه و تصرفاته، بما يناسبه . و التغيّر هنا قد يكون شعورا بالإجهاد، أو موقفا غير معتاد ممن هم حوله، أو ارتفاعا في سعر سلعة او خدمة، إلى تغيّر مفاجئ في الطقس .
عند التفكير في هذه الأحوال، أحوال التغيير البسيط أو النسبي، يكفي الإنسان الاعتماد على خبراته السابقة، أو خبرات من هم حوله .

(2) ما هي أمثلة التغيرات النسبية في حياة البشرية ؟

ــ امتدّ عصر الزراعة إلى ما يقرب من عشرة آلاف سنة .. و هو العصر الذي قامت فيه حياة البشر أساساعلى الزراعة في جميع قارات العالم . كلما انتقلت مجموعة من البشر من الاعتماد على القنص أو الرعي، إلى الاعتماد على الزراعة، مستقرّة فوق رقعة محددة من الأرض، سادت قوانين أساسية واحدة للحياة، رغم اختلاف الأعراق و الأجناس و الطبيعة و المناخ .
طوال ذلك الزمن الطويل، خضع أبناء المجتمعات الزراعية لنفس الأسس الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية، و سادت بينهم نفس منظومة القيم و الأخلاق .
ملاحظة هامة : الثابت أن هذه الأسس جميعا نبعت من طبيعة الحياة الزراعية السائدة، و التي حددت أطر حياة البشر في المجتمعات الزراعية . و لقد بقيت تلك الأسس على حالها، طوال ذلك الزمن، رغم التغيرات النسبية العديدة التي طرأت على أفكار و عقائد و علوم أبناء المجتمع الزراعي ( و هذا يقود إلى أن طبيعة العمل السائد تحدد أسس حياة البشر ) .

(3) بماذا تختلف التغيرات النسبية عن التغيرات الكبرى ؟

ــ في حالة التغيرات النسبية، يمكننا الاعتماد على السوابق، و على رصيد خبراتنا، أو خبرات من هم حولنا ممن سبقونا إلى المرور بتلك التغيرات .. و هكذا تتوفر المرجعيات للقياس و الاستفادة . و يمكننا أن نرى أمثلة لذلك، في تبادل الخبرات و المعارف بين الحضارات المصرية والإغريقية و الفارسية و الهندية و الإسلامية ( التي كانت جميعا حضارات زراعية يعيش أهلها على الزراعة أساسا ) .

ــ في حالة التغيرات الجذرية الشاملة، تفقد الخبرات الحالية و السوابق قيمتها، و لا يجد البشر مرجعيات متاحة، في أي مكان على الأرض.. فالجميع يواجه نفس الأزمة . مثال ذلك انتقال البشر من الزراعة إلى الصناعة، في أعقاب اختراع الآلة البخارية . لم تعد الأسس الاجتماعية والاقتصادية و السياسية و منظومة القيم النابعة من واقع الحياة الزراعية صالحة للتعامل مع الحياة الصناعية، بعد أن فقدت مرجعيتها .
و هذا هو أساس المشاكل المزمنة في مصر، لكل من يتصدّي للتفكير في الإصلاح عندنا، متصورا أن بالإمكان إصلاح أو إعادة بناء أي شيء على حدة دون أن ينبع ذلك من رؤية شاملة للتغيرات التي يمر بها العالم، سواء كان الإصلاح يتصل بالتعليم، أم الموارد الاقتصادية، أم النقل، أم الأسرة، أم بالممارسة الديموقراطية ، أم بالفساد .
هذا هو سر إخفاق المخلصين الأذكياء، بين المفكرين و النشطين السياسيين، و المسئولين الأمناء في دوائر الحكم عندنا، الذين يتصورون إمكان تحقيق شيء، قبل فهم طبيعة التغيرات الحادثة و أبعادها، و دون التوصّل إلى رؤية مستقبلية شاملة لمصر، تنبع منها الاستراتيجيات و الخطط، في جميع مجالات الحياة .

(4) ماذا نفعل في مواجهة التغيرات الجذرية الشاملة ؟

ــ نفعل ما فعله مفكّروا عصر الصناعة الأوائل . درسوا مؤشرات التغير الأساسية التي فرضتها طبيعة العمل الصناعي، التي يتواصل و يتزايد أثرها، و التأثير المتبادل بين تلك المتغيرات مثل :
أ ـ ما أتاحته الطاقة الميكانيكية من إنتاج على نطاق واسع و استهلاك على نطاق واسع .
ب ـ و ما ترتّب على ذلك من انفصال للإنتاج عن الاستهلاك .
ج ـ ممّا اقتضي قيام السوق بمعناها المستجد، و ما ترتب علىّ هذا من مؤسسات اقتصادية مستجدة . و اكتشفوا سقوط النظم النابعة من عصر الزراعة،في الأسرة، و التعليم،و الإدارة و العمالة و العمل و في النظم الاقتصادية و تشكّّل منظومة جديدة للقيم و الأخلاق .
د ـ و اكتشفوا المبادئ الجديدة التي يقوم عليها عصر الصناعة، و التي تختلف ـ بل و تتناقض كثيرا ـ مع المبادئ التي قامت عليها الحياة طوال العمر الممتد لعصر الزراعة .
هـ ـ تلك المبادئ التي اقتضاها قيام الحياة على الصناعة مثل : النمطية و التوحيد القياسي لكل شيء ـ ضبط الزمن و تحقيق التزامن ـ التخصص الضيّق ـ التركيز في كل شيء ـ المركزية الشديدة ـ عشق الضخامة .
و نشط المفكرون في رسم إطار الرؤية المستقبلية لبلادهم، و فقا لمدى تحوّلهم من الزراعة إلى لصناعة . و مع كل الاختلافات بين المجتمعات الصناعية في العالم ـ على مدى ثلاثة قرون تقريبا، هي عمر عصر الصناعة ـ ظهر أن أسس الحياة الصناعية كانت واحدة، و قد خضعت لتلك الرؤية جميع المجتمعات الصناعية في جميع القارات، و سواء كانت تمضي وفق النظم الرأسمالية أم الاشتراكية .
و السرّ في هذا، هو أن التكنولوجيا السائدة، تفرض نوع العمالة السائدة، و تنتهي في آخر الأمر برسم أسس الحياة الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية .
و هذا يتم على ثلاثة مراحل:
(أولا) تقوم التكنولوجيا الجديدة بالعمل الذي كان الإنسان يقوم به .
(ثانيا) توفّر هذه التكنولوجيا إمكانات في العمل، لم يكن ـ و لن يكون ـ بإمكان الإنسان أن يقوم بها .
(ثالثا) بناء على ما سبق، تتحوّل البنى الاجتماعية و الاقتصادية القائمة، إلى نظم اجتماعية و اقتصادية جديدة .
و يمكننا فهم هذا بشكل أوضح لو تأملنا التحول في مبادئ الحياة بين عصري الزراعة و الصناعة .
و دراسة هذا التحوّل تساعدنا كثيرا في تناول التحولات الكبرى التي نمر بها الآن، و التي تتجاوز ـ في قوّتها و تسارعها ـ انتقال البشر من عصر الزراعة إلى عصر الصناعة .

(5) هل يفيدنا هذا في فهم التغيرات الكبرى التي يمر بها لبشر حاليا ؟

ــ يفيدنا كثيرا أن ندرس تحوّل البشر من عصر الزراعة إلى عصر الصناعة، في فهم التحوّل الحالي من عصر الصناعة إلى عصر المعلومات ( لماذا هذه التسمية، و من أين أتت، سنطرحه فيما يلي من تساؤلات ) . نحن نمرّ بنفس التغيرات الكبرى التي سبقت عصر الصناعة، و لكن بشكل أكثر قوّة و تأثيرا و شمولا . تغيرات اليوم متلاحقة متسارعة بطريقة غير مسبوقة، و هي تلاحقك شئت أم أبيت .. طوال عصر الصناعة، كان بإمكان دولة ما أن تقرر المضي في حياة الزراعة بنفس أسس عصر الزراعة . هذا إذا لم يجد الاستعمار النابع من طبيعة النظام الصناعي حاجة لاستعمارها .. أمّا اليوم فليس بإمكان أي دولة صغيرة أو كبيرة، قريبة أو بعيدة، أن تتجاهل التحوّل الشامل إلى عصر المعلومات .

(6) كيف نرسم معالم الرؤية المستقبلية لمجتمع المعلومات ؟

ــ نفعل مافعله المفكرون الأوائل لعصر الصناعة، من موقع أفضل، بفضل قدرتنا على دراسة مرحلة التحوّل الأخيرة من الزراعة إلى الصناعة، و الاستفادة منها في فهم التحوّل الجديد .
أولا : ندرس مؤشرات التغير العظمى التي طرأت على حياتنا منذ منتصف القرن العشرين تقريبا .
ثانيا : نختار منها المؤشرات متزايدة التأثير،و مطّردة النمو .
ثالثا : ندرس التأثيرات المتبادلة بين تلك المؤشرات الأساسية المختارة .
رابعا : نحدد المبادئ الأساسية للمجتمع الجديد، و نتتعرّف على آثار الاعتماد على التكنولوجيا المعلوماتية ( الرقمية ) في صياغة الأسس الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية للحياة في المجتمع لجديد .
خامسا : و من هذا يمكن أن نرسي أسس الرؤية المستقبلية لمجتمع المعلومات .

(7) لماذا نطلق اسم مجتمع المعلومات على المجتمع الجديد ؟

ــ رغم انه من الصعب أن نقصر أسباب الانتقال من عصر لآخر على سبب واحد أو سببين، إلا أنه من الواضح أن التغيرات الأساسية اتي مرّت بها حياة البشر، منذ منتصف القرن العشرين، ترجع إلى حدّ كبير إلى ما يمكن أن نطلق عليه اسم "ثورة المعلومات".
و لكي نفهم مدلول هذا الاسم، نطرح ما يمكن أن نطلق عليه " الدائرة النشطة " . على محيطها تنتظم عناصرها التي تقود إلى بعضها البعض بشكل متواصل . هذه العناصر هي :
أولا : تزايد لمعلومات المتاحة و تدفقها . بفضل تطوّر و سائل الاتصال و الانتقال .
ثانيا : قاد هذا إلى ضرورة تطوير تكنولوجيات المعلومات، لمواجة ذلك التدفّق .
ثالثا : قاد هذا بدوره إلى المزيد من اندفاع و توالد المعلومات و المعارف، ممّا أتاح للبشر أن يتحرروا من نمطية المجتمع الصناعي، و أن يتعرّفوا على أساليب حياة تختلف عن أسلوب حياتهم .. فبدأ الناس يتمايزون في مشاربهم و توجّهاتهم و في رغباتهم و ساليب حياتهم .. و هذا التمايز في حدّ ذاته خلق المزيد من لمعلومات .. و هكذا مضت الدائرة النشطة .
رابعا : هذا التفاعل المتسلسل، و الذي يقوم على التعامل مع المعلومات، هو الذي قاد إلى تسمية " مجتمع المعلومات " .

(8) بماذا تفيد الرؤية المستقبلية لمجتمع المعلومات ؟

ــ الرؤية المستقبلية لمجتمع المعلومات، هي التي نستنبط منها مستقبل أي شيء في مجتمع المعلومات ، في النواحي الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية ( كمسقبل الأسرة، أو التعليم، أو العمالة، أو الإدارة، أو الاقتصاد، أو الممارسة الديموقراطية، أو الإعلام) ، و تدلنا على المبادئ الأساسية لمجتمع المعلومات، من حيث اختلافها عن المبادئ التي سادت عصر الصناعة، و التي تفيد التحوّل :
* من العمل الجسدي، إلى العمل العقلي .
* من انتاج البضائع، إلى انتاج المعلومات (بالنسبة لمركز ثقل الإنتاج ) .
* من المركزية إلى اللامركزية، و من التنظيم الهرمي إلى التنظيمات الشبكية .
* من تلويث البيئة إلى حمايتها .
* من وقود الحفريات إلى أشكال جديدة ومتجددة من الطاقة .
* من الاقتصار على المواد الخام المستخرجة من جوف الأرض، إلى الاعتماد على الخامات المخلّقة .
* من فصل الإنتاج عن الاستهلاك، إلى اقتصاد تعاوني، و إنتاج من أجل الاستهلاك الشخصي .
* من التمثيل النيابي، إلى المشاركة في اتخاذ القرار .
* من الاعتماد على المؤسسات، إلى الاعتماد على الذات .
* من الاقتصاد القومي، إلى الاقتصاد العالمي (جلوبال ) .

(9) و ماذا عن الرؤية المستقبلية لمصر ؟

ــ التوصّل إلى الرؤية المستقبلية لمصر، يقتضي الوضوح حول أمرين، الهدف، و المنطلق :
أولا : الهدف المنشود هو اللحاق بركب التطور العالمي، من خلال الرؤية المستقبلية الشاملة لحقائق مجتمع المعلومات، و هو ما طرحنا جانبا من عناصره الأساسية في الأسئلة السابقة .

ثانيا : نقطة الإنطلاق، أو الأرض التي نقف عليها، و نحن نمضي في رحلة إعادة البناء نحو المستقبل . أي الوضع الراهن لمصر ..و بخاصّة ما يمكن أن نطلق عليه " الخريطة الحضارية الراهنة لمصر" .

(10) ما هي الخريطة الحضارية الراهنة لمصر ؟

ــ هذا يعني أن نرصد بأمانة موقعنا على سلّم تلاحق الحضارات البشرية . أو بمعنى آخر : لقد تعاقبت على البشر ثلاث حضارات كبرى، أو أنماط حياة كبري، هي نمط الحياة الزراعية، ثم نمط الحياة الصناعية، و أخيرا نمط الحياة النابع من احتياجات مجتمع المعلومات . و لقد أخذت المجتمعات و الدول المختلفة، بنسب مختلفة من تلك الأنماط، وفقا لحظوظها من استخدامات التكنولوجيات الخاصة بكل نمط، و نسب شيوع مبادئ كل عصر من عصور التطوّر المشار إليها .
الدراسة المطلوبة تستهدف معرفة نسب انتماء شعب مصر إلى كلّ من أنماط الحياة هذه .
* إلى أي مدي يعيش الشعب المصري بمنطق عصر الزراعة .
* و إلى أي مدى قد تبنّى منطق عصر الصناعة .
* و ما حجم القلّة التي اقتحمت جهد تبنّي منطق عصر المعلومات .
وضوح هذه النسب، يرسم الخريطة الواقعية التي نقف عليها .. و هذا يحدد نوع الجهد لمطلوب منا لكي ننتقل بالحياة المصريةإلى واقع مجتمع المعلومات، و يكون أساسا لعملنا و نحن نرسى استراتيجيات إعادة البناء، و نترجمها لى خطط متكاملة، و برامج زمنية واقعية، و يحدد نوعية خطط التنمية التي نأخذ .


* * *


التساؤلات العشرة السابقة، و الإجابات عنها، تفيد أن معركتنا الرئيسية هي معركة فكرية .. نحن في حاجة إلى إشاعة وعي جديد بحقيقة موقعنا و طبيعة هدفنا، ليس فقط بين الشباب و الناشئة، و لكن أيضا بين المتنفذين في حياتنا على أعلى المستويات، و بين جميع السلطات التنفيذية و القضائية و التشريعية..و بين القيادات الفكرية في المجالات الأكاديمية و الثقافية و الإعلامية .

و تجاربنا الفاشلة المتكررة لحلّ مشاكلنا، و إعادة بناء مصر على أسس معاصرة، لا ترجع إلى قصور في ذكاء القائمين على أمورنا، أو إلى نقص في جهودهم، كما لا يرجع فقط إلى شيوع الفساد في مختلف مستويات مجتمعنا، لكنّه يرجع أساسا إلى عدم إدراك أهمية التوصّل إلى :رؤية مستقبلية شاملة لمصر، تنبع منها استراتيجيات و خطط متزامنة، تربط بين حركتنا في مختلف المجالات الاجتماعية و الاقتصاية و السياسية، وفق الأولويات التي تناسب قدراتنا .

راجي عنايت ــ يناير2008
renayat@gmail.com